أو أصابع الرجل أو الجميع؟ ظاهر الحديث أنه الجميع، يخلل أصابع اليدين ويخلل أصابع الرجلين، لكنه في الرجلين أوكد؛ لأن تلاصق الأصابع في الرجل أشد من تلاصقها في اليد. وقوله: "بالغ في الاستنشاق" الاستنشاق هو: جذب الماء بنفس إلى داخل الأنف إلا أن تكون صائما؛ يعني: فلا تبالغ في الاستنشاق حذرا من أن ينزل الماء من الأنف إلى المعدة فيكون هذا سببا للإفطار.
ففي هذا الحديث فوائد منها: وجوب إسباغ الوضوء هذا إذا قلنا الإسباغ بمعنى الشمول والتعميم، وأما إذا قلنا أسبغوا، أي: ائتوا به كاملا فإنه يجب فيما فيه التعميم ويستحب فيما فيه الكيفية.
ومن فوائد هذا الحديث: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إتمام الوضوء، وعلى أنه لا ينبغي التهاون به.
ومن فوائده: أنه إذا كان الإنسان مأمورا بإسباغ الوضوء وهو من شروط الصلاة؛ فإكمال الصلاة من باب أولى؛ يعني: إذا كنا مأمورين بأن نحرص على شروط الصلاة ونعتني بها فالصلاة من باب أولى، فيكون فيه إشارة إلى أنه يجب الاعتناء بالصلاة.
ومن فوائد هذا الحديث: الأمر بتخليل الأصابع، وهل الأمر للوجوب؟ في هذا تفصيل إن كانت متلاصقة جدا بحيث لا يصل الماء إلى ما بينها فالتخليل واجب، وإن كانت متسعة فالخليل ليس بواجب.
فإن قال قائل: وهل للتخليل صفة مشروعة أو هو مطلق خلل بأي إصبع شئت، وعلى أي كيفية شئت؟
فالجواب: أن ألأمر واجب، ولكن بماذا تبدأ؟ نقول: ابدأ بالخنصر بالنسبة لليمنى، ثم البنصر ثم الوسطى، ثم السبابة، ثم الإبهام. بالنسبة لليسرى تكون بالعكس يبدأ بالإبهام إلى الخنصر.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية المبالغة في الاستنشاق لقوله: "بالغ في الاستنشاق" إلى حد يصل إلى احتمال نزول الماء إلى المعدة، دليل أن هذا حد المبالغة: الاستثناء في قوله: "إلا أن تكون صائما".
ومن فوائد الحديث: أن ما وصل إلى المعدة من الشراب عن طريق الأنف كالذي يصل إلها عن طريق الفم لقوله: "إلا أن تكون صائما".
ومن فوائد هذا الحديث: أن الصائم لا يسن له المبالغة في الاستنشاق سواء كان صومه نفلا أو فرضا.
ومن فوائد هذا الحديث: الأخذ بالاحتياط؛ لأن المبالغة في الاستنشاق للصائم ربما ينزل الماء إلى بطنه، فيحتاط الإنسان ولا يبالغ.
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان يتضرر بالمبالغة؛ لأن بعض الناس يتضررون بها، بأن يحصل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
لهم احتقان في الأنف أو حساسية أو ما أشبه ذلك، فإنا نقول: يكتفي في ذلك بأن يدخل الماء إلى منخريه.
وهل يستفاد من هذا أن الاستنشاق واجب؟ قد يقول قائل: إنه يفيد أن الاستنشاق واجب لقوله: "بالغ فيه"، وسبب المبالغة لا يتحقق إلا إذا وجد الأصل، وقد يقال: إنه لا يدل على الوجوب؛ لأن الأمر بالصفة أمر بها إذا وقع الفعل، فيقال: بالغ في الاستنشاق إن استنشقت، وقد سبق لنا أن الآية الكريمة تدل على وجوب المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما من الوجه.
ومن فوائد هذا الحديث: أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لواحد من الأمة أمر للجميع؛ ولهذا يستعمل العلماء رحمهم الله الاستدلال بمثل هذه الأحاديث الموجهة إلى الواحد على أنها للعموم وهو كذلك، فخطاب النبي صلى الله عليه وسلم لواحد من الأمة خطاب لجميع الأمة إلى يوم القيامة.
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لأبي بردة بن نيار في العناق: "إنها لن تجزئ عن أحد بعدك". وهذا تخصيص فما الجواب؟
الجواب من أحد وجهين:
الوجه الأول: إما أن نقول: إن هذا نص النبي صلى الله عليه وسلم على خصوصيته، وكونه ينص على خصوصيته دليل على أنه لولا أنه لم يخصص بهذا لكان الحكم عاما، ولهذا لما قال الله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك} [الأحزاب: 50]، فدل ذلك على أن ما لم يخصص به الرسول عليه الصلاة والسلام فهو عام له وللأمة. هذا وجه.
الوجه الثاني: أن المراد بالبعدية هنا: بعدية حال وصفة؛ أي: لن تجزئ عن أحد لم تصل به الحال إلى حالك التي وصلت إليها، وهذا الثاني اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لأنه يقول: الأحكام الشرعية تبنى على الأوصاف والعلل والمعاني، وليست على الأشخاص؛ لأن الناس عند حكم الله عز وجل واحد، فلا يخص أحدا بعينه؛ لأنه فلان بل يخص بوصفه لا بعينه، وما ذهب إليه رحمه الله هو الحق؛ أي: أن الشرع لا يمكن أن يخصص أحدا بعينه؛ لأنه فلان بل لابد من وصف إذا وجد في غيره ثبت الحكم في حقه.
قال: "ولأبي داود في رواية: "إذا توضأت فمضمض". فعلى هذا يكون في حديث لقيط ذكر الاستنشاق وذكر المضمضة، والمضمضة صرح النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بها إذا توضأت فمضمض،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
والمؤلف رحمه الله أراد بسياق هذه الأدلة الدالة على وجوب المضمضة والاستنشاق أراد بذلك التأكيد، وإلا فلا شك أن الأنف والفم داخلان في الوجه.
استحباب تخليل اللحية:
36 - وعن عثمان رضي الله عنه قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته في الوضوء". أخرجه الترمذي، وصححه ابن خزيمة.
