الغنم؟ قال: "إن شئت" يعني: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، وهذا يدل على أن من الأعمال ما يجوز فعله؛ ولكن لا يستحب، لكن إن فعله الإنسان فلا حرج عليه؛ لأن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يضيف هذا الشيء للمشيئة يدل على أن الإنسان إن توضأ لم يؤجر، وإن ترك لم يأثم ولم يؤجر، قال: "إن شئت".
قال: "أتوضأ من لحوم الإبل" قال: "نعم"، "نعم" يعني: توضأ فقوله: "من لحوم"، ولحوم يشمل كل ما يحمله قدم ورجل الحيوان فإنه يسمى لحما، فيدخل فيه لحم القلب، والكبد، والكرش، والأمعاء، وكل ما شمله جلد هذه البهيمة فإنه داخل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل، واللحم عند ذكر الحل والتحريم أو ترتيب الأحكام يشمل الجميع، قال الله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة: 3]. ومن المعلوم أن لحم الخنزير يشمل جميع ما أدخل جلده من لحم أحمر وأبيض وأمعاء وكرش وكبد وغير ذلك.
ففي هذا الحديث فوائد كثيرة منها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على تعلم العلم؛ ولهذا لا يدعون صغيرة ولا كبيرة يحتاجون إليها في الدين إلا سألوا عنها، ومن تتبع الأسئلة الواردة من الصحابة على النبي عليه الصلاة والسلام تبين له أن قول بعض الجهال: إن الصحابة رضي الله عنهم لم يتعمقوا في العلم ولا في السؤال عنه قول باطل؛ لكنهم لم يتعمقوا تعمق المتأخرين الذين يضربون الأمثال، ويصورون الصور البعيدة الوقوع، بل الممتنعة الوقوع، الصحابة رضي الله عنهم يأتون الأمور بظاهرها ولا يتعمقون، لكنهم موفقون للعلم الصحيح.
ومن فوائد هذا الحديث: أن لحم الغنم لا يجب الوضوء منه سواء كان نيئا أو مطبوخا/ وجه الدلالة: الإطلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل، والسائل لم يستفصل، فمن أكل لحم غنم نيئا كان أو مطبوخا لم يجب عليه الوضوء. فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال: "توضئوا مما مست النار"؟
قلنا: "بلى"، لكن هذا الحديث ورد ما يدل على أنه ليس بواجب، أعني: الوضوء مما مست النار لقول جابر - أظنه جابرا-: "كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار". وهذا الترك لبيان الجواز، وعليه فيكون قوله: "إن شئت" عاما للحم المطبوخ واللحم النيئ.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات المشيئة للعبد، وأن العبد له مشيئة تامة لقوله: "إن شئت"، وفي هذا رد على طائفة مبتدعة مخالفة للمعقول والمنقول والمحسوس ألا وهي الجبرية الذين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
يقولون: إن الإنسان ليس له مشيئة، وإنما يعمل اضطرارا لا اختيارا، ولما قيل لهم: إن هذا يستلزم أن يكون الله تعالى ظالما إذا عاقبه على معصية لم يردها، قالوا: إن هذا ظلم لو كان الفاعل يتصرف في غير ملكه، أما إذا كان يتصرف ف ملكه فليس بظلم، وهذا لا شك أن قول باطل؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال عن نفسه: {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49]. وقال في الحديث القدسي: "إني حرمت الظلم على نفسي". وفي هذا دليل على إمكانه لو شاء لظلم لكنه عز وجل لا يظلم، فدل ذلك على أن قولهم هذا باطل، وأن الإنسان له مشيئة.
ولكننا ننكر قولا آخر مضادا له ألا وهو قول القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل ب‘رادته ومشيئته؛ لأننا نعلم أن إرادة العبد ومشيئته من إرادة الله عز وجل أي: تابعة لإرادة الله وليست مستقلة، والإنسان يريد الشيء ويعزم عليه ويؤكده ويأتيه مانع من الله عز وجل إما بصرف الهمة، وإما بوجود مانع خارجي لا يستطيع معه أن يفعل، فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله.
