حمراء، وإذا قلت: خير لك من حمر النعم وضممت الميم أخطأت خطأ عظيما؛ لأن حمر: جمع حمار إذن الحمر الأهلية، الأهلية: يعني المستأنسة التي يركبها الناس ويستعملونها في حاجتهم، وضدها الوحشية فإنها ليست حراما، وسيأتي إن شاء الله، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا طلحة؛ لأن أبا طلحة كان رفيع الصوت، وإن مثل هذه المسائل العامة التي يطلب فيها شيوع الخبر ينبغي أن يقوم بها من كان أعلى صوتا وأندى صوتا.
أولا: نسأل: لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث في باب إزالة النجاسة مع أن له صلة كبيرة بكتاب الأطعمة؟ أتى به المؤلف في كتاب إزالة النجاسة لقوله: "فإنها رجس"؛ لأن رجس بمعنى: نجس.
ففي هذا الحديث فوائد منها: أنه ينبغي إعلام الأحكام الشرعية بأقوى ما يحصل به الإعلام، وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا طلحة لارتفاع صوته بإعلان هذا الحكم الشرعي.
ومنها: أن استعمال مكبر الصوت في إبلاغ الخطبة للمصلين واستعمال الإذاعة وهي أوسع انتشارا من الأمور التي جاءت بمثل السنة، فيكون في ذلك رد على من أنكر هذا وقال: هذه بدعة؛ لأنه لم يكن معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها: جواز الجمع بين اسم الله واسم الرسول بالواو في الأحكام الشرعية لقوله: "إن الله ورسوله ينهيانكم"، ولم يقل: ثم رسوله، ووجه ذلك: أن نهي الرسول صلى الله عليه وسلم من نهي الله كما قال الله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضللا مبينا} [الأحزاب: 36].
وقال الله تعالى: {ومن يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80]. ولما كان الحكم الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم كالحكم الصادر من الله صح أن يجمع اسم الله واسم الرسول صلى الله عليه وسلم بالواو.
فإن قال قائل: أين نهانا الله عن ذلك وقد قال الله لنبيه: {قل لا أجد في ما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} [الأنعام: 145]. المحرمات ثلاثة، والحمر ليست منها فأين نهي الله؟ !
فالجواب أن نقول: إن الآية في سورة الأنعام وسورة الأنعام مكية والحديث في خيبر بعد الهجرة والآية ليس فيها "لن أجد فيما أوحي إلى محرما" لو كان لفظ الآية: "لن أجد" لكان هذا الحديث معارضا، لكن الآية {لا أجد في ما أوحى إلي} ولم يقل: فيما يوحى إلي، فالآية نزلت وفي أيام نزولها لم يكن محرما إلا هذه الأنواع الثلاثة، ولا معارضة بينها وبين الحديث إطلاقا، ولا بينها وبين نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير؛ فالآية واضحة، وفي أدنى تأمل يتبين لك أنه لا حاجة إلى الإتيان بها في معارضة هذا الحديث وأمثاله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
فإذا قال قائل: سلمنا بهذا وأنه لا معارضة بينها وبين الحديث، لكن أين نهي الله للرسول؟
نقول: من الذي أخبرنا بأن الله نهى؟ الرسول عليه الصلاة والسلام فيجيب علينا أن نؤمن بذلك، وأن نقول: إن الله نهي عن لحوم الحمر الأهلية، أما في أي نص كان ذلك؟ فإنه يكفي أن يكون الراوي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حاجة أن نتنطع ونقول: أين وأين الوحي وما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا الحديث: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية"، وبين ذم النبي صلى الله عليه وسلم للخطيب الذي قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى". وهنا قال: "ينهيانكم" فجمعها في ضمير واحد، وهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أبا طلحة: "ينهيانكم"، والخطيب قال له: "بئس خطيب القوم أنت" فما الجواب؟
نقول: الجواب من وجوه.
الوجه الأول: أن هناك فرقا بين الصيغتين: صيغة الحديث، وصيغة الخطيب. صيغة الحديث "ينهيانكم" خبر لمبتدأ من اثنين: معطوف ومعطوف عليه، وإذا كان خبرا عن اثنين أحدهما معطوف والثاني معطوف عليه، صار كأنه مركب من اثنين هذا واحد.
أما الخطيب فقد قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما" هذه جملة مستقلة ليست خبرا عن الجملة الأولى، ولا جوابا لشرط فهي مستقلة، وإذا كانت مستقلة فيجب أن يستقل لفظ الاثنين كل واحد على انفراد، فيقول: "ومن يعص الله ورسوله فقد غوى"، الفرق واضح أم لا؟ "إن الله ورسوله ينهيانكم" الجملة واحدة أو اثنتان؟ واحدة، "وينهيانكم" والتي جمع فيها الضمير خبر ل (إن)، والجملة واحدة وهي خبر لاثنين، كل واحد منهما ذكر على انفراد، فهي جملة واحدة. في عبارة الخطيب "من يطع الله ورسوله فقد رشد" انتهت الجملة، "ومن يعصهما فقد غوى" جاءت جملة جديدة فصارت كأنها منفصلة عن الأولى، فإتيانه بالضمير مجموعا باثنين يعتبر خطأ، وأن الفصاحة أن يقول: "ومن يعص الله ورسوله" فالفرق ظاهر بين الصيغتين.
ثانيا: أن مقام الخطبة ينبغي أن يكون بالتفصيل والبسط، والاختصار الشديد ينافي البيان في الخطبة، وأما هذا فهو بيان حكم، وبيان الحكم قد يكون من الفصاحة أن يختصره.
الجواب الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم يبعد في حقه وفي نطقه أن يجعل الله شريكا، وأما المخلوق فإذا جمع اسم الله واسم غيره في الواو فقد يعتقد أنهما سواء، ولكن هذا الجواب ضعيف؛ لأن الخطيب جمع بينهما بالواو، فهذا لا يعول عليه.
والرابع: أنه قيل: إن الخطيب ينبغي أن تكون خطبته واحدة، فإذا قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى" قد يتوهم السامع أن الغي لا يكون بمعصية الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
ورسوله؛ أي: إلا فيما ورد فيه نهي في الكتاب والسنة وهذا غلط، لكن عندي أن أقرب الأجولة الأول، وهو اختلاف الصيغتين، ويليه الثاني أن مقام الخطبة ينبغي فيه البسط.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل في النهي التحريم لقوله: "ينهيانكم"، ثم علل ذلك بأنها رجس، والرجس محرم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن اللحم إذا أطلق يشمل جميع أجزاء البدن؛ لأنه بالاتفاق والإجماع أن الحمير حرام، سواء كانت لحما أي: هبرا كما يعرف، أو كبدا أو كرشا أو أمعاء كلها تسمى لحما في الشرع.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز لحوم الحمر الوحشية. من أين تؤخذ؟ تؤخذ من القيد، وهل التحريم من أجل أن الناس محتاجون لظهورها يركبونها ويحملون عليها، فإذا أبيحت ضاقت على الناس، أو أن التحريم من أجل أنها خبيثة؟ الثاني؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص عليه؛ ولأن العلة الأولى منتقصة. الناس إلى ظهور الإبل أحوج، ومع ذلك فالإبل مباحة، الناس إلى البقر في الحرث أشد حاجة من الحمر ومع ذلك فهي مباحة، فالصواب ما علل به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأما الخوف أن يضيق على الناس ظهورهم فهذا غير صحيح.
