أو ما أشبه ذلك، وألحق به بعض العلماء بعر الفأر وبول الفأر؛ لأن هذا يشق التحرز منه، ولكن الذي يظهر أنه نجس، ويمكن أن يقال في الذباب ونحوه: إنه لكثرة وروده على الإنسان وتردده عليه يعفى عما يخرج منه على أن الذباب أيضا إذا كانت ميتة طاهرة وليس له نفس سائلة، فهذا أيضا مما يرجع القول بأن ما يخرج منه طاهر.
عرق الحيوان: الحيوان المحرم الأكل نجس وما يخرج منه من أنفه أو فمه نجس إلا ما يشق التحرز منه كالهرة، وعلى القول الصحيح الحمار والبغل وما يشق التحرز منه فإن هذه الفضلات - أعني: الريق والعرق والمخاط- طاهرة.
ما يخرج من الإنسان يدخل في أي قاعدة مما ذكرنا؟ فيما لا يؤكل، فبوله نجس، وروثه نجس، ومنيه على القول الراجح طاهر، وإن كان بعض العلماء قال إنه نجس؛ لأنه من الفضلات، والصواب أنه طاهر، استثنى بعض العلماء رحمهم الله من ذلك ما يخرج من النبي عليه الصلاة والسلام من بول أو غائط وقال: إن بول النبي صلى الله عليه وسلم وغائطه ليس بنجس ولكن هذا ضعيف جدا؛ لأن هذه من الطبائع البشرية وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر مثلكم". ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام يستنجي ويستجمر، وقال لابن مسعود لما أتى له بالعظم والروث قال: "إنهما لا يطهران"، وهذا يدل على أن بوله وغائطه عليه الصلاة والسلام كغيره من الناس وهذا هو الصواب.
أما عرقه، فعرقه طاهر، وعرق غيره من البشر طاهر أيضا، لكن يختص عرقه بأنه يجوز التبرك به، وكذلك ريقه عليه الصلاة والسلام يجوز التبرك به.
أما عرق غيره من البشر وريقه فإنه لا يجوز التبرك به؛ لأن ذلك لم يرد، والتبرك بالشيء ولإثبات أن فيه بركة يحتاج إلى دليل.
أسئلة:
- كون الشريعة الإسلامية تحث على التخلي عن النجاسة ما الدليل عليه؟
- النجاسة هل نحكم على الأشياء بأنها نجسة أو الطهارة هي الأصل، وما الدليل؟ الطهارة هي الأصل، والدليل: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض .... } الآية.
-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
لماذا ساق المؤلف رحمه الله حديث أنس في باب إزالة النجاسة وبيانها في الخل يتخذ خمرا؟ بناء على أن الخمر نجسة نجاسة حسية فتحتاج إلى إزالتها بالماء.
- كيف يتخذ الخمر خلا؟
- هل ما ذهب إليه المؤلف أو من قال: إن الخمر نجسة حسية هل هذا صواب؟
الصواب خلافه وهي أنها نجسة نجاسة معنوية وليست نجاسة حسية.
- ما هو الدليل على نجاستها؟ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها في طرقات المدينة.
- ما هو الدليل على أن الرجس هو النجس؟ قوله تعالى: {رجس .... }.
- نحن الآن هل نحتاج إلى دليل يثبت الطهارة؟ لا؛ لأن الأصل الطهارة لكن مع ذلك هناك أدلة تثبت الطهارة: إراقة الصحابة للخمر في المدينة والنافي حديث الرجل الذي أهدى الرواية.
- الحمر الأهلية هل لها مفهوم؟
- لماذا كان النعي عن لحوم الحمر، وهل لبنها نجس؟ نعم؛ لأنه يخرج من بين فرث ودم.
- يلزمكم على هذا بأن لبن الإبل ينتقض الوضوء ما قلتم بأن لحمها ينقض الوضوء فهل تقولون بذلك؟ نقول: لاشك أن الوضوء من ألبان الإبل أفضل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لا يجب استدلالا بقصة العرنيين الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبانها وأبوالها ولم يأمرهم بالوضوء فتخصص هذا بهذا الحديث.
- حديث عمرو بن خارجة لماذا أتى به المؤلف؟ أتى به المؤلف ليستدل على أن لعاب الإبل طاهر.
- كيف الدليل؟ نقول: الغالب أن الرسول صلى الله عليه وسلم رآه وإذا لم يره الرسول فالله يعلم ويقر، إذن هل نأخذ من هذا قاعدة بأن جميع ما يؤكل لحمه من الحيوان فلعابه طاهر؟ نعم، ولا حاجة لذلك؛ لأن الأصل الطهرة.
- ذكرنا أن الذي يخرج من الإنسان من ذكره ينقسم إلى أقسام؟
- مر علينا فيما سبق أنه يجوز للإنسان أن يخطب على الراحلة ما الدليل؟
- ما هي الحكمة من كون الرسول صلى الله عليه وسلم خطب على البعير؟
- هل يمكن أن نأخذ من هذا أنه ينبغي للخطيب أن يكون عاليا؟
- لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث في هذا الباب؟
- في مسألة اللعاب هل أخذ العلماء منها ضابطا أو قاعدة؟
- هل بول الإبل طاهر؟
- ما هو المني الطاهر؟ الذي يخرج دفقا بلذة.
-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
عائشة رضي الله عنها ذكرت المني باسمه الصريح وهي امرأة فهل يدل على أنها ليس عندها حياء؟ لا، ولكن لا يستحيي الإنسان من بيان الحكم.
- في حديث أبي السمح ما يدل على الفرق بين بول الذكر والأنثى؟ يغسل من بول الجارية؟ ويرش من بول الغلام.
- قوله الغلام هل هو يشمل كل غلام أم ماذا؟ الذي يتغذى باللبن ولا يكثر الطعام.
- ما الحكمة في التفريق بينهما؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما.
- ما الذي التمسه العلماء من الحكم؟ قالوا: إن الذكر أغلى عند أمه فيكثر حمله فخفف فيه.
- امرأة أصاب ثوبها دم حيض ماذا تقول؟ تحته إذا كان يابسا، ثم تقرصه، ثم تغسله.
- لماذا رتب النبي صلى الله عليه وسلم هذه المراتب؟ لسهولة إزالة النجاسة.
- في هذا الحديث إشكال وهو كيف جاز للإنسان أن يلوث يده بالشيء النجس؟ هذا تلوث بالنجاسة من أجل الإزالة.
- ما رأيك لو أن محرما أصاب ثوبه طيب وقلنا لابد أن تزيله فجعل يفركه بيده ليزيله ما رأيك؟ نعم، يزيله.