وفائدة القول بأننا نقول أنها تابعة لمشيئة الله: أننا نعلم أن العبد متى شاء شيئا فقد شاءه الله عز وجل، فإذا وقع تحقق دون ذلك، أما مجرد مشيئة العبد فالعبد قد يشاء، ومشيئة هذه لا شك أنها من مشيئة الله لكن قد يقع وقد لا يقع؛ لأنه قد تحصل موانع تمنع الإنسان من فعل ما أراد، وفي هذا أيضا دليل على أن الشيء يكون جائزا شرعا فلا يسمى الفاعل مبتدعا، ولكنه لا يطلب من الإنسان، الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: "إن شئت".
وهذا الذي قلته أنا له دليل، بعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلا على سرية، فجعل يقرأ لأصحابه ويختم بـ {قل هو الله أحد}، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه. فدل ذلك على أن مثل هذا الفعل لا يسمى بدعة في دين الله ولا يأثم به الإنسان، لكن هل نقول: إنه سنة، وأنه ينبغي للإنسان إذا قرأ في الصلاة أن يختم بـ {قل هو الله أحد}؟ لا نقول هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولم يأمر به الأمة، غاية ما هنالك أنه أقر هذا الرجل على هذا الفعل فيكون مباحا.
وكذلك سعد بن عبادة سأله أيتصدق ببستانه ونخله على أمه بعد موتنها؟ قال: "نعم".
لكن هل نقول: إن هذا سنة؟ لا؛ ولهذا لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام بر الوالدين بعد موتهما ما ذكر الصدقة؛ ذكر الدعاء والاستغفار، وإكرام الصديق، وصلة الرحم، ولم يذكر الصدقة، ولو كانت الصدقة عن الأموات مشروعة بمعنى أنها مطلوبة من المكلف لثبت ذلك بالسنة القولية أو الفعلية، لكن لا نقول لمن تصدق عن والديه: إنك مبتدع، بل نقول: هذا شيء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
أقره النبي صلى الله عليه وسلم فلا بأس به، ففرق بين أن نقول: هذا سنة مشروع للأمة أن تقوم به، وبين أن نقول: إن هذا لو فعله فاعل فهو جاهل، إذن نأخذ من هذا الحديث، ومن أحاديث أخرى ما قررناه الآن.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الوضوء من لحم الإبل، لقوله: "نعم".
فإن قال قائل: إن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "نعم" تعطي الرخصة من وضوء الإبل؛ لأن الرجل سأل أنتوضأ، قال: "نعم"؛ يعني: ليس فيه مانع، هذا مقتضى اللفظ لو قدرناه من منفصل عن الأول أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم" يعني: ليس فيه مانع، لكن إذا قارنا قول: "نعم" بقوله في لحم الغنم: "إن شئت" دل ذلك على أن المعنى أنه ليس راجعا إلى مشيئتك، بل يجب أن تتوضأ وهو كذلك، ويؤيده أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء من لحم الإبل، فقد أمر بالوضوء من لحم الإبل. فإذا اجتمع هذا وهذا علمنا أنه - أي: لحم الإبل- ناقض للوضوء، وأن من أكل وجب عليه الوضوء، يبقى لنا رأي هل هذا يشمل النيئ والمطبوخ؟ الجواب: نعم.
فإذا قال قائل: هاذ الحديث منسوخ بحديث جابر: "كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار"؟
قلنا: سبحان الله! النسخ لا يمكن أن يقام إلا بشرطين: العلم بالتاريخ، وتعذر الجمع، وهنا لا علم لنا بالتاريخ، ولا يتعذر الجمع؛ لأن الأول ترك الوضوء مما مست النار ناسخ لقوله: "توضئوا مما مست النار". هذا هو الذي يقابل هذا، وكلمة "مست النار" يشمل اللهم لحم الإبل، والغنم، والبقر، والطيور، بل والخبز، لكن الله خفف - والحمد لله- على الأمة، ونسخ هذا، أما أن ينسخ شيئا خاصا فهذا ليس بصواب، فالحديث محكم ثابت.
فإن قال قائل: اللحم هل يشمل اللحم الأحمر، والأبيض، والأسود كالكبد وغير ذلك؟
فالجواب: نعم.