اللحية معروفة: هي الشهر النابت على اللحيين والخدين كما ذكر ذلك صاحب القاموس، وعلى هذا فالعوارض من اللحية، ولا ضرر أن تكون اللحية مشتملة على اسم يعم أجزاء لكل واحد منها اسم خاص، كما لو قلت: "اليد" مثلا فيها الكف، وفيها الأصابع، وفيها الذراع، وفيها المرافق، وكلها يشملها اسم اليد، كذلك أيضا اللحية نقول: هي لكل شعر الوجه واللحيين، ولا مانع من أن نقول: هذا عارض، وهذا ذقن، وهذا كذا، وهذا كذا، لا مانع، وإنما أشرت إلى هذا؛ لأن بعض الناس قال: إن المراد باللحية: الذقن فقط دون ما ينبت على اللحيين، ودون ما ينبت على الخدين؛ لأن ذلك له اسم خاص، فيقال: إنه لا مانع من أن يكون الاسم يطلق على شيء له أجزاء لكل واحد منها اسم خاص، الرأس الآن فيه مؤخر ويمين وشمال وهو يطلق عليه اسم رأس.
قوله: "كان يخلل لحيته في الوضوء"، أي: يدخل الماء فيما بين الشعر من أجل أن يصل الماء إلى جميع الشعر، وظاهر الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخللها مع طولها، ومن المعلوم أن لحية النبي صلى الله عليه وسلم كانت كثة عظيمة.
فيستفاد من هذا الحديث: استحباب تخليل اللحية، ولا يكون وجوبا؛ لأن ذلك مجرد فعل، والفعل لا يدل بمجرده على الوجوب.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي تطهير الشعر النابت على محل الفرض، وأما الشعر الذي دونه كالشعر الذي على الرقبة فلا، ولم يذكر شعر الحاجب وشعر الأهداب؛ لأن هذه لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
تحتاج إلى تخليل إذ إنها قليلة، والغالب أنها تكون خفيفة، وهذا وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن الشعر النابت على الوجه ينقسم إلى قسمين: خفيف، والثاني كثيف.
فالخفيف: هو الذي ترى من ورائه البشرة.
والكثيف: هو الذي لا ترى من ورائه البشرة، ثم قسموا تطهيرها للشعر إلى ثلاثة أقسام، فقالوا: إما في التيمم فلا يجب إلا مسح ظاهر الشعر، ولا يجب أن يوصل الإنسان التراب إلى داخل الشعر سواء كان على جنابة أو كان على حدث أصغر، وأما إذا كانت الطهارة طهارة جنابة؛ فإنه يجب إيصال الماء إلى الشعر ظاهره وباطنه، سواء كان خفيفا أو كثيفا، وهذان متقابلان، التيمم لا يجب مطلقا، والغسل من الجنابة يجب مطلقا، وأما الوضوء فإن كان الشعر خفيفا ترى من ورائه البشرة وجب إيصال الماء إليه، وإن كان كثيفا لم يجب إيصال الماء إلى باطن الشعر، واكتفي بغسل ظاهره.
ثم اختلف العلماء - رحمهم اله- في المسترسل من شعر اللحية هل يجب غسله أو لا يجب إلا ما كان على قدر اللحيين فقط؟ والصحيح: أن غسله واجب؛ لأنه داخل في عموم الوجه، وقد قال الله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6].
فإن اللحية وإن طالت يجب في الوضوء أن يغسلها الإنسان، إما أن يغسل ظاهرها إن كانت كثيفة، أو ظاهرها وباطنها إن كانت خفيفة.
أسئلة في إسباغ الوضوء:
- هل الأمر للوجوب أو لا؟
- هل اللفظ المشترك يستعمل في معنين؟ الراجح يستعمل بشر ألا يتنافيا.
- لماذا قال: "إن أن تكون صائما"؟
- لو وصل الماء عن طريق الأذن إلى المعدة هل يفطر؟ لا
- هل يؤخذ من حديث لقيط اتباع الاحتياط؟ نعم.
- هل نأخذ من حديث عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذا لحية؟
حكم الدلك:
37 - وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بثلثي مد، فجعل يدلك ذراعه". أخرجه وصححه ابن خزيمة.
"أتى بثلثي مد" والمد: ربع الصاع - صاع النبي عليه الصلاة والسلام وصاع النبي - عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
الصلاة والسلام- أقل من الصاع المعروف عندنا بالخمس وزيادة، يعني: ثمانين من مائة وخمسة، هذا صاع النبي عليه الصلاة والسلام بالنسبة لأصواعنا فهو قليل، والمد: ربع الصاع، وثلثا المد يعني الثلثين … قليل، ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بثلثي مد، وهذا أقل ما روي أنه توضأ به، وأكثر ما يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
فيستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي الإسراف في استعمال الماء، وأن الإنسان يقتصر على أدنى ما يمكن إسباغ الوضوء به؛ وقوله: "فجعل يدلك ذراعيه". الدلك هو مسح الشيء على وجه فيه شدة حتى يسبغه؛ لأن الماء قليل فلابد من دلك حتى يسبغ ذراعيه، والذراع: هو الساعد الذي بين المرفق والكتف.
فيستفاد من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يسرف في استعمال الماء؛ لأنه يقتصر على ثلثي مد.
فإن قال قائل: وهل ممكن؟ قلنا: نعم، هذا ممكن إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام فعله فهو ممكن؛ لأنه أسوتنا، أما على ما نحن عليه الآن من هذه الصنابير فإن الإنسان يتوضأ بكم؟ يمكن بأكثر من صاع؛ لأنه لا يزال الماء في الصنوبر يمشي ولا يمكن أن تقدر - قدره، ولهذا رأينا في بعض المناطق في الحجاز أنهم يستعملون استعمالا جيدا جعلوا البزبوز الصمام الذي يكون للغاز، لأنه ضيق فلا يسرف كثيرا، وهذا لا شك أنه جيد، خصوصا في الأماكن العامة التي لا يقدر فيها الناس قدر الماء.
وفي هذا الحديث أيضا: استحباب دلك الأعضاء لقوله: "فجعل يدلك"؛ فيستحب منه الدلك، ولكن هذا فيما إذا كان الماء كثيرا يسبغ بدون دلك، فالدلك يكون سنة؛ لأنه أبلغ في الإسباغ، أما إذا كان الماء قليلا لا يمكن أن يجزي على الأعضاء إلا بدلك، فالدلك واجب وهذا القول وسط بين قولين:
الأول: أن الدلك واجب مطلقا؛ لأنه لا يتيقن أن الماء وصل إلى جميع العضو إلا بالدلك؛ إذ إن الجلد فيه شيء من الدهون، فقد لا يصل الماء عن موضع الجلد فلا يدرك الواجب.