- ونظيره إنسان في أرض غصب وتاب من الغصب وأراد أن يخرج إن مشى سوف يستعمل الأرض المغصوبة هل تقول حرام عليك أن تخطو خطوة واحدة؟ لا، لابد أن يمشي، وكذلك لو غصب قدرا فأراد أن يرده إلى صاحبه فحمله - وهو يحمل المغصوب- لكن من أجل التخلص منه.
- في مسالة الطيب للمحرم ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم تطيب لإحرامه وأنه يرى وبيص المسك في مفارقه. من المعلوم أن الإنسان يتوضأ ووبيص المسك في مفارقه سوف يمس الطيب فهل يلزمه أن يغسل يده أو يقول إن هذا مما يشق التحرز منه، فيكون معفوا عنه؟ الثاني: وإن كان ظاهر كلام بعض الفقهاء أن يغسل يده من هذا الطيب.
- في حديث أسماء ما يدل على أن دم الحيض لا يعفى عن يسيره؟
- ولكن ماذا نقول في دم الاستحاضة هل هو نجس أم طاهر؟ الصحيح أنه يلحق الحيض.
- امرأة غسلت الدم لكن بقي اللون هل عليها شيء؟ المهم إزالة عين النجاسة حتى بقي اللون فلا إشكال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
4 - باب الوضوء
يقال: الوضوء، والوضوء بالضم؛ فالوضوء: الماء الذي يتوضأ به، والوضوء- بالضم-: التوضأ، يعني: الفعل، وله أمثلة: كطهور وطهور، وسحور وسحور، ووجور ووجور له أمثلة كثيرة في اللغة العربية على هذا المنوال، فما هو الوضوء؟
الوضوء مشتق في اللغة من الوضاءة، وهو: الحسن والجمال والنظافة من الأقذار والمؤذيات، وأما في الشرع فهو: التعبد لله عز وجل بتطهير الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة.
الأعضاء معروفة و "أل" فيها للعهد الذهني، وإنما قلنا "التعبد لله"؛ لأننا نريد أن نعرف تعبديا فلابد أن نقول عبادة.
كذلك في الصلاة هل نقول: إنها أقوال وأفعال معلومة أم نقول التعبد لله؟ التعبد لله، وكذا نقول في الصلاة وفي الصيام وفي الحج، والوضوء من أفضل الأعمال.
وله فوائد كثيرة منها: أنه إذا كان في أيام الشتاء والبرد مما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات كما في الحديث: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة".
ومنها: أنه كلما طهر الإنسان عضوا من الأعضاء، تطهر هذا العضو من النجاسة المعنوية وهي الآثام، فيخرج إثم كل عضو من هذه الأعضاء عند آخر قطرة من القطرات.
ومنها: أنه اقتداء وأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنها: أنه امتثال لأمر الله {يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} [المائدة: 6].
ومنها: وهو خاص بهذه الأمة "يدعون يوم القيامة غرا محجلين". من أثر الضوء.
ومنها: أن الحلية في الجنة تبلغ حيث يبلغ الوضوء {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا} [فاطر: 32]. {وحلوا أساور من فضة} [الإنسان: 21]. فأساورهم ثلاثة أنواع: من ذهب، والثاني: اللؤلؤ، والثالث: فضة، وهذه إذا اجتمعت يكون لها منظر يسر الناظرين.
المهم: أن له فوائد كثيرة، ولذلك كان القول الراجح من أقوال العلماء أنه عبادة تجب فيه النية خلافا لمن قال: إنه طهارة لا تجب النية فيه، كإزالة النجاسة، ومعلوم أن إزالة النجاسة لا يشترط فيها النية، فلو أن الإنسان نشر ثوبه النجس ونزل المطر وطهره صار طاهرا وإن لم ينو، لكن الوضوء لا يكون صحيحا إلا بنية؛ لأنه عبادة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
الوضوء له سنن وله فرائض وواجبات؛ فمن سننه السواك دليله حديث أبي هريرة:
29 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء".
"لولا" هذه حرف امتناع لوجود، وعندنا ثلاث أدوات اقتسمت الامتناع أو الوجود: "لما، ولو، ولولا": "لما" حرف وجود لوجود، "لو" حرف امتناع لامتناع، "ولولا" حرف امتناع لوجود.
مثاله في "لما" تقول: "لما زارني أكرمته"؛ هنا حصل الإكرام لحصول الزيارة، إذن وجود لوجود.
ومثال "لو": "لو زارني لأكرمته"؛ فهنا امتنع الإكرام لامتناع الزيارة.
ومثال "لولا": "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم"؛ فهنا امتنع الأمر لوجود المشقة، وقوله: "لولا أن أشق" المشقة هي التعب والإجتهاد.
وقوله: "على أمتي" المراد بالأمة: أمة الإجابة؛ لأن أمة الدعوة الأمة المدعوون لا يخاطبون بالسواك، وإنما يخاطبون بالإسلام أولا.
وقوله: "لأمرتهم" أي: أمر إلزام. وجه ذلك: أنا حملناهم على الإلزام؛ لأن أمر غير الإلزام لا مشقة فيه؛ حيث إنه يجوز للإنسان تركه، وما دام يجوز تركه فلا مشقة فيه، وعلى هذا فيكون مراده "لأمرتهم" أمر إلزام.
"بالسواك" السواك يطلق على الألة التي يتسوك بها، وعلى الفعل، نقول: تسوك الرجل سواكا بالغ فيه هذا الفعل، وعلى هذا يكون السواك اسم مصدر وليس مصدرا؛ لأنه لم يطابق الفعل في حروفه، ومن ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب".
السواك يعني: التسوك وليس العود، ومن استعماله بمعنى الآلة التي يتسوك بها أن القول: أعطيت فلانا سواكا؛ يعني: ما يتسوك به، فصار السواك يطلق على الآلة التي يتسوك بها، وعلى نفس الفعل، فما المراد به في الحديث "لأمرتهم بالسواك؟ " الفعل وليس الآلة؛ لأنه ليس من المعقول أن يكون المراد "لأمرتهم" أن يحمل الواحد منهم آلة يتسوك بها بل المراد بالسواك أي بالفعل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
يقول: "أخرجه مالك وأحمد والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري تعليقا".
قدم المؤلف مالكا إما لتقدم ومنه، وإما لأن "الموطأ" أصح من "المسند"، وإلا فلا شك أنا إماما كالإمام أحمد أشهر من الإمام مالك وغيره، فقد أطلق عليه إمام أهل السنة وحاله مشهورة معروفة، وقوله: "ذكره البخاري تعليقا" ما معنى التعليق؟
يقول علماء المصطلح: التعليق: حذف أول المسند، فمثلا إذا كان الراوي - يعني: مخرج الحديث - رواه على هذا الترتيب (1 - 2 - 3 - 4) إلى منتهاه، فحذف رقه (1) معلق، حذف (ا، 2) معلق، حذف (1، 2، 3) معلق، بل يطلق المعلق على حذف السند كله، حكم المعلق أنه ضعيف؛ لعدم وجود السند، وإذا عدم السند صار الرواة مجهولين لابد من العلم بالرواة لأنهم أهل للرواية؛ إلا أنهم قالوا: إذا كان المخرج قد التزم بتعليق ما هو صحيح عنده بصيغة الجزم فيحكم بصحته مطلقا، أو عند المعلق؟ عند المعلق فقط، يعني: قد يكون صحيحا عنده ولكنه ليس بصحيح عند غيره.