فإذا قال قائل: هذا خلاف العرف؛ لأنك لو قلت للخادم: خذ هذا اشتر به لحما، وأتى إليك بمصران امتثل أو لا يمتثل؟ لا يمتثل، إذن المصران لا يتصف باللحم، لو أتى إليك بكبد لم يمتثل.
فيقال: الحقائق الشرعية ليست هي الحقائق العرفية، الشاة عندنا في العرف؟ الأنثى من الضأن، وفي الشرع: تشمل الأنثى من الضأن والمعز، والذكر من الضأن والمعز، ففرق بين الحقائق الشرعية والعرفية، والشارع يحمل كلامه على الحقائق الشرعية؛ لأنه يتكلم بلسان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
الشارع فيكون شاملا، ثم نقول: هل تقولون إن لحم الخنزير في قوله: {ولحم الخنزير} [المائدة: 3].
خاص باللحم الأحمر؟ فسيقولون: لا، عام، وهذا أيضا مثله عام ولا فق.
ثالثا: نقول لا يوجد في الشريعة الإسلامية حيوان تتبعض أحكامه بحسب أجزائه أبدا، هذا يوجد في الشريعة اليهودية، حرم الله سبحانه وتعالى بعض أجزاء الحيوان لظلمهم {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا} [النساء: 160]. وبين ذلك في قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146]. هذه واضحة، حرم كل الحيوان، {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: 146]. فهذا حيوان واحد اختلفت أحكامه بحسب أجزائه، لكن في الشريعة الإسلامية لا يمكن، فلو قلنا بما قال به بعض العلماء رحمهم الله انه لا ينقض من لحم الإبل إلا اللحم الأحمر؛ لزم من ذلك تبعض الأحكام في حيوان واحد، فهذا إذا أكل من الكبد نقول: صل بلا وضوء ما دمت على وضوئك الأول، والثاني الذي أكل من اللحم الأحمر نقول: توضأ وهو حيوان يسقى بماء واحد ويتغذى بغذاء واحد فلا فرق.
فإن قال قائل: يلزم على قياسكم هذا على لحم الخنزير أن توجبوا الوضوء من المرق ومن اللبن.
فالجواب: التزم بهذا بعض العلماء وقال: يجب الوضوء من مرق لحم الإبل، ومن ألبان الإبل، وهذا اللزوم يدفع الاعتراض الذي اعترض به من منع قياس لحم الخنزير، لكن نقول: إنه قد دل الدليل على أن الوضوء من ألبان الإبل ليس بواجب في قصة العرنيين الذين اجتووا المدينة وأصابهم مرض فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا بإبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يقل: توضئوا مع أالمقام يقتضي أن يقوله لو كان الوضوء واجبا؛ إذ إنهم قوم جهال بالشريعة يحتاجون إلى بيان فهذا هو الذي منعنا أن نوجب الوضوء من ألبان الإبل، والمرق من باب أولى لا يجب.
فلو قال قائل: إذا أكل شيئا يسيرا كرأس العصفور يتوضأ أو لا؟ نعم يتوضأ، هل يمكن أن نقول: إذا أكل ما يفطر به الصائم توضأ، يعني: ولو يسيرا، يعني: ولو كان خلال الأسنان؟
الجواب: هذا هو الظاهر ما دام أكل شيئا له جرم يصل إلى المعدة فإنه يجب عليه أن يتوضأ.
فإن قال قائل: فهمنا الحكم وسلمنا ورضينا، وقلنا: لله تعالى أن يحكم بما شاء، فهل تلحقون بلحم الإبل لحم البقر؛ لأن كلا منهما يجزئ عن سبع شياه؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
فالجواب: لا، لا نلحقه به؛ لأن هذا حكم خاص في الإبل، فلا نلحق البقر بذلك.