ومن فوائد هذا الحديث: أن كل رجس حرام؛ لأنها رجس وهذا كالآية الكريمة: {قل لا أجد في ما أوحى على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: 145]. إذن نأخذ - يا إخواني- من هذا أن كل نجس حرام.
ومن فوائد هذا الحديث: أن جميع أجزاء الحمر نجسة: بولها، ورثها، ريقها، عرقا ما يخرج من جسدها من صديد أو غيرها لعموم قوله: "فإنها رجس"، وهذا هو المشهور من المذهب - مذهب الحنابلة- حتى لو شرب الحمار من ماء وهو قليل الماء نجسا، وإن لم يتغير، ولكن يعارض هذا - أي: القول بأن كل ما يتصل بالحمير فإنه نجس- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الهرة: "إنها ليست بنجس"، وعلل بأنها من الطوافين، ومعلوم أن تطواف الحمير على الناس أكثر من تطواف الهرة، والعلة ثابتة في الهرة وموجبة للتطهير، كذلك العلة في الحمر، وهذا القول هو الصحيح، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يركبون الحمير وراكب الحمار لا يخلو من بلل إما من عرق منه، أو من الحمار، أو إصابة ماء السماء، ثم إن الحمر تشرب وتنفض رأسها بعد الشرب ويتطاير الماء على من حولها، وهذا لا شك أن فيه مشقة لاسيما على من يمارسه كثيرا والدين لا يأتي بمشقة، وهذا القول هو القول الراجح يعني: أن ريقها وما يخرج من أنفها وما يخرج من عينها من دمع وعرقها كله طاهر؛ لأن هذه الحمر من الطوافين علينا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في الهرة: إنها من الطوافين علينا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
المؤلف اختصر على هذا القدر من الحديث ولم يذكر أنهم صاروا يطبخونها، وأن القدور تغلي فيها وأن الرسول أمر أن تكفا القدور وأمر أن تكسر، ولكنهم طلبوا منه أن تغسل فقال: "أو اغسلوها".
هذا الحديث بقيته يدل على أن الاستمرار فيما ثبت تحريمه محرم وإن كان مباحا في أول الأمر، إذا ثبت التحريم حرم الاستمرار، ومعلوم الآن أنه ليس هناك شيء يكون أوله حلالا ثم يكون حراما.
لكن ينبني على هذا فيما لو علم الإنسان بتحريم شيء في أثناء ملابسته له فهل يجب عليه التخلي فورا؟
الجواب: نعم، يعني: لو أن إنسانا لبس حريرا يظن أن لبس الحرير حلال، ثم قيل له: إن لبس الحرير حرام، يجب عليه في الحال أن يخلعه لكن طبعا يخلعه إذا كان لديه ثوب يستر به عورته وإلا انتظر حتى يجد ثوبا، وكذلك لو قيل له: إن هذا الشراب الذي تشربه الآن حرام مثل ما يوجد في بعض المشروبات يظن أنها حلال وهي حرام في غير بلادنا؛ بلادنا - والحمد لله- لا يرد عليها إلا شيء مختبر.
أسئلة:
- سبق لنا في حديث أنس في قصة خيبر أنه يستفاد منه اختيار من هو أعلى صوتا في تبليغ الحكم الشرعي، هل نقول فيه دليل على استعمال الآلات الموصلة التي توصل الصوت إلى أبعد. نعم.
- هل يقال: كل وسيلة حدثت بعد النبي صلى الله عليه وسلم يتوصل بها إلى مقصود شرعي فإنها لا تعد بدعة؟ نعم، إلا أن تكون محرمة في ذاتها، وعلى ذلك لا تنكر الجمعيات التي تؤلف لجمع التبرعات وما أشبه ذلك.
- كيف نجمع بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله ورسوله ينهيانكم" مع أنه قال للخطيب: "بئس خطيب القوم أنت"؟
- لحوم الحمر الأهلية احترازا من أي شيء؟ احترازا من الحمر الوحشية.
- ما رأيك لو تأهل الوحشي أيحرم أو لا؟ يعني إذا صار أهليا؟ يبقى على أصله.
- ما رأيك لو توحش الأهلي؟ لا يحل اعتبارا بالأصل.
ومثل ذلك في باب الحمام لو أن الحمام تأهل فهو حرام على المحرم، والدجاج لو توحش فهو حلال، ثم قال المؤلف رحمه الله:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
حكم طهارة لعاب الإبل:
24 - وعن عمرو بن خارجة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى وهو على راحلته، ولعابها يسيل على كتفي. أخرجه أحمد، والترمذي وصححه.
"خطبنا" الخطبة: هي التذكير بالأحكام الشرعية، وغالبا ما تكون بانفعال وتأثير، وقد لا تكون كذلك، لكن في الغالب هو هذا.
وقوله: "في منى" كان ذلك يوم العيد، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد ويوم الثاني عشر، يوم العيد خطبهم يعلمهم كيف يرمون الجمرات، وكيف يطوفون، وكيف يسعون، وفي اليوم الثاني عشر علمهم ماذا يصنعون إذا أرادوا أن يتعجلوا؛ لأن في اليوم الثاني عشر ينتهي الحج لمن أراد أن يتعجل، وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يخطب الناس إما خطبة راتبة وإما خطبة عارضة، فالخطبة الراتبة كخطب الجمعة والعيدين والاستسقاء، واختلف العلماء في خطبة صلاة الكسوف، والصواب أنها خطبة راتبة، وأنه يسن عقب كل صلاة كسوف خطبة. وتكون خطبه صلى الله عليه وسلم أحيانا- عارضة، وذلك إذا وجد ما يستدعى أن يتكلم، ويخطب الناس عليه الصلاة والسلام كما في قصة بريرة التي اشترتها عائشة واشترط أهلها أن يكون الولاء لهم، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: "خذيها واشترطي لهم الولاء"، ثم خطب الناس وقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق".
وفي الحج خطب في عرفة وفي منى، فهل هذه الخطبة راتبة أو عارضة؟ فيه احتمال، لكن ليست خطبة الجمعة، ور يقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب في عرفة خطبة الجمعة، وإن كان ذلك اليوم هو يوم الجمعة لكنها ليست خطبة الجمعة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب قبل الأذان ولأنه خطب خطبة واحدة، ولو كانت يوم الجمعة لكانت خطبتين، ولأن حديث جابر يقول: "ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر"، فصرح بأنها الظهر وليست الجمعة، وأيضا لو كانت الجمعة ما جمع إليها أصلا؛ لأن العصر لا يجمع إلى الجمعة، فالمهم أن هناك قرائن كثيرة تدل على أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ليست خطبة الجمعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
وقوله: "في منى"، منى: اسم مكان، وهو المشعر الحلال أو الحرام؟ عندنا مشعران: مشعر حلال وهو عرفة، ومشعر حرام وهو مزدلفة، أما منى فهي مقر الحجاج. قالوا: وسميت منى لكثرة ما يمنى فيها من الدماء؛ أي: ما يراق فيها من الدماء، وقوله: "على راحلته" الجملة حالية من فاعل "خطب" والحال أنه على راحلته وهي بعيره، وكانت البعير التي حج عليها تقلب بالقصواء، والبعير التي كان عليها في عمرة الحديبية تقلب بالعضباء، وكان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يسمى ما عنده من الدواب أو البهائم، وكذلك ما عنده من السلاح، السيف الفلاني، السهم الفلاني وما أشبه ذلك، وهذا قلنا فيها فائدة حتى لا يحصل اشتباه فيما لو قال لغلامه مثلا: أعطني الناقة إذا كانت عنده عدة نوق يحتاج إلى أن يستفسر: أي النوق؟ إذا قال: أعطني العضباء أعطني القصواء انتهى المشكل، فيكون من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يسمى مواشيه، وكذلك سيفه، إذن نحن نسمي سيارتنا مثلا أليس كذلك؟ هذا إذا كانت من جنس واحد، أما إذا كانت مختلفة في أسمائها فلا.