الثاني: بعض العلماء: -وهم الأكثر 0 يقولون: إن التدليك سنة، وفي هذا يقول القحطاني في نونيته رحمه الله: [الكامل]
الغسل فرض والتدلك سنة … وهما بمذهب مالك فرضان
لكن الصحيح: التفصيل؛ إذا كان الماء كثيرا ينتشر على الجلد بلا إشكال فالدلك سنة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
وإن كان قليلا فالدلك واجب. إذا نزلنا هذا الحديث على ما ذكرنا من التفصيل يكون الدلك واجبا.
صفة مسح الرأس والأذنين:
39 - وعنه رضي الله عنه: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه". أخرجه البيهقي
- وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه". وهو المحفوظ.
"وعنه" يعني: عبد الله بن زيد، أنه رأي النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ ماء لأذنيه، ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه، والماء الذي أخذه لرأسه مسح به الرأس، ثم أخذ لأذنيه ماء جديدا غير الماء الذي أخذ لرأسه.
يقول المؤلف معقبا على هذه الرواية: وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه". وهو المحفوظ. وعلى هذا تكون رواية البيهقي شاذة؛ لأن المخرج واحد، ورواية مسلم أقوى، والمعروف في علم المصطلح أنه يقدم الأقوى ولو كان الثاني ثقة، ويكون الأقولا محفوظا والثاني شاذا، ولهذا نقول: المخالفة في الزيادة إن لم تكن منافية وجاءت من ثقة فهي مقبولة كما لو روى الحديث مستقلا، وإن جاءت الزيادة منافية نظرنا إلى إن كانت منافية لمن هو أوثق مع ثقة ناقليها فهي شاذة، وإن كان الزائد ضعيفا فهي منكرة وغير الزائد يسمى معروفا، فعندنا المعروف يقابل بالمنكر، والمحفوظ يقابل بالشاذ.
وأما حكم هذه المسألة فرواية البيهقي تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ لأذنيه ماء غير ما مسح به رأسه، ولكن هذا لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولولا أن الحديث أتى من وجه واحد لقلنا: لعل النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا تارة وهذا أخرى، أو لعله يأخذ ماء لأذنيه إذا نشفت يداه وكان لابد من أن يأخذ ماء، لكن ما دام الوجه واحدا والطريق واحدا وجاءت رواية مسلم أنه أخذ ماء جديدا للرأس دون الأذنين فإنها مقدمة على رواية البيهقي.
أخذ الفقهاء رحمهم الله بما دلت عليه رواية البيهقي، وقالوا: يسن أن يأخذ ماء جديدا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
لأذنيه، ولكن هذا القول ضعيف، نعم لو فرض أن اليد يبست نهائيا ولم يكن فيها بلل إطلاقا فحينئذ يحتاج إلى أن يبل بماء جديد، وهذا يتصور فيما إذا كانت الريح شديدة وكان الشعر كثيفا، وإلا فإن الغالب أنه يبقى البلل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يمسح الأذنين بما بقي من الرأس هذا على رواية مسلم.
ومن فوائده: أنه يأخذ ماء جديدا لكل عضو لقوله: "غير فضل يديه"، ولكن لو فرض أنه لم يأخذ فهل يصح الوضوء أو لا؟ يعني: لو أن إنسانا غسل يديه وبقي فيهما بلل ومسح بهما رأسه فهل يجزئ أو لا؟
نقول: أما على قول من يرى أن الماء المستعمل في طهارة واجبة يكون طاهرا غير مطهر فإنه لا يصح أن يمسح رأسه بالماء الفاضل بعد غسل اليدين؛ لأن هذا الفاضل يستعمل لطهارة واجبة فيكون طاهرا غير مطهر. وأما على القول الثاني: أنه ليس هناك قسم طاهر غير مطهر فإنه إذا بقي بلله يبل به الرأس فلا حرج؛ لأن المقصود مسح الرأس وقد حصل.
فضل إسباغ الوضوء:
40 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". متفق عليه، واللفظ لمسلم.
قوله: "سمعته يقول: إن أمتي يأتون" والمراد بالأمة هنا: أمة الإجابة؛ لأن الأمة يراد بها أمة الدعوة؛ يعني: الأمة التي وجهت إليها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يعم جميع الناس منذ بعث الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة كلهم أمته، وأمة الإجابة وهم الذين استجابوا للرسول عليه الصلاة والسلام، فأمة الدعوة وجهت إليهم الدعوة فمنهم من آمن ومنهم من كفر.
وأمة الإجابة هم الذين استجابوا، فكل فضل ورد في الأمة - أمة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يحمل على أمة الإجابة؛ لأن أمة الكفر ليس لها فضيلة.
يقول: "يأتون يوم القيامة" أي: يوم يبعث الناس، وسمي يوم القيامة لوجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لله عز وجل كما قال الله تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} [المطففين: 6].
الثاني: أنه يقام فيه العدل لقول الله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا} [الأنبياء: 47].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
والثالث: أنه يقوم فيه الأشهاد كما قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الأشهد} [غافر: 51].
"يأتون غرا" هذا حال من فاعل يأتون؟ والأغر: هو الفرس الذي في وجهه بياض، وقوله: "محجلين" أيضا حال أخرى، لكن التحجيل بياض يكون في الأرجل في أطرافها.
وقوله: "من أثر" (من) هذا للتعليل، "من أثر الوضوء" يجوز فيه الوجهان: الوضوء أي: الماء، والوضوء أي: الفعل وكلاهما صحيح، هذا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين"؛ ولا منافاة لأنهم يدعون فيأتون كما قال الله تعالى: {كل أمة تدعى إلى كتبها} [الجاثية: 28]. "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل"، وهل يمكن أن يستطيل؟
يقول الن القيم رحمه الله: إنه لا يمكن إطالة الغرة؛ لأن الغرة بياض الوجه، والوجه محدود طولا وعرضا، فلا يمكن أن تطال الغرة، لو أنه خرج بالغسل عن حد الوجه لكان خرج إلى غير الغرة، ولهذا قال في النونية:
وإطالة الغرات ليس بممكن … أيضا وهذا واضح التبيان
فكيف نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بما لا يمكن؟
الجواب: أن هذا مدرج من قول أبي هريرة رضي الله عنه، ولهذا جاءت رواية أخرى لهذا الحديث ليس فيها "فمن استطاع"، لكن أدرجه بعض الرواة.
وما قاله ابن القيم في هذا الحديث هو الصواب أنه مدرج، والله سبحانه وتعالى حدد الغسل - غسل الوجه- فقال: {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6]. ولو أنا خرجنا عن حد الوجه لكنا تعدينا عن الحد الذي حده الله عز وجل، أخذ بعض العلماء بهذه الزيادة كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله.