هل تلحقون بذلك اللحم الحرام كما لو اضطر الإنسان إلى أكل لحم خنزير فأكل؟
الجواب: لا؛ لأنه ليست العلة نجاسة لحم الإبل حتى نلحق هذا بهذا، فإن قال قائل: ما العلة إذن؟ نقول: عندنا علة لا لأحد ينكرها وهي أن هذا حكم رسول الله عليه الصلاة والسلام هو العلة وهو الحكمة؛ ولهذا استدلت عائشة رضي الله عنها بهذا الدليل نفسه حين سألتها المرأة نقضي الصوم، ولا نقضي الصلاة، قالت: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
إذن الحكم وهو وجوب الوضوء من لحم الإبل يعتبر من الأحكام التعبدية التي ليس للإنسان فيها إلا التسليم والانقياد بقطع النظر عن كونه يعرف أو لا يعرف مع أن بعض العلماء رحمهم الله أراد أن يستنبط علة هي في الحقيقة عميقة فقال: إنه ثبت أن الإبل خلقت من الشياطين؛ يعني: أن طبيعتها الشيطنة وليس المعنى: أن الشيطان أب لها أو أم لها كقوله: {خلق الإنسن من عجل} [الأنبياء: 37]. المعنى: أن طبيعته العجلة هذا ايضا مثله خلقت الإبل من الشياطين؛ يعني: أن طبيعتها الشيطنة، وصاحبها يكون عنده الفخر والخيلاء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "الفخر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل". هذه الطبيعة التي فيها قد توجب للإنسان أن يكتسب من هذا الفخر والعلو والزهو، والماء يبرد الجسم ويخفف الحرارة ولهذا أمر الإنسان إذا غضب أن يتوضأ لإطفاء حرارة الغضب، فإن كانت العلة هذه فهذه العلة تعتبر كسبا، وإن لم تكن إياها فالعلة أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
أسئلة:
- في الحديث ما يدل على وجوب الوضوء من لحم الإبل فما هو؟ تخيير النبي صلى الله عليه وسلم له في الغنم يدل على النقض في الإبل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
- قررنا أيضا لحم الإبل يشمل جميع ما في جلدها؟ لأن اللحم إذا أطلق يشمل جميع افي البهيمة.
- أوردنا على هذا أنه إذا كان ذلك لزم أن يكون مرقه ناقضا للوضوء، فما الجواب؟ لم يأمر العرنيين بالوضوء من لبن الإبل فكيف بالمرق والأفضل الوضوء.
- هل يشمل اللحم النيئ والمطبوخ؟ نعم. كيف عرفت؟ من العموم.
- لو قال قائل: هاذ الحديث منسوخ بحديث جابر فما الجواب؟ لابد من شروط النسخ.
حكم من غسل ميتا:
70 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ". أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي وحسنه. وقال أحمد: "لا يصح في هذا الباب شيء.
سبق أنا أوردنا على المؤلف رحمه الله أنه يورد الأحاديث الضعيفة، وبينا الجواب على هذا؛ لأن هذا الحديث قد يحتج به المحتج فيبين المؤلف أنه لا حجة فيه لضعفه.
يقول عليه الصلاة والسلام إن صح عند هذا الحديث: "من غسل ميتا فليغتسل" تغسيل الميت معلوم لنا جميعا أنه فرض كفاية لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به في حديث الذي وقصته ناقته، فقال: "اغسلوه بماء وسدر". ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء اللاتي كن يغسلن ابنته قال: "اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك". وهل هو عن حدث، قيل بذلك إنه عن حدث، وبناء عليه إذا تعذر غسله يمم، وقيل: للتطهير بدليل قوله: "إن رأيتن ذلك" وعلى هذا القول إذا تعذر تغسيله لكونه محترقا، أو لعدم وجود الماء فإنه لا ييمم؛ لأن الحكمة قد فاتت، ولكن نقول: لا يضر أن ييمم إذا تعذر الغسل.
وقوله: "ميتا" يشمل الصغير والكبير حتى ولو كان طفلا فغسله ثبت في حقه هذا الحكم، وقوله: "فليغتسل" الفاء هنا رابطة للجواب، جواب "من" واللام للأمر "فليغتسل". والاغتسال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
معروف وهو - أعني: الاغتسال- أن يعم بدنه بالماء، ومنه المضمضة والاستنشاق؛ لأن الأنف والفم من الوجه.