وقوله: "ولعابها يسيل على كتفي" الواو هنا يجوز أن تكون استئنافية، ويجوز أن تكون حالية، حال من الراحلة، ويعني الحال: أن لعابها يسيل على كتفي، واللعاب ما يخرج من الفم من الريق، ففي هذا الحديث فوائد:
الفائدة الأولى: أنه ينبغي لأمير الحج والمسئول عن الحج أن يخطب الناس بمنى يعلمهم ما يتعلق بالمناسك، فإن لم يتيسر ذلك بالنسبة لأمير الحج فنوابه، وعلى هذا فرجال الدولة في الحج ينبغي لهم في ذلك اليوم أن يخطبوا وأن يبلغوا الناس أحكام المناسك التي تفعل في ذلك اليوم.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الخطبة على الراحلة، وأن ذلك لا يعد تعذيبا لها؛ لأن الراحلة مرتحلة سواء للخطبة أو لغير الخطبة ليس فيها شيء من المشقة، اللهم إلا إيقافها وحبسها واقفة حتى تنتهي الخطبة، لكن هذا لا يشق عليها في الغالب.
ومن فوائد هاذ الحديث: تواضع النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يطلب منبرا عاليا أو ما أشبه ذلك ليخطب عليه، إنما خطب على الراحلة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ريق البعير طاهرة وهو ما يسيل من فمه، من أين يؤخذ؟ من كون لعاب ناقته يسيل على كتف عمرو بن خارجة، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم سوف يراه غالبا، فإن قدر أنه رآه فإنه دليل، وإن قدر أن الرسول لم يره ولم يعلم به؛ فإن الله يعلمه ولم ينكره فإن كل ما وقع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولم ينكره الرسول أو لم ينكره الله عز وجل إذا كان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
ليس في استطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدركه فإنه حجة، وهذه اتخذوها حجة لكن كثيرا من العلماء رحمهم الله إذا احتج عليه أحد بكون هذا الشيء فعل في عهد الرسول: قال: من يقول: إن الرسول علم به فأقره. نقول: نحن نوافقك على هذا وإننا لا نجزم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم علم به فأقره إلا بدليل، لكن هب أن الرسول لم يعلمه فإن الله قد علم به، ولا يمكن أن يقر الله العباد على خطأ، ولهذا لما بيت المنافقون ما بيتوا فضحهم الله فقال: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا} [النساء: 108]. فهم لا يعلم بهم الرسول عليه الصلاة والسلام لكن علم بهم الله.
وعلى هذا فنقول: كل ما فعل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولم ينكره الله فهو حجة؛ لأننا نعلم أن الله لا يقر العباد على ضلال وخطأ، لكن في قضيتنا هذه هل الغالب أن الرسول علم بأن اللعاب يسيل على كتفه أو لا؟ الغالب أنه علم لا شك.
فإذا قال قائل: هب أنه لم يعلم، وأن الله سكت عن ذلك، وهذا على الفرض الذي لا يمكن أن يقع فإن الأصل هو الطهارة، وليس بنا حاجة إلى أن نأتي بدليل إيجابي يدل على الطهارة، طهارة ريق البعير؛ لأن الأصل الطهارة لكنه لا شك أنه إذا جاء الدليل مقررا لأصل - كان ذلك أبلغ في الحجة، وهل نقيس على هذا، ونقول: كل حيوان حلال فريقه طاهر؟
الجواب: نعم.
وعلى هذا فنقول: كل حيوان حلال فإن جميع ما يخرج منه يكون طاهرا ما عدا الدم المسفوح؛ لأن الدم المسفوح بنص القرآن أنه رجس لكن غير ذلك طاهر، البعر طاهر، والبول طاهر، والريح طاهر،
والمخاط طاهر، أي: أن كل حيوان مباح الأكل فإن ما يخرج منه من فضلات تعد طاهرة ما عدا الدم لوجود الدليل فيه.
لأي مناسبة ساق المؤلف هذا الحديث؟ لأن الباب هنا باب إزالة النجاسة وبيانها، فأراد رحمه الله بسياق هذا الحديث أن لعاب الإبل ليس بنجس. ثم قال:
طهارة المني:
25 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل. متفق عليه.
- ولمسلم: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا، فيصلي فيه".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
- وفي لفظ له: "لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه".
هذا الحديث فيه بيان حكم المني، والمني: هو الماء الدافق الذي يخرج من الإنسان بشهوة، فلابد أن يكون دافقا حتى يصلح عليه أنه مني صحة وليس من مرض؛ لأن المني قد يخرج من مرض، لكن الكلام هنا على المني الذي يخرج من الصحة، وهذا لا يكون إلا دافقا لقول الله تعالى: {فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق} [الطارق: 5، 6].
هذا الحديث تقول عائشة: إن الرسول يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا انظر إلى أثر الغسل، يعني: أنه يصلي فيه عليه الصلاة والسلام وهو لا يزال رطبا لم ييبس من غسله.
ذكر المني قد يوجب لنا أن نذكر ما يخرج من الذكر. الذي يخرج من الذكر أربعة أنواع:
المني، والمذي، والبول، والودي. أربعة أشياء كلها مختلفة، إلا الودي مع البول.
المني سيتبين لنا إن شاء الله من الحديث أنه طاهر موجب للغسل، المذي بين الطهارة والنجاسة ليس من النجاسات الثقيلة ولا من الطاهرة، وهو أيضا سبب الشهوة، لكنه لما كان لا يخرج حين اشتدادها وقوتها وإنما يخرج عند تذكر أو رؤية المرأة أو أشبه ذلك، ويخرج من دون أن يحس به الإنسان ولا يدري عنه إلا برطوبته، هذا بين بين جعله الشارع بين المني والبول، فهو يوجب غسل الذكر والأنثيين وإن لم يصيبها، ويوجب أيضا أن ينضح ما أصابه نضحا بحيث يغمر بالماء دون أن يتقاطر منه، ودون أن يعصر، ويفرق عن البول والودي لأن حكمهما واحد، كلاهما نجس، وكلاهما يغسل غسلا تاما بحيث يصب عليه الماء حتى يتقاطر ويفرك ويعصر.