في هذا الحديث فوائد: أن هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم تأتي يوم القيامة على هذا الوصف، وجوههم بيض نور يتلألأ، أيديهم كذلك، أرجلهم كذلك.
ومن فوائد الحديث: أن هذا النور والبياض يختص بأعضاء الوضوء فقط التي تغسل وهي الوجه واليدان والرجلان، وأما الرأس فمسكوت عنها؛ لأن الغرة لا تكون إلا في الوجه.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنهم لما طهروا هذه الأعضاء في الوضوء امتثالا لأمر الله عز وجل وتأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم كان جزاؤهم مثل العمل، ولهذا تجدون في القرآن الكريم آيات كثيرة {جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17]. وأمثال ذلك إشارة إلى أن الجزاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
من جنس العمل، ولكن الله عز وجل بفضله ورحمته جعل الجزاء في الحسنات أكثر من العمل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة هذه الأمة حيث تأتي يوم القيامة على هذا الوجه الذي يشهد به الأولون والآخرون من عمل مضى في حين من الدهر سابق بعيد، فيأتون على هذا الوجه - جعلنا الله وإياكم منهم- ففيه فضيلة لهذه الأمة، ولهذا جاء في الحديث "سيما ليست لغيركم" … وذكر الحديث، "سيما" يعني: علامة، والحمد لله.
ومن فوائد هذا الحديث: فضيلة الوضوء؛ حيث كان جزاؤه يوم القيامة ظاهرا بارزا للخلائق.
ومن فوائد هذا الحديث على ما ذهب إليه بعض العلماء: أنه ينبغي أن يزيد على محل الفرض لتزيد الغرة والتحجيل، وهذا القول ليس له حظ من النظر في هذا الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الناس سيأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، والوضوء محدد بالقرآن: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6]. يعني: لو أن إنسانا خرج وزاد إلى نصف العضد أو إلى الكتف ما كان للوضوء محل؛ إذ أن الوضوء محدد بالمرافق، وفي الرجلين محدد بالكعبين، فلا نقول: توضئوا إلى الركبتين؛ لأن الوضوء محدد، فالحديث لا يقتضي زيادة ولا يدل على فضيلة الزيادة، وبهذا نعرف أن قوله: "فمن استطاع منكم … " إلخ. مدرج ولا يستقيم لكنه قد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه "أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في العضد وغسل رجليه حتى أشرع في الساق، وقال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل"، وهذا مرفوع لكن هل إشراعه في العضد إشراع زائد أو على قدر ما يتأتى به الفرض؟ الثاني هو المتعين؛ لأنه لا يمكن أن يجزم بأنه غسل المرفق إلا إذا غسل بعض العضد، وكذلك في الكعبين لا يمكن أن يتيقن أنه غسلهما إلا إذا شرع في الساق، وما ذكرناه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يعني: أنه لا تسن الزيادة على موضع الفرض في الوضوء.
استحباب التيمن:
40 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله". متفق عليه.
"يعجبه" أي: يسره، وهل الإعجاب الذي هو السرور والاستحسان شرعي أو طبعي؟ قد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
يكون شرعيا، وقد يكون طبيعيا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الحلوى والعسل هذا شرعي أو طبعي؟ هذا طبعي، وكان يعجبه التيمن؟ هذا شرعي؛ لأنه هو صلى الله عليه وسلم أمر به فقال: "ألا فيمنوا ألا فيمنوا". إذن يعجبه، يعني: يسره ويستحسنه.
"التيمن" يعني الأخذ باليمين، "في تنعله"، أي: في لبس النعل إذا أراد أن يلبس النعل بدأ باليمين، وكذلك في "ترجله" إذا أراد أن يجل شعر رأسه بدأ باليمن؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان له شعر يصل أحيانا إلى فروع أذنيه، وأحيانا إلى منكبيه؛ لأن اتخاذ الشعر في زمنه يعتبر رجولة وقوة ونشاطا، وأحيانا يجعله ذوائب كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما "أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذؤابته من خلفه"، وأحيانا لا يكون له ذوائب لكن في حق الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصل إلى شحمة الأذنين، وأحيانا إلى المنكبين.
"وطهوره" يعني: تطهره كالوضوء والغسل إلا في العضو الواحد، فإنه يبدأ به جميعا كالرأس مثلا فإنه لا يبدأ بالصفحة اليمنى قبل اليسرى، اللهم إلا أن يقال: إذا كان ليس له إلا يد واحدة فربما يقال: ابدأ باليمين. وقولها: "في شأنه كله" أي: ما يهمه من أمور الدين والدنيا يبدأ باليمن.
في هذا الحديث: أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يجب التيامن في شأنه كله ونص على ثلاثة أشياء: التنعل، والترجل، والطهور، ولكن هذا الحديث ليس على عمومه أنه في كل الشئون يقدم اليمين، فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء باليمن، و"كان يستنثر باليسار"، فليس على عمومه، لكن لا مانع أن يقال: إن النصوص تأتي عامة ولها ما يخصصها، "يعجبه التيمن في شأنه كله" نقول: هذا ليس على العموم كما سيأتي.
من فوائد هذا الحديث: أنه إذا أراد الإنسان أن يلبس النعل أن يبدأ باليمن وغير النعل مثلها، فإذا أردت أن تلبس السراويل فأدخل الرجل اليمنى قبل اليسرى، إذا أردت أن تلبس القميص فأدخل اليد اليمنى في كمها قبل اليسرى وعلى هذا فقس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
أسئلة:
- ما حكم دلك المتوضئ لأعضائه؟ الدلك إذا كان الماء قليلا لا يصل إلى العضو إلا بدلك فهو واجب، وإن كان الماء كثيرا فهو مستحب.
- هل الأفضل الإكثار من استعمال الماء طلبا للنظافة أو التقليل؟ الإقلال الدليل: {ولا تسرفوا} [الأعراف: 31]. ومن فعل الرسول أنه توضأ بثلثي مد.
- في حديث أبي هريرة: "إن أمتي يدعون" ما المراد بالأمة؟
- ما الفرق بين غرا ومحجلين؟ الغرة في الوجه، والتحجيل في الأيدي والأرجل.
- كيف نعرب "من أثر".
- حديث عائشة: "كان النبي يعجبه التيمن" هل قوله: "في شأنه كله" عام؟ لا، ما هو الدليل؟ لا يتمسح من الخلاء بيمينه.