"ومن حمله فليتوضأ" "من حمله" قيل: من أراد حمله، وأطلق الفعل على الإرادة؛ لأن ذلك مستعمل في اللغة العربية كثيرا مثل قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة} [المائدة: 6]. يعني: إذا أردتم القيام إليها، وكحديث أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: "أعوذ بالله من الخبث والخبائث". وهذا كثير، فقيل: "من حمله" أي: من أراد حمله "فليتوضأ"، وذلك من أجل أن يكون متهيئا للصلاة عليه، وقيل: من حمله فعلا فليتوضأ، وحمل الوضوء على هذا الوجه حمل الوضوء على الوضوء اللغوي وهو النظافة، وأيضا "فليتوضأ" أي: فلينظف يده لمباشرتها لحمل الميت لكن هذا فيه نظر؛ لأن يديه وإن حملت الميت وباشرت الميت طاهرة لا تحتاج إلى أن تغسل الأيدي منها.
"أخرجه أحمد والنسائي، والترمذي، وحسنه، وقال أحد: لا يصح في هذا الباب" يعني: باب الوضوء، أو في هذه المسألة؟ الثاني هو المراد؛ يعني: لا يصح في هذه المسألة شيء، وإذا كان لا يصح بطل العمل به؛ لأنه من شرط العمل بالحديث أن يكون صحيحا أو حسنا، وإذا لم يكن صحيحا ولا حسنا فلا يعمل به.
أما فوائد هذا الحديث: ففيه وجوب الاغتسال على من غسل ميتا صغيرا كان أو كبيرا؛ لظاهر الأمر لقوله: "فليغتسل"، لكن نقل بعضهم الإجماع على أنه لا قائل بالوجوب، يعني: على أن العلماء أجمعوا أنه ليس بواجب الاغتسال من تغسيل الميت، وعلى هذا فيكون مستحبا وليس بواجب، لكن هل نقول هذا على تقدير صحة الحديث، أو نقول كما ذهب إليه صاحب النكت أن الحديث إذا كان ليس بحجة - يعني: ضعيف- ما يصل إلى درجة الاحتجاج فإنه يحمل الأمر فيه على الاحتياط والاستحباب، وإذا كان نهيا حمل على الكراهة احتياطا لاحتمال أن يكون حجة.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية تغسيل الأموات لقوله: "من غسل ميتا فليغتسل"، وجه المشروعية: أنه رتب على هذا الاغتسال حكما وشرعيا، ولو كان الاغتسال غير مشروع لم يترتب عليه شيء.
ولكن من يباشر تغسيل الميت؟ الرجل يباشر تغسيل الرجال، والمرأة تباشر تغسيل النساء، إلا الزوجين فإنهما لا بأس أن يغسل أحدهما الأخر، وكذلك الرجل مع سيرته لعموم قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حفظون إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم} [المؤمنون: 5، 6].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
وذكر العلماء أن من دون السبع لا حكم لعورته فيغسله الرجال والنساء سواء كان ذكرا أو أنثى.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان الاستعداد لفعل العبادة، قبل أن يباشرها على تقدير الذي ذكرنا في قوله: "ومن حمله فليتوضأ".
ومن فوائده: وجوب الوضوء للصلاة على الميت على التقدير الذي ذكرنا أن من حمله - أي: أراد حمله ليصلي عليه فليتوضأ- ولا شك أن الصلاة على الميت لا تصح إلا بوضوء لقوله النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، وعموم قوله: "لا صلاة بغير طهور".
حكم مس القرآن بغير وضوء:
71 - وعن عبد الله بن أبي بكر رحمه الله: "أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم:
ألا يمس القرآن إلا طاهر". رواه مالك مرسلا، ووصله النسائي وابن حبان، وهو معلول.
ظاهر العبارة الموجودة عندي - والظاهر أن هذا خطأ من الطابع-: عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه، ظاهره أن هذا أبي بكر الصديق وليس كذلك، بل هذا عبد الله بن أبي بكر بم محمد بن عمرو بن حزم، وليس أبا بكر الصديق.