الخلاصة: المعلق اصطلاحا: ما حذف أول إسناده أو جميع الإسناد، المعلق في المرتبة من قسم الضعيف، إلا إذا كان في كتاب التزم مخرجه الصحة، وهذا يكون صحيحا عنده فقط وعند غيره قد يكون صحيحا وقد يكون غير ذلك، لكنه إذا كان المعلق إماما معتبرا عند الحفاظ فلا شك أن تعليقه له وزنه وله قيمته، ولهذا ذكره المؤلف قال: "ذكره البخاري تعليقا"، مع أنه يكفي أن يقول: رواه مالك، وأحمد، والنسائي، وصححه ابن خزيمة.
في هذا الحديث فوائد متعددة منها: شفقة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر معلوم بالضرورة؛ لأنه يثبت بالتواتر لقوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128].
ومن فوائده: أن النبي صلى الله عليه وسلم له أن يجتهد في الأحكام لقوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم" ولم يقل: "لولا أن الله لم يأمرني لأمرتهم"، بل قال: "لولا أن أشق"، فالمانع له من الأمر الملزم ليس عدم أمر الله، ولكن المشقة.
إذن للنبي أن يجتهد ثم إن أقره الله عز وجل فالحكم شرعي بإقرار الله، وهذا هو الأصل وإن لم يقره الله ارتفع الحكم، فعفو النبي عليه الصلاة والسلام على المتخلفين لم يقره الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
عليه بل قال: {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكذبين} [التوبة: 43]. فقوله: {عفا الله عنك} بدأ بالعفو عما حصل قبل أن يذكره، قال: "عفا الله عنك" وقال اللله تبارك وتعالى: {يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك} [التحريم: 1].
إذن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في الأحكام، ثم إن أقرع الله فهو الشرع من عند الله، وإن لم يقره الله - وهو نادر نادر نادر- فإنه يرتفع الحكم، أخذ الفداء من أسرى بدر لم يقره الله عز وجل بل قال: {لولا كتب من الله سبق} في تكميل الرسالة واستمرارها {لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 68].
وهذه المسألة طال فيها الجدل بين العلماء، وعندي أنه ليس فيها - والحمد لله- إشكال، وأنها واضحة أن الرسول يأمر وينهى سواء كان بوحي من الله أو بإقرار من الله.
ومن فوائد هذا الحديث: تأكد استعمال السواك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنعه من الإلزام به إلا المشقة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل في الأمر الوجوب لقوله: "لأمرتهم" هكذا استدل بعض أهل العلم بذلك وقالوا: إن هذا يدل على أن الأمر المطلق يكون للوجوب، ولكن قد يناقش ويقال: إن قوله: "لأمرتهم" أمر إلزام، وإلا فمطلق الأمر ثابت، لكن كون الأمر للوجوب أو للاستحباب أو للإرشاد والتوجيه لا يمكن فيما تتبعته أن ينضبط بضابط؛ لأن بعض الأوامر تكون للوجوب بالاتفاق، وبعض الأوامر تكون لغير الوجوب بالاتفاق، وبعض الأوامر تكون محل نزاع، ولهذا اختلف فيها العلماء:
منهم من قال: الأصل في الأمر الوجوب، واستدل لقوله.
ومنهم من قال: الأصل في الأمر الاستحباب؛ واستدل لقوله.
ومنهم من قال: ما كان مقصودا به التعبد فالأمر فيه للوجوب، وما كان المقصود به التأدب فالأمر فيه للاستحباب، وهذا أقربها من حيث العموم وإلا فقد يكون من الآداب وهو واجب.
فإن قال قائل: أنا أريد أن أشق على نفسي وأتسوك عند كل وضوء، فهل هذا هو الأفضل أو الأفضل أن يأخذ برخصة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ الثاني، وقد يقال: إن كان فيه مشقة بينة فالأفضل إتيان الرخصة، وإن لم يكن فيه إلا أن تخرج السواك من جيبك وتدلك أسنانك فافعل؛ لأن هذا في الحقيقة ليس فيه مشقة.
وقوله: عليه الصلاة والسلام: "وبالسواك" قلنا: المراد بذلك: التسوك، وبناء على هذا هل تحصل فضيلة السواك بغير العود، أي: بغير عود الأراك؟ فيه خلاف:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
من العلماء من يقول: إنه لا يحصل فضل السواك إلا إذا تسوك بالمسواك.
ومنهم من قال: بل يحصل له من السنة بقدر ما حصل من الإنقاء، وأنه يمكن أن يدرك السنة إذا تسوك بأصبعه أو خرقة، وهذا أقرب إلى الصواب أن يقال لا شك أن الأكمل والأفضل أن يكون بعود الأراك أو ما يقوم مقامه، ولكن لو تسوك بالإصبع أو الخرقة فإنه يحصل من السنة على قدر ما حصل له من التنظيف.
فيه أيضا بحث آخر: قول النبي عليه الصلاة والسلام: "مع كل وضوء" أين يكون محله؟ قبل الشروع في الوضوء، أو بعده أو في أثنائه؟
الحديث مطلق لم يبين لكن العلماء رحمهم الله اختاروا أن يكون التسوك عند المضمضة، قالوا: لأن هذا هو محل تنظيف الفم يكون المناسب أن يكون حال المضمضة والله أعلم.
أسئلة:
- هل الوضوء خاص بهذه الأمة أو للأمم كلها؟ للأمم كلها.
- ما هو الشي الخاص بهذه الأمة من الوضوء؟ أنهم يدعون يوم القيامة غرا محجلين، وهذا هو ظاهر السنة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "أعطيت خمسا … ". ومنها التيمم عند عدم الماء يدل ذلك على أن غيرنا يتطهر بطهارتنا إلا في التيمم، وكذلك أيضا: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء" فالظاهر أن التخصيص هو هذا الثواب الذي يحصل لهذه الأمة.
- في الحديث الذي قرأناه مسائل أصولية منها: أن الأصل في الأمر الوجوب؟
- قوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم" ما وجه الدلالة؟ أنه لو أمرهم لكان لازما يشق عليهم، ولو كان الأمر للاستحباب ما شق عليهم.
- ذكرنا أن هذا هو المشهور عند علماء الأصول لكن هناك قولا آخر يقول: إن الأصل إذا كان بالتعبد فواجب وإذا كان بالتأدب فسنة.
- هناك قول ثالث ما هو، وما دليله؟ أن الأمر للاستحباب مطلقا، الدليل: الأمر فيه يدل على مشروعيته، والأصل عدم التأثيم بالترك وهذا هو حقيقة الاستحباب.
- قوله: "لأمرتهم بالسواك" ما المراد به؟ به الفعل.
-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
أين محله في أقوال العلماء؟ عند المضمضة؛ لأنها هي محل تطهير الفم.
- هذا يدل على أن من الأحوال التي يسن فيها السواك الوضوء هل هناك شيء آخر؟ نعم عند قراءة القرآن، لكن هذا ذكره العلماء استحسانا عند الاستيقاظ من النوم وعند دخول البيت وعند تغير رائحة الفم.
- هل يستثنى من ذلك وقت من الأوقات؟ ذكر بعض أهل العلم أنه يكره التسوك للصائم بعد الزوال، وعللوا بعلة عليلة؛ العلة هي: أن آخر النهار للصائم - ولاسيما مع طول النهار- يفوح من معدته رائحة كريهة وهذه تسمى خلوف فم الصائم، وهي محبوبة عند الله عز وجل أطيب من ريح المسك، قالوا: وإذا كان كذلك فلا ينبغي السعي في إزالتها؛ لأنها أطيب عند الله من ريح المسك، وقياسا على دم الشهيد إذا قتل في سبيل الله فإنه لا يسن غسله بل لا يجوز غسله على القول الراجح، لأن هذا الدم ناشئ من طاعة الله من الجهاد في سبيل الله، فيقاس عليه خلوف فم الصائم، ولكننا نرد هذا بعموم الأدلة الدالة على التسوك مطلقا من غير قيد، وقال عامر بن ربيعة: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم". ذكره البخاري تعليقا، وهذا ليس ضروريا أن نحتاج إليه في الإثبات؛ لأن لدينا العمومات كقوله: "مع كل وضوء" فهذا عام يشمل وضوء الصائم بعد الزوال كما يشمل وضوء غيره.
فالصواب: أنه يسن للصائم أن يتسوك كما يسن لغيره في كل وقت.
هل يستثنى من ذلك أن يكون الإنسان بحضرة الناس؟ يسن ولو بحضرة الناس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تسوك أمام رعيته كان يتسوك أمام أصحابه، ولو كان هذا مكروها ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، ولو كان من خصائصه لبين أنه من خصائصه، لكن إذا كان يشغل الإنسان عن استماع شيء مأمور باستماعه فلا يفعل، فلو أن الإنسان أخذ يتسوك والإمام يخطب يوم الجمعة قلنا: لا يتسوك إلا إذا أراد به خيرا مثل أن يصيبه النعاس فيتسوك من أجل أن يذهب عنه النعاس، فهذا لا بأس به، بل قد نقول: إنه مشروع؛ لأنه يعينه على الاستماع إلى الخطبة، وسبق لنا هل يحصل التسوك بغير العود؟ قلنا: نعم، لكنه في العود أحسن وأنضر.
صفة الوضوء:
30 - ثم قال: "وعن حمران أن عثمان رضي الله عنه". عثمان: هو أحد الخلفاء الراشدين؛ وهو الثالث منهم، وأجمع الصحابة رضي الله عنهم على أنه الثالث في الخلافة، وأجمع أهل السنة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
على أن عثمان بن عفان هو الثالث في الخلافة، وقال الإمام أحمد: "من طعن في خلافة واحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله"، وقال الحسن فيما أظن: "من زعم أن عليا أولى بالخلافة من عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار"، أي: عابهم وانتقصهم.
عثمان رضي الله عنه "دعا بوضوء" دعا به؛ أي: طلبه، والوضوء بالفتح: الماء الذي يتوضأ به.
"فغسل كفيه ثلاث مرات"، والكف من مفصل الذراع إلى رءوس الأصابع يبتدئ بالكوع والكسوغ والرسغ، ونختبر في هذا ما هو الكوع؟ العظم الذي يلي الإبهام، والكسوع: الذي يلي الخنصر، والرسغ: ما بينهما إلى أطراف الأصابع.
"فغسل كفيه ثلاث مرات": وهذا الغسل تعبد لا شك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تعبد لله به فهو عبادة، لكنه ليس من الأعضاء التي يجب غسلها إلا بعد غسل الوجه، فيكون تقديم غسل الكفين هنا؛ لأنها آلة غرف الماء، فينبغي أن تكون نظيفة قبل أن يشرع في غسل بقية الأعضاء ثلاث مرات.
"ثم تمضمض، واستنشق، واستنثر"، وليس في ذكر التثليث لكنه قد تثبت به السنة، "تمضمض"، المضمضة: تحريك الماء داخل الفم، "واستنشق"، يعني: استنشق الماء في منخريه، "واستنثر"، يعني: نفر الماء الذي استنشقه، أما المضمضة فلتطهير الفم، وأما الاستنشاق فلتطهير الأنف، وليس في الحديث أنه أدخل أصبعه في أنفه وجعل ينظفه.
"ثم غسل وجهه ثلاث مرات" والوجه معروف ما تحصل به المواجهة، وحده العلماء رحمهم الله عرضا من الأذن إلى الأذن وطولا من منابت شعر الرأس المعتاد، وبعضهم قال: من منحنى الجبهة، وهذا اضبط؛ لأن منابت الشعر تختلف، بعض الناس ينحسر عند الشعر، أي: عن ناصيته فيكون أنزع، وبعضهم ينزل فيكون أغم، يعني: إذا نزل الشعر، فإذا قلنا: منحنى الجبهة صار هذا منضبطا سواء كان عليه شعر أم لم يكن، إلى أسفل اللحية.
وهل ما استرسل من اللحية يدخل في الوجه؟ في ذلك خلاف بين العلماء فمنهم من قال: إنه لا يدخل، كما لا يدخل المسترسل من شعر الرأس في الرأس، ومنهم من قال: إنه يدخل، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخلل لحيته، وإن كان الحديث فيه ما فيه، والوجه ما تحصل به المواجهة وأما الرأس فلأن الرأس من الترأس وما نزل عن منابت شعر الرأس ليس فيه ترأس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
"ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات" المرفق: ما يرتفق عليه الإنسان، وهو مفصل الربط بين العظم والذراع، وتسميته مرفقا واضحة؛ لأنه يرتفق عليه الإنسان، يعني: يتكئ عليه.
وقوله: "إلى المرفق" هو كقوله تعالى: {إلى المرافق}، فهل (إلى) هنا للغاية أو لها معنى آخر؟
إن قلت: للغاية؛ فإن القاعدة الغالبة في (إلى) أن غايتها لا تثبت، وعلى هذا فتكون المرافق غير داخلة، وإن قلت: إنها بمعنى مع، أي: مع المرافق فالمرافق داخلة، ولكن إثبات أنها تأتي بمعنى (مع) يحتاج إلى دليل في اللغة العربية.
قالوا: الدليل قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء: 2]. أي: مع أموالكم، ولكن هذا فيه نظر، في الآية ضمن الفعل تأكل معنى تضموا أموالهم إلى أموالكم فلا شاهد فيه، ولكن يقال: (إلى) للغاية، والغالب أن الغاية لا تدخل في المغيا، لكن إاذ وجد دليل يدل على أن الغاية داخلة وجب الأخذ به، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدير الماء على مرفقه، وأنه يغسله حتى يشرع في العظم، وعلى هذا يكون معنى (إلى): الغاية، لكن دلت السنة على أن الغاية هنا داخلة، والنبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بكتاب الله ومراد الله، هنا لم يذكر الابتداء، قال: "إلى المرفق" ولم يذكر الابتداء، وسيأتي - إن شاء الله- في الفوائد: هل الأفضل أن تبدأ بأطراف الأصابع ماشيا بالماء إلى المرفق أو لك أن تبدأ بما شئت؛ لأن المحدود هنا الغاية دون البداية، يأتينا إن شاء الله.
"ثم اليسرى مثل ذلك" يعني: ثلاث مرات، "ثم مسح برأسه" ولم يذكر التكرار، ولم يذكر الأذنين قال: "مسح برأسه"، والباء هنا ليست للتبعيض كما زعمه بعضهم، ولا تأتي في اللغة العربية بمعنى التبعيض أبدا.
قال ابن برهان: من زعم أن الباء تأتي في اللغة العربية "للتبعيض" فقد قال على أهل العربية قولا - أظنه قال-: بما لا يعلمون أو كلمة نحوها، لكن الباء للإلصاق بمعنى: إنك تمر يدك على رأسك.
{وامسحوا برءوسكم} [المائدة: 6]. والرأس حده من جهة الوجه: منحنى الجبهة، وحده من الخلف: الرقبة، وحده من الجانبين: منابت الشعر، وهي في الغالب - غالب الناس- متساوية ولم يذكر الأذنين فيقال: إن عدم الذكر ليس ذكرا للعدم، فإذا جاءنا من طريق آخر أن الأذنين تمسحان فإنه لا معارضة بينه وبين هذا الحديث؛ لأن الساكت لا قال إنه ناف، وهذا هو معنى قول العلماء: "إن عدم الذكر ليس ذكرا للعدم"؛ لأنك لو قلت: إن عدم الذكر ذكر للعدم لكان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
هذا الحديث يعارض الأحاديث الدالة على مسح الأذنين، فإذا قلت: ليس ذكرا للعدم، قلنا: الساكت ليس بمتكلم فضلا عن أن يكون سكوته معارضا للصريح.
يقول: "ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات" الكعبان هما: العظمان الناتئان في أسفل الساق، وهما يربطان بين الساق وبين القدم، ويقال في قوله: "إلى الكعبين" ما قيل في قوله: إلى المرفقين".
"ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا". متفق عليه.
"رأيت": أي بعيني؛ أي: أبصرت، "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا"، قلنا: إن "رأيت" بمعنى أبصرت لا بمعنى علمت، وعلى هذا فقوله: "توضأ"، الجملة حال من النبي وليست مفعولا ثانيا؛ لأن رأي البصرية إلا مفعولا واحدا، وليت المؤلف جاء بباقي الحديث؛ لأن باقي الحديث من الناحية المسلكية مهم جدا جدا.
باقي الحديث يا إخوان، "ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه"، وهذه مهمة للإنسان من أجل أن يتعبد لله بهذه الصلاة، لكن المؤلف رحمه الله على الاختصار لا يذكر إلا الشاهد أحيانا؛ يذكر الشاهد ولا يستفيد الإنسان منه شيئا، كما سيأتينا - إن شاء الله- في كتاب الصلاة، لكن هنا أقول: غفر الله له، لو أنه ذكر هذا لأفاد فائدة كبيرة وهي: أن الإنسان كلما توضأ صلى ركعتين يجتهد ألا يوسوس فيهما ولا يحدث نفسه، إذا فعل ذلك غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
في هذا الحديث فوائد منها: تواضع الصحابة الجم، وجهه: أن هذا خليفة على الجزيرة العربية، على المسلمين عامة؛ الشام، ومصر، والعراق، واليمن، والجزيرة، أمة عظيمة هو خليفة عليهم، ومع ذلك يدعو بالوضوء ليتوضأ أمام الناس حتى يدركوا ذلك بأعينهم، وهذا لا شك أنه تواضع جم.
ومن فوائده: أنه ينبغي للمعلم أن يسلك الوسائل التي تقرب المعنى إلى المتعلم، وجه ذلك: أنه أراهم إياها عمليا؛ لأن التطبيق العملي فيه مع العلم الذي محله القلب أنه يتصور الإنسان، ويبقى في مخيلته هذا الشيء المشاهد ولا ينساه.
ومن فوائده: ذلك أنه أدق في فهم المعنى، أرأيت لو قلت لك: إن القيل حيوان ضخم له خرطوم، وله آذان طويلة، وله أرجل غليظة قصيرة بالنسبة لحجمه، وله خرطوم قوي، ووصفته أدق وصف، هل تدركه مثل ما تدركه لو رايته؟ لا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
إذن لو أني وصفت الوضوء وقلت: افعل كذا وافعل كذا، وافعل كذا بأدق وصف، ثم شاهدته أنت عمليا أيهما أشد إدراكا؟ الثاني أشد.
ومن فوائد الحديث: جواز الوضوء لقصد التعليم، ولكن هل نقول: إن عثمان رضي الله عنه قصد التعليم والعبادة، وأنه إنما خرج عن نية العبادة في إظهار هذا الوضوء فقط، وإلا فهو يريد أن يتوضأ أو أنه توضأ عبثا؟
الظاهر الأول: أنه قصد التعبد، لكن قصد أن يكون أمام الناس من أجل أن يعلمهم.
ينبني على ذلك مسألة مهمة، لو أن إنسانا أراد أن يعلم الأطفال الصلاة وصلى صلاة تامة من أولها إلى آخرها بدون قصد النية لكن يعلمهم فقط، فهل نقول: هذا مشروع او غير مشروع؟ نقول: أما لو قطعه وجزأه وقال للصبي: ارفع يديك قل هكذا، ثم سبحانك اللهم وبحمدك، ثم اقرأ الفاتحة، ثم إذا قرأت الفاتحة اقرأ سورة، ويكلمه كلاما، ثم اركع وقل هكذا هذا لا بأس به وإلا إشكال فيه، لكن قول: الأفضل أن يجعلها عبادة تعبد ليستفيد ويفيد.
يتفرع على ذلك أيضا شيء آخر: بعض الناس في مشاهد التمثيليات يجعلون إنسانا يصلي على أنها تمثيلية وهذا حرام عليه، لا يجوز أن تمثل العبادات تمثيل مشاهدة للمرح أو ما أشبه ذلك، بل يجب الكف عن هذا، وكذلك بعضهم يأتي بقرآن وما أشبه ذلك، كل هذا لا يجوز في مثل هذه الأشياء التي هي للمرح والترويح عن النفس دون قصد التعليم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يشرع غسل الكفين ثلاث مرات قبل الوضوء، دليله: أن عثمان فعل ذلك، وقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا.
وهل هذا الغسل واجب؟ لا ليس بواجب بل هو سنة، والدليل على أنه ليس بواجب قول الله تبارك وتعالى: {يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلىلصلوة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6]. ولم يذكر غسل الكفين، فدل هذا على أن غسل الكفين قبل غسل الوجه ليس بواجب وإنما هو سنة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط للوضوء مقارنة الاستنجاء خلافا للعامة، العامة يظنون أنهلا يمكن ان يتوضأ إلا باستنجاء حتى ولو كان مستنجيا قبلها ولو بساعة لابد أن يعيد الاستنجاء وهذا غلط. الاستنجاء الغرض منه تطهير المحل فقط، ولا علاقة له بالوضوء إطلاقا.
هل هذا الحديث يدل على أنه يجوز الوضوء بدون تقدم من استنجاء صحيح؟ قد يقال ذلك؛ لأن الآية الكريمة والواصفين لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلموا عن الاستنجاء؛ لأن الاستنجاء عمل مستقل، وهذه المسألة - أعني: هل يصح الوضوء قبل أن يتقدمه استنجاء أو استجمار شرعي- فيها خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: لا يصح الوضوء قبل الاستنجاء فلو أن الإنسان لم يستجمر استجمارا شرعيا وإنما استجمر حتى يبس المحل وأنقى المحل بدون أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
يعتبر ذلك بثلاث مسحات ثم توضأ، فمن قال: إنه لا يصح الوضوء قبل الاستجمار الشرعي والاستنجاء قال: وضوؤه غير صحيح، وإذا كان قد صلى فصلاته غير صحيحة، وإذا قلنا: إنه يصح، وإنه لا علاقة للاستنجاء بالوضوء، وهذا هو القول الراجح قلنا: إن صلاته صحيحة.
ومن فوائد هذا الحديث: تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وهل هذا واجب؟ الجواب: لا، لو غسل وجهه أولا ثم تمضمض واستنشق واستنثر فلا بأس، لكن الأفضل أن يبدأ بالمضمضة والاستنشاق؛ لأن المضمضة والاستنشاق فيهما شيء من البطون، يعني: أنها باطنة، فكان البدء بتنظيفها أولى من الظاهرة؛ لأن الوجه ظاهر.
ومن الفوائد: مشروعية الاستنثار، فهل الاستنثار واجب؟ الجواب: لا، الاستنشاق هو الواجب والاستنثار سنة، كما أن المضمضة واجبة، ولفظ الماء سنة وليس بواجب، ثم قال المؤلف:
30 - وعن علي رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ومسح برأسه واحدة". أخرجه أبو داود.
31 - وعن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنهما في صفة الوضوء- قال: "ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه، فأقبل بيديه وأدبر". متفق عليه
- وفي لفظ لهما: "بدأ بمقدم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه".
32 - وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في صفة الوضوء- قال: "ثم مسح صلى الله عليه وسلم برأسه، وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه". أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة.
سبق لنا في حديث حمران مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه أن عثمان دعا بوضوء وذكر الحديث، وهذا أجمع حديث في باب الوضوء، ولهذا جاء به المؤلف رحمه الله عمدة، فكل الروايات التي بعده ما هي إلا تفريع أو ذكر بعض أجزاء هاذ الحديث العظيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
قال: "وعن علي رضي الله عنه … " الحديث، "مسح": يعني النبي صلى الله عليه وسلم "برأسه" أي: على رأسه، لكن الباء هنا أتت في مكان (على) للإشارة إلى أن المسح استوعب الرأس، فإن الباء تفيد الاستيعاب كما في قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29]. والرأس معروف: هو منابت الشعر، وأما الرقبة والجبهة فليست منه، وقوله: "واحدة" أي: مسحة واحدة، ولا يعارضه حديث عبد الله بن زيد الذي يأتي بعده، فإنما خفف في تطهير الرأس لمشقة غسلها، فإنه لو غسل لكان ذلك مشقة على الإنسان، ولاسيما في أيام الشتاء إذا جعل الماء يتسرب على وجهه ورقبته وثيابه، فلهذا خفف فيه ولله الحمد، ثم جعل واحدة؛ لأنه يحصل بها كمال التعدد، فالتكرار لا يليق أن يقال: يطلب التكرار في موضوع خفف أصل التطهير فيه، فلا ينبغي أن يكرر، قال العلماء: إنه لا تكرار في كل ممسوح.
يستفاد من هذا الحديث: أن الواجب في مسح الرأس مرة واحدة لا يزيد عليها، ويستفاد من ذلك: تخفيف الشريعة الإسلامية وسهولتها ويسرها.
وعن عبد الله بن زيد في - صفة الوضوء- قال: " .... ومسح رأسه فأقبل بيديه وأدبر" معنى "فأقبل بيديه وأدبره": أنه مسح بيديه جميعا ولم يمسح بيد واحدة بل باليدين جميعا، أقبل وأدبر: أي بدأ بما هو يستقبل بدنه وهو الناصية وأدبر من الخلف، ولذلك فسره بقوله في اللفظ الآخر: "بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه"، وهذا لا ينافي حديث علي رضي الله عنه؛ لن هذه المسحة في الكيفية فقط؛ لأن الرأس كما تعلمون شعره من الناصية متجه إلى الإمام، وشعره من الخلف متجه إلى الخلف، فإذا مسحه من عند الناصية استقبل بطون الشعر، ويستقبل بالنسبة للخلف ظهور الشعر، ثم إذا عاد استقبل بطون الشعر من الخلف، وظهور الشعر من جهة الناصية هذا هو الحكمة في أن يأتي بالمقدم إلى ما ينتهي من المؤخر، ثم يعود.
وفي الحديث من الفوائد ما سبق الإشارة إليه وهو: أنه لابد من المسح، فلو غسله بدلا عن مسحه فهل يجزئ؟ قال بعض العلماء: إنه يجزئ؛ لأنه انتقال من الأخف إلى الأعلى، والصحيح أنه لا يجزئ؛ لأنه خلاف ما أمر الله به، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، ولهذا كان هناك قول ثالث في المسألة وهو: أنه يجزئ الغسل إن أمر يده على رأسه؛ لأنه إذا أمر يده على رأسه صار ماسحا، لكنه جعل في ماء المسح، وهذا القول له حظ من النظر، لكن لو أراد الإنسان التعنت والتنطع فربما يقال: إنه لا يصح حتى ولو مسح يده بعد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
غسلها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون - قالها ثلاثا-"؛ ولإنكاره على الذين واصلوا متشددين في صيامهم، فيمكن أن يقال: حتى وإن مسح على رأسه مع الغسل فإنه لا يجزئ؛ لأنه من باب التنطع، والتنطع هلاك.
قال: وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في صفة الوضوء- قال: "ثم مسح برأسه وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهامه ظاهر أذنيه" هذا يبين صفة المسح - مسح الأذنين-.
هل يمسح الأذنان؟ الجواب: نعم، يمسح الأذنان مع الرأس لأنهما منه، ولكن كيفية ذلك أن يدخل السباحتين في الأذنين، والسباحتان هما السبابتان، والسبابتان هما ما بين الإبهام والوسطى، سميتا بذلك؛ لأن الإنسان يشير بهما عند التسبيح وعند السب والشتم.
وقوله: "في أذنيه" يعني: في ثقب الأذنين، واختيرت السباحة؛ لأنها هي التي يشار بها عادة ويعمل بها عادة، فلذلك خصت من بين سائر الأصابع.
وقوله: "ومسح بإبهامه ظاهر أذنيه" الإبهامان معروفان، وظاهرهما يعني: ظاهر الأذنين، وهما الجهة التي تلي الرأس، وأما الغضارين فلا يجب مسحها وإنما المسح خاص بالصماخ وظهور الأذنين فقط.
ففي هذا الحديث دليل على مشروعية مسح الأذنين، والصحيح أن مسحهما واجب؛ لأنهما من الرأس، وفيه أيضا: بيان كيفية مسح الأذنين وهو أن يدخل الإنسان السبابتين في صماخيهما ويمسح ب‘بهامه ظاهرهما.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشرع تكرار مسح الأذنين؛ لأن الحديث ليس فيه التكرار، وقد ذكرنا فيما سبق في مسح الرأس، أنه إنما يمسح مرة واحدة، وكذلك الأذنان؛ لأنهما ملحقان به، ويشبه إلحاق الأذنين بالرأس إلحاق الأنف بالجبهة في السجود، يعني: فهما ليسا عضوين مستقلين لكنهما عضوان تابعان للرأس فيجب مسحهما كمسح الرأس.
33 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه". متفق عليه.
"استيقظ": أي صحى من النوم، وقوله: "من نومه" لم يقيد بنوم ليل أو بنوم نهار، ولكن قوله: "فإن الشيطان يبيت" يفيد أن المراد بالنوم هنا: نوم الليل، وسيأتي الكلام عليه في الفوائد إن شاء الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
وقوله: "فليستنثر ثلاثا" الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد استنشاقه، يعني: أن تستنشق الماء أولا ثم تستنثره. وقوله: "ثلاثا" أي: ثلاث مرات، ولم يبين هل لكل استنثارة غرفة أن إنه يستنثر بغرفة واحدة؟ والجواب: أن هذا مما يتسامح فيه إن شاء بغرفة واحدة، وإن شاء بثلاث غرفات.
وقوله: "فإن الشيطان يبيت على خيشومه" (أل) هنا للجنس وليست للعهد، فلا يخص شيطانا معينا؛ بل المراد جنس الشياطين.
أسئلة:
- كيف يمسح أذنيه؟
- ما هو ظاهر الأذنين؟
- ما معنى الاستنثار؟
وقوله: "إذا استيقظ أحدكم من نومه" قلنا: إن كلمة "نوم" عامة، وطريق العموم فيها أنها مضافة، والمفرد المضاف يكون للعموم، وقوله: "فإن الشيطان" قلنا: المراد بـ "أل" هنا الجنس، يعني: ليس شيطانا معينا بل جنس الشياطين.
"يبيت على خيشومه" أي: على أنفه؛ لأن الخيشوم تطلق على الأنف كله، وتطلق على العظام الرقيقة التي هي داخل الأنف.
في هذا الحديث فوائد منها: أمر من استيقظ من النوم أن يستنثر ثلاثا، يستفاد من قوله: "فليستنثر ثلاثا"، وهل هذا الأمر للوجوب أو لا؟ نقول: الأصل في الأمر الوجوب لاسيما وأن النبي صلى الله عليه وسلم علل ذلك بأمر يجب التنزه عنه، وهو أثر الشيطان الذي يبيت على الخيشوم.
ومن فوائد هذا الحديث: تكرار التطهير ثلاثا لقوله: "فليستنثر ثلاثا" فهل يؤخذ من هذا أن إزالة النجاسة لابد أن تكون بثلاث غسلات، وأنه لا يكتفى بمرة واحدة ولو زالت النجاسة؟
يحتمل هذا وهذا، ويحتمل أن يقال: إنه يقاس عليه بقية النجاسات كما ذهب إليه بعض الفقهاء، وقال: إنه يشترط في إزالة النجاسة أن تكون بثلاث غسلات، والمذهب - كما هو معروف عندكم- لابد من سبع غسلات.
ومن فوائد هذا الحديث: اعتبار التثليث في كثير من الأحكام الشرعية كما في هذا الحديث ونظائره.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قرن الحكم بعلته، وقرن الحكم بالعلة له فوائد:
منها: العموم إذا كانت هذه لعلة موجودة في غير ما نص عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
ومنها: تنشيط الإنسان على العمل أو نفوره منه؛ فإن كان في خير فإنه ينشط، وإن كان في غيره فإنه يهرب ولا ينشط، وهذا من باب الترهيب لقوله: "فإن الشيطان يبيت على خيشومه".
ومنها: ثبوت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن علمه بأن الشيطان يبيت على خيشومه لا يدرك بالحس؛ فإنه لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يطلعوا على هذا ما اطلعوا عليه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك عن طريق الوحي؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره العموم، أي: عموم الأمر بالاستنثار في كل نوم لقوله: "من نومه"، ولكن العلة تقتضي التخصيص حيث قال: "فإن الشيطان يبيت على خيشومه". فمن العلماء من أخذ بالعموم، وقال: إن تعليل بعض أفراد العام بعلة لا يقتضي التخصيص. ومن العلماء من قال: بل العلة تخصيص العام، وعلى كل حال: الاحتياط أن يستنثر الإنسان ثلاثا حتى في نوم النهار؛ لأن اللفظ يحتمله، وعود العلة على بعض أفراده لا يقتضي التخصيص، كما أن عود الحكم على بعض الأفراد داخل في التخصيص.
ونضرب لهذا مثلا بحديث جابر: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم في الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". إذا نظرنا إلى أول الحديث: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم"، قلنا: إن الشفعة ثابتة لكل شريك باع شريكه نصيبه المشترك سواء كان من الأراضي أو من السيارات أو من المعدات أو غيره لعموم قوله: "في كل ما لم يقسم" حتى في الثياب، وإذا نظرنا إلى قوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق" قلنا: إن هذا يقتضي أن يكون المراد بالعموم في قوله: "في كل ما لم يقسم": الأراضي فقط؛ لأنها هي التي يقع فيها الحدود ويصرف فيها الطرق، ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله هل الشفعة واجبة في كل شيء أو في الأرض التي تجب قسمتها أو تجوز حسب الاختلاف المعروف عند العلماء، ومن ذلك قوله تعالى: {والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 228].
وهذا عام، المطلقات تشمل من لزوجها الرجعة عليها ومن لا رجعة له عليها، لكن قوله: {بعولتهن أحق بردهن في ذلك} يقتضي أن يكون المراد بالمطلقات هنا الرجعية، والعلماء جمهورهم على الأول: أن جميع المطلقات يلزمهن أن يتربصن ثلاثة قروء ولم يلتفتوا إلى تخصيص الحكم في بعض الأفراد ولا شك أن الاحتياط الأخذ بالعموم سواء في هذا أو في هذا، يقول:
34 -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
وعنه - يعني: أبي هريرة أيضا رضي الله عنه: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
الجملة الأولى في هذا الحديث مطابقة تماما للجملة الأولى في الحديث الذي سبقه، لكن ما بعدها يخالفهما؛ في الحديث الأول فيه الأمر، والحديث الثاني فيه النهي: "فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا" يعني: حتى يغسلها بعد النوم ثلاثا، أي: ثلاث مرات.
"فإنه لا يدري أين باتت يده". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، فإنه - أي: المستيقظ- لا يدري أين باتت يده، وقوله: "لا يدري" أي: لا يعلم أين باتت يده، من المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد: لا يعلم أباتت معه في الفراش أو باتت في مكان منفصل لا يريد هذا إطلاقا، لكن يريد: لا يعلم أين باتت يد من حيث التصرف والعمل، فقد تكون حركت إلى أماكن قذرة أما ما أشبه ذلك. هذا قول بعض العلماء، ولذلك سيأتي أنهم يقولون: إنه إذا باتت يده في جراب أو نحوه مما يتيقن الإنسان أنها لم تصب شيئا نجسا؛ فإنه لا يدخل في هذا الحديث، وقيل: "لا يدري أين باتت يده" من الناحية الغيبية، وهو أنه ربما يكون الشيطان قد عبث بيده في منامه، كما أنه يبيت على خيشومه يبيت على يده ويلوثها بأقذار أو أنجاس تؤثر في الإنسان، وهذا الأخير هو الأقرب.
على هذا نستفيد من هذا الحديث فوائد منها: أن الإنسان إذا استيقظ من النوم فإنه لا يجوز أن يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا للنهي، والأصل في النهي التحريم.
ومنها: هل يجوز أن يغمس بعضها لقوله: "فلا يغمس يده"؟ لا؛ لأن الأصل فيما أضيف إلى اليد أن يكون عاما لها، واليد إذا أطلقت فإنها إلى الكف، وإذا قيدت إلى المرفق تقيدت به، لكن عند الإطلاق تكون إلى الكف، ويحتمل أن يقال: نرجع إلى القاعدة العامة "أن المنهي عنه يتناول النهي فيه جزأه وكله"، وأن غمس بعض اليد كغمس اليد كلها، وهذا هو الأصح؛ لأن الأصل في النهي عنه أن يعم جميع المنهي عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"، وعلى هذا فيكون النهي شاملا لغمس اليد كاملة أو غمس جزء منها.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب تطهير ما يشك في كونه نجسا لقوله: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"، وهذا مبني على أن التعليل هذا يعني أنه ربما تلوثت يده بنجاسة وهو لا يدري، لكن هذا القول ضعيف، ولذلك لما كان هذا التعليل هو الذي ذهب إليه بعض العلماء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
قال آخرون: إن النهي هنا ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة؛ لأن الأشياء لا تنجس بمجرد الظن، ولكن الصواب أن معنى قوله: "لا يدري أين باتت يده": أنه ربما يكون الشيطان قد عبث بها وأدخل فيها الأوساخ والأقذار وهو لا يعلم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن فيه إثبات نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن مثل هذا لا يعلم بالحس وإنما يعلم بالوحي؛ إذ إن هذا حال الإنسان وهو نائم لا يعلم أحد ما يحدث له.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ذكر الحكم مقرونا بالعلة.
ومنها: سلوك جانب الاحتياط لقوله: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" بخلاف الأول، فإن الأول يقول: "فإن الشيطان يبيت على خيشومه" ففيه الجزم بأن الشيطان يبيت على خيشومه، أما هذا فيقول: "فإنه لا يدري أين باتت يده" ففيه إيماء إلى سلوك جانب الاحتياط، وأن الإنسان ينبغي له أن يبتعد عما يحتمل أن يكون فيه مضرة عليه، فإن غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثا فهل يتغير الماء أو لا يتغير أو يأثم أو لا يأثم؟
إذا قلنا: إن النهي للتحريم فهو آثم، وإذا قلنا للكراهة فليس بآثم، أما الماء فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض له، فالصواب أنه يكون طهورا وأنه لا يتأثر بنجاسة، ولا يتأثر بانتقاله من طهورية إلى طاهر، بل الأصح أنه ليس هناك قسم يسمى طاهرا.
وجوب المضمضة والاستنشاق:
35 - وعن لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائما".
- أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة.
"أسبغ الوضوء"، يعني: أشمل به جميع الأعضاء التي أمر بها؛ لأن الإسباغ معناه: الشمول كما قال الله تعالى: {وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنة} [لقمان: 20]. وعلى هذا فهو إشارة إلى الكيفية لا إلى الكمية، أي: فلا يدخل تكرار غسل ما يشرع تكرار غسله، وإنما المراد: التعميم، فإذا كان المراد التعميم كان الأمر هنا للوجوب، وإذا كان يشمل التعميم ويشمل الكمية صار الأمر هنا مشتركا بين الوجوب والاستحباب، وقوله: "الوضوء" الضوء هو: تطهير الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة.
"وخلل هذه الأصابع" خلل بينها، أي: أدخل أصابعك بين الأصابع، وهل المراد أصابع اليد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)