- هل في حديث عائشة ما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتخذ الشعر؟ نعم، من ذكرها الترجل، والترجل لا يكون إلا في الشعر.
- ما هو الترجل؟ تسريح الشعر ودهنه وإصلاحه.
- الفوائد:
قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله"، يستفاد من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن؛ لأن الإعجاب هنا بمعنى: المحبة والسرور.
ومن فوائده: تقديم اليمين على اليسار لقولها: يعجبه التيمن. قال العلماء رحمهم الله: إلا في مواطن الأذى والقذر فتقدم اليسرى، وأخذوا هذا الاستثناء من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء باليمين والتمسح بها، وعلى هذا فاليسرى تقدم للأذى واليمنى لما سواه، هذه قاعدة.
والأشياء ثلاثة أقسام: أذى ونزاهة، ولا أذى ولا نزاهة، تقدم اليمين في موضعين في النزاهة، وفيما ليس بأذى ولا نزاهة، أما ما فيه أذى وقذر فإنه يقدم له اليسرى.
هل يبدأ السواك بيمين فمه أو بشماله؟
نقول: يبدأ بيمين الفم لدخوله في قوله: "وطهوره"، أو في قوله: "وشأنه كله".
وهل يمسك السواك باليمنى أو باليسرى؟
قال بعض العلماء: يمسكه باليسرى مطلقا.
وقال بعضهم: باليمنى مطلقا، وفصل آخرون.
فمن قال: باليسرى، قال: إن السواك آلة تنظيف وآلة تطهير فهي كالحجر يستجمر به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
الإنسان، والحجر الذي يستجمر به الإنسان يأخذه باليسار فيتسوك باليسار وهو المذهب عند الحنابلة أنه يستاك بيده اليسرى.
وقال بعض العلماء: بل باليمين؛ لأن السواك عبادة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب"، فهو عبادة ولا ينبغي للإنسان أن يفعل العبادة إلا باليمين، لا يفعلها بآلة القذر.
وفضل آخرون فقالوا: إن كان السواك لتطهير الفم فيأخذ باليسار، كما لو كان بعد الأكل بعد النوم بعد تغير الفم فيكون باليسار، وإذا كان لمجرد التطوع فهو باليمين كما لو توضأ الإنسان واستاك، ثم جاء إلى الصلاة فورا فهنا الفم لا يحتاج إلى تطهير لكنه يستاك عند الصلاة تسننا وتعبدا لله عز وجل فيأخذه باليمين، ولو قيل: إن الأمر في هذا واسع، وأن ألإنسان إن شاء باليمين وإن شاء باليسار لم يكن بعيدا؛ لأن هذه علل قد لا يستطيع الإنسان أن يجزم ببناء الحكم عليها، فنقول: الأمر واسع، وأما بداءة الفم فيبدأ باليمين الجانب الأيمن.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الترجل لكن هل هو سنة عبادة أو سنة عادة؟ قال الإمام أحمد رحمه الله هو سنة لو نقوى عليه اتخذناه لكن له كلفة ومئونة، كلفة بالعمل ومئونة بثمن الدهن ونحوه، فالإمام أحمد رحمه الله ترك اتخاذ الشعر لهذا وإلا فهو سنة عنده وقيل: إنه سنة عادة، وأن الناس إذا اتخذوه عادة فلا ينبغي للإنسان أن يخرج عن عادتهم، وإن لم يتخذوه فلا ينبغي أن يخالف عادتهم، وهذا عندي أقرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به، بل قال في الغلام الذي خلق بعض رأسه: "احلقوه كله أو اتركوه كله".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يعتني بنفسه في النظافة، وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرجل شعره، وهذا لا شك أنه تنظيف له، فالذي ينبغي للإنسان ألا يكون أشعث أغبر، بل يصلح من شعره ما يستطيع إصلاحه؛ لما في ذلك من النظافة والتجمل، والله سبحانه وتعالى جميل يحب الجمال، وأما أن يبقي نفسه رثا كريه المنظر فهذا ليس من الأدب الإسلامي، الأدب الإسلامي أن يكون الإنسان متجملا كما قال الصحابة رضي الله عنهم: يا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
رسول الله، إن أحدنا يحب أن يكون وجهه حسنا ونعله حسنة، فقال: "إن الله جميل يحب الجمال".
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التنعل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنعل لكن هل الأفضل التنعل أو الحفاء، أو في ذلك تفصيل؟ نقول: أما إذا كان الإنسان سيمشي على أرض تضره فلا شك أن التنعل أولى بل قد يكون واجبا؛ لأن الله تعالى قال: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29]. كما لو كانت الأرض ذات حصى لها أسنة فهنا لا يجوز أن يمشي عليها بلا نعال، مثل أرض الحرة في المدينة، هذه لو مشى الإنسان عليها أمتارا غير بعيدة تقطعت رجله، فهنا نقول: لا يجوز أن يخاطر بنفسه ويمشي على هذه الأرض التي تضره؛ لأن الإنسان مأمور بحفظ نفسه.
وأما إذا كانت الأرض عادية فالأفضل أن يحتفي أحيانا ويتنعل أحيانا، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن كثرة الإرفاه ويأمر بالاحتفاء أحيانا".
ومن هنا نعرف أن ما يذهب إليه المترفون الذين يلبسون الجوارب والخفين حتى في أحر الأيام صيفا، هذا لا داعي له، اللهم إلا أن يكون في رجله شيء يحب أن يستره، أو أن فيها مرضا لو كشفها تأثرت بالكشف، هذا معذور، أما إن يعود نفسه إلى هذا الحد فإن رجله ستكون أرق من يده؛ لأنها في هذه الحال لا تبدو للشمس ولا للهواء فتكون رقيقة لا يستطيع أن يمشي عليها كما قال لي ذلك بعضهم قال: إني إذا مشيت على رجلي كأني مشيت على خدي من شدة الألم … لا يستطيع أن يمشي أبدا لأنه عود نفسه على هذه الرفاهية، والرسول عليه الصلاة والسلام كان ينهى عن ذلك ويأمر بالاحتفاء أحيانا.
ومن فوائد هذا الحديث: استحباب البداءة باليمين في التطهر اليدان والرجلان لا شك أن الإنسان يبدأ باليمين فيهما كما تواترت به السنة.
الأذنان هل يمسحهما اليمنى قبل اليسرى أو نقول هما جزء من الرأس يمسحهما جميعا؟
الثاني هو الحق أن الأذنين لا ترتيب بينهما أي بين اليمين واليسار، اللهم إلا إذا كان لا يستطيع أن يمسحهما جميعا، فهنا نقول ابدأ باليمين.
إذا كان على الإنسان خفان هل يمسحهما جميعا أو يمسح اليمنى قبل اليسرى؟ هذا فيه احتمال؛ حديث المغيرة بن شعبة ذكر أن النبي صلى الله عليه سلم لما أهوى المغير لينزع خفيه أنه قال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
"دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما"، وهذه الجملة تحتمل أنه مسح عليهما بالترتيب، وتحتمل أنه مسح عليهما جميعا، والعلماء رحمهم الله اختلفوا في هذا؛ فمنهم من قال: يمسحان مرة واحدة؛ لأن هذا شأن كل ممسوح وهو ظاهر حديث المغيرة، ومنهم من قال: يبدأ باليمنى؛ لأن المسح عليهما بدل عن الغسل، والغسل يبدأ فيه باليمنى قبل اليسرى، والذي يظهر أن الأمر في هذا واسع إلا إذا كان لا يستطيع المسح إلا بيد واحدة فهنا يبدأ باليمنى.
في حال الغسل هل يبدأ بالجانب الأيمن قبل الأيسر أو يغسل الجسم جميعا مرة واحدة؟ الأول أنه يبدأ بالجانب الأيمن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم عطية وهو ممن شارك في غسل إحدى بناته قال: "ابدأن بميامنها ومواضع السجود منها"، وقيل: إنه في الغسل لا يرتب بل يغسل الجسم جميعا؛ لأن الجسم عضو واحد، والعضو الواحد ليس فيه ترتيب، ولكن الأول أولى، يعني: أنه يتيامن حتى في الغسل.
42 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم". أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة.
"إذا توضأتم" يعني: فعلتم الوضوء ووصلتم إلى غسل اليدين فابدءوا باليمنى، وكذلك يقال في الرجلين، والأمر هنا هل نقول هو للوجوب أو للاستحباب؟ هو للاستحباب في الواقع؛ لأن الله قال: {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6]. ولم يرتب؛ وإنما رتب بين الأعضاء دون العضوين الذين هما في مقام العضو الواحد.
فيستفاد من هذا الحديث: أن التيامن في الوضوء ثابت في السنة الفعلية والسنة القولية؛ أما ثبوته بالسنة الفعلية ففي حديث عائشة، وأما ثبوته بالسنة القولية ففي هذا الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
المسح على العمامة وشروطه:
43 - وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الل عليه وسلم توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة والخفين". أخرجه مسلم.
قوله رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ" الظاهر أن هذا حين كان معه في غزوة تبوك، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قد خدمه المغيرة بن شعبة في تلك الغزوة، وقوله: "فمسح بناصيته" الناصية: مقدم الرأس كما قال الله تعالى: {ما من دابة إلا هو ءاخذ بناصيتها} [هود: 56]. "وعلى العمامة" التي على الرأس، "وعلى الخفين" وهما معروفان.
ففي هذا الحديث: جواز المسح على العمامة لقوله: "وعلى العمامة" وفيها مباحث.
المبحث الأول: هل يشترط لهذه العمامة أن تكون على صفة معينة، أو نقول: كل ما صدق عليه اسم العمامة فإنه يمسح؟ في هذا قولان.
القول الأول: أنه يشترط أن تكون العمامة محنكة، أو ذات ذؤابة، أما كونها محنكة فمعناه: أن يوضع لفة منها تحت الحنك حتى تثبت، وأما كونها ذات ذؤابة: فأن ترخى إحدى ذؤابتيها من الخلف، حتى تنسدل على الظهر.
القول الثاني: من العلماء من قال: إن هذا ليس بشرط، وهذا الثاني هـ الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو أن كل ما يطلق عليه اسم العمامة فهو داخل في هذا.
المبحث الثاني: هل يشترط أن تكون طاهرة؟ الجواب: نعم، لا شك في هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم "أتاه جبريل وهو يصلي وأخبره أن في نعليه قذرا فخلعهما عليه الصلاة والسلام"، وإذا كان هذا شرطا في الخفين فالعمامة مثلهما أو أولى.
المبحث الثاني: وهل يشترط أن تكون مباحة بحيث لا يصح المسح على العمامة المسروقة أو مقبوضة بعقد فاسد؟ قولان:
الأول: أنه لابد أن تكون مباحة، وذلك لأن المسح عليها رخصة، والرخصة لا ينبغي أن تباح بالمعصية.
والقول الثاني: أن ذلك ليس بشرط، وأنه يجوز أن يمسح الإنسان على العمامة المحرمة كالمسروقة، والمقبوضة بعقد فاسد، والحرير على الرجل، ولكن الإنسان إذا نظر إلى التعليل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
فقد يرجح أنه لابد أن تكون مباحة؛ لأننا إذا أذنا له أن يمسح على المحرمة فهذا إذن له بإبقائها وألا يبالي بها، وإذا قلنا بالمنع فإنه سوف يحرص على أن يزيلها، أو على الأقل ألا يسمح عليها ويبقيها، فالمسألة عندي فيها تردد.
المبحث الرابع: وهل يشترط أن يلبسها على طهارة؟ في هذا قولان:
القول الأول: أنه يشترط أن يلبسها على طهارة قياسا على الخفين.
والقول الثاني: لا يشترط؛ لأن الشرط لابد له من دليل، ولا دليل على هذا، ولا يصح أن تقاس على الرجلين ذلك؛ لأن طهارة العضو الذي عليه هذه العمامة طهارة مخففة وهي المسح، والمسح على العمامة من جنس المسح على الرأس كلاهما واحد، فالطهارة لا تشترط، أما الخف فإن العضو الذي عليه الخف طهارته الغسل فهو أشد، ثم إن مسح الخف ليس من جنس غسل الرجل، فهو طهارة من جنس آخر، وهذا القول أصح، بمعنى: أنه لا يشترط في العمامة أن يلبسها على طهارة؛ لأننا إذا تجاوزنا وقلنا بجواز القياس في العبادات فالقياس لابد من اتفاق الأصل والفرع فيه، وهنا لم يتفق الأصل والفرع.
المبحث الخامس: هل لها مدة، أو نقول: ما دام الإنسان معتما فليمسح على العمامة وإذا أزالها فليمسح الرأس؟ قولان:
القول الأول: لابد لها من مدة قياسا على الخفين.