تقول رضي الله عنها: "كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل" متفق عليه. قولها: "يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب"؛ أي: الثوب الذي فيه المني وغسله منه، وقولها: "وأنا أنظر" يحتمل أن تكون الجملة حالية؛ يعني: يخرج وأنا أنظر إليه أتبعه بصري، ويحتمل أنها استئنافية بمعنى: أنه يخرج خروجا غير مقيد بكونها تنظر إليه بل أنا أنظر إليه حين خروجه أو قبل خروجه، وعلى هذا فالحكم لا يختلف، وفي رواية لمسل: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا فيصلي فيه".
الفرك: هو الدلك إما بالأصابع أو مع الراحة أو ما أشبه ذلك، وقولها رضي الله عنها: "فركا" من باب التوكيد فهو مصدر مؤكد، والمصدر المؤكد قال العلماء: إن فائدته نفي احتمال المجاز مع التوكيد، فقوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
{تكليما}: هذه مصدر مؤكد وفائدته نفي احتمال المجاز، يعني: على القول بأن المجاز واقع في القرآن، والصواب أنه ليس بواقع، وقولها: "فيصلي فيه" يعني: من غير غسل بل بالفرك، وفي لفظ: "لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه". وهذه طريقة أخرى بدل الفرك تحكه بظفرها، وهذا فيما إذا بقي له جرم تحكه بظفرها حتى تزول عينه بألا يرى، ومثل هذا قد يكون فيه شيء من الحياء والخجل إذا رؤي أثر المني على ثوب الإنسان.
أسئلة:
- ما الذي يؤخذ من حديث عمرو بن خارجة بالنسبة للحيوان؟ طهارة لعاب الحيوان المأكول وكل شيء يخرج منه ما عدا الدم المسفوح.
- إذا قال قائل: كيف نستدل بحديث عمرو بن خارجة وهو يحكي حكاية لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع عليه؟ كل ما وقع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فهو حجة؛ لأنه لو لم يعلم به فقد علم الله.
- هل هناك دليل في عمل الصحابة على استدلالهم بإقرار الله تعالى بالشيء؟ نعم، ودليله حديث جابر: "كنا نعزل والقرآن ينزل ولو كان شيئا لأنكره الله". هل فيه دليل من القرآن على أنه لو كان منكرا لأنكره الله؟ قوله تعالى: {يستخفون من الناس} الآية.
فوائد الحديث:
في حديث عائشة رضي الله عنها في حكايتها في تقرير المني من فوائده: جواز التصريح بما يستحيا من ذكره عند الحاجة إليه؛ لقولها: "يغسل المني".
فإن قال قائل: كيف صرحت بذلك وهو مما يستحيا منه غالبا، ومما يتعلق بالاستمتاع بالنساء، وعلي رضي الله عنه استحيا أن يسأل النبي عن المذي حيث إنه يتعلق بالشهوة لأنه كان زوج ابنته؟
فالجواب عن ذلك أن يقال: إن الناس يختلفون في الحياء؛ فعلي معذور مع أنه رضي الله عنه لم يهمل الأمر، وكل من يسأل عنه، وعائشة معذورة لأنها تريد أن تبين حكما وشرعا.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي إزالة أثر المني، سواء قلنا بطهارته أو بنجاسته.
ومن فوائده: أن المني ليس بنجس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسله، فإن قال قائل: ولكنه غسله، فالجواب: أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم المجرد لا يدل على الوجوب، الوجوب يكون بالأمر وبعضهم قال: إن الفعل الدائم المستمر يدل على الوجوب وإن لم يأمر به، وهذا ليس من الشيء المستمر؛ لأنه أحيانا إذا يبس يفركه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يمكن أن يقاس على المني كل ما يستحيا من رؤيته، فإنه ينبغي للإنسان أن يزيله عن ثوبه فلو كان به أثر دم وإن قلنا بالطهارة؛ أو كان فيه أثر مخاط؛ أي: في الثوب فإنه ينبغي للإنسان أن يزيله؛ لأن هذا مما يستحيا منه وتتقزز النفوس منه، وبالتالي يكون نفس الذي اتصف به مكروها في طبائع الناس، وإن كان غير مكروه شرعا لكن الناس لا يجبون أن يروا هذا المذى على غيرهم.
ومن فوائد الحديث في لفظ مسلم: أن من العشرة بالمعروف أن تخدم المرأة زوجها لقولها رضي الله عنها: "لقد كنت أفركه".
فإن قال قائل: وهل خدمة الزوجة زوجها أمر واجب عليها؟
فالجواب: أن الله تعالى حكم بهذا حكما عدلا فقال: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19].
فإذا كان المعروف عند الناس أن المرأة تخدم زوجها وجب عليها أن تقوم بخدمته، وإذا كان المعروف أن الزوجة لا تخدم الزوج وأنها تستخدم الخادم لم يجب عليها أن تخدم الزوج، وإذا كان من المعروف أن تخدمه في شيء، دون شيء فعلى حسب المعروف ما جرت العادة أن تخدمه فيه وجب عليها أن تخدمه، وما لم تجر العادة به لم يجب عليها، كل هذا مأخوذ من كلمتين: {وعاشروهن بالمعروف}.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاقتصار على فرك المني إذا كان يلبسا، وأنه لا يجب غسله، ولكن بعض الأشخاص يكون لمنيه أثر وإن فركوه فهل نقول: اغسل الأثر؟ الجواب: نعم، اغسله لئلا يتقزز الناس من رؤيته.
ومن فوائد هذا الحديث - أعني: رواية مسلم-: أنه كالصريح في طهارة المني؛ لأن النجس- ولاسيما ما كان له جرم- لا يكفي فيه الفرك؛ إذ إن الثوب يتشرب النجاسة، فالفرك لا يمكن أن يزيل عين النجاسة، وهذا يدل على أن المني طاهر وهو كذلك، بقي أن يقال - وهي مسألة ليست في الحديث-: إذا كانت النجاسة التي لها جرم على شيء أملس كالمرآة فهل يجزئ فيها الفرك إذا أزالها بالكلية؟ الصواب: أنه يجزئ؛ لأن القول الراجح أن النجاسة متى زالت بأي مزيل طهر المحل.
ومن فوائد هذا الحديث: زهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا؛ حيث كان ثوبه الذي يصيبه المني يغسله ويصلي فيه، بمعنى: أنه لا يحتاج إلى ثوب للصلاة، وثوب للفراش، وثوب للبيت وما أشبه ذلك. فهل يقال: إنه لما أنعم الله علينا بالمال ينبغي لأن نعود إلى ذلك، وأن نجعل ثوب النوم هو ثوب الصلاة؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
الجواب: لا، ليس كذلك إذا وسع الله علينا فإن الله "يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".
فإن قال قائل: هل هذا المني الذي تفركه عائشة من ثوب الرسول عليه الصلاة والسلام هو عن احتلام أو عن جماع؟
الجواب: أنه عن جماع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتلم، فإن من خصائصه عليه الصلاة والسلام أنه لا يحتلم كما ذكر ذلك أهل العلم.
ومن فوائد اللفظ الثاني لمسلم: جواز تأكيد الشيء بأي مؤكد وذلك من قولها: "كنت أحكه يابسا بظفري"، التوكيد هنا هل هو في قولها: "بظفري"، أو في قولها: "يابسا" أو فيهما؟ الجواب: فيهما، لأنه لا يمكن الحك إلا إذا كان يابسا، والحك أيضا لا يكون إلا بالظفر.
