Arabic source text

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

📘 فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (ابن عثيمين - ت 1421 هـ)

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
قوله رضي الله عنه: "إذا دخل الخلاء" أي: أراد دخوله، والتعبير بالفعل عن النية الجازمة التي يكون الفعل منها قريبا شائع في اللغة العربية، قال الله تعالى: {فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله} [النحل: 98].
أي: إذا أردت أن تقرأ بإرادة جازمة قريبة من الفعل فإنه يطلق الفعل على ذلك فيقول: "إذا دخل الخلاء" أي: إذا أراد الدخول عند دخوله، و"الخلاء" اسم للمكان الذي يتخلى فيه الإنسان، أي: يقضي حاجته، وسمي بذلك؛ لأن الإنسان يخلو به عن الناس ويستتر به عن الناس، قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" "اللهم" يقول النحويون إن أصلها: يا الله؛ ولهذا بنيت على الضم "الله"، وأن الميم عوض عن الياء المحذوفة، واختير أن تتأخر تيمنا بالبداءة بذكر اسم الله واختيرت الميم؛ لأنها أدل على الجمع من غيرها، فكأن الإنسان جمع قلبه على ربه عز وجل فسأله، هذا من حيث تصريف هذه الكلمة، أما معناها فمعناها: يالله، إني أعوذ بك، "أعوذ" أي: أعتصم بك، ويقال: عاذ بالشيء، ولاذ بالشيء، والفرق بينهما: أن العوذ مما يذكره، واللياذ مما يجب، فتقول: لذت بفلان ليقضي حاجتي، وتقول: عذت بفلان من شر فلان مثلا وفلان المستعاذ به حي يستطيع أن يدافع عنك، فصار الفرق بين اللياذ والعياذ: العياذ مما يكره، واللياذ فيما يحب، وعلى هذا قال الشاعر: [البسيط]
يا من ألوذ به فيما أؤمله … ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره … ولا يهيضون عظما أنت جابره
"أعوذ بك من الخبث والخبائث" هذا المستعاذ منه وفيها وجهان:
الوجه الأول: الخبث. والوجه الثاني: الخبث، أما: الخبائث" فهي وجه واحد، فعلى وجه التسكين يكون المراد بالخبث: الشر، والخبائث: النفوس الشريرة، وعلى وجه الضم الخبث تكون جمع خبيث، ويكون المراد بالخبث: ذكران الشياطين، وبالخبائث: إناث الشياطين، وإذا قارنا بين الوجهين وجدنا أن الوجه الأول أعم وأشمل، وأن الوجه الثاني أخص بالمكان؛ وذلك لأن الخلاء موضع أو مكان الشياطين، فالمساجد بيوت الله عز وجل ومثوى الملائكة، وأما الخلاء فإنه مأوى الشياطين إذن أيهما؟ أقول: ما دام كل واحد منهما يترجح من وجه فماذا أقول؟ أختار أن نأخذ بالأعم "من الخبث والخبائث"، فإذا أردت أن تدخل الخلاء فقل: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث"، والمناسبة ظاهرة جدا؛ لأن الخلاء مأوى الشياطين وأهل الشر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)

ففي هذا الحديث دليل على فوائد:
منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم مفتقر إلى الله لا يملك لنفسه أن يدفع عنها، وجه ذلك: أنه استعاذ به؛ أي: بالله عز وجل.
ومن فوائد هذا الحديث استحباب هذا الذكر عند دخول الخلاء اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم. فإذا قال قائل: وإذا كنت في البر فمتى أقوله؟ نقول: تقوله عند آخر خطوة تجلس عندها إذا أردت الجلوس "اللم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات علم الله عز وجل؛ لأنه لا يستعاذ بمن لا علم عنده.
ومن فوائده: إثبات قدرة الله وسلطانه تبارك وتعالى، وأن قدرة الله وسلطانه فوق كل قدر وسلطان.
ومن فوائد هذا الحديث - لاسيما على وجه ضم الباء-: حكمة الله عز وجل؛ حيث كانت الأماكن الخبيثة مأوى للنفوس الخبيثة الشريرة، وهذا من الحكمة المساجد طيبة أحب البقاع إلى الله مأوى من؟ الملائكة الكرام، لكن هذه مأوى الشياطين، أعني: بيوت الخلاء، ففي هذا من الحكمة ما هو ظاهر، ويصدق هذا قول الله تبارك وتعالى: {الخبيثت للخبيثين والخبليثون للخبيثت} [النور: 26]. وهذا وإن كان في البشر لكن المعنى عام، وانظر الآن إلى الكفار كيف يألفون أخبث الحيوانات وأقذرها وأنجسها وهي الكلاب، الكلاب عندهم تستهلك نصف ما يستهلكون في تنظيف أجسادهم أوانيهم يقولون لي: إنهم كانوا ينظفونها بالصابون وبغير الصابون من المنظفات كل صباح، وهل إذا نظفوها ترتفع نجاستها؟ لا؛ لأن النجاسة عينية، والنجاسة العينية لو طهرت بمياه البحر لم تطهر، لكن سبحان الله الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات.
مسألة: لو نسي الإنسان أن يقول هذا الذكر ودخل - هذه مسألة ليس لها علاقة بالحديث- لو نسي فدخل فهل نقول: قل هذا الذكر وأنت في المرحاض، أو اخرج ثم قله ثم ادخل؟ ونظير ذلك لو انه قدم الرجل اليمنى عند دخول الخلاء والمستحب ا، يقدم اليسرى فهل نقول: امض أو نقول اخرج ثم قدم اليسرى؟ فيه احتمال، لكن قد يرجح الإنسان ألا يقول ذلك، أن لا يقول هذا الذكر؛ لأنه سنة فات محلها، وألا يخرج ويدخل، وقد يقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال فيمن نسي الصلاة "فليصلها إذا ذكرها". فهذا نسي أن يقدم اليسرى عند الدخول فليصحح، نسي أن يقول دعاء الذكر عند الدخول فليصحح، فالأمر واسع إن شاء فعل هذا أو تركه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)

‌‌الاستنجاء بالماء:
81 - وعن أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء". متفق عليه.
قوله: "كان رسول الله يدخل الخلاء". "كان يدخل"، يقول العلماء: إن "كان" إذا كان خبرها مضارعا فإنها تدل على الدوام غالبا لا دائما، ودليل هذا أن السنة وردت بأن الرسول كان يفعل كذا، وكان يفعل كذا، وهما شيئان مختلفان فدل ذلك على أنها ليست للدوام دائما بل غالبا، وقد يسلب عنها معنى الظرفية وتكون دالة على الالتصاق، أي: التصاق اسمها بخبرها، ومن ذلك قوله تعالى في آيات كثيرة: {وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 96]. فهنا "كان" ليست للدوام غالبا ولا دائما؛ لأنه سلب منها معنى الظرف، وصار المراد: اتصاف الله تعالى بالمغفرة والرحمة دائما، وقول عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم: "كان يقول في كل ركعتين التحية". هل هو دائما؟ نعم دائم، ولا يقال: إنه يرد على هذا أن الوتر ركعة يقول فيه التحية لأنه تقول: "كان يقول في كل ركعتين التحية"، ولم تقل: "في كل صلاة"؛ فخرج الوتر بقيد قولها: "في كل ركعتين".
قوله: "كان يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة" الغلام يطلق على الصغير، وقد يطلق على من بلغ لكنه لا زال صغيرا، وقد يطلق على المستخدم وإن كان كبيرا، ويطلق على المملوك وإن كان كبيرا، فقوله: "وغلام نحوي" هل المراد نحوي في السن أو نحوي في كونه يخدم الرسول عليه الصلاة والسلام؟ إذا قلنا: إنه ابن مسعود تعين أن يكون المراد بقوله: "نحوي: أي: في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكون إطلاق الغلام هنا على من كان بالغا من باب التوسط في الكلام، أما إذا كان غيره آخر صغير لم يذكره أنس، فلا إشكال.
وقوله: "إداوة من ماء" معناه: إداوة فيها ماء، و"الإداوة" جلد صغير يوضع فيه الماء، ويكون حمله سهلا ويسيرا ويشبهه ما كان من القطن ويسمى عندنا المطارة؛ فلا أدري هل هذا عندكم، على كل حال: هي إناء صغير يعلق في الكتف ويحمله المسافر على كتفيه؛ لأنه خفيف المحمل، فالإداوة عبارة عن إناء صغير من جلد أو غيره يحمله المسافر على كتفه؛ لأن حمله سهل.
وقوله: "إداوة من ماء" لو قال قائل: كيف قال من ماء، والإداوة تكون من الجلد؟
قلنا: من ماء، أي: فيها ماء، و"عنزة" العنزة يقول في الحاشية: عصا طويلة أسفلها سن كالرمح، وقيل: إنها الرمح القصير، هذه العنزة كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعملها في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)

السفر عند قضاء الحاجة ليضع عليها الثوب حتى يستتر به، ويستعملها أيضا عند الصلاة يجعلها سترة له.
في هذا الحديث فوائد:
منها: استخدام الأحرار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلمن استخدم أنس بن مالك وهو حر.
ومنها: منقبة أنس بن مالك رضي الله عنه وذلك لخدمته النبي صلى الله عليه وسلم فإن هذه منقبة وفضيلة لأنس رضي الله عنه، ومن الذي يحصل له أن يخدم الرسول عليه الصلاة والسلام.
ومنها: جواز مساعدة الإنسان في طهارته سواء كان ذلك في الطهارة من الخبث كما في هذا الحديث، أو في الطهارة من الحدث كما في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه حينما كان يصب الماء على النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ به.
ومنها: جواز التعاون في خدمة الشرفاء لقوله: "أحمل أنا وغلام نحوي إدازة من ماء وعنزة"،
وهنا نقول: هل التعاون هنا في هذا الحديث أن أحد الرجلين معه الإداوة، والثاني معه العنزة، أو أنهما يتعاقبانهما يأخذهما واحد مرة، والثاني مرة أخرى؟ الظاهر أن الأول أقرب، فيكون قوله: "إداوة من ماء وعنزة" موزعا على الرجلين، وليس المعنى: أن كل رجل يحملهما جميعا.
ومنها: الاستعداد لما ينبغي أن يفعل لقوله: "وعنزة".
ومنها: تأكد السترة في الصلاة وعند التخلي.
ومنها: جواز الاستنجاء بالماء دون الحجارة؛ لأن أنسا رضي الله عنه لم يذكر أنه كان يحمل أحجارا معه، وإنما ذكر أنه كان يحمل الماء، والماء إنما كان ليستنجي به النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فيدل الحديث على جواز الاقتصار على الماء في الاستنجاء، وإن كانت الدلالة فيها شيء من الضعف، لكن هذا هو الظاهر أنهم حملوا هذا ليستنجي به.
ومن السلف من كره الاقتصار على الماء، ووجه كراهته، أن الإنسان إذا استنجى بالماء لزم منه ان يباشر بيده النجاسة، قالوا: ولا ينبغي للإنسان أن يباشر النجاسة؛ لأنها تعلق به، وعلى الأقل يعلق به ريحها، فلا ينبغي أن يفعل؛ لكن الصحيح وأظنه انعقد الإجماع بذلك على الجواز، وهذا هو الصحيح أنه يجوز أن يقتصر الإنسان على الاستنجاء بالماء ويجاب عن ملامسة النجاسة بأن هذه الملامسة لإزالتها وليست لاستبقائها، فهو يماسها من أجل غزالتها، كما نقول في المحرم: إذا سقط عليه طيب وأراد أن يغسله فله أن يمس ذلك بيده؛ لأن مسه بيده من أجل إزالته لا من أجل استبقائه، فلا نلزمه أن يأتي بعود أو نحوه يغسل به الطيب، بل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)

نقول: له أن يغسل بيده ولا حرج؛ لأن هذا من أجل إزالته، ونظير ذلك لو أن شخصا غصب أرضا ولما توسط منها ندم وتاب، فماذا نقول: تبقى واقفا في مكانك أم له أن يستعمل الأرض في المشي عليها؟ الثاني، ومشيه هنا ليس عليه فيه إثم، وإن كان هو مستوليا عليها بهذا المشي؛ لأن هذا المشي إنما هو للتخلص منها؛ فالصواب: جواز الاقتصار على الاستنجاء بالماء في تطهير الخارج من السبيلين.
استدراك:
حكم لبس الخاتم: بعض العلماء كرهه إلا لحاجة؛ لأنه ورد حديث ضعيف، لكن بعض العلماء قواه وهو أن الرسول نهى عن التختم إلا لذي سلطان. إلا أن العلماء قالوا: إن هذا حديث ضعيف، والصواب أنه مباح وليس بسنة، وصرح بعض العلماء بكراهة لبسه لمن أراد الزينة، يعني: من الرجال ولو كان مباحا، والصحيح: أنه إذا أبحناه فسواء لبسه الإنسان للزينة أو لبسه لمجرد أنه يهوى هذا الشيء لكنهم قالوا: يكره للرجل أن يجعله في السبابة والوسطى، والأفضل في الخنصر والبنصر والإبهام وليس فيه كراهة وليس فيه استحباب، ولكن الخروج عن العادة قد يلحقه بالشهرة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس الشهرة.
أسئلة:
- الخبث فيها روايتان ما هما؟
- معناها على لغة السكون؟ معناها على لغة الضم؟
- ما مناسبة الدعاء بهذا عند دخول الخلاء؟
- متى يعبر بالفعل عن إرادته؟ أن تكون الإرادة قريبة وأيضا جازمة من أجل أن يتحقق الفعل.
- قول أنس: "كان النبي يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام" من المراد بالغلام؟
- لماذا يحمل الإداوة والعنزة؟
- هل يؤخذ من الحديث هذا جواز الاقتصار على الماء في تطهير المحل؟
- كره بعض العلماء السابقين أن يقتصر على الماء، فما تعليله وما الرد عليه؟
- ما تقول في محرم أصابه فجعل يغسله بيده أعليه فدية أو لا؟
- هل مثل ذلك إذا كان على رأس المحرم طيب وأراد أن يتوضأ، هل نقول: يجب أن تأتي بشيء لا تباشر فيه الرأس؟ تقول عائشة: "كنت أنظر إلى النبي وعليه وبيص المسك على رأسه".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)

82 - وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ الإداوة، فانطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته". متفق عليه.
المغيرة بن شعبة رضي الله عنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكان مصاحبا له، وكان يخدمه في وضوئه واستنجائه فقال له: "خذ الإداوة" ما هي الإداوة؟ الإداوة هي: إناء من جلد صغير يكون فيه الماء، ويشبهه عندنا ما يسمى بالمطارة، وقوله: "خذ الإداوة" من المعلوم أنه إنما أمره ليأخذها من اجل أن يستنجي بالماء ويتوضأ به، "فانطلق حتى توارى عني" توارى؛ بمعنى: اختفى عنه، "فقضى حاجته" يعني: ببول أو غائط، وإنما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام لا من اجل ستر لعورة؛ لأن ستر العورة واجب ويحصل بأدنى من ذلك، ولكن من أجل أن يبتعد عن رؤيا الناس له على هذه الحال؛ لأن الرجل الحيي الذي فيه الحياء لا يحب أن يراه الناس وهو يقضي حاجته بل يحب أن يبعد حتى لا يروه، وهذا غير نظر العورة؛ لأن نظر العورة أشد من هذا ويأتي الكلام عليه.
في هذا الحديث فوائد منها: جواز استخدام الأحرار، دليله: أن الرسول استخدم المغيرة بن شعبة.
ومن فوائده: أن أمر الخادم بالشيء لا يعد سؤالا مذموما، فقول الرسول للمغيرة: "خذ هذا" أمر ليس سؤالا؛ لأن الخادم يرى نفسه في منزلة دون منزلة المخدوم، فإذا وجه إليه أمر فليس سؤالا، ولكنه أمر.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة المغيرة ومنقبته في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن هذه منقبة ومزية أن يكون الإنسان خادما للرسول عليه الصلاة والسلام لما في ذلك من الشرف العظيم، ومن العلم الذي يكتسبه من خدمته للرسول عليه الصلاة والسلام.
ومن فوائد الحديث: جواز الاقتصار على الماء في الاستنجاء؛ إذ لم يأمر المغيرة أن يحمل أحجارا.
فإن قال قائل: ربما تكون الأحجار عنده فلا يحتاج أن يأمره.
قلنا: نعم، هاذ محتمل، لكن إذا نظرنا إلى حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأتي بأحجار فأتى بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وقال: "إنها رجس". فهذا يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أراد الاستجمار بالحجر طلب ممن يخدمه أن يأتيه بالحجر.
ومن فوائد هذا لحديث: شدة حياء النبي صلى الله عليه وسلم، والحياء معروف ولا يمكن أن نحده بأوضح من لفظه، فإن الانفاعالات النفسية لا يمكن للإنسان أن يحدها ويعرفها. لو قال قائل: ما

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)

هي المحبة ماذا نقول؟ نقول: ميل الإنسان إلى الشيء، إذا قلت: ميل الإنسان إلى الشيء، فمعناه: أنك عرفت المحبة بأثرها؛ لأن الميل إلى الشيء نتيجة المحبة؛ ولهذا لما ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه "روضة المحبين" تفسيرات للمحبة أظن أنها بلغت العشرين قال: "ولا يمكن أن تحد المحبة بأحسن من لفظها". المحبة المحبة، الكراهة الكراهة، الحزن الحزن، الحياء أيضا لا يمكن أن تحده بأوضح من لفظه، وأما قول من قال: انكسار يأخذ الإنسان عند فعل ما يخجل أو ما أشبه ذلك، فهذا إنما هو آثاره.
إذن نقول: في هذا الحديث شدة استحياء النبي صلى الله عليه وسلم أن يرى على صفة مكروهة، من أين تؤخذ؟ "فانطلق حتى توارى عني".
ويؤخذ منه فائدة أيضا: أنه ينبغي للإنسان إذا كان في برية، وأراد قضاء الحاجة أن يبتعد حتى لا يرى، وما أبعد ما يمشي إذا كان في أرض مستوية.

‌‌الأماكن المنهي عن التخلي فيها:
83 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا اللاعنين: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم". رواه مسلم.
قوله: "اتقوا" أي: احذروا؛ لأن التقوى معناها: اتخاذ الوقاية من محذور، فيكون معنى اتقوا: احذروا، وقوله: "اللاعنين" اسم فاعل، وهل هو على ما اشتق منه، أي: إنه اسم فاعل، أو إنه فاعل بمعنى مفعول؟ يحتمل هذا وهذا، فعلى الأول "اتقوا اللاعنين" أطلق عليه اسم اللاعن؛ لأنه يكون سببا في اللعن، وعلى الثاني يكون بمعنى مفعول؛ لأن اسم الفاعل يأتي بمعنى اسم المفعول كما في قوله: {فهو في عيشة راضية} [الحاقة: 21]. أي: مرضية، على كل حال حتى إذا قلنا: إنها بمعنى اسم مفعول؛ أي: الملعونين؛ فالمراد بالملعون هو الفاعل، ومعنى اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللاعنين، فقال: "الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم". "يتخلى"؛ أي: يقضي حاجته ويفرغ ما في بطنه من الأذى، "في طريق الناس"؛ أي: ما يستطرقه الناس، "أو ظلهم" أي: ما يستظلون به، وذلك أن الناس في أيام الصيف يحتاجون إلى الظل فيستظلون عن الشمس بظل الجدران أو الأشجار أو غيرها؛ وذلك لأن الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم لا شك أنه يؤذيهم من عدة أوجه:
أولا: من حيث الرائحة؛ لأن رائحة الخلاء خبيثة منتنة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)

ثانيا: من حيث التقزر والتكره؛ لأن الإنسان إذا رأى الخلاء فإنه يتكره هذا الشيء ويتضرر منه ويتقزز، وربما يكون من بعض الناس الذين لا يقدرون على رؤية ما يكرهون حتى يتقيئوا.
ثالثا: أنه يؤذيهم من حيث تلوثهم به، فإنهم إذا تلوثوا بهذا الخلاء ماذا يحدث؟ يحدث تنجس أرجلهم أو خفافهم أو ثيابهم أيضا.
رابعا: فيه أذية من حيث حرمانهم من هذا المجلس الذي يأوون إليه يتحدثون، يذهبون عنهم السآمة والملل؛ فلهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم التخلي في هذا من أسباب اللعن، أي: أن الإنسان يلعن بسبب ذلك.
ففي هذا الحديث فوائد: منها: تحريم التخلي في الطريق، وتحريم التخلي في الظل، ووجه التحريم ظاهر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله سببا للعن.
ومن فوائد الحديث: أن المتسبب في الإثم كالمباشر؛ لأننا نعلم أن اللاعن ليس هو المتخلي. من اللاعن؟ الناس الذين يتأذون بهذا؛ ولهذا نقول: المتسبب في الإثم كالمباشر، أما في الضمان فإنه يختلف على تفصيل عند الفقهاء.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز لعن من فعل ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن هذا محذرا من أن تقع اللعنة على الفاعل، ولا يمكن أن تقع اللعنة على الفاعل إلا إذا كان اللاعن محقا، أما إذا كان غير محق فلا يمكن أن تقع اللعنة على الملعون، وعلى هذا فيجوز أن يلعن الإنسان فاعل ذلك، ولكن هل يلعنه على سبيل التعيين، يعني: لو فرض أن الإنسان شاهد هذا الإنسان الذي يتخلى في الطريق أو في الظل هل يلعنه بعينه؟ الذي نرى أنه من الورع ألا يلعنه بعينه، ولكن يقول: اللهم العن من فعل كذا؛ لأن من المعلوم أن لعن المعين حرام، حتى لو كان من أكفر عباد الله، حتى لو رأيت رجلا يسجد لصنم لا تقل: اللهم العنه، فهذا - أعني: التخلي في ظل الناس أو طريقهم- ليس أشد من عبادة الصنم.
ومن فوائد هذا الحديث: حماية الشريعة الإسلامية لأمتها من الأذى؛ لأن الغرض من ذلك هو تحذير الناس من أذية المؤمنين، الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأمرنا أن نتقي اللاعنين من أجل أن نعرف أنه ملعون، بل من أجل التحذير من أذية المؤمنين، وقد قال الله تبارك وتعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنت بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتنا وإثما مبينا} [الأحزاب: 58].
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو كان الطريق واسعا، والناس يستطرقونه من وسطه أو من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)

أطرافه بحيث لا يتمكنون من الاستطراق في وسطه؛ فإنه لا بأس أن يتخلى الإنسان في هذا الجانب الذي لا يستطرقه الناس؛ لأنه قال: "طريق الناس"، ولم يقل: الطريق عامة، فعلى هذا لو كان الطريق واسعا واحتاج الإنسان أن يتغوط أو يتبول في هذا الطريق الذي لا تطرقه الأقدام فظاهر الحديث أنه لا بأس به، ولكن هاذ مشروط بألا يكشف عورته أمام الناس.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يحرم التخلي في الظل مطلقا، بل في الظل الذي يقصده الناس لقوله: "أو ظلهم"، أما مجرد الظل فلا يحرم.
استثنى بعض العلماء رحمهم الله قال: ما لم يكونوا يقصدون الظل للجلوس فيه لغيبة الناس، يعني لو كان هؤلاء يجلسون في الظل يغتابون الناس أو يشربون الخمر أو يفعلون معصية يأوون إلى الظل لهذا الغرض؛ فإنه لا بأس أن يتخلى فيه؛ لأن ذلك سبب لبعدهم عنه، ولكن هذا الاستثناء فيه نظر؛ لأنهم إذا بعدوا عنه ذهبوا يلوثون ظلا آخر يعني: لن ينتهوا، ثم إنه لو حصل هذا التخلي في هذا الظل الذي يقصده هؤلاء ربما يقصده أناس يحتاجونه ولا يعملون فيه المعصية فهذا الاستثناء فيه نظر.
والصواب: أنه إذا كان هذا الظل مأوى لمن يعمل فيه المعاصي أن يجلس الإنسان فيه حتى إذا جاء الذين يعتادونه للمعاصي ينكر عليهم، هذا هو الحل، أما أن يتغوط أو يبول في هذا المكان الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام ففيه نظر.
هل يمكن أن نأخذ من هذا الحديث قاعدة عامة وهي تحريم أذية المسلمين بأي نوع من الأذى؟ نعم، نقول: إن هذا الحديث يدل على تحريم أذية المسلمين بأي نوع من الأذى سواء بالقول، أو الفعل، أو اللمس، أو أي شيء.
84 - وزاد أبو داود، عن معاذ رضي الله عنه: "والموارد". ولفظه: "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل".
"اتقوا الملاعن" نقول: في "اتقوا" كما قلنا في الأولى؛ أي: احذروا، و"الملاعن" مكان اللعن، يعني: الأمكنة التي تكون سببا للعن، وذلك مفسر في قوله: "البراز في الموارد"، والمراد ب"البراز" هنا: قضاء الحاجة، يفسره الحديث الذي قبله: "الذي يتخلى في طريق الناي أو ظلهم".
"الموارد" جمع مورد، وهو ما يرده الناس للشرب، أو للاستسقاء من حوض أو غدير، أو ساقية، أو نهر أو ما أشبه ذلك، المهم أن الناس يردونه للاستسقاء والشرب، فإنه لا يحل للإنسان أن يتبرز فيه.
"وقارعة الطريق" هناك "طريق الناس" وهنا قال: "قارعة الطريق" يعني: التي تقرعها الأقدام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)

والثالث: "الظل" وهنا أطلق، ولكن ينبغي أن يحمل على ما سبق وهو ظل الناس ليس كل ظل، فزاد أبو داود موضعا ثالثا وهو: "الموارد"، قال:
85 - ولأحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أو نقع ماء" وفيهما ضعف.
"نقع ماء" يشبه الموارد إلا أنه أعم؛ لأن نقع الماء أعم من كونه موردا أو غير مورد؛ لأنه إن كان موردا ففيه جنايتان، وإن كان غير مورد ففيه جناية واحدة، وهو إفساد الماء؛ لأنه إذا خلى الإنسان في نقع ماء فلا شك أن يفسده، إما أن ينجسه إن كان قليلا وإما أن يفسده وإن لم يكن نجسا هذه أربعة.
86 - وأخرج الطبراني النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة.
هذا خامس: "الأشجار المثمرة" أيضا ينهى عن قضاء الحاجة تحتها، لكن بشرط أن تكون الثمرة مقصودة سواء كانت تؤكل أو لا تؤكل، فإن كانت تؤكل ففي قضاء الحاجة تحتها إساءتان الإساءة الأولى إلى من قصدها، والإساءة الثانية إلى تلويث الطعام بالخبث، ومعلوم أن تلويث الطعام بالخبث حرام؛ ولهذا نهى عن الاستجمار بالعظم؛ لأنه زاد إخواننا من الجن، والمراد إذن: الأشجار المثمرة يجب أن نقيدها بالمقصود، أما أشجار مثمرة ثمرتها لا تقصد وتبقى بالأرض لا يأخذها الناس فلا بأس؛ لأنه ليس فيها أذية لأحدكم هذه خمسة، والسادس قال:
- وضفة النهر الجاري. من حديث ابن عمر بسند ضعيف.
- "ضفة النهر الجاري"، يعني: طرفه، وذكر الجاري على أنه وصف كاشف؛ لأن النهر لا يكون إلا جاريا، لكن لو فرضنا أن هذه الأحاديث لم تصح فلدينا القاعدة العامة التي أشرنا إليها أولا وهي: كل موضع يتأذى به المسلمون فإنه لا يجوز أن يتخلى فيه.
- فإن كان هذا الطريق لغير المسلمين فهل يجوز للإنسان أن يتخلى فيه؟
الجواب: ى؛ لأن حديث رواية مسلم "يتخلى في طريق الناس" ولم يقيدها ب"المسلمين"؛ ولأن الدين الإسلامي ليس فيه عدوان وأذية، فما دام بيننا وبين هؤلاء الكفار عهد أو ذمة فإنه لا يحل لنا إيذاءهم، ثم قال المؤلف:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)

‌‌الكلام عند قضاء الحاجة:
87 - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه ولا يتحدثا. فإن الله يمقت على ذلك". رواه أحمد. وصححه ابن السكن، وابن القطان، وهو معلول.
"تغوط" أي: أراد الغائط، وأصل الغائط: المحل المنخفض من الأرض هذا الأصل، ثم نقل من هذا المسمى إلى قضاء الحاجة، ووجه الارتباط والعلاقة: أن الناس كانوا فيما سبق ليس عندهم كنف في بيوتهم، فإذا أرادوا البراز خرجوا إلى الأماكن المنخفضة يقضون حوائجهم.
فعلى هذا نقول: "تغوط" بمعنى: أراد أن يتغوطا، أي: أرادا أن يقضيا حاجاتهما وسمى قضاء الحاجة بذلك لأنه ينتابه الناس فيما سبق وإلا فالأصل أن الغائط هو المكان المنخفض من الأرض، "فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه" يتوارى؛ أي: يستتر كل واحد عن صاحبه وجوبا أو استحبابا؟ وجوبا فيما إذا كان يؤدي إلى كشف العورة، استحبابا فيما إذا كان لا يؤدي إلى كشف العورة؛ بحيث يكون كل واحد منهما يستدبر الآخر.
قال: "ولا يتحدثا" يعني: يحدث أحدهما صاحبه، "فإن الله يمقت على ذلك"، قوله: "يمقت" المقت أشد البغض، و"على ذلك" أي: على هذا الفعل؛ وهو أن يجلس الرجلان أحدهما إلى الآخر على قضاء الحاجة يتحدثان، ووجه النهي عن ذلك: إن كان مع كشف العورة فالأمر واضح؛ لأن هذه حال سيئة وهيئة مكروهة، وإن كان مع غير ستر العورة فلأنهما إذا صارا يتحدثان سوف يمكثان طويلا على هذه الحال؛ لأن التحدث غالبا يطول بين الناس وينسى الإنسان الحال التي هو عليها؛ فلهذا كان سببا لمقت الله تبارك وتعالى.
في هذا الحديث فوائد:
منها: أن الدين الإسلامي دين الأدب والخلق الرفيع؛ لأن هذه الحالة التي ذكرت في الحديث لا شك أنها مخالفة للأدب؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا أراد الرجلان أن يتغوطا فإن السنة أن يبتعد كل واحد منهما عن الآخر حتى لا يراه فضلا عن كونه يرى عورته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)

ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن التحدث على قضاء الحاجة حتى وإن كان أحدهما لا يرى الآخر كما لو كانا في مرحاضين متجاورين بينهما جدار قصير، فصار كل واحد منهما يحدث الآخر.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات المقت لله؛ أي: إثبات وقوع المقت من الله، وهو أشد البغض وقد ثبتت هذه الصفة - أعني: البغض- بوصف المقت وبوصف البغض أيضا، فجاءت في السنة بلفظ البغض، وجاءت في القرآن بلفظ المقت، قال الله تعالى: {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 2].
وأخبر الرسول عليه الصلاة والسلام: "إن الله يبغض من الرجال البذيء". وهذا يدل على ثبوت هذه الصفة لله عز وجل شديدة وخفيفة: خفيفة في البغض، وشديدة في المقت.
- فما معنى البغض المضاف إلى الله عز وجل، أو المقت؟
نقول: أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إنه حقيقة أن الله يبغض ويحب حقيقة؛ لأن هذا ما جاءت به النصوص وهذا أمر غيبي، والأمر الغيبي يجب على الإنسان أن يصدق به على ظاهره، وأما عند أهل التأويل والتعطيل فيقولون: لا، إن الله لا يبغض ولا يمقت، وإنما المراد بالبغض والمقت: العذاب والانتقام، ولا شك أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن الانتقام والعقوبة غير البغض ولكنها من لازم البغض، فإذا أبغض الله الإنسان عاقبه وليست هي البغض، وما المانع من أن تقول: إن الله يبغض الشيء، أو يمقت على الشيء على وجه الحقيقة؟ لا مانع، فإذا كان لا مانع وجب علينا أن نصدق به، وألا نحرف الكلم عن مواضعه، وهذا يقال في وصف العجب، والرضا والمحبة، والكراهة، السخط، يقال فيها كما نقول في البغض، يجب إثبات هذه الصفة لله عز وجل على وجه الحقيقة.
ولكن هل يكون بغضه كبغض المخلوقين؟ لا، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة عامة محكمة وهي قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. فجميع صفاته تبارك وتعالى ونعوته لا يمكن أن تماثل صفات المخلوقين ونعوتهم.
ومن فوائد هذا الحديث: تحريم هذه الهيئة، وهي أن يجتمع اثنان يقضيان حاجتيهما ويتحدثان، بل لو شاء لقلنا: إنه من كبائر الذنوب؛ لأنه رتب عليه الوعيد، وإذا رتب عليه الوعيد فقد ذكر العلماء رحمهم الله أن كل ذنب ختم بوعيد فهو من كبائر الذنوب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)

‌‌النهي عن مس الذكر باليمين في البول:
88 - وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء". متفق عليه، واللفظ لمسلم.
قوله: "لا يمسن أحدكم ذكره" فيه إشكال في الإعراب، وهو أن الفعل هنا مفتوح مع كونه يلي "لا" الناهية؟ لأنه اتصل بنون التوكيد، يرد على هذا قول الله تبارك وتعالى: {قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن} [التغابن: 7]. فالثاء آخر الفعل وهي مضمومة والهمزة آخر الفعل وهي مضمومة؛ لأن النون في الآية غير مباشرة، ما الذي حال بينهما وبين الهمزة والثاء؟ واو الجماعة المحذوفة، والمقدر كالموجود، إذن يبنى الفعل المضارع على الفتح إذا اتصلت به نون التوكيد المباشرة لفظا أو تقديرا؛ إذن هو مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم.
وقوله: "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه" أي: بيده اليمنى، وقوله: "وهو يبول" الجملة حال؛ يعني: في حال البول، "ولا يتمسح من الخلاء بيمينه" يعني: لا يتمسح من الخلاء الذي هو الغائط بيمينه، بل والبول أيضا؛ لأن الخلاء هو قضاء الحاجة أو مكان قضاء الحاجة، "ولا يتنفس في الإناء" يعني: عند الشرب لا يتنفس في الإناء؛ أي: إناء الشرب، وذلك لأنه إذا تنفس فيه فقد يخرج مع النفس شيء يسقط في الماء يقذره على غيره وربما يحدث له شرق إذا تنفس في الماء فيتأذى أو يتضرر، أو ربما يحصل منه - كما قال أحدهم- جراثيم تعلق في الماء فيكون في ذلك ضرر على صحته أو صحة غيره.
فإن قال قائل: ما العلاقة بين قوله: "ولا يتنفس في الإناء"، وبين النهيين قبله؟
قلنا: يحتمل أن أبا قتادة رضي الله عنه رواهما منفردين، بمعنى: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه"، ثم سمعه في مكان آخر يقول: "لا يتنفس في الإناء"، فجمعهما أبو قتادة في سياق واجدا اختصارا، وربما يقال: إنه لما كذر ايتعلق بالتخلي عن الأكل والشرب ناسب أن يذكر ما تعلق بالشرب فقال: "ولا يتنفس في الإناء".
أما هذا الحديث ففيه فوائد:
أولا: نهي الإنسان عن مس ذكره بيمينه وهو يبول والنهي هنا صريح، وهذا النهي أيضا مؤكد بنون التوكيد، فهل هذا النهي للتحريم أو للكراهة؟ جمهور العلماء على أنه للكراهة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)

وليس للتحريم؛ لأنه من باب الأدب؛ إذ النهي لا يعدو أحد أمرين إما أن يكون تكريما لليمين، وإما أن يكون لخوف أن تتلوث اليمين بالبول فتكون منتنة، وأيا كان فإن هذا لا يقتضي أن يكون النهي للتحريم، لكن حقيقة الأمر أن القول بأنه للتحريم قول قوي؛ لأنه مؤكد حيث قال: "لا يمسن"، وهذا قول أهل الظاهر أن النهي للتحريم.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز مس الإنسان ذكره بيده اليمنى في غير حال البول، من أين تؤخذ؟ من قوله: "وهو يبول"، وهذا هو الأصل في المفهوم أن يكون مفهوم مخالفة؛ أي: أن المفهوم يخالف المنطوق بالحكم هذا هو الأصل، وربما يقوي هذا الأصل أنه إذا مس ذكره بيمينه وهو يبول صارت عرضة للتلوث بالنجاسة بخلاف ما إذا مسه من غير أن يكون على البول، ومن العلماء من قال: إنه لا يمسن ذكره بيمينه لا حال البول لا غيره، وأنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مس الذكر باليمين حال البول مع أن الإنسان قد يحتاج إليه ففي غير ذلك من باب أولى، وعلى هذا فالمسألة محتملة، وإذا كانت محتملة فما هو الورع؟ عدم المس مطلقا؛ لكننا لا نجزم بأن هذا عام؛ لأن التقييد بكونه يبول لا شك أن له مناسبة وهي الحاجة.
فإن قال قائل: إذا كانت الإنسان لا يستطيع أن يستجمر باليسار فماذا يفعل؟
قلنا: الحاجة لها أحكام وسيأتي - إن شاء الله- الكلام عليها في الحديث الذي بعده.
ومن فوائد هذا الحديث: أن اليمين خير من اليسار وهذا مطرد في الأمر الكونية والأمور الشرعية، أما الأمور الكونية فلا يخفى علينا جميعا أن الله تعالى جعل في اليمين من القوة ما ليس في اليسار فهي التي يأخذ بها ويكتب بها، ويأكل بها، ويحمل بها الثقيل، وهذا من الميزة القدرية، وأما الشرع فكما رأيتم أنه نهى عن مس الذكر باليمين في حال البول، والمس باليسار لا بأس به.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التصريح بلفظ البول، وأنه لا يعد مخالفا للحياء؛ لأن الذي عبر به أحيا الناس وهو النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "وهو يبول" وأما ما يستعمله الناس الآن إذا أراد أن يبول يقول: أطير الماء فهذا لا أصل له، بل قال صاحب الفروع رحمه الله: الأولى أن يقول: أبول، ولا يقول: أريق الماء؛ لأن البول ليس ماء؛ ولأن التعبير بالبول ومشتقاته وارد في السنة، قال النبي عليه الصلاة والسلام في البول: "أما أحدهما فكان لا يستتر من البول". وهنا المشتق وهو يبول، فالصواب جواز التعبير بهذا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)

فإذا قال قائل: إنه يعتبر مخالفا للمروءة، أعني: التصريح بالبول في عرفنا الآن، فهل نقول: العرف كما يغير المعاني فهو أيضا يغير الأحوال، أليس المرجع في الإيمان إلى ما تقتضيه الكلمة في العرف قبل أن نرجع إلى ما تقتضيه في اللغة، فإذا كان العرف المطرد عند الناس كراهة التصريح بالبول ومشتقاته وعبروا عن ذلك بكناية تدل عليه، وليس فيها محذور شرعي فعندي أنه لا بأس بها؛ ولهذا قال صاحب الفروع: "الأولى"، ولم يقل: يجب، بل قال: الأولى، ولعله في عرفه - صاحب الفروع- لم تصل الحال إلى ما وصلت إليه اليوم، فإن لفظ البول اليوم جدا مكروه عند الناس في غير الحديث، الحديث يقبله الناس إذا مر به، لكن في الكلام العادي لو قلت: أبول، أو بلت اليوم، عند العامة ماذا يقول؟ يستقذر جدا ويقول: هذا ما يصلح، فلا أرى مانعا إذا كان هذا عند الناس من الألفاظ التي يستحيا منها ويكنى عنها بما يدل عليها من غير محذور شرعي لا أرى في ذلك بأسا.
أسئلة:
- ما حكم التخلي في طريق الناس؟
- لماذا سماه الرسول صلى الله عليه وسلم اللاعنين؟ لأنه تسبب في لعن نفسه.
- مر علينا في هذه الأحاديث إثبات صفة من صفات الله ما هي؟
- هل جاءت هذه الصفة في القرآن الكريم؟
- ما موقف أهل السنة والجماعة من مثل هذه الصفة؟
- ماذا تسمى هذه الصفات عندهم؟ تسمى صفات فعلية.
- هل يدل هاذ الحديث على تحريم هذه الهيئة- اللذان يتحدثان وهما يتغوطان-؟
- في حديث أبي قتادة في آخره: "ولا يتنفس في الإناء"، ما صلة آخر الحديث بأوله؟
- هل القيد في حديث مس الذكر باليمنى في أثناء البول هو قيد شرطي أو وصفي؟
- قوله: "لا يتمسح من الخلاء" ما معنى "من" هنا؟
- ما المراد بيتخلى البول أو الغائط؟
نعود إلى الحديث: قوله: "ولا يتنفس في الإناء" ذكرنا أن بعض العلماء علل بأنه ربما يخرج منه أشياء مؤذية، وبعضهم علل بأنه ربما يشرق، فعلى الأول يكون النهي خاصا بما إذا كان يريد غيره أن يشرب من هذا الإناء وعلى الثاني يكون عاما، والحديث عام فعلى هذا نقول: لا يتنفس في الإناء حذرا من أن يتقابل النفس والماء فيحصل بذلك الشرق ويتأذى الإنسان أو يتضرر.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن التمسح من الخلاء باليمين، لقوله: "ولا يتمسح من الخلاء بيمينه"، وهل هو مكروه أو محرم؟ ذكر بعض العلماء أنه حرام؛ لأنه هو الأصل في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)

النهي؛ ولأنه إذا تمسح باليمين تلوثت اليمين بالنجاسة، واليمين لها الكرامة والبعد عن هذا الشيء، ولهذا كان الاستنثار وهو ليس نجسا باليسار، ومن العلماء من قال: إن النهي للكراهة؛ لأن من باب الأدب والورع أن يتجنب الإنسان هذا إلا للحاجة.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن التنفس في الإناء لقوله: "ولا يتنفس في الإناء"، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون هذا الإناء يشرب منه غيره أو لا يشرب؛ لأنه مطلق "ولا يتنفس في الإناء".
فإن قال قائل: وإذا اضطر الإنسان إلى التنفس إما لكونه قصير النفس، أو لكونه يحتاج إلى شرب ماء كثير لا يدركه بنفس واحد؟
قلنا: يفصل الإناء ويتنفس، والسنة أن يتنفس في الشراب ثلاث مرات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا أهنأ وأبرأ وأمرأ". ثم قال المؤلف:

‌‌النهي عن الاستنجاء باليمين:
89 - وعن سليمان رضي الله عنه قال: "لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم". رواه مسلم.
سلمان الفارسي قال ذلك ردا على رجل من المشركين، قال هذا الرجل: إن نبيكم علمكم حتى الخراءة، يعني: حتى آداب الخراءة، فقال له: أجل علمنا حتى هذا.
قوله: "نهانا"، قال العلماء: والنهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، أي: أن الناهي يشعر بأن له السلطة وله القول على من وجهه النهي إليه، وقوله: "أن نستقبل بغائط أو بول" يعني: أن يجلس الإنسان على بوله أو على غائطه، والقبلة أمامه، وذلك تكريما للقبلة؛ لأن القبلة محل التكريم، ومحل اتجاه العبادة إلى الله تعالى في أشرف العبادات من بعد الشهادتين؛ فلذلك يجب أن تكرم.
وقوله: "أو أن نستنجي باليمين" يعني: ونهانا أن نستنجي باليمين، وهذا كالأول الذي فيه: "ولا يتمسح من الخلاء باليمين"، والاستنجاء إزالة النجس وهو العذرة.
وقوله: "أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار" يعني: ونهانا أن نقتصر على حجرين، أو على حجر واحد، وقوله: أو أن نستنجي" يفيد أنه فيما إذا كان الخارج ذا بلل، وأما إذا كان الخارج يابسا- أحيانا يكون الخارج يابسا، ولا يتلوث المحل إطلاقا- فإنه لا يدخل في الحديث؛

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)

لأنه لا يجب الاستنجاء منه في هذا الحال، لكن إذا كان الخارج رطبا فلا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار حتى لو أنها أنقت.
"أو أن نستنجي برجيع أو عظم" "الرجيع": الروث، و"العظم": معروف؛ وذلك لأن الرجيع زاد بهائم الجن تأكله كمال تأكل بهائمنا العلف، أما العظم فلأنه زاد إخواننا من الجن يجدون كل عظم ذكر اسم الله عليه، أوفر ما يكون لحما، سبحان الله! يعني: هذا العظم الذي يلوح يجده الجن عليه اللحم أوفر ما يكون مع أننا لا نشاهد هذا؛ لأن الجن وأحوالهم من أمور الغيب.
ففي هذا الحديث: بيان شمول الشريعة الإسلامية لكل ايحتاج الناس إليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا حتى الخراءة، علمنا آداب الأكل، وآداب الشراب، آداب النوم، آداب دخول البيت، والخروج منه، آداب اللباس، ما من شيء نحتاجه إلا علمنا إياه عليه الصلاة والسلام تحقيقا لقول الله تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لنبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44]. ولقوله تعالى: ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شيء} [النحل: 89]. وإذا كان الدين الإسلامي وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد بينت حتى هذه الأمور الطفيفة فغيرها من باب أولى؛ ولذلك غلط من قال: إن آيات الصفات وأحاديثها لا يعلم معناها، وصاروا يفوضون المعنى، فإن هؤلاء غلطوا أكبر غلط، فيقال: شبحان الله! أنتم الآن تقرون بأن قصة فرعون وهامان وقارون وغيرهم من طغاة العالم وقصص الصالحين كلها مفهومة المعنى عندكم، وما ذكره الله عن نفسه فهو عندكم غير معلوم بمنزلة الحروف الهجائية، كيف يكون هاذ؟ ! فجميع ما يحتاج الناس إليه في معبودهم، وعباداتهم، وفي أحوالهم، وفي معاملاتهم كله بين، ولكن الناس يختلفون؛ منهم من يعطيه الله تعالى علما واسعا يحيط بكثير من السنة، ومنهم من دون ذلك، ومنهم من يعطيه الله تعالى فهما ثاقبا يفهم ما يسمع وما يقرأ، ومن الناس من هو دون ذلك، وفضل الله يؤتيه من يشاء.
ومن فوائد هذا الحديث: تحريم استقبال القبلة بغائط أو بول؛ لقوله: "نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول" والأصل في النهي التحريم.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز استقبال الشمس والقمر، كيف ذلك؟ لأن أهل المدينة إذا لم يستقبلوا القبلة فسوف يستقبلون الشرق أو الغرب؛ حينئذ يكونون مستقبلين إما للمش وإما للقمر، وذكرت هذا لأن بعض أهل العلم رحمهم الله قالوا: إنه يكره للإنسان أن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)

يستقبل الشمس أو القمر، وعللوا لذلك بتعليل عليل منتقض: لأن في الشمس والقمر نورا فما فيهما من نور الله يجعلهما محترمين؛ فنقول:
أولا: لا يجوز أن نثبت الأحكام الشرعية بمثل هذا التعليل.
وثانيا: هو تعليل منتقض، النجوم فيها أيضا نور من الذي أشاءها؟ الله سبحانه وتعالى هل نقول للإنسان: لا تستقبل النجوم، وإن قلنا: لا تستقبل النجوم فكيف يجلس؟ لأن النجوم على يمينه، وعلى يساره، وأمامه وخلفه؛ فلهذا ذكرت ذلك ليعلم أن ما قاله بعض الفقهاء رحمهم الله في هذا قول ضعيف لا دليل عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن الاستنجاء باليمين، وإذا كنا نقول في استقبال القبلة أنه حرام، فيجب أن نقول في هذا إنه حرام؛ لأن الحديث واحد، والغالب أن المسائل المذكورة في حديث واحد أن حكمها واحد، أقول: الغالب، لكن ليس هذا دلالة؛ فإن الله تعالى قال: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} [النحل: 8]. فذكر الخيل والبغال والحمير مع أن الخيل جلال، والبغال والحمير حرام، ولا عبرة بدلالة الاقتران؛ لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الصحابة نحروا فرسا في عهده - علي الصلاة والسلام- وأقرهم على هذا.
المهم إذا لم نجد صارفا يصرف النهي إلى الكراهة في الاستنجاء باليمين، فالواجب أن يكون للتحريم. فإذا قال قائل: إذا كان الإنسان أشل في يده اليسرى؟ نقول: حينئذ يكون مضطرا إلى الاستنجاء باليمين، وقد قال الله تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119].
ومن فوائد هذا الحديث: تكريم اليمين، وهو كذلك؛ ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله في ذلك ضابطا مهما، قالوا: إن اليسرى تقدم للأذى، واليمنى لها سواها، اليسرى تقدم للأذى كالاستنجاء، والاستنثار، وغسل الأوساخ، وما أشبه ذلك، واليمنى لها سواها.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاستنجاء بالحجار؛ لقوله: "أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار" فإنه يفيد أن الثلاثة فما فوق يجوز الاستنجاء به.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز الاقتصار على أقل من ثلاثة حتى لو طهر المحل لابد من ثلاثة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من استجمر فليوتر".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لو استنجى بحجر ذي شعب، فإن ذلك جائز؛ لأن كل شعبة بمنزلة حجر، ومن العلماء من قال: لا يجوز بحجر ذي شعب؛ لأن الحديث أقل من ثلاثة أحجار،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)

لكن هذا القول جمود على اللفظ؛ لأن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أحجار ألا يمسح بوجه مرتين أو أكثر، وإنما مراده: أن يكون كل وجه له مسحة إما بثلاثة أحجار أو بحجر ذي شعب، ولم يذكر الرسول عليه الصلاة والسلام الحجر ذا الشعب؛ لأن هذا قد يكون نادرا أن يجد الإنسان حجرا فيه ثلاث شعب متوازية بحيث إذا مسح بشعبة لم تتلوث الأخرى هذا نادر.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن لاستنجاء بالرجيع، والرجيع ما هو؟ الروث؛ لأن الروث إن كان طاهرا فهو علف بهائم الجن، وإن كان نجسا فالنجس لا يطهر، وكما تعلمون أن الروث ينقسم إلى قسمين على القول الراجح: طاهر؛ وهو روث المأكول، ونجس؛ وهو روث غير المأكول.
ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن الاستنجاء بالعظام لقوله: "أو عظم"، سواء كانت هذه العظام عظام ميتة او عظام مذكاة، أو عظام مباح الأكل أو غير مباح الأكل؛ لأنه إذا كانت العظام عظام ميتة فهي نجسة عند جماهير العلماء، وإذا كانت نجسة فالنجس لا يمكن أن يطهر، وإن كانت مذكاة فهي طعام الجن، ولا يحل لنا أن نعتدي عليهم بإفساد طعامهم، وإن كان العظم من غير المأكول فهو نجس، والنجس لا يطهر.
فإن قال قائل: هل يقيسون على هذا تحريم الاستنجاء بعلف بهائم الإنس؟
فالجواب: نعم، نقيسه قياسا جليا واضحا؛ لأنه إذا كان لا يجوز أن نفسد علف بهائم الجن، وهو عالم غيبي فعلف بهائم الإنس من باب أولى.
وإن قال قائل: وهل يقسمون على النهي عن الاستنجاء بالعظم الاستنجاء بطعام الإنس كاللحم أو الخبز أو ما أشبه ذلك؟
فالجواب: نعم من باب القياس الأجلى والأوضح؛ لأنه إذا كان إفساد طعام الجن حراما فإفساد طعام الإنس من باب أولى.
فإن قال قائل: وهل تجيزون أن يستنجي الإنسان بغير الأحجار مما يزيل الأذى؟
فالجواب: نعم نجيز ذلك، فلو استنجى الإنسان بمناديل طاهرة منقية فلا بأس، وإن استنجى بخشبة فلا بأس، وإن استنجى بمدر - وهو الطين اليابس- فلا بأس أيضا، ولو استنجى بزجاجة لا يجوز؛ لأنها لا تنقي، ولو استنجى بحجر رطب لا يجوز؛ لأنه لا يطهر ولا ينشف.
فإن قال قائل: إذا لم ينق بثلاث - أعني: الاستجمار- هل يجب أن يزيد رابعة؟ نعم يجب أن يزيد رابعة، وإذا أنقى برابعة فالأفضل أن يزيد خامسة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من استجمر فليوتر".
من فوائد الحديث - ونسيت أن أقولها-: تحريم العدوان على حق الغير لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالرجيع أو العظم، فإذا كان يحرم العدوان من الإنس على الجن فإنه حرام من الجن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)

على الإنس؛ ولهذا كان العلماء الذين وهبهم الله تبارك وتعالى من القوة في الإيمان كانوا ينكرون على الجن الذين يصرعون الإنس ويقولون لهم: هذا حرام عليكم وعدوان، والله تعالى لا يحب المعتدين، فربما يدي الله هاذ الجن ويخرج وقد لا يخرج، لكن الكلام على أن العدوان محرم من الإنس على الجن، ومن الجن على الإنس.

‌‌النهي عن استقبال واستدبار القبلة بغائط أو بول:
90 - وللسبعة عن أبي أيوب رضي الله عنه: "فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أو بول، ولكن شرقوا أو غربوا".
قوله: "عن أبي أيوب رضي الله عنه" أي: عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسبق في حديث سلمان: "لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول"، ويكون هذا الحديث زائد على ما سبق الاستدبار.
"القبلة": هي الكعبة أو جهتها، وقوله: "ولكن شرقوا أو غربوا" هذا التوجيه لأهل المدينة، ومن كانت قبلته قبلتهم؛ لأن أهل المدينة قبلتهم الجنوب فإذا شرقوا أو غربوا صارت القبلة عن أيمانهم أو عن شمائلهم، فيكون في هذا الحديث خطاب موجه لطائفة من الناس خاصا بها وبمن كان مثلها.
يستفاد من هذا الحديث: تحريم استقبال القبلة واستدبارها حال الغائط أو البول لقوله: "بغائط أو بول".
ويستفاد منه: بمفهومه أنه لا يحرم أو ينهى عن استقبالها أو استدبارها بالاستنجاء؛ يعني: لو أن الإنسان تخلى في مكان وقام ليستنجي في مكان آخر؛ فإنه لا حرج أن يستقبل القبلة أو يستدبرها، وأما قول بعض الفقهاء رحمهم الله أنه يكره استقبال القبلة حال الاستنجاء؛ فهذا يحتاج إلى دليل.
ومن فوائد هذا الحديث: احترام القبلة، وألا يتوجه الإنسان إليها حال قضاء الحاجة ولا يستدبرها.
ومن فوائد الحديث: أن الأكمل أن تكون القبلة عن يمينه، أو عن يساره.
ومن فوائد الحديث: أن الانحراف اليسير لا يعتبر مخالفة؛ لأنه قال: "شرقوا أو غربوا"، وهذا انحراف كثير ولا يكفي الانحراف اليسير، ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي استقبال القبلة في حال الصلاة، وأن الإنسان إذا استقبل القبلة حال الصلاة ولو انحرف يسيرا فإن ذلك لا يضر، والذي لا يضر أن ينحرف كثيرا بحيث تكون القبلة عن يساره أو عن يمينه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)