والقول الثاني: أنها لا مدة لها لعدم الدليل على ذلك، ولو كانت المدة من شريعة الله لبينها النبي صلى الله عليه وسلم، والقياس على الخفين صحيح أو لا؟ غير صحيح كما علمتم، وعلى هذا فنقول: ما دمت لابسا للعمامة فامسح عليها، وإذا خلعتها فامسح على الرأس، وليس هناك توقيت.
المبحث السادس: هل يجوز المسح عليها في الجنابة - يعني" في الغسل-؟ الجواب: ى، لا يجوز المسح عليها في الغسل لقول الله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]. وليس في طهارة الحدث الأكبر شيء ممسوح إلا ما دعت إليه الضرورة كالجبيرة، والضرورة ليست داعية إلى العمامة، فالعمامة لا يجوز المسح عليها في الحدث الأكبر؛ لأن الحدث الأكبر لابد فيه من تطهير جميع البدن لقول الله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6].
وقوله في الحديث: "وعلى الخفين" يعني: مسح على الخفين، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم تعليلا للمسألة، إلا أنه أدخلهما طاهرتين، فلنأخذ بهذا الشرط حتى نصل إلى باب المسح على الخفين إن شاء الله.
أما قوله: "وعلى ناصيته" فقد أخذ منه بعض العلماء جواز الاقتصار على مسح الناصية في الرأس، وأنه لا يجب استيعاب الرأس في المسح، لكن في هذا نظر؛ لأن قوله: "فمسح على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
ناصيته، وعلى العمامة" يدل على أنه كان لابسا للعامة، ومعلوم أن الإنسان إذا لبس العمامة فسوف تبدو الناصية، وإذا بدت الناصية فلابد من مسحها، وأما إذا كان الرأس غير مستور بالعمامة فإن الله أمر بمسحه كله في قوله: {وامسحوا برءوسكم} [المائدة: 6] ،
أسئلة:
- استدل بعض العلماء بحديث المغيرة على أنه يجوز الاقتصار على مسح بعض الرأس لقوله: "فمسح بناصيته"، فما وجه هذا الاستدلال؟
- كيف نجيب على الاستدلال؟ الحديث جملة واحدة "فمسح بناصيته والعمامة".
- قوله: "إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم" هذا يدل على ماذا؟
- هل التيامن في العضو الواحد؟
44 - وع جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ابدءوا بما بدأ الله به". أخرجه النسائي، هكذا بلفظ الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر.
جابر بن عبد الله رضي الله عنه روى صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم على وجه موسع مجموع؛ ولهذا يصح أن يكون هذا الحديث منسكا كما فعل الألباني في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم جعله هو الأصل، وجعل يلحق الروايات التي ليست موجودة فيه إليه، فهو بحق منسكا، ولهذا نرى أن ما وجد من أحاديث تعارضه فإنه يكون مقدما عليها؛ لأنه تابع النبي صلى الله عليه وسلم من حين أحرم إلى أن تحلل.
وهذا الحديث رواه مسلم بلفظ: "أبدأ بما بدأ الله به" وهو أنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ من طوافه صلى ركعتين خلف المقام، ثم مسح الركن - يعني: الحجر الأسود- ثم خرج من الباب - باب المسجد- إلى الصفا، فلما دنا منه قرأ: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158].
"أبدأ بما بدأ الله به": "أبدأ" بلفظ الخبر، وإنما تلا عليه الصلاة والسلام هذه الآية، ثم قال: "أبدا بما بدأ لله به" ليشعر نفسه أنه إنما طاف بين الصفا والمروة، وبدأ بالصفا امتثالا لأمر الله، وهكذا ينبغي لنا نحن إذا فعلنا ما أمر الله به أن نستشعر حين فعله أننا ممتثلون لأمر الله؛ لأن هذا يعطي الإنسان زيادة في الإخلاص واستحضار العبادة. عند الوضوء تشعر أنك إذا غسلت وجهك تمتثل لقول الله: {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6]. إذا غسلت يديك كذلك، عند الصلاة تستشعر أن الله أمرك بإقامتها، عند صلاة العصر تستشعر أنك تصلي الصلاة الوسطى التي أمر الله تعالى بالمحافظة عليها بخصوصها، وهلم جرا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
المهم: أنه ينبغي لنا أن نستشعر عند فعل الأوامر أننا نمتثل لأمر الله عز وجل وقوله عليه الصلاة والسلام: "أبدأ بما بدأ الله به" فيه إشارة إلى أن ما بدأ الله به هو أهم مما يليه وهو كذلك، ومن ثم قال العلماء رحمهم الله في آية الصافات: {إنما الصدقت للفقراء} [التوبة: 60]. إن الفقراء أشد حاجة من المساكين؛ لأن الله بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم. وقوله: "بما بدأ الله به"؛ لأن الله قال: {إن الصفا والمروة}.
أما لفظ النسائي فقال: "ابدءوا بما بدأ الله به" بلفظ الأمر وهذا - أي: لفظ الأمر- صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه الأمر إلى أمته في هذه العبارة بخصوصها، أما على رواية مسلم: "أبدأ" فإننا في الحقيقة مأمورون بأن نبدأ بما بدأ الله به تأسيا. بمن؟ برسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه وإن كان قاله بلفظ الخبر منفذا لأمر الله، لكنه بالنسبة لنا هو في الحقيقة أمر؛ لأن الله أمرنا أن نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه يكون أمرا غير مباشر، بل عن طريق التأسي.
فإن قال قائل: هذا الحديث في الحج فلماذا جاء به المؤلف في كتاب الوضوء؟
قلنا: ليبين أن هذا الحديث عام في أننا مأمورون أن نبدأ بما بدأ الله به، يتفرع على هذا أن نبدأ بغسل الوجه ثم اليدين ثم الرأس، ثم الرجلين؛ لأن الله بدأ بذلك.
كذلك يستفاد من هذا الحديث: تقديم ما قدمه الله عز وجل حتى في الذكر سواء استدللت بقوله: "أبدأ" أو بقوله: "ابدءوا".
ومن فوائد هذا الحديث: اعتبار العموم دون خصوص السبب لقوله: "أبدأ بما بدا الله به" وهذا عام، وإن كان صورة المسألة التي قال فيها الرسول عليه الصلاة والسلام خاصة؛ لكن العبرة بعموم اللفظ.