عمرو بن حزم: هو جد أبي عبد الله بن أبي بكر، وهذا هو وجه الصلة في كونه نقل الكتاب المكتوب لعمرو بن حزم. قال: "أن الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر"، قوله: "في الكتاب ألا يمسه" يفهم من هذا التعبير أن في الكتاب أشياء غير هذا؛ لأن قوله: "في الكتاب ألا يمس" إذن هناك مسائل أخرى في هذا الكتاب وهو كذلك فيه مسائل كثيرة، وقد ذكره صاحب الإلمام بكماله تاما، فيه مسائل كثيرة في الديات، وفي الزكاة وفي غيرها؛ ولهذا نقل هذا الحديث بالتواتر، واشتهر بين العلماء وقبلوه وفرعوا عليه مسائل كثيرة.
"ألا يمس القرآن إلا طاهر" المراد بالقرآن هنا: ما كتب في القرآن، يعني: المصحف، اللوح، الأوراق، الأحجار؛ لأنه ليس المراد بالقرآن الذي هو كلام؛ إذ إلا الكلام لا يمس ولكنه يسمع، والمراد: ما كتب فيه القرآن من أوراق وأحجار وغير ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
"إلا طاهر" كلمة "طاهر" قال بعض أهل العلم: أي: إلا مؤمنا، واستدل لهذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن لا ينجس". وإذا كان لا ينجس لزم أن يكون طاهرا؛ لأن النجاسة والطهارة شيئان متقابلان، وقال بعض العلماء: "إلا طاهر" أي: إلا متوضئ، يعني: طاهرا من الحدث الأصغر والأكبر، واستدلوا بقول الله تبارك وتعالى لما ذكر الوضوء والغسل والتيمم قال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} [المائدة: 6]. فسمى الله الوضوء والغسل والتيمم لمن لم يستطع جعله تطهيرا، وقال تعالى: {ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرهن فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة: 222]. وردوا على الآخرين فقالوا: إنه لم يعرف في القرآن ولا في السنة أن يعبر عن المؤمن بالطاهر، وإنما الطاهر وصف وليس يعبر به عنه، وفتش هل يوجد في القرآن والسنة التعبير عن المتقين والمؤمنين بالطاهرين؟ لا يوجد لكن وصف المؤمن أنه لا ينجس، فإذا كان كذلك فإنه يبعد جدا أن يراد بالطاهر هنا المؤمن.
"رواه مالك مرسلا، ووصله النسائي وابن حبان، وهو معلول" المحدثون اختلفوا في وصله وإرساله، لكن شهرة هذا الكتاب وتلقي العلماء له بالقبول وتفريعهم عليه يدل على أن له أصلا صحيحا، وهو كذلك وهذا مما ذكره العلماء في المصطلح مما يتقوى به المرسل إذا تلقي بالقبول فإن نقله بين الناس واشتهاره بينهم يدل على أنه صحيح، وهو كذلك هو صحيح، في هذا الحديث دليل على أن تبليغ الرسالة والشريعة يكون باللفظ المسموع وبالكتاب المقروء، وجه الدلالة: أن هذه طريقة النبي صلى الله عليه وسلم تارة يبلغ الرسالة بالقول وتارة بالكتابة.
ومن فوائده: عظمة القرآن، وأنه يجب أن ينزه عن النجس سواء قلنا: إنه من كان محدثا، أو قلنا: إنه من كان كافرا.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الوضوء لمس المصحف؛ لقوله: "لا يمس القرآن إلا طاهر" هذا ما رجحناه أخيرا، وإن كنا بالأول نميل أن المراد بالطاهر: المؤمن، لكن بعد التأمل تبين لي أن المراد بالطاهر: الطاهر من الحدث الأصغر والأكبر.