حكم بول الجارية والغلام والفرق بينهما:
26 - وعن أبي السمح رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام". أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم.
27 - وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دم الحيض يصيب الثوب: "تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه". متفق عليه.
28 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت خولة: يا رسول الله، فإن لم يذهب الدم؟ قال: يكفيك الماء، ولا يضرك أثره". أخرجه الترمذي، وسنده ضعيف.
قال المؤلف رحمه الله فيما نقله عن أبي السمح رضي الله عنه: أبو السمح هذا أحد خدم الرسول صلى الله عليه وسلم روى عنه هذا الحديث "يغسل من بول الجارية" أي: الأنثى الصغيرة، "ويرش من بول الغلام" أي: الذكر الصغير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
"يغسل"، يعني: البول، "ويرش" يعني: البول، يعني: إذا أصاب الإنسان بول جارية فإنه يغسل كما تغسل سائر الأبوال إذا أصابه بول غلام فإنه يرش، والمراد بالرش هنا: النضح بحيث يصب عليه الماء، وإن لم يتقاطر ويكفي أدنى شيء.
سبب هذا الحديث: أن أبا السمح رضي الله عنه كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه بالحسن أو الحسين فبال على صدره، فأراد أن يغسله أبو السمح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا، فيكون هذا الحديث له سبب، والعبرة كما قال العلماء بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى هذا فيكون عاما.
فإن قال قائل: ما هو الضابط فيما يغسل وما يرش من بول الغلام؟
قلنا: الضابط ما ثبت في الصحيحين "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بصبي لم يأكل الطعام فبال في حجره فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بماء فنضحه". فيكون الضابط في هذا ألا يأكل الطعام وليس المراد ألا يطعم شيئا؛ لأن هذا لو قلنا به لكان الصبي في أيامه الأولى يمكن أن يمضغ شيئا، لكن المراد ألا يكون الطعام بدلا من اللبن أو الأكثر، يتغذى بالطعام أكثر مما يتغذى باللبن، أما إذا كان الطعام هو غذاؤه فالأمر واسع.
وأما إذا كان هو الأكثر بناء على ما ذكره العلماء رحمهم الله من تغليب الأكثر على الأقل في كثير من المسائل يغلب فيها الأكثر على الأقل، فمثلا الحيض إذا زاد على خمسة عشر يوما، صار الدم استحاضة وليس حيضا؛ تغليبا للأكثر، الجلالة التي تأكل العذرة قال العلماء: إنها تكون جلالة إذا كان أكثر علفها النجاسة فاعتبروا الأكثر، كذلك هذا الصبي إذا كان أكثر غذائه الطعام حكمنا بأنه يأكل الطعام، وإن شرب لبنا مرة أو مرتين في اليوم فلا ينضح.
ففي هذا الحديث دليل على التفريق بين الأنثى والذكر، والفروق بين الأنثى والذكر قدرا وشرعا كثيرة ويمكن - إن شاء الله- أن نكلفكم بإحصائها؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، الفرق بين الذكر والأنثى من وجوه كثيرة قدرية وشرعية فهنا فيه الفرق بين بول الذكر وبول الأنثى الصغار، الأنثى يغسل كما تغسل سائر الأبوال، والذكر ينضح، والرش هنا بمعنى النضح حتى يعم سواء تقاطر أم لم يتقاطر، ولا يحتاج إلى عصر أو إلى فرك.
فإن قال قائل: ما الفرق بينهما؟
قلنا: الفرق بينهما حكم الله ورسوله، فمتى حكم الله ورسوله بين شيئين متقاربين فالعلة هي حكم الله ورسوله، وهذه العلة مقنعة لكل مؤمن ولا يحتاج بعدها إلى نقاش؛ لأننا نؤمن بأن حكم الله مبني على الحكمة، وإذا كنا مؤمنين بأن حكم الله مبني على الحكمة علمنا أنه لابد أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
يكون هناك حكمة أوجبت التفريق في الحكم، وحينئذ نقتنع ولا يخفى على كثير منكم "أن امرأة سألت عائشة رضي الله عنها ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، وجعلت ذلك هو الحكمة وهو كذلك، لكن بعض العلماء رحمهم الله التمس لذلك علة وبعض العلماء قال: لا نعلم، فهو أمر تعبدي جاءت به السنة، فعلينا ألا نسأل بل نطبق.
ومن الفروق التي ذكرها من فرق أو من ذكر حكمة التفريق نقول: إن الغذاء الذي هو اللبن لطيف خفيف ليس له ثقل كالطعام؛ يعني: ليس له جرم يظهر بل هـ خفيف تشربه المعدة والعروق ويخرج منه الشيء خفيفا، وبناء على ذلك يتلاقى هذا مع حرارة الذكورة وقوة إنضاج الذكر للطعام، فمن هذه القوة وخفة الغذاء يكون البول خفيف النجاسة، ولهذا يوجد فرق بينه وبين بول الجارية في الرائحة مما يدل على صحة هذا التعليل، وأن الخبث الذي يكون في بول الذكر بالنسبة لبول الأنثى أخف. هذه واحدة.
ثانيا: قالوا: بول الذكر يخرج من ثقب في أنبوبة، وهذا يقتضي أن ينتشر وأن يتسع ما يصيبه، وإذا انتشر واتسع ما يصيبه صار التحرز منه شديدا؛ لأنه ينتشر فيكون التحرز منه شديدا، بخلاف بول الجارية، فإنه يخرج ثرثرة بدون أن يكون له بروز، فيكون ما يصيب الثوب منه او البدن قليلا، وهذه علة كما تعلمون تمشي على ثلاثة من أربعة.
الثالث: يقولون: الذكر مرغوب عند أمه، فتحمله كثيرا بخلاف الجارية، الغالب أن الجارية مسكينة تكون في ركن الزاوية ولا يهتمون بها كثيرا بخلاف الذكر، فإذا كانت تهتم به كثيرا فسوف تحمله كثيرا، ويشق التحرز من بوله بخلاف الجارية، وهذه العلة تمشي على اثنتين من أربع لماذا؟ لأننا نجد كثيرا من الناس - ولاسيما في زمن الصغر- يرقون للبنات أكثر ما يرقون للأولاد، ويكون حملهما للجارية أكثر.
على كل حال: أقرب شيء أن العلة الأولى هي المقنعة لكل مؤمن وهي: أن هذا حكم الله ورسوله، ولابد أن يكون هناك حكمة لكننا لا يمكن أن نحيط بكل حكم الله عز وجل.
الثانية: ما ذكرنا من لطافة الغذاء وحرارة البدن، فيجتمع هذا وهذا يكون خفيفا بدليل الفرق في الرائحة، استفدنا من هذا الحديث فوائد:
الفائدة الأولى: أن بول الغلام الصغير وبول الجارية الصغيرة نجس؛ لأن كلا منهما عرضة للتطهير منه، لكن الجارية تغسل والغلام نضح أو رش.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
ومن فوائد هذا الحديث: أننا فهمنا بذلك حكمة الشريعة وتفريقها في الأمور على حسب ما يقتضيه الحال؛ سواء قلنا: إن هذا الحكم تعبدي أو إنه معلل؛ لأننا نعلم أنه لا يمكن التفريق إلا أن هناك علة مؤثرة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن العذرة من الغلام ومن الجارية على حد سواء؛ لأن التفريق إنما كان في البول فقط فتبقى العذرة على ما هي عليه.
ومن فوائده أيضا: أنه إذا كبر الغلام ووصل إلى حد يتغذى بالطعام أو يكون غذاؤه بالطعام أكثر، فإن حكمه كالبالغ؛ يعني: لابد من غسل بوله.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التصريح بذكر البول "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام"، وكثير من الناس إذا أراد أن يعبر عن البول يقول: أطيرا وهذه لغة عامية قصيمية، يقول صاحب الفروع - وقد كان من أكبر تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وأعلمهم بفقهيات شيخ الإسلام ابن تيمية حتى كان ابن القيم يرجع إليه في فقهيات شيخ الإسلام-، الأولى أن يقول: أبول، ولا يقول: أريق الماء؛ لأن هذا غلط هل البول ماء فكيف يقول ذلك أريق الماء إذا كان ماء فهو يشرب وفي إناء لكن الآن هذا نجس، فقل: أبول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام".
حكم دم الحيض ودم الاستحاضة:
- وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أم عنها؟ عنهما؛ لأن الصحابي إذا كان أبوه مسلما يقال: رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دم الحيض يصيب الثوب" "الحيض": هو دم طبيعة وجبلة يرخيه الرحم إذا بلغت المرأة سن المحيض واستعدت للحمل، وهو أمر طبيعي، يعني: ليس أمرا حادثا عن الأنثى، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين وجدها تبكي من الحيض قال: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم منذ خلقهن".
وقال صلى الله عليه وسلم في الحيض يصيب الثوب، "تحته" يعني: تحت الدم، "ثم تقرصه بالماء"، والقرص: هو الدلك بأطراف الأصابع سواء كان بالماء أو ببل ريقها أو ما أشبه ذلك، "ثم تنضحه" تصب عليه الماء فهذه ثلاث مراتب:
الأولى: "الحت ومتى تحتاج إليه؟ إذا يبس.
والثانية: قرص بالماء، يعني: تدلكه بين أصبعين هكذا.
والثالثة: النضح، والمراد بالنضح هنا: الغسل، ثم قال: "ثم تصلي فيه"، وهذا كأنه - والله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
أعلم - النبي صلى الله عليه وسلم استفتى في ذلك في المرأة يصيب ثوبها الحيض أتصلي فيه أم لا؟ فقال: هذا وهذا.
الحديث من فوائده: أن دم الحيض نجس؛ لأنه لما ذكر تطهيره في المراتب التي سمعتم قال: "ثم تصلي فيه"، فدل على أنه لابد من إزالته قبل الصلاة، وهو يدل على أنه نجس.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يعفى عن اليسير لقوله: "ثم تقرصه بالماء"، وهذا لا يكون غالبا إلا في الشيء القليل، أما في الشيء الكثير فلابد من حته بالراحة، يعني: براحة اليد كلها لكن القليل هو الذي يكون بالقرص، فيكون في هذا الحديث دليل على أن دم الحيض لا يعفى عن يسيره، بقية الدماء القول الراجح فيها أنها ليست بنجسة، يعني: أن الدماء الخارجة من الإنسان ليست بنجسة؛ لأنني - إلى ساعتي هذه- ما وجدت دليلا يدل على النجاسة، وقد تقرر أن الأصل في الأشياء الطهارة إلا بدليل، وذكرنا عند حديث "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت" أن القاعدة ألا يكون نجسا؛ لأن ميتة الآدمي طاهرة، فما انفصل منه في حياته يكون طاهرا، كما لو قطعنا يدل من يديه مثلا أو رجلا من رجليه فهي طاهرة، وإذا قلنا بالنجاسة وهو قول جمهور العلماء، وهو القول الذي لا يعرف أكثر الطلبة إلا إياه، يقولون: إنه يعفى عن يسيره فما هو اليسير؟ هل اليسير ما استسهله كل إنسان بحبسه أو اليسير ما استسهله عامة الناس؟ في هذا قولان لأن للفقهاء.
القول الأول: أن اليسير ما استسهله كل إنسان بحسب حاله.
والقول الثاني: أن العبرة بعامة الناس ومتوسطي الناس؛ فما رأوه يسيرا فهو يسير، وما رأوه كثيرا فهو كثير.
القول الأول له وجهة نظر وعليه مؤاخذة، وجهة النظر: أن الإنسان إذا رأى أن هذا الدم الذي أصابه يسير اطمأن وصلى بطمأنينة ولم يحصل منه قلق، ولا يرى أنه قصر في شيء، فيقال: أنت وربك، ولكن فيه مؤاخذة؛ المؤاخذة: أن الناس يختلفون؛ فمن الناس من يوسوس، النقطة التي كعين الجرادة يرى أنها كثيرة، ومن الناس من يكون متهاونا يرى النقطة التي هي أكبر من العصفور قليلة، وحينئذ يختلف الناس في التقدير فيكون الرجوع لأوساط الناس هو القول المترتب، ولهذا شواهد في الشريعة اللقطة تعرفون أنها إذا كانت يسيرة قليلة فإن الإنسان يملكها بمجرد لقيتها إذا لم يعرف صاحبها. اليسير عند من؟ عند أوساط الناس، فالرجوع إلى أوساط الناس أمر معتبر شرعا، فيرجع في القليل والكثير إلى أوساط الناس، لا نأخذ برأي المتهاون ولا برأي الموسوس، هذا بالنسبة لدم غير الحيض، أما الحيض فالحديث يدل على أن كثره وقليله نجس، وليس لنا خروج عما تقتضيه السنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
* وبقينا في دم الاستحاضة هل هو نجس أو كسائر الدماء؟
نقول: إن الأقرب أنه نجس؛ لأنه خارج من سبيل، وقد يقول قائل: إنه ليس بنجس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بأنه "دم عرق"، ودم العروق إما نجس يعفى عن يسيره، وإما طاهر، وهذا دم عرق فلا يكون نجسا.
ثانيا: أن القول الراجح: أن المستحاضة يجوز لزوجها أن يطأها، وإباحة وطئها تقتضي أن يلامس النجاسة ولا يضر. هذا الذي يرجح أنه طاهر.
الذي يرجح أنه نجس، نقول: إنه خارج من سبيل وليس دم عرق طاهر حتى نقول إنه كسائر الدماء، وأما كون الزوج يباح له أن يطأها فالمسألة خلافية، من العلماء من يقول: لا يجوز أن يطأها إلا إذا خاف العنت، وحينئذ يكون وطأها هنا ضرورة وسوف يغسل ما أصابه منها، ومنهم من يقول بالجواز مطلقا وهو الراجح، لكن هذا للحاجة كما أن الإنسان يغسل النجاسة للحاجة ويمسها بيده، فهذا كذلك يريد أن يستمتع بزوجته الاستمتاع الذي أباحه الله.
والأقرب عندي: أن دم الاستحاضة كدم الحيض؛ يعني: أنه يجب التحرز منه، لكن أبيح للحاجة من جهة الزوج، وأما ما يصيب الثوب منه فلابد من غسله قليلا كان أو كثيرا.
من فوائد هذا الحديث: بيان أن الصحابة رضي الله عنهم عندهم بساطة في الأمور، المرأة تصلي في الثوب الذي تحيض فيه، والرجل يصلي في الثوب الذي يجامع فيه كما مر علينا من فعل الرسول - صلوات الله وسلامه عليه- وهذا يدل على بساطتهم وسهولة أمرهم وأنهم لا يتكلفون.
الآن بعض النساء لها ثوب للصلاة، وثوب لحمل الأولاد، وثوب للبذلة، وثوب للزينة، والرفرف مملوء من الثياب وغالبها أيضا - في العهد الحديث- متروك مهجور؛ لأنها خرجت موضة جديدة ولابد من التغيير، حتى لو كان الثوب من أحسن الثياب تقول: ما نريده، وهذا خطأ لكن نقول: لا قتر ولا سرف.
الصحابة رضي الله عنهم لم تفتح عليهم الدنيا إلا أخيرا ولو على هذا الوجه، لكن لما أنعم الله علينا فلا بأس أن تتخذ المرأة ثوبا للصلاة، وثوبا للبيت للأولاد، ولا نقول: إن هذا من باب الإسراف - إن شاء الله تعالى-.
من فوائد هذا الحديث: أنه يجب إزالة عين النجاسة قبل أن تغسل لقوله: "تحته"؛ لأنك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
لو صبيت الماء عليها لغسلها قبل أن تحتها ازداد اتساع النجاسة وصارت قد زادت مع الطين بلة فلذلك نقول: لابد من الحت أولا.
وهل يقاس عليها مثلها في النجاسة؟ الجواب: نعم، العذرة مثلا لابد أن تحتها أولا، ثم تغسل المكان، وفي هذا رد لما اشتهر عن بعض الناس أن دم الحيض لا يتجمد، وأن دم الاستحاضة يتجمد، وعللوا ذلك بأن دم الحيض انفجار البويضات في الرحم، ثم يتسرب الدم فتكون قد تجمدت أولا، فإذا خرجت فإنها لا تتجمد، لكن ظاهر هذا الحديث "تحته" يدل على أنه يتجمد فليراجع هذا الموضوع، وكنت بالأول مقتنعا بأن هذا هو الفرق بين دم الاستحاضة، ودم الحيض مع الفروق التي ذكرها الفقهاء، لكن هذا الحديث يمنع الاقتناع بهذا الرأي.
ومن فوائد هذا الحديث أيضا: التدرج في إزالة النجاسة لقوله: "ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه".
سؤال:
- هل قيء الغلام كقيء الجارية؟ نعم، كلاهما طاهر.
بقي علينا من فوائد حديث أسماء بعض الفوائد ذكرنا أن من الفوائد: أن قولها: "تحته" يرد على بعض المعاصرين من الأطباء الذين يرون أن دم الحيض لا يتجمد، ولكن قال لي أحد المحاضرين ممن هو عالم بالطب: إنه ليس يتجمد لكن يكون له بقية، بمعنى: أنه ليس كالماء إذا يبس ليس له أثر، فله أثر يمكن أن يحت، وبناء على ذلك يعني هو أكد أن ما قاله الطبيب المعاصر أنه صحيح، يعني: أن دم الحيض لا يتجمد لكن إذا يبس فلابد أن يكون له جسم وليس كالماء إذا يبس، وعلى هذا فلا يكون في الحديث معارضة له؛ لأن ما كان كذلك يمكن أن يحت.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه عند إزالة النجاسة ينبغي ألا يكثر الصب - صب الماء- لأنه إذا أكثر الصب والنجاسة باقية بعينها يترشش عليه الماء، ثم يلوث لكن يأتي بغسله شيئا فشيئا من أجل ألا يصب عليه الماء الكثير إلا بعد أن تزول عين النجاسة، ولا يبقى إلا الأثر الذي لا يزيله إلا الماء.
ومن الفوائد: أن النجاسة لا تزال إلا بالماء لقول: "ثم تقرصه بالماء"، وهذا ما عليه أكثر العلماء أنه لا تزال النجاسة إلا بالماء، ولكن القول الراجح أن النجاسة تزال بكل ما يزيلها من ماء أو حت أو دلك أو غير ذلك، لكن الأحاديث الواردة في الماء إنما كانت كذلك؛ لأن الماء في ذلك الوقت هو أيسر ما يمكن أن تزال به النجاسة.
ومن فوائد هذا الحديث أيضا: أن إزالة النجاسة من الثوب الذي يصلي فيه شرط لصحة الصلاة لقوله: "ثم تصلي فيه" فإن ظاهره أنها لا يمكن أن تصلي فيه حتى تفعل ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
ومن فوائده: أن النضح يطلق على الغسل لقوله: "ثم تنضحه" .. فالمراد بالنضح هنا: الغسل إلا أن يقال: إن حته ثم قرصه بالماء يخفف النجاسة حتى يمكن أن تزول بالنضح.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت خولة: يا رسول الله، فإن لم يذهب الدم؟ قال: "يكفيك الماء ولا يضرك أثره".
قوله: "قالت خولة": هي بنت يسار "يا رسول الله، فإن لم يذهب الدم" تريد: لونه؛ بمعنى: بعد أن تحته ثم تقرصه، ثم تنضحه ولم يزل الدم، فقال: "يكفيك الماء ولا يضرك أثره".
"يكفيك الماء" دليل على أن الماء يزيل بالنجاسة.
"ولا يضرك أثره" والأثر هنا هو اللون، أما إذا بقي شيء من جرمه فإنه لا يكفي، وكذلك الريح مثل اللون إذا صعب إزالته فإنه لا يضر.
ففي هذا الحديث فائدة تضاف إلى ما سبق وهي: أنه إذا بقي لون الدم فإنه لا يضر؛ لأن العبرة بزوال عين النجاسة أما لونها فهو لا يضر، وبهذا يتم ما أورده المؤلف رحمه الله من الأحاديث في باب "إزالة النجاسة وبيانها" فلنرجع إلى تحرير ذلك وتلخيصه.
أولا: إزالة النجاسة على القول الراجح تحصل بأي مزيل، وبأي عدد فلا يشترط فيما يزيلها نوع معين، ولا يشترط فيما يزيلها عدد معين، بل قد تزول بأول مرة أو بثاني مرة أو لا تزول إلا بعد عشرين مرة، المهم أن النجاسة عين قذرة لا يطهر المحل إلا بزوالها.
ثانيا: إزالة النجاسة هل يتحقق بغير الماء أو لابد من الماء؟ في ذلك خلاف بين العلماء وأكثر العلماء أنه لا تتحقق إزالة النجاسة إلا بالماء إلا ما استثني كالاستجمار، فإن النجاسة تزول بالاستجمار، ومن العلماء من يقول: إن النجاسة لا تزول بالاستجمار؛ وإنما يزول حكمها، وأن الاستجمار هذا مبيح وليس بمطهر، وهذا هو المشهور عند فقهاء الحنابلة رحمهم الله، وينبني على ذلك أنه لو استجمر ثم مس ثوبه وهو رطب بمحل الاستجمار، فإن الثوب ينجس؛ لأن النجاسة لم تزل بالاستجمار، وكذلك يقولون: لو احتلم الإنسان وهو مستجمر فإن ما يبرز من الماء يلاقي مكانا نجسا فينجس ويكون الماء الذي خرج بالاحتلام متنجسا وليس بنجس، لكن القول الراجح: أن الاستجمار مطهر لحديث ابن مسعود رضي الله عنه "إنهما" - أي: الروث والعظم- "لا يطهران"؛ فدل ذلك على أن الاستجمار مطهر وهو كذلك، وكذلك وردت السنة بأن الحذاء نطهر بالدلك بالتراب، وأن أسفل ثوب المرأة إذا مر بالنجاسة فإنه يطهر بما يمر به من بعد النجاسة من التراب الطاهر.
وهذه الشواهد تدل على أن إزالة النجاسة تحصل بأي مزيل، وهذا هو الحق، كيف نقسم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
ما يحصل به التطهير؟ قسم العلماء ذلك إلى ثلاثة أقسام: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة، ونجاسة متوسطة.
فالمغلظة: هي نجاسة الكلب إذا ولغ في الإناء فلابد من سبع غسلات إحداهما بالتراب، وهل يقاس على الكلب الخنزير؛ لأنه أخبث؟ قال بعض العلماء: إنه يقاس، والصحيح أنه لا يقاس، وهل يقاس على ولوغه ما خرج منه من فضلات كالعذرة والبول والدم أو لا؟ فيه خلاف أيضا: من العلماء من ألحقه بالولوغ، ومنهم من قال: حكمه كسائر النجاسات، لكن الأحوط بلا شك أن يلحق بولوغه وألا يحكم بطهارته إلا بسبع غسلات إحداها بالتراب.
النجاسة المخففة: هي نجاسة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، يعني: لو يفطم بعد؛ هذه مخففة يكفي فيها النضح وهو صب الماء عليها، وإن لم يتقاطر منها وإن لم يدلك، وإن لم يغسل، وكذلك على القول الراجح المذي يكفي فيه النضح كبول الصغير؛ لأن المذي طبيعته بين المني والبول فأعطي حكما بين الحكمين.
أما المتوسطة: فهي ما سوى ذلك - مغلظة ومخففة- ومتوسطة ما بين ذلك، فإذا عرفت المغلظ والمخفف وقلت ما بين ذلك هو المتوسط، فهذا يشمل جميع النجاسات فكيف تطهر؟ المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله أنه لابد من سبع غسلات لكن بدون تراب، والصحيح أنه لا يشترط سبع غسلات، وأنه متى زالت عين النجاسة فإنها تطهر سواء بثلاث أو بخمس أو بتسع أو بعشر أو ما أشبه ذلك، المهم المقصود هو إزالة عين النجاسة، هذا هو القول الراجح ويدل على ذلك ما ذكره المؤلف في دم الحيض من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد عددا معينا وإنما ذكر صفة معينة يزول بها الدم.
أما النجاسات. ما هي النجاسات؟ هذه بعض العلماء حدها وقال: "كل عين حرم تناولها لا لحرمتها ولا استقذارها ولا بضرر منها في بدن أو عقل"، وكما تعلمون هذا التعريف طويل جدا، وقد لا يكون مانعا ولا جامعا، لكن سقناه على حسب ما ذكره بعض الفقهاء كل عين حرم تناولها لا لحرمتها ولا لاستقذارها ولا لضرر منها في بدن أو عقل، ولكن يقال الأحسن ألا نأخذ به؛ لأنه قد يرد علينا أشياء تنقض هذا التعريف بل نعدها والأصل فيما عداها الطهارة؛ فنبدأ بما أشار إليه المؤلف وهو الخمر:
فالخمر على ما عليه جمهور العلماء نجس قليله وكثيره، ولا يعفى عن شيء منه، والمناقشة في أدلته سبقت ولا حاجة إلى إعادتها، وتبين أن الراجح أنه ليس بنجس نجاسة حسية، ولكنه نجس نجاسة معنوية، وذكرنا أن الدليل على ذلك نوعان: سلبي وإيجابي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
السلبي: هم عدم الدليل فليس هناك دليل يدل على نجاستها.
والإيجابي: أن هناك أدلة تدل على طهارتها فعلا كعدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الأواني حينما حرمت الخمر مع أنه أمر بغسلها حين حرمت الحمر الأهلية، وكذلك أيضا الصحابة أراقوها بالأسواق ولو كانت نجسة ما أراقوها بالأسواق، وكذلك صاحب راوية الخمر التي أهداها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بغسلها. هذا واحد.
ثانيا: لحوم الحمر الأهلية نجسة، وعلى هذا فنقول: كل حيوان محرم الأكل فهو نجس: بوله، وروثه، وعرقه، ومنيه، وريقه، وكل ما ينفصل منه، كل حيوان محرم الأكل نجس.
هل يمكن أن نقول: يستثنى من ذلك الآدمي؟ على رأي المناطقة يستثنى الآدمي؛ لأنهم يقولون: الآدمي حيوان ناطق، لكننا نستثنى الآدمي، ونستثنى أيضا ما لا يمكن التحرز منه على القول الراجح كالهرة، ومن العلماء من يقول: نستثني الهرة وما دونها في الخلقة، والصواب أن تستثنى ما يشق التحرز منه كالهرة، وكذلك على القول الصحيح الغل والحمار، لأن الناس يحتاجون إلى ركوبهما واستعمالهما ويشق التحرز منهما، يستثنى من ذلك أيضا كل ما ليس له نفس سائلة فإنه طاهر كالعقرب والجعل والخنفساء وما أشبه ذلك.
إذن نأخذ من حديث أنس في الحمر أن كل حيوان محرم الأكل فهو نجس، يستثنى من ذلك الآدمي.
ثانيا: ما يشق التحرز منه كالهرة ونحوها.
ثالثا: ما لا نفس له سائلة أي: ما ليس له دم يسيل. هذان صنفان.
الثالث: الميتات، كل ميتة فهي نجسة إلا ما يستثنى، يستثنى من ذلك ميتة البحر، لأنها حلال، ويلزم من الحل أن تكون طاهرة، يستثنى من ذلك ميتة الآدمي فإنها طاهرة؛ لأن المؤمن لا ينجس حيت ولا ميتا، يستثنى من ذلك ميتة ما ليس له نفس سائلة كالذباب والبعوض والعقرب والصارور وما أشبه ذلك، هذه أيضا ميتتها طاهرة، ودليلها حديث الذباب أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر إذا وقع في الشراب أن يغمس، وهذا يلزم منه الموت إذا كان الشراب جارا أو دهنيا ونحوه. كم هذه؟ ثلاثة أنواع من النجاسات.
الرابع: بول وروث ما لا يؤكل لحمه مثل: بول الحمار وروثه، البغل وروثه، أبوال السباع وأرواثها، كل هذه نجسة، ولا يستثنى من هذا ما يشق التحرز منه، وعلى هذا فأبوال السنانير وأرواثها نجسة.
استثنى بعض العلماء ما لا يمكن التحرز منه وما كان يسيرا، كقيء الذباب وما يخرج منه؛ لأن هذا يشق التحرز منه. فمن الذي يسلم من وقوع الذباب على ثوبه ثم يقيء، أو على الكتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)