ومن فوائد الحديث: العناية بتدبر القرآن وتقديم ما قدم وتأخير ما أخر، وبذلك نعرف أن المهاجرين أفضل من الأنصار؛ لأن الله قال: {والسبقون الأولون من المهجرين والأنصار} [التوبة: 100]. فالمهاجرون أفضل من الأنصار؛ لأن الله قدمهم، ولأن المهاجرين رضي الله عنهم جمعوا بين الهجرة والنصرة، فهم نصروا النبي عليه الصلاة والسلام لا شك وهجروا من ديارهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يستفاد من هذا الحديث: وجوب الترتيب بين الأعضاء لقوله: "ابدءوا بما بدأ الله به"، فنغسل أولا الوجه ثم اليدين، ثم نمسح الرأس، ثم نغسل الرجلين، وهذا واضح.
واستنبط العلماء رحمهم الله دليل الترتيب من وجه آخر من نفس الآية، وهو أن الله سبحانه وتعالى أدخل الممسوح وهو الرأس بين المغسولات، والقاعدة البلاغية تقتضي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
أن يذكر الصنف بعضه إلى بعض، فالمغسول وحده والممسوح وحده، فلما أدخل الله الممسوح بين المغسولات، علم أنه لابد من الترتيب، وإلا لكانت تدفع المغسولات وحدها والممسوح وحده، لكنه لما أدخل الممسوح بين المغسولات، على أنه لابد من الترتيب، وهو كذلك.
فلو توضأ الإنسان منكسا فهل يصح وضوؤه؟ ينظر إن كان قصده التلاعب فإنه لا يصح منه ولا الوجه، وإن كان جاهلا أو ظانا أن الأمر لا بأس به؛ يعني: يعرف الترتيب لكن يظن أنه لا بأس بالمخالفة، فهذا نقول: صح منه الوجه ويعتبره أولا، ثم قال المؤلف - رحمه الله تعالى-:
45 - وعنه رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه". أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف.
"إذا توضأ" يعني: غسل يديه، "أدار الماء على مرفقيه"، المرفق: هو المفصل بين العظم والذراع، وسمي مرفقا؛ لأن الإنسان يرتفق به في الجلوس، إما على اليمين أو على اليسار، والحديث أتى به المؤلف رحمه الله ليستدل على أنه يجب غسل المرفق لقوله: "أدار الماء على مرفقيه"، ولكن الحديث - كما ترون- يقول: "إن إسناده ضعيف"، وليت المؤلف رحمه الله أتى بدله بحديث أبي هريرة في صحيح مسلم: "أنه توضأ فغسل ذراعيه حتى أشرع في العضد"، فإنه إذا أشرع في العضد لزم أن يغسل المرفقين، والحديث في مسلم، ولكن الإنسان مهما كان فهو قاصر قد يفوته بعض الشيء، وإلا فمن المعلوم أن ابن حجر رحمه الله حافظ جيد في التصنيف، لكن الإنسان تروح عليه بعض الأشياء، إلا أن يقال: إن هذا الحديث كان مشهورا، فأراد ابن حجر رحمه الله أن يبين أنه حديث ضعيف.
حكم البدء بالبسملة:
46 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، بإسناد ضعيف.
- وللترمذي: عن سعيد بن زيد وأبي سعيد نحوه، وقال أحمد: "لا يثبت فيه شيء".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
قوله: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله" (لا) نافية للجنس، والنفي يدور على ثلاثة أشياء: إما أن يكون نفيا لوجود الشيء وإما أن يكون نفيا لصحة الشيء، وإما أن يكون نفيا لكمال الشيء.
يعني: إذا سلط النفي على شيء فإما أن يكون نفيا لوجوده، أو نفيا لصحته، أو نفيا لكماله.
فما هو الأصل؟ أن نفي الشيء نفي لوجوده، فإن تعذر وكان موجودا فهو نفي لصحته؛ لأن انتفاء صحته انتفاء لوجوده شرعا، وإن كان موجودا حسا.
والثالث: إذا تعذر نفي الصحة رجعنا إلى نفي الكمال، وهذا أبلغ سيء، فمثلا إذا قال قائل: لا خالق إلا الله، فهذا نفي لوجوده، لا يوجد أحد خالق إلا الله، وإذا قلت: لا صلاة بغير وضوء، أي: لا صحة؛ لأن من الممكن أن يقوم قائم فيصلي بغير وضوء، لكن إذا صلى فهذه الصلاة لا وجود لها شرعا. لكن الصحة نفي للوجود الشرعي، وإذا قال: لا صلاة بحضرة طعام، هذا نفي للكمال؛ لأن الإنسان قد يصلي بحضرة طعام ويكون قلبه مشوشا من أجل وجود الطعام لكن تصح صلاته، ويكون هذا نفيا للكمال، هذا الذي معنا: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" تحمله على الوجه الأول؟ لا يمكن؛ لماذا؟ قد يتوضأ ولا يصلي، تحمله على الثاني لا وضوء؟ ممكن هذا هو الأصل؛ أنه لا وضوء له؛ أي: لأنه إذا لم يسم لم يصح وضوؤه، لكن حمله أكثر العلماء على أن المراد: لا وضوء كامل، والذي أوجب لهم ذلك هو أن هذا الحديث بجميع طرقه فيه مقال، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله إمام أهل السنة-: إنه لا يثبت في هذا الباب شيء، ولهذا كان جميع الواصفين لوضوء الرسول عليه الصلاة والسلام لا يذكرون البسملة، ولو كانت فرضا في صحته لوجب أن يذكروها؛ لأنه لا يمكن أن يصح بدونها.
إذن فالنفي هنا نفي للكمال وليس نفيا للصحة، فلو أن الإنسان توضأ بلا تسمية عمدا مع الذكر والعلم فإن وضوءه صحيح؛ لأن النفي هنا نفي للكمال.
من فوائد هذا الحديث: أن الوضوء لا يصح بدون تسمية بناء على أن النفي للصحة، وبهذا أخذ الفقهاء رحمهم الله إلا أنهم يقولون: إن التسمية ليست شرطا، ولا ركنا، ونحن نقول لهم: يجب أن تجعلوها إما شرطا أو ركنا، ولا ضرر بأن يكون الفعل له أركان قولية، فالصلاة - مثلا- أفعل، ولها أركان قوليه، مثل: تكبيرة الإحرام، والفاتحة، والتشهد الأخير، فنحن نقول: إما أن تجعلوه ركنا أو تجعلوه شرطا لكنهم يقولون: لا، إنه واجب يسقط بالنسيان، وهذا غريب، لأننا إذا قلنا: إن النفي هنا نفي للصحة صارت التسمية ركنا أو شرطا لا تسقط بالسهو.
ومن فوائد هذا الحديث: أهمية التسمية؛ لأنه يتوقف عليها إما صحة الوضوء أو كمال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)