وهل المراد "ألا يمس القرآن" يعني: القرآن الذي في الأوراق؛ بمعنى: لا يضع يده عليه، أي: على المكتوب دون ما كان من حواشيه وجوانبه؟
الجواب: لا، المراد ألا يمس الذي كتب فيه القرآن كله، وعليه فإذا كتب القرآن بوسط الصفحة فجوانبها تمس؛ أي: لا يمسها المحدث، وإذا كان على المصحف جلدة مقواة فإنه يمسها إن كانت لاصقة به، أما إذا كانت وعاء ينفصل فإنه لا بأس أن يمسها من ليس بمتوضئ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
ومن فوائد هذا الحديث: أن المصحف لا يمسه إلا طاهر سواء كان صغيرا أو كبيرا؛ يعني: فالصغير الذي بلغ ست التمييز لا يمس القرآن إلا إذا تطهر، وقال بعض العلماء: إنه يرخص للصغار في مسه عند الحاجة، فإن الصغار يعطون شيئا من القرآن، إما في اللوح، وإما بأوراق خاصة كأجزاء جزء "عم"، جزء "تبارك"، ويشق أن نلزمهم بالوضوء، ولا شك أنه إذا كان هناك مشقة فإنه لا ينبغي إلزامه؛ لأن من دون البلوغ قد رفع عنه القلم، لكن يؤمرون ولا يلزمون.
فإن قال قائل: ما تقولون فيمن استدل لهذا بقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79].
قلنا: لا دليل في الآية، يتبين هذا بتلاوتها {إنه لقرءان كريم في كتب مكنون لا يمسه إلا المطهرون} فالضمير هنا يعود إلى أقرب مذكور وهو "الكتاب المكنون"، وإن كان القول بأنه يعود إلى القرآن من حيث إن السياق في القرآن والحكم على القرآن، لكن يضعفه قوله: {إلا المطهرون} وهي اسم مفعول، ولو كان المراد: إلا من تطهر؛ لقال: (إلا المطهرون) أي: المتطهرون، فالآية ليس فيها دليل على ذلك، لكن بعض العلماء استنبط وقال: إنه إذا كان لا يمس الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون، فكذلك أيضا المصحف الذي فيه القرآن الكريم، ولكننا لسنا بحاجة إلى هذا الاستنباط الذي قد يبدو بعيدا؛ إذ إن لدينا لفظ الحديث.
72 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه". رواه مسلم، وعلقه البخاري.
قولها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر" ذكر العلماء في أصول الفقه أن "كان" إذا كان خبرها مضارعا فإنها تدل على الدوام غالبا، وليس دائما، كان يفعل يعني: باستمرار، وهذا على الغالب وليس على الدائم، والدليل على أنه الغالب أنه ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح والغاشية". وجاء في لفظ آخر: "كان يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة والمنافقين". فلو قلنا: إن "كان" تدل على الدوام دائما لكان في الحديثين تعارض وتناقض، لكن نقول: إنها تدل على الدوام غالبا لا دائما.
قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه" "يذكر الله" يحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا: الذكر اللفظي باللسان، وهذا هو الظاهر؛ يعني: أن يقول: "لا إله إلا الله"، ويحتمل أن يكون عاما لذكر القلب، والجوارح، واللسان؛ لأن الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
ويكون بالجوارح، الذكر بالقلب هو تذكر الله عز وجل وعظمته ورجاؤه وخوفه، وخشيته، ومحبته، وتعظيمه، وما أشبه ذلك، هذا ذكر الله بالقلب، وذكر الله باللسان: التسبيح، والتكبير، والتهليل، وما أشبه ذلك، وهو بالمعنى العام يشمل كل قول يقرب إلى الله عز وجل وذكر الله بالجوارح الركوع، والسجود، والقيام، والقعود في الصلاة، والمشي بالدعوة إلى الله وغير ذلك، فالذكر إذن متعلق بالقلب واللسان والجوارح.
والذي يظهر من حديث عائشة ما يتعلق باللسان؛ أي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام يذكر الله دائما، وقولها: "على كل أحيانه" يعني: على كل حين يمر به، وهو بمعنى قول القائل: على كل أحواله، يعني: قائما، وقاعدا، وعلى جنبه، كما قال الله 0 تبارك وتعالى: {الذين يذكرون الله قيما وقعودا وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191].
هذا الحديث أتى به المؤلف رحمه الله في باب نواقض الوضوء ليفيد أنه لا يشترط لذكر الله أن يكون الإنسان على طهارة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحواله، فأما قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سلم عليه ولم يرد عليه السلام حتى تيمم، ثم رد عليه السلام، وقال: "إني أحببت ألا أذكر الله إلا على طهر". فهذا من باب الاستحباب، وليس من باب الواجب؛ بمعنى: أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يذكر الله أن يكون على طهر، ولكن لو ذكر الله على طهر فلا إثم عليه ولا حرج علي.
يستفاد من هذا الحديث فوائد:
منها: معرفة عائشة رضي الله عنها بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، ويتفرع على هذه الفائدة: أن ما روته عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعارض ما رواه غيرها فإن روايتها تقدم؛ يعني: أن روايتها مرجحة؛ لأنها من أعلم الناس بحال النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها: فضيلة إدامة ذكر الله والاستمرار فيه؛ لقولها: "يذكر الله على كل أحيانه"، ولا شك أن ذكر الله حياة للقلب بمنزلة الماء تسقى به الثمار، لكن بشرط أن يكون الذاكر ذاكر لله تعالى بلسانه وقلبه.
ومنها: أنه لا يشترط للذكر أن يكون [الإنسان] على طهارة لقولها: "يذكر الله على كل أحيانه".
فإن قال قائل: هل يشمل ذلك ما إذا كان الإنسان على جنابة؟
فالجواب: نعم، يشمل هذا؛ فيجوز للجنب أن يذكر الله بالتسبيح، والتكبير، والتهليل، وقراءة الأحاديث، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما يقرب إلى الله تعالى من الأقوال إلا ذكرا واحدا وهو القرآن، فالصحيح أنه لا يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وإن كانت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
المسألة فيها خلاف، لكن الصحيح أنه لا يجوز له قراءة القرآن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم "كان لا يحجزه عن القرآن شيء إلا الجنابة". كلمة "لا يحجزه" يعني: لا يمنعه، ولأنه كان يقرئ أصحابه القرآن ما لم يكن جنبا. وهذا يدل على أنه ممنوع أن يقرأ القرآن وهو على جنابة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يجب عليه البلاغ، ومن البلاغ أن يعلم القرآن، فإذا كان يمتنع من ذلك إذا كان على جنابة، دل هذا على أنه لا يجوز للجنب أن يقرأ القرآن؛ لأنه لا يعارض واجب إلا بشيء واجب تركه، وهذا القول هو الراجح، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم، أن الذي عليه جنابة لا يقرأ القرآن حتى وإن توضأ، بخلاف المكث في المسجد فيجوز للجنب أن يتوضأ، وأما قراءة القرآن فلا يجوز حتى يغتسل.
بقي علينا يقول: "رواه مسلم، وعلقه البخاري" يقول العلماء: إن الحديث المعلق: ما حذف أول إسناده تشبيها له بالمعلق بالسقف الذي لا يتصل بالأرض، فالحديث المعلق هو الذي حذف أول إسناده، ويطلق - أي: المعلق - على ما حذف جميع إسناده، فإذا قال البخاري مثلا: وقالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا نسميه؟ معلقا، وإذا قال البخاري عن شيخ شيخه: قال فلان وساق السند نسميه أيضا معلقا، والمعلق من قسم الضعيف وذلك لعدم اتصال السند، إلا إذا كان المعلق التزم مؤلفه ألا يعلق ما صح عنده، فإننا نقول: إن هذا المعلق صحيح لكن ليس صحيحا على الإطلاق، بل هو صحيح عند معلقه، ثم إن كان من الأئمة المشهورين فإن تصحيحه معتبر وإلا فلا.
هل يتوضأ من الحجامة:
73 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى، ولم يتوضأ". أخرجه الدارقطني، ولينه.
"احتجم" الاحجام: إخراج الدم من الجسم بصفة مخصوصة، ولابد فيه من حذف الحاجم وإلا كان على خطر، الصفة المعروفة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وإلى عهد قريب: أن الحاجم يشرط الجلد في موضع معين، ثم يضع عليه قارورة لها أنبوبة صغيرة، ثم يجذب الهواء حتى يفرغ القارورة، ثم يسد فم الماسورة الصغيرة فتبقى القارورة مفرغة من الهواء، وإذا بقيت مفرغة من الهواء لصقت بالمكان، