ورابعا: قال المتأخرون المعاصرون (الأطباء): دم الحيض لا يتجلط، ودم الاستحاضة يتجلط - يعني: يتخثر، أي: يجمد-، ودم الحيض لا يجمد سائل، وعللوا ذلك بتعليل طبي أن دم الحيض عبارة عن انفجار كرات الدم في قاع الرحم بعد تصلبها في الرحم فلا تعود مرة أخرى إلى التصلب بخلاف دم الاستحاضة فإنه لم يسبق أن يتجمد فلذلك يتجمد إذا خرج كسائر الدماء، الإنسان لو جرح أصبعه ثم تخثر الدم تجمد، فهذه أربعة فروق، إذن النبي عليه الصلاة والسلام فرق بين الدمين، قال: "فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة" يعني: لا تصلي، "وإذا أدبرت" معنى أدبرت: إن كانت معتادة يعني انقضت أيام عادتها، وإن كانت غير معتادة ولا تمييز انقطع الدم الأسود التخين المنتن "فاغسلي عنك الدم ثم صلي"، الدم" يعني دم الحيض، وهذا يعني ان تطهر منه ولابد أيضا أن تغتسل، "ثم صلي ما أدركت وقته"، قال وللبخاري: "ثم توضئي لكل صلاة"، وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمدا، ولكن الصواب مع البخاري … "توضئي لكل صلاة"، هل المراد لوقت كل صلاة، أو لكل صلا تصليها حتى لو كانت تريد أن تجمع بين الصلاتين فلابد أن نتوضأ للصلاة الأولى والصلاة والثانية؟ فيها احتمالان؛ ولكن الأول هو الراجح أي: لوقت كل صلاة.
من فوائد هذا الحديث: أن نساء الصحابة رضي الله عنهن لا يمنعهن الحياء من الفقه في الدين، والسؤال عنه.
ومن فوائده: أنه قد تقرر أن الحائض لا تصلي؛ لقولها: "أفأدع الصلاة؟ " وهذا بإجماع العلماء، أجمع العلماء على أن الصلاة لا تجب على الحائض، وتحرم عليها ولا تصح منها، ولا يجب عليها قضاؤها، هذا بالإجماع، وظاهر الحديث صلاة الفريضة، والنافلة وهو كذلك، لأن ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل.
ومن فوائد هذا الحديث: الاقتصار في الجواب على ما يفيد لقوله: "لا" ولم يقل: لا تدعي الصلاة؛ لأن "لا" تكفي وخير الكلام ما قل ودل، ومثله: "نعم" في الإجابة.
ومن فوائد هذا الحديث: حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في قرنه العلة بالحكم تؤخذ من قوله: "إنما ذلك دم عرق"، ووجه كون هذا حكمة: أن الحكم إذا علل ببيان علته ازداد الإنسان به طمأنينة في الحكم وينشرح به صدره.
ومن فوائده - أي: من فوائد قرن العلة بالحكم-: أن الإنسان يعرف بذلك سمو الشريعة، وأنها لا تحلل ولا تحرم ولا توجب إلا لحكمة، لكن من الحكم ما نعلمها ومنها ما لا نعلمه.
الفائدة الثالثة: أن العلة إذا كانت وصفا صار الحكم أعم لأنه يتناوله كلما كانت فيه هذه العلة، وانظر إلى قوله تعالى: {قلا لا أجد في ما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا ان يكون ميتة أو دما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: 145]. وإلى قوله صلى الله عليه وسلم حين أمر أبا طلحة: "إن الله ورسوله نهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس". نستفيد من هذه العلة أن كل نجس فهو حرام، وهو كذلك كل نجس حرام، وليس كل حرام نجسا، إذن قرن الحكم بالعلة له ثلاث فوائد، وإن شئت فقل: ثلاث حكم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن العرق لا يمنع الصلاة، يعني لو انبعث عرق من الإنسان في أي مكان من بدنه فإنه لا يمنع الصلاة، بل يجب على الإنسان أن يصلي ولو كان فيه هذا الدم، ولكن هل ينتقض وضوؤه، بمعنى: هل تلزمه أن يتوضأ لكل صلاة أو لا؟ في هذا تفصيل إن كان الدم من السبيلين - أي: من القبل والدبر - فإنه ينقض الوضوء ويلزمه إذا كان مستمرا أن يتوضأ لكل صلاة، وإن كان من غير السبيلين فإنه لا ينقض الوضوء ويلزمه إذا كان مستمرا أن يتوضأ لكل صلاة، وإن كان من غير السبيلين فإنه لا ينقض الوضوء، كما لو كان فيه رعاف دائم أو جرح دائم الجريان أو ما أشبه ذلك فإنه لا ينقض وضوؤه.
ومن فوائد هذا الحديث: تفريق الأحكام أو تفرق الأحكام بتفرق الأسباب، الحيض سبب لترك الصلاة، والعرق ليس سببا لترك الصلاة، فتصلي.
ومن فوائد هذا الحديث: رجوع المستحاضة إلى عادتها؛ لقوله: "إذا أقبلت حيضتك"، ولكن إذا كانت المستحاضة مبتدأة، يعني: لم يسبق لها عادة فإلى أي شيء ترجع؟ نقول: ترجع إلى التمييز؛ لأن الاستحاضة قد تصيب المرأة من أول ما يأتيها الحيض، فنقول: ترجع هذه إلى التمييز، فإذا كان في دمها دم أسود ثخين له رائحة فهو الحيض، وإن لم يكن كذلك فتبقى مشكلة وهي إذا لم يكن في دمها شيء بهذا الوصف أي ليس لها عادة، وليس عندها تمييز فماذا تصنع؟
قال العلماء - وجاء في السنة أيضا-: تجلس من أول وقت أتاها الحيض غالب ما تجلسه النساء، وهو ستة أيام أو سبعة من كل شهر، فمثلا إذا ابتدأ بها الدم في أول يوم من "محرم"، واستمر وليس لها عادة، وليس لها تمييز، نقول: تجلس في الشهر الثاني في "صفر" ستة أيام، أو سبعة، ثم تغتسل وتصلي وتستمر هكذا.
فإن قال قائل: لماذا جعلتموها تجلس أول كل شهر؟ قلنا: لأن الله تعالى جعل عدة من لا تحيض ثلاثة أشهر، وعدة من تحيض ثلاثة قروء، فدل هذا على أن الحيض المعتاد يأتي المرأة كل شهر مرة وأولى ما نبتدئ المدة من ا، ل ما أتاها.
إذا تعارض التمييز والعادة، امرأة معتادة يأتيها الحيض أول يوم من الشهر سبعة أيام كل ما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
مضى من وقتها هكذا، ثم ابتليت بالاستحاضة فكان لها تمييز في نصف الشهر في الخامس عشر من الشهر يأتيها دم أسود ثخين منتن في أول الشهر الذي هو أول عادتها دم أحمر فهل تغلب التمييز أو تغلب العادة؟ فيها قولان، وهما روايتان عن الإمام أحمد:
أحدهما: أن تغلب العادة لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة"، وقوله: "اجلسي قدر ما كانت حيضتك تحبسك"، ولم يفصل ولأن هذا أيسر للنساء إذا رجعن إلى العادة فهو أيسر؛ لأن تغير الدم قد يختلف على المرأة، قد يكون في أول الشهر، في وسطه، وقد ينقطع وقد لا ينضبط لكن إذا قلنا تعمل بالعادة، فالعادة منضبطة.
الثاني: قال بعض أهل العلم: بل تعمل بالتمييز إذا تعارض التمييز مع العادة؛ لأنه ربما كان هذا المرض وهو الاستحاضة سببا في تغير العادة بحيث انتقل الحيض من أول الشهر إلى وسطه، ولا شك أن هذا له وجهة نظر قوية جدا، لكن كما قلت لكم: ظاهر السنة ورحمة الأمة أن ترجع إلى العادة والحمد لله ما دام الرسول عليه الصلاة والسلام أطلق ولم يفصل فإننا نحمد الله على ذلك، ونقول بهذا لأنه أيسر للنساء.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب غسل دم الحيض لقوله: "ثم اغسلي عندك الدم"، وهل يعفى عنه - يعني: يسيره- الجواب: لا، لا يعفى عن يسيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الثوب يصيبه دم الحيض "تحته ثم تقرصه، ثم تغسله، ثم تصلي فيه"، وهذا يدل على أن الواجب إزالة دم الحيض قليلا كان أو كثيرا، ولا يعفى عن شيء منه، دم الاستحاضة هل يعفى عنه؟ قال بعض العلماء: يعفى عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنه دم عرق"، والأطهر أنه لا يعفى عنه، وأن جميع ما خرج من السبيلين فهو نجس لا يعفى عنه إلا الماء الذي ينزل ويكون مستمرا مع المرأة وهو ما يسمى برطوبة فرج المرأة، فهذا طاهر.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب التطهر من النجاسة، من أين يؤخذ؟ من قوله: "ثم صلي"، و "ثم" للترتيب فلا يجوز للإنسان أن يصلي وبدنه متلطخ بنجاسة، فإن نسي وصلى فصلاته صحيحة لقوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286]. فإن كان ليس عنده ما يزيل به النجاسة فليخففها ما أمكن وليصل.
وهل يتيمم لنجاسة البدن؟ فقهاء الحنابلة رحمهم الله يقولون: يتيمم؛ لأن هذه طهارة تتعلق بالبدن فأشبهت الوضوء، والصحيح أنه لا يتيمم للنجاسة، بل يزيلها ويخففها ما أمكن، ثم يصلي على حسب حاله، ثم قال: "وللبخاري: "ثم عتوضئي لكل صلاة" الخطاب لمن؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
للمستحاضة "توضئي لكل صلاة"، وذلك لأن الدم مستمر، فتكون طهارتها بقدر الحاجة، ولا تحتاج للصلاة إلا إذا دخل وقتها، فلو توضأت لصلاة الفجر فهل تتوضأ لصلاة الضحى؟
الجواب: نعم، لأن الضحى لها وقت فلابد أن تتوضأ لوقت كل صلاة، وألحق العلماء رحمهم الله بالمستحاضة كل من حدثه دائم كمن بوله دائم وغائطه دائم والريح تخرج من دبره دائما، فإنه يلحق بالمستحاضة، بمعنى: أنه لا يتوضأ إلا إذا دخل الوقت، ويتحفظ يعني يستثفر، وإذا خرج منه شيء بعد كمال التحفظ فإنه لا يضر ولا ينتقض به الوضوء.
فائدة مهمة: قوله: "ثم صلى" هل المراد الصلاة المستقبلة، أو الصلاة الحاضرة أو الجميع؟ يعني: امرأة طهرت في وقت صلاة الفجر بعد طلوع الفجر، هل نقول: صلي الظهر فقط، أو صلي الفجر أيضا؟ تصلي الفجر حتى وإن تأخر تطهرها إلى بعد الشمس، فإنها لابد أن تصلي الفجر؛ لأنها مطالبة بالصلاة.
ولكن كم القدر الذي تكون مدركة به وقت الصلاة؟ المذهب بقدر تكبيرة الإحرام، فإذا طهرت قبل طلوع الشمس بقدر قول: الله أكبر، وجب عليها أن تصلي الفجر، والصحيح أنه لا يدرك الوقت إلا بإدراك ركعة كاملة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة". يتفرع على هذا أنها إذا طهرت إذا طهرت في وقت الصلاة، هل يلزمها قضاء ما قبلها؟ فيه تفصيل: إن كان ما قبلها لا يجمع إليها فإنها لا تقضيه، كما لو طهرت في وقت الظهر فإنها لا تقضي صلاة الفجر؛ لأن الفجر لا تجمع إلى الظهر، وإن كانت تجمع كما لو طهرت في وقت العصر فهل تقضي الظهر أو لا؟ فيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنها لا تقضي الصلاة؛ لأنه خرج وقت الظهر وهي معذورة لا تخاطب بالصلاة وكونها تجمع إلى هذه عند الضرورة لا يعني أنها تلزمها، وقد خرج وقتها وقد برئت ذمتها، ثم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "من أدرك ركعة"، أو قال: "سجدة من العصر قبيل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" ولم يقل: والظهر.
فالصواب: أنه لا يلزمها إلا قضاء الصلاة التي طهرت في وقتها. امرأة طهرت قبل الفجر بساعة هل تلزمها صلاة العشاء؟ فيه خلاف، بعض العلماء يقول: تلزمها صلاة العشاء دون صلاة المغرب، وبعض العلماء يقول: تلزمها صلاة العشاء وصلاة المغرب، الصحيح أنها لا يلومها شيء لا صلاة العشاء ولا صلاة المغرب؛ لأن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل، ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
دليل على أنه يمتد إلى طلوع الفجر لا في القرآن، ولا في السنة، بل الدليل على خلاف ذلك، قال الله تعالى: {أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}، ثم فصل، وقال: {وقرءان الفجر} [الإسراء: 78].
وقوله: {لدلوك الشمس} أي: زوالها، {إلى غسق الليل} أي: من نصف النهار إلى نصف الليل، هذا وقت لأربع صلوات نهاريتين وليلتين، ثم فصل، وقال: {وقرءان الفجر}، أما السنة: فصريحة، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "وقت العشاء إلى نصف الليل". وهذا نص صريح واضح، وسبحان الله تجد الإنسان أحيانا يدع الأدلة وهي واضحة كوضوح الشمس، ويكون رأي أكثر العلماء على خلافه، مما يدل على أن الإنسان مهما كان فهو محل نقص.
فإن قال قائل: إنه قد جاء الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام إنه قال: "ليس في النوم تفريط". وإنما التفريط أو يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى. قلنا: نعم، ونحن نقول هذا، والمراد بالصلاة التي يمتد وقتها إلى وقت الأخرى وإلا فقولوا إن الفجر والظهر كالمغرب والعشاء، وهذا لا قائل به، والحكمة أيضا تقتضي ما قلنا؛ لأن الله - تعالى- جعل نصف النهار الأول ليس وقتا للفرائض ونصف الليل الثاني ليس وقتا للفرائض.
الفقهاء رحمهم الله يقولون: فيمن ترى يوما دما ويوما نقاء فالدم حيض والنقاء طهر وهذا فيه مشقة، لكن بعض العلماء يقول: إن هذا التقطع يعتبر من الحيض، بمعنى أنها لا تصلي.
أسئلة:
- فيما سبق من حديث فاطمة ما يدل على أن الحائض لا تصلي، فما هو؟
- وهل يلزمها أن تقضي الصلاة؟
- هل في حديث فاطمة ما يدل على أن صاحب الحدث الدائم يصلي؟
- إذا كان رجل معه سلس بول لا ينقطع، أو ينقطع في وقت غير محدد فكيف يصنع إذا دخل وقت الصلاة؟ ولو كان يعتاد أنه يتوقف في آخر الوقت في وقت يتمكن من الوضوء والصلاة هل نقول آخر الصلاة أو صل في أول الوقت؟ نقول: أخر وجوبا؛ لأن تقديم الصلاة في أول وقتها على سبيل الأفضلية؛ ولهذا قال الفقهاء: وإن اعتيد انقطاعه زمنا يتسع فيه للفعل تعين أن يؤخر الصلاة إلى هذا الوقت.
-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
ما معنى الإقبال في قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا أقبلت حيضتك"؟
الوضوء من المذي:
63 - وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "كنت رجلا مذاء، فأمرت المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسأله؟ فقال: فيه الوضوء". متفق عليه، واللفظ للبخاري.
قال: "كنت رجلا مذاء" هل المراد ب"كان" فيما سبق، أو المراد ب"كان" هنا تحقيق هذه الصفة؟
الجواب: الثاني؛ لأن "كان" تأتي ويراد بها تحقيق الصفة دون ملاحظة الزمن، وهي كثيرة في كتاب الله مثل قوله تعالى: {وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 96]. {وكان الله سميعا بصيرا} [النساء: 134]. وما أشبه ذلك هذا ليس المعنى أنه كان في زمن مضى، بل المراد تحقيق هذه الصفة بقطع النظر عن الزمان، إذن "كنت رجلا مذاء" ليس فيما سبق، وأني الآن سلمت من المذي.
وقوله: "مذاء" صيغة مبالغة؛ أي: كثير المذي، والمذي فيه لغتان: المذي وهي الأكثر، والمذي بتشديد الياء وهي لغة صحيحة، وهو ماء لزج يخرج عند الشهوة، وليس يخرج بشهوة ولا يلزم منه انتصاب الذكر، بل إذا أحس الإنسان بالشهوة مثلا بتقبيل أو نظر أو تذكر خرج منه هذا الماء، والناس يختلفون فيه منهم المقل، ومنهم المستكثر، ومنهم من لا يعرفه أبدا، علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان من الذين يلحقهم هذا كثيرا، فأمر المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: "أمرت المقداد" قد يقال: لماذا لم يسأل هو بنفسه وقد بين في رواية أخرى أنه استحيا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم لأن ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زوجته، وهذا يتعلق بالنساء، فاستحيا رضي الله عنه أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يقال: لماذا أمر المقداد؟ أليس هناك صحابة آخرون؟
فالجواب: بلى لكنه يتناوب هو المقدد بن الأسود في الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان عمر رضي الله عنه يتناوب في الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صاحب له. فلهذا أمره أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: "فيه الوضوء". والمؤلف رحمه الله اختار هذه الرواية لمناسبة الباب وهو "نواقض الوضوء"، وإلا فلهذه القصة مناسبة أيضا في النجاسة، وكيف تزال، وهل المذي نجس أو غير نجس؟ لكن المؤلف - أعني: ابن حجر- اختار في بلوغ المرام هذه الرواية لأن المقصود موجود فيها، فقال: "فيه الوضوء" لكن لا مانع أن نذكر ما يتعلق بهذا فإن المقداد لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يغسل ذكره ويتوضأ". وفي رواية: "اغسل ذكرك وتوضأ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
فأشكل هذا على العلماء: هل معناه أن علي بن أبي طالب سأل النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه كما جاء في بعض الروايات أنه سأل بنفسه، أو أن المعنى أن المقداد لما سأله قال: "اغسل ذكرك" لأن عليا هو الذي يروي الحديث الآن، والذي يروي الحديث سيحكي عن نفسه كأنه هو السائل، وإلا من المعلوم ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجهه إلى المقداد على أنه هو المصاب بهذا، إنما وجهه إلى علي بن أبي طالب باعتبار أن عليا هو الذي رواه فكأنه نقله بالمعنى، أما إذا قلنا: "يغسل ذكره"، فلا إشكال لأن المقداد قد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يكون مذاء فماذا يصنع؟ فقال: "يغسل ذكره"، وقوله: "يغسل ذكره" معلوم أن الذكر يطلق على جميع القصبة ليس على ما أصابه المذي فقط، وإلا لقال: يغسل ما أصابه، بل قال: "يغسل ذكره".
وفي رواية في غير الصحيحين: "وأنثييه". يعني: خصيتيه، فعلى هذا يغسل الذكر والأنثيين، كل الذكر.
"قال فيه الوضوء" يعني: يغسل ذكره ويتوضأ، وفي بعض الألفاظ: "توضأ واغسل ذكرك". الآن الحديث في بيان حكم المذي هل ينقض الوضوء أو لا؟ ينقض الوضوء، ففي هذا دليل واضح على أنه ينقض لقوله: "فيه الوضوء، ولكن يقال: إذا كان الذكر يمذي دائما لأن بعض الناس يبتلى بهذا بأن يكون كل ما تذكر - ولو يسيرا- أمذى وهو لا يستطيع أن يعالج نفسه من التفكير فإنه يلحق بسلس البول إذا كان لا يستطيع منعه.
هذا الحديث فيه فوائد متعددة: منها: جواز إخبارالإنسان عن نفسه بما يستحيا منه للحاجة، يؤخذ من قوله: "كنت رجلا مذاء" لأن هذا يستحيا منه عادة لكن إذا كان فيه مصلحة فلا بأس ولا يلام عليه الإنسان.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التوكيل في الاستفتاء؛ لأن عليا وكل المقداد أن يستفتي عنه في هذه المسألة.
ومن فوائده: جواز خبر الواحد في الأمور الدينية؛ وذلك لأن عليا إنما وكل المقداد من أجل أن يأخذ بما يخبر به، ويتفرع على هذا وجوب الأخذ بخبر الواحد.
فإن قال قائل: وهل خبر الواحد يوجب العلم؟ قلنا: لا، لكن العمل أقل من العلم بمعنى أنه قد يجب العمل بما لا يفيد العلم؛ لأن الظن في العمل كاف فمثلا الواحد لا يفيد خبره العلم، بمعنى أنه إذا أخبرك لا يمكن أن يكون في قلبك علم يقيني، لكن في الأحكام يجب العمل به بخبر الواحد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
فإن قال قائل: وهل تقوم به الحجة- أي: بخبر الواحد- في الأمور العقدية؟ فالجواب: نعم، تقوم به الحجة ولا إشكال؛ ودليل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبعث الرسل دعاة إلى الله عز وجل دون أن يكون معهم أناس في هذا البعث، ويكتب أيضا للملوك ويذهب بها واحد من الناس، فالصواب أن خبر الواحد ملزم تقوم به الحجة، أما كونه يفيد العلم أو لا يفيد العلم، فهذا بحث آخر، والصواب أنه يفيد العلم بالقرائن، فمن القرائن أن تتلقى الأمة هذا الخبر بالقبول فإذا تلقته بالقبول - ولو كان عن واحد- فإنه يفيد العلم وأبرز مثال لهذا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات". فإن فرد في أوله فرد مطلق.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن لا يتحدث عند صهره بما يتعلق بالنساء من أين تؤخذ؟ حياء علي رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: هل يجوز أن يمنعه هذا الحياء من التفقه في الدين؟ الجواب: لا؛ ولهذا أمر علي بن أبي طالب المقداد أن يسأل.
ومن فوائد هذا الحديث: كمال أدب الصحابة رضي الله عنهم، وذلك من فعل علي رضي الله عنه حيث تجنب أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يجب الصراحة، لكنه لما كان هذا من الأمور التي يستحيا منها أمسك عنها علي بن أبي طالب.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الوضوء من المذي؛ لقوله: فيه الوضوء وظاهر الحديث أنه لا فرق بين القليل والكثير، يعني: بالكمية لا بالزمن والاستمرار، وهو كذلك.
ولكن هنا مسألة: وهي أن بعض الناس يبتلى بالوسواس فيتخيل كما حدثت معه الشهوة أنه أمذى ويتعب في الشتاء وفي الصيف، فهل يستجيب لهذا الوهم أو لا؟ الجواب: لا يستجيب لهذا الوهم؛ لأن الأصل عدمه؛ ولأنه لو استجاب لاستطرد به الشيطان وصار يوهمه في أشياء أعظم من هذا لذلك نقول: لا يستجيب لهذا الوهم وليعرض عنه.
ومن فوائد هذا الحديث: في الروايات الأخرى أنه يجب غسل الذكر والأنثيين من المذي، وهل هذا تعبدي أو محسوس؟ ينبني على خلاف العلماء في قوله: "يغسل ذكره" هل المراد يغسل ذكره منه، فيكون مخصوصا بما أصابه المذي، فإذا قلنا: بهذا القول وقد قيل إنه قول الجمهور، إذا قلنا بهاذ القول صار غسله محسوسا أن أو تعبديا؟ محسوسا؛ لأن النجاسة يجب غسلها، كما لو كانت على ثوب أو عضو آخر، وإذا قلنا: إنه يجب غسل الذكر الأنثيين كما هو القول الراجح صار هذا تعبديا غير معقول، لكن ما الحكمة إذا كان غسله تعبديا؟ قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
العلماء: الحكمة من ذلك أن غسل الذكر والأنثيين يوجب تقلص القنوات التي منها المذي وأن هذا تطهير وعلاج فإنه يقلل.
وقال بعضهم ولعلهم - أعني: القائلين بذلك-: قد مارسوا الغنم، قالوا: إن ضرع الشاة إاذ غسلته بماء بارد تقلص الحليب، على كل حال نقول: هو تعبدي لكن له فائدة وهي أن المذي يتقلص حتى ينقطع بإذن الله، بنى على هذا بعض العلماء - إذا قلنا: إنه تعبدي- فلابد فيه من نية، وإذا قلنا: عن شيء محسوس لم نحتج إلى نية وكيف يتصور أن يغسله الإنسان بلا نية؟ يتصور أن رجلا حصل منه المذي وانغمس في بركة ولم ينو غسل الذكر، فإن قلنا: إنه تعبدي لم يجزئه ذلك؛ لأنه ما نوى، وإذا قلنا: أجزأه فلأن النجاسة لا يشترط لها نية؛ ولهذا لو نزل المطر على ثوب معلق في السطح فإنه يصير طاهرا وإن لم يعلم به الإنسان.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يمنعه الحياء عن التفقه في دين الله، لأن الله لا يستحي من الحق؛ ولهذا كانت النساء تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمور التي يستحيا منها، حتى إن عائشة رضي الله عنها أثنت على النساء اللاتي يفعلن هذا، فقالت: "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين".
ولكن إذا دار الأمر بين التصريح والتلميح- مع أن الحاجة تزول بالتلميح وتتم المصلحة- هل الأولى التلميح أو التصريح؟ الأولى التلميح؛ لأننا نجد في القرآن الكريم أن الله يكني عن الجماع بالإتيان بالمس، وما أشبه ذلك مما يدل على أن التلميح أحسن، إلا إذا كان صاحبك لا يعرف التلميح فلابد أن تصرح، فلو سأل سائل شخصا فقال: إني أتيت أهلي في رمضان وهو لا يعرف ما معنى "أتيت" هذا لابد أن يصرح؛ لأنه ربما يفهم أتيت أهلي في رمضان أني قدمت عليهم من السفر، فإذا كان المسئول لا يفهم التلميح فلابد أن تصرح، أما إذا كان يفهم العبارة التي يحصل بها المقصود فيكفي، كذلك إذا كان الشيء لابد فيه من التصريح، فصرح؛ ولهذا لما جاء الرجل يعترف بالزنا عن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: "أتيتها" قال: نعم، قال له: "أنكتها"- لا يكني صراحة- قال: نعم، لأن هذا لابد أن يصرح به.
أسئلة:
- لماذا اختار علي المقداد دون سائر الصحابة؟
- ولماذا استحيا علي أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم؟
- المذي فيه لغتان ما هما؟
- ما هي حقيقة المذي؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
- هل الناس يختلفون في المذي؟
مسألة: الخارج من الذكر أربعة أشياء: البول، والودي، والمذي، والمني، هذا مع السلامة أما عد ما يخرج من الأشياء الأخرى إذا أصيب بمرض فهذا شيء آخر.
المني معروف أنه طاهر، ويوجب الغسل، أي تطهير البدن كله.
البول نجس ويوجب الوضوء.
المذي نجس ويوجب الوضوء لكن نجاسته خفيفة، ويوجب زيادة على غسل ما أصاب الذكر أنه يغسل الذكر كله والأنثيين.
الودي هو: عصارة البول فيكون حكمه حكم البول، وهو عبارة عن نقط بيضاء تخرج بعد انتهاء البول وكأنها عصارة من المثانة، والله أعلم. وحكمها حكم البول.
فصار الخارج اثنين حكمهما واحد، وهما: البول والودي، واثنان يختلفان عنهما وفيما بينهما وهما: المذي والمني، المذي في حكمه في نجاسته وطهارته وسط بين المني والبول؛ لأن البول لابد فيه من الغسل، والمذي يكفي فيه النضح على القول الراجح، وهو أن يعم ما أصابه بالماء بدون دلك على البدن ولا عصر في الثياب، لكن المني أغلظ منه لأنه يوجب تطهير البدن كله.
حكم نقض الوضوء بالقبلة:
64 - وعن عائشة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ". أخرجه أحمد، وضعفه البخاري.
عائشة هي إحدى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وهي التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بكرا، وهي أحب النساء إليه كما سئل من أحب النساء إليك؟ قال: "عائشة". وهي رضي الله عنها ذكرت هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه فمن هذا البعض؟ لعله هي لكن كنت عن ذلك بالبعض حياء أو غير ذلك من الأسباب، وقولها: "نسائه" يعني: زوجاته كما قال الله تعالى: {ينساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن} [الأحزاب: 32].
"ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ"، ومن المعلوم تقبيل الإنسان لامرأته لاسيما إذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
كان يحبها أن يكون لشهوة، "ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ"، أخرجه أحمد، لكن ضعفه البخاري رحمه الله، ولكن المؤلف رحمه الله أتى بهذا الحديث ليسدل به على أن مس المرأة وتقبيل المرأة لا ينقض الوضوء، والحقيقة أنه لا حاجة لأن تأتي بدليل على ذلك؛ لأن الأصل عدم النقض، فلا حاجة إلى أن نأتي بدليل على أنه لا ينقض إذ إن من ادعى أن مس المرأة لشهوة، أو لتقبيل أو غير ذلك ينقض الوضوء فعليه الدليل؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا القول - أعني: كون مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء- هو القول الراجح الذي لا تدل الأدلة على غيره، وقال بعض العلماء: إن مس المرأة مطلقا ينقض الوضوء، سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، وتوسط بعض العلماء فقال: إن كان لشهوة نقض الوضوء، وإن كان لغير شهوة لم ينقض الوضوء، وأظن أن هناك قولا بأنه إن مس من تحل له فإنه لا ينتقض وضوؤه، وإن مس من تحرم عليه فإنه ينتقض وضوؤه، ولعل هذا القول راعى قائله أن مس من لم تحمل له محرم فينبغي أن يتوضأ؛ لأن الوضوء إذا كان كما توضأ النبي صلى الله عليه وسلم فإن الإنسان يغفر له ما تقدم من ذنبه.
فإذا قال قائل: ما دليل من قال: لا ينقض الوضوء؟
فالجواب: أن دليله عدم الدليل؛ لأن الأصل بقاء الوضوء حيث تم على وجه شرعي، فلا يمكن أن ينقض إلا بدليل شرعي، وحينئذ يكون دليل هؤلاء هو الأصل أي البقاء على الأصل، وعدم الدليل على النقل، أما دليل من قال: إنه ينقض الوضوء مطلقا فاستدلوا بقوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6]. وفي قراءة: {أو لمستم النساء}، والأصل أن اللمس يكون باليد والآية ليس فيها قيد أن يكون بشهوة فتكون دالة على أن مس المرأة مطلقا ينقض الوضوء، وأما من قال: إنه لا ينقض إلا بشهوة فاستدل بالآية إلا أنه قال: إن حمل الآية على معنى مناسب للنقض أولى من الإطلاق، والمعنى المناسب للنقض هو الشهوة؛ لأن مسها بشهوة مظنة حصول الحدث، إما إنزال أو إمذاء، فعلق الحكم بما يكون فيه مظنة الحدث وهو الشهوة، ولكن القول الصحيح كما أقوله الآن: إنه لا ينقض الوضوء مطلقا، ولو بشهوة ما لم يحدث بشيء يخرج منه، وأما الجواب عن الآية الكريمة: فإن الملامسة فيها يراد بها الجماع بلا شك؛ وبهذا فسرها عبد الله بن عباس رضي الله عنه ترجمان القرآن الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه التأويل ويفقهه في الدين. ويدل على أن هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
هو المتعين التقسيم الذي في الآية، فالله عز وجل ذكر طهارتين موجبين للطهارة، فالطهارتان: المائية والترابية، والموجبان للطهارة: الحدث الأصغر، والحدث الأكبر.
{يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} هذه طهارة مائية في الحدث الأصغر {وإن كنتم جنبا فاطهروا} هذه طهارة مائية في الحدث الأكبر {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6].
قال تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} {فتيمموا}، لكن قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط}، "أو" هنا بمعنى "الواو" يعني: وجاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، جاء أحد منكم من الغائط هذا موجب للطهارة الصغرى، {أو لمستم النساء} هذا موجب للطهارة الكبرى، لو قلنا: "لامستم النساء"، يعني: انتقض الوضوء بمس المرأة لكان الذي ذكر في الآية موجبا واحدا مكررا، وحذف منها موجب آخر لابد من ذكره حتى تكون الآية دالة على الحدث الأصغر والأكبر، ثم نقول: والدليل الآخر أن الله تعالى يعبر عن الجماع بالمس كقوله تبارك وتعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236].
وقوله: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [البقرة: 237]. أي: تجامعوهن؛ فتبين بهذا أن المراد بالملامسة الجماع، ذكرنا أن قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} بمعنى: وجاء فهل هناك شاهد بأن "أو" تأتي بمعنى "الواو"؟
الجواب: نعم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحد من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك".
فقوله: "سميت به نفسك، أو أنزلته" بمعنى: وأنزلته في كتابك؛ لأن ما سمى الله به نفسه إما أن يكون نازلا في الكتاب، أو علمه الله أحدا من خلقه عن طريق الوحي، فثبت بالسنة، أو استأثر به في علم الغيب عنده. فتبين أن "أو" تأتي بمعنى الواو في اللغة العربية، وعليه فنقول: إذا قبل الرجل امرأته وهو على وضوء لشهوة ولو مع انتصاب ذكره، فإنه لا ينتقض وضوؤه ما لم يحدث بمذي أو غيره فينقض بالحدث، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
خروج الريح:
65 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". أخرجه مسلم.
قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا" يعني: شيئا من الحركة التي هي الريح، "فأشكل عليه" أي: شك، "أخرج منه شيء أم لا"، المراد بالشيء هنا: الريح، "أم لا؟ فلا يخرجن" قال: "أم" وهذا هو الأفصح ويجوز أن يحل محلها أو "أو لا" ولكنها إذا جاءت بمثل هذا التركيب فالأولى "أم". "فلا يخرجن من المسجد" لماذا؟ ليتوضأ وليس المعنى لا يخرجن من المسجد لأن من أحدث حرم عليه البقاء في المسجد لكن فلا يخرجن من المسجد ليتوضأ. "حتى يسمع صوتا"، إن كان الخارج له صوت، "أو يجد ريحا" إن لم يكن له صوت؛ لأن الخارج من الريح إما أن يكون له صوت مسموع، وإما أن تكون له رائحة، وإما أن يجتمع الأمران، وإما أن يعدم الأمران لكن يتيقن الإنسان، كرجل لا يشم ولا يسمع فإنه إذا تيقن أنه خرج انتقض وضوؤه وإن لم يسمع ولم يشم. هذا الحديث يدل على أن الإنسان إذا شك في الحدث وهو على طهارة فإنه لا يلزمه الوضوء؛ لأن الطهارة متيقنة والوضوء باق والحدث مشكوك فيه، ولا يترك اليقين بالشك. هذه قاعدة، يعني: أخذ العلماء من هذا الحديث قواعد:
منها: أن اليقين لا يزول بالشك.
ومنها: أن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
ومنها: أن اليقين يزول باليقين الطارئ عليه؛ لقوله: "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
ومن فوائد هذا الحديث: أن الدين الإسلامي يريد من أهله أن لا يبقوا في قلق وارتباك وريب؛ لأن الإنسان إذا مشى على هذه القاعدة استراح لكن إذا صدع للأوهام والوساوس تعب فنحن نقول: استرح لو شككت وأشكل عليك فالأصل بقاء الطهارة.
ومن فوائد الحديث: أنه لو غلب على ظنه أنه أحدث فإنه لا يلزمه الوضوء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علق وجوب الوضوء بأمر متيقن وهو سماع الصوت، أو الرائحة، أما ما سوى ذلك فلا، وعلى هذا فلا يعمل هنا بغلبة الظن، يعني: لو أشكل على الإنسان أخرج منه شيء، سواء ريح أو بلل في رأس ذكره، أو بلل في حلقة الدبر، أو ما أشبه ذلك، وأشكل عليه وغلب على ظنه أنه خارج فلا يلتفت إليه حتى يتيقن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
ومن فوائد هذا الحديث: أن المساجد ليست محلا للوضوء وأن العادة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا وضوء في المساجد لقوله: "فلا يخرج من المسجد" يعني: ليتوضأ، لكن إذا أعد مكان للوضوء في المسجد ولم يحصل به أذية على أهل المسجد فلا بأس أن يتوضأ فيه، أما إذا لم يكن هناك مكان معد مثل أن يأتي عند البرادة التي في وسط المسجد مثلا فيتوضأ فليس ذلك بجائز؛ لما في ذلك من تلويث المسجد، إما من هذا الرجل، أو من يقتدي بهذا الرجل؛ ولأن الماء الذي في البرادة إذا سحبه الإنسان سوف ينقص التبريد لاسيما في أيام الصيف فيكون هذا استعمالا للماء في غير ما وقف له.
إذن إذا شك المتوضئ في انتقاض وضوئه هل يعمل بهذا الشط؟ لا يعمل، وهل هو آثم إذا لم يلتفت إليه؟ لا، يل هذا هو السنة وهذا هو الذي ينبغي للإنسان أن يسير عليه.
هذا الحديث بنى عليه العلماء مسائل كثيرة في الطلاق، وغيره، يعني: لا يخلو باب من الفقه إلا ويمكن أن تجد فيه لهذا الحديث فرعا، فمن ذلك لو قال قائل: إن كان هذا الطائر غرابا فزوجتي طالق وهو لا يرى الطير ولا يدري ما هو أتطلق؟ لا، لماذا؟ لأننا شككنا ما ندري هذا الطائر فإذا شككنا فالأصل عدم الطلاق، ولا يقال إن الورع أن تطلق لأن هذا ليس هو الورع، الورع أن تلتزم بالسنة.
لو قال هذا الذي شك في الحدث اطرد الشط باليقين وسيحدث هل هذا بدعة أو سنة؟ هذه بدعة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وجهك إلى شيء غير هذا؛ لأن بعض الناس إذا شك في انتقاض وضوؤه ذهب ينقض وضوءه عمدا زعما منه أنه سوف يستريح، وليس كذلك لن يستريح الشيطان متى غلب عليه حتى فعل مثل هذا الفعل، فلن يستريح وكذلك في الطلاق بعض الناس يكون عليه الوسواس، ثم يشك هل طلق زوجته أو لا، فيقول: أستريح وأطلقها، وهذا غلط بل الراحة اتباع السنة وهو البقاء على الأصل.
أسئلة:
- لماذا أتى المؤلف بحديث عائشة؟ ليبين أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء.
- وهل الأمر يحتاج إلى ذلك؟
- ما حكم مس المرأة أينقض الوضوء أم لا؟ لا.
- لو استدل بقوله تعالى: {أو لمستم النساء} هل نوافقه؟ لا.
- هل لتفسير ابن عباس ما يؤيده من القرآن؟
- حديث أبي هريرة: "إذا وجد أحدكم في بطنه .. إلخ" ذكر العلماء أنه أصل أصيل في مسائل كثيرة من العلم منها؟
-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
إذا شك الإنسان في نقض الوضوء لتعارض الأدلة كيف يمكن أن نعرف الحكم من هذا الحديث؟
- قوله عليه الصلاة والسلام: "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" فإذا كان الرجل لا يشم ولا يسمع وشك أنه خرج منه ريح فماذا يصنع؟
مس الذكر:
66 - وعن طلق بن علي رضي الله عنه قال: "قال رجل: مسست ذكري، أو قال: الرجل يمس ذكره في الصلاة، أعليه الوضوء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، إنما هو بضعة منك". أخرجه الخمسة، وصححه ابن حبان، وقال ابن المديني: "هو أحسن من حديث بسرة".
"طلق بن علي" يروي عن رجل أنه قال للرسول عليه الصلاة والسلام: "مسست ذكري"، فأضاف المس إلى نفسه، والمس لابد أن يكون مباشرة، فأما مع الحائض فليس بمس لوجود الحائل الذي يحول، وقوله: "مسست" الغالب أن المس إنما يطلق على المس باليد، والمعنى: "مسست ذكري"، أو قال: "الرجل يمس ذكره"، يعني: بيده، وقوله: "في الصلاة" يعني: حال كونه في الصلاة، وهذا يوجد إشكالا وهو أنه كيف يمكن أن يمس الإنسان ذكره وهو يصلي؛ لأن عليه لباس، عليه قميص وسراويل كيف يمس؟ نقول: لا إشكال، ما دمنا عرفنا أن المس في اللغة العربية إنما يكون مباشرة وبدون مباشرة لا يكون مسا، وإنما مس الحائل حينئذ يزول الإشكال، فالإنسان مثلا وهو يصلي ربما يحتاج إلى مس الذكر مباشرة فيمسه، وما دام يمكن أن ينزل المعنى اللغوي على الواقع فإنه يزول الإشكال، "أعليه الوضوء" يعني: أيجب عليه الوضوء، واعلم أن كلمة "على" من أدوات الوجوب، يعني: "يجب" من أدوات الوجوب، "يلزم" من أدوات الوجوب، "عليه كذا" من أدوات الوجوب وإن كانت ليست بصريحة فيه لكنها ظاهرة في ذلك.
وقوله: "أعليه الوضوء" يعني: أيجب عليه أن يتوضأ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا" أي: لا يجب؛ فالسؤال الآن عن الوجوب، والجواب على نفي الوجوب، يعني: لا يجب، وعلى هذا لا يمنع أن يكون مستحبا، ولكن سننظر الحديث الذي بعده إن شاء الله.
قال: "إنما هو بضعة منك"، هذا تعليل للحكم وهو انتفاء الوجوب، كأن سائلا سال: لماذا لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
يجب؟ قال: "إنما هو بضعة منك"، "بضعة" يعني: قطعة من الإنسان كسائر الأعضاء كاليد والرجل، والأصبع والأذن، وما أشبه ذلك، فهل إذا مس الإنسان أذنه ينتقض وضوؤه؟ لا، إذن إذا مس ذكره لا ينتقض الوضوء؛ لأنه جزء منه، وهذه العلة علة لا يمكن زوالها أبدا ولا تشكل على أحد، يعني: لا قال: إن هذه علة وصفية يمكن أن يجادل فيها، هذه علة محسوسة أن الذكر بضعة من الإنسان فإذا كان الإنسان إذا مس بقية أعضائه لا ينتقض وضوؤه فكذلك إذا مس ذكره.
ففي هذا الحديث فوائد؛ منها: جواز السؤال عما يستحيا منه إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وجهه: إنه سأل عن مس الذكر، فإن هذا يستحيا منه، ولكن دعت الحاجة إلى ذلك من أجل أن يبين للمفتي الأمر على حقيقته، ولابد أن يبين الأمر على حقيقته.
ومن فوائد هذا الحديث: أن مس الذكر لا يوجب الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا" و "لا" جواب يفيد النفي.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يذكر الحكم وعلته، وذلك في قوله: "إنما هو بضعة منك"، ونأخذ منه فائدة تترتب على ذلك: أنه ينبغي للمفتي إذا أفتى بشيء أن يذكر الدليل أو التعليل ليطمئن السائل، لاسيما إذا وجده قد استغرب الحكم أو استنكره؛ فإنه حينئذ يتعين أن يبين له مآخذ الحكم ليأخذ الحكم عن اقتناع؛ لأن كثيرا من الناس إذا سأله العامي قال: هذا حرام، أو هذا حلال ويمشي، لكن إذا شعرت أن الرجل لم يقتنع، وأنه استغرب الحكم فعليك أن تبين الدليل، والمؤمن يقتنع بالدليل؛ ولهذا تحس دائما أن الرجل إذا سألك عن مسألة، ثم أفتيته بها ورأيت أنه ليس بقابل إلى ذلك الحد، ثم قلت: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال كذا؛ تجده يسفر وجهه ويقتنع تماما، وهذا أمر قد يغفل عنه كثير من الناس.
ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى أنه إن مس الذكر على وجه آخر يخالف مس بقية الأعضاء فله حكم آخر، وذلك إذا مسه لشهوة، فإنه إذا مسه لشهوة لا يكون كبقية الأعضاء؛ لأن بقية الأعضاء لا يمكن للإنسان أن يمسها بشهوة، لكن الذكر يمكن أن يمسه لشهوة؛ فعليه نقول: إذا مس الذكر مسا ليس على مس الأعضاء العادي وجب عليه الوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفي الوجوب وعلل، وهذه علة منصوصة، وعلة لا يمكن أن تعتل أو تزول، "إنما هو بضعة منك"، وعليه فإذا مسه على وجه الشهوة فإنه ينتقض وضوؤه، وهذا هو الصحيح أن مس الذكر إن كان لشهوة انتقض به الوضوء، وإلا فلا.
فإن مسه غيره فهل ينتقض وضوؤه؟ أي: الممسوس. الفقهاء يقولون: لا ينتقض وضوؤه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
ولكن إذا رجعنا إلى العلة قلنا: إنه ينتقض، كرجل مست امرأته ذكره وحصل شهوة، العلة واحدة؛ وربما يكون إثارة شهوته بمسه امرأته أشد من إثارة شهوته بمسه هو.
67 - وعن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مس ذكره فليتوضأ". أخرجه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن حبان.
- وقال البخاري: "هو أصح شيء في هذا الباب".
"من" شرطية تفيد العموم، وقوله: "مس ذكره فليتوضأ" اللام في قوله: "فليتوضأ" لام الأمر فيفيد فوائد؛ منها: أن الرجل إذا مس ذكره فإنه مأمور بالوضوء لقوله: "فليتوضأ".
قوله: "من مس ذكره" ظاهره أنه لا فرق بين أن يمسه لشهوة أو لغير شهوة، وبين أن يمسه عمدا أو غير عمد؛ لأن الإنسان ربما يمس ذكره عن غير عمد، أما إذا أراد أن يرفع إزاره أو يرفع سراويله فمسه عن غير عمد فظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يقصد ذلك أو لا.
وقد يقال إن قوله: "من مس" ظاهر في أن المراد: تعمد المس، لكن الفقهاء الحنابلة رحمهم الله يقولون: إنه إذا مس ذكره ولو عن غير قصد فإن وضوءه ينتقض.
وقوله: "من مس ذكره" ولم يقل: من مس الذكر، فيقتضي أنه إذا مس ذكر غيره لا ينتقض وضوؤه، كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله.
وقوله: "فليتوضأ" لم يذكر إلا الوضوء، فلا يجب الاستنجاء؛ لأن الاستنجاء إنما يجب من بول أو غائط.
في هذا الحديث فوائد منها: أن من مس ذكره فإنه مأمور بالوضوء مطلقا لشهوة أو لغير شهوة، عن عمد وعن غير عمد، لكن كما ذكرنا آنفا أن الظاهر أن المراد العمد.
وهل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ اختلف العلماء رحمهم الله في هذا القول؛ فقيل: إن ألأمر للوجوب: وقيل: إن الأمر للاستحباب لم يكن بينهما تعارض، فهل نقول في الجمع بينهما: الأمر في حديث "بسرة" للاستحباب، ونفي الوجوب في حديث "طلق" لا يعارض ثبوت الاستحباب، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وقالوا: إنه إذا مس ذكره استحب أن يتوضأ سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، ولا يجب سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، وقيل: إن الجمع بينهما إذا قلنا الأمر للوجوب أن يحمل حديث "بسرة" على من مسه لشهوة، وحديث "طلق" على من مسه لغير شهوة، والتعليل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
يدل على هذا الجمع، ما هو التعليل؟ لقوله: "إنما هو بضعة منك"، فيكون إن مسه هو بشهوة فقد مسه لا على أنه بضعة منه فيجب عليه الوضوء، وإذا كان لغير شهوة لم يجب، لكن إذا قلنا: لا يجب ألا يمكن أن نقول: يستحب؟ الجواب: بلى، نقول: إنه يستحب.
فإذا قال قائل: كيف تقولون إنه يستحب، وأنتم لو أن أحدا سألكم عن شخص مس أذنه أيستحب أن يتوضأ؟ قلنا: لا؛ إذن لماذا؟
نقول: احتياطا لأن هذا - أعني: مس الذكر- ورد الأمر فيه بالوضوء بخلاف مس الأذن.
وعلى هذا فيكون خلاصة القول: إن مسه لشهوة وجب عليه الوضوء، وإن مسه لغير شهوة لم يجب عليه الوضوء، لكن يستحب احتياطا، وحينئذ نكون جمعنا بين الحديثين، ولا نحتاج إلى الترجيح؛ لأن ابن المديني رحمه الله يرى أن حديث "طلق" أرجح من حديث "بسرة"، والبخاري يقول: "إنه أصح شيء في هذا الباب". ولا يخفى أن البخاري رحمه الله اطلع على حديث "طلق"، ولكن يرى أن هذا أصح شيء في هذا الباب، ونقول: لا حاجة إلى الترجيح ما دام الجمع ممكنا.
بقي علينا "مس الأنثيين"، هل ينقض الوضوء؟ الجواب: لا، حتى وإن كان لشهوة فإنه لا ينتقض الوضوء، أيضا من مس ذكر غيره فهل ينتقض وضوؤه؟ نقول: ظاهر الحديث لا، وظاهره ولو لشهوة كما لو مست المرأة ذكر زوجها لشهوة لكن هنا ينبغي الوضوء.
مسألة: لو أن المرأة تطهر طفلها الصغير من النجاسات وغيره هل ينتقض وضوؤها؟ لا ينتقض؛ لأنها قطعا لم تمسه لشهوة، ثم هي مست ذكر ابنها فلا يدخل في هذا الحديث.
أيضا مسألة: لو أنه مس الدبر فهل ينتقض وضوؤه؟ لا ينتقض، لكن في بعض ألفاظ الحديث: "من مس فرجه"، وعلى هذا اللفظ نقول: إنه يستحب الوضوء من ذلك ولا يجب.
القيء والرعاف والقلس:
68 - وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أصابه قيء أو رعاف، أو قلس أو مذي؛ فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم". أخرجه ابن ماجه، وضعفه احمد وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
أولا: نسأل لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث مع أنه ضعيف مخالف للأصول؟ نقول: أتى به رحمه الله ليبين حاله - حال هذا الحديث- وأنه ضعيف؛ ولأن بعض العلماء أخذ به، فأتى به ليبين مرتبة هذا الحديث وحاله، وأن من أخذ به فهو قد بنى على حديث ضعيف.
قوله: "من أصابه قيء" القيء خروج الطعام أو الشراب من المعدة، "أو رعاف" خروج الدم من الأنف، "أو قلس" خروج الطعام أو الشراب من المعدة، ولكن ملء الفم فقط؛ يعني: ليس بكثير، "أو مذي" هو الماء الذي يخرج عند الشهوة، وسبق الكلام عليه، "فلينصرف" من أي شيء؟ من المسجد، لكن الحديث يدل على أن المصلي ينصرف من الصلاة، قال: "فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته"، فهذا الرجل الذي أصيب بهذه الأشياء وهو يصلي نقول: انصرف توضأ، وابن على صلاتك، ولكن لا تتكلم لأنك لو تكلمت بطلت الصلاة، لكن هذا الحديث - كما قال ابن حجر رحمه الله ضعفه أحمد، [في الحاشية] عندي ضعفه الشافعي، والداقطني؛ لأن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم غلط والصواب إرساله. هذا الحديث ضعيف من حيث السند، وأيضا ضعيف من حيث المتن؛ لأنه مخالف لأصول الشريعة.
فإذا قلنا: إن هذه الأشياء الأربعة نواقض للوضوء، فكيف يصح بناء آخر الصلاة على أولها مع وجود ناقض، هذا لا يمكن، والرسول عليه الصلاة والسلام قال في حديث أبي هريرة إنه إذا سمع صوتا أو وجد ريحا ماذا يجب عليه؟ يجب أن ينصرف ويتوضأ، فيكون هذا الحديث مخالفا له.
ثانيا: من منكرات هذا الحديث أنه قال: "وهو في ذلك لا يتكلم". فيقال: سبحان الله!
الحدث لا يبطل الصلاة والكلام يبطل أيهما أهون؟ الكلام، ولهذا لو تكلم الإنسان جاهلا في صلاته أو ناسيا فصلاته صحيحة، لكن لو أحدث ناسيا بطلت صلاته.
على كل حال: هذا الحديث لا يصح، وإذا لم يصح لم يبن عليه حكم، فلنرجع إلى هذه الأشياء.
هل " "القيء" ينقض الوضوء؟ الصواب: لا، قل أو كثر، وذلك لعدم الدليل الصحيح على نقض الوضوء به، ولا فرق بين أن يتقيأ الشيء وهو بحاله، يعني: الآن أكل أو شرب ثم تقيأ والطعام لم يتغير والشراب لم يتغير، أو كان قد تغير بأن أخذ مدة ثم تقيأ فإنه لا ينقض وضوءه لا القليل ولا الكثير، ولا المتغير ولا غير المتغير.
"الرعاف" مثله نقول: لا ينقض الوضوء حتى لو كثر. فإن قال قائل: أليس جاء في الحديث: أن الرجل إذا أحدث في صلاته خرج من الصلاة ووضع يده على أنفه كأنه أرعف، ألا يدل هاذ على نقض الوضوء بالرعاف؟ فالجواب: لا، لكن من المعلوم أن الإنسان إذا أرعف وهو يصلي، فإنه لا يتمكن من إتمام الصلاة وحينئذ لابد ان يخرج؛ لأن لا يمكنه إتمام الصلاة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
على الوجه المطلوب مع وجود الرعاف؛ وإذا كان نهي أن يصلي وهو يدافع الأخبثين فكذلك هنا سوف يشتغل.
"القلس" نقول: إذا لم ينقض القيء فالقلس من باب أولى.
"المذي" ينقض الوضوء لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "توضأ وانضح فرجك" فهو ناقض للوضوء، فصار الثلاثة الأولى: "القيء، والرعاف، والقلس" كلها لا تنقض الوضوء؛ وذلك لأن الأصل بقاء الوضوء وعدم الناقض إلا بدليل صحيح.
حكم الوضوء من لحوم الإبل:
69 - وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه: "أن رجلا سأل صلى الله عليه وسلم أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم". أخرجه مسلم.
هذا يقال فيه ما قيل فيما سبق من جهة السؤال، قال: "أتوضأ من لحوم الغنم" يعني: إذا أكلها، فقال له: "إن شئت" يعني: إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ، "أتوضأ من لحوم الإبل"، قال: نعم، يعني: أنه يجب أن تتوضأ، ووجه قولنا: يجب أن تتوضأ؛ لأنه علق الوضوء من لحم الغنم على مشيئته، وهذا يستلزم أن لا مشيئة له في أكل لحم الإبل، وأنه يجب أن يتوضأ.
أسئلة:
- اختلف العلماء رحمهم الله في حديث طلق، وبسرة اللذين ظاهرهما التعارض، فسلكوا مسلك الترجيح، فهل هذا المسلك صحيح؟ لا، لماذا؟ لأنه لا يصار إلى الترجيح إلا إذا تعذر الجمع.
- كيف يمكن الجمع؟
- حديث عائشة ذكره المؤلف وقال: إنه ضعفه أحمد فما فائدة ذكره؟ ليبين ضعفه.
- ما الفرق بين القيء والقلس؟
- هل قال أحد بأن القيء والرعاف ينقض الوضوء كثيره دون قليله؟ نعم، فقهاء الحنابلة، والراجح خلافه.
- هل المذي ينقض الوضوء؟
- نكمل حديث جابر قال: "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أنتوضأ من لحوم الغنم"، كلمة "رجل" مبهم لم يعين، وهل الحكم يتوقف على تعين هذا الرجل؟ لا يتوقف، وعلى هذا فلا يضر عدم معرفة الرجل المذكور بعينه؛ لأن المقصود هو الحكم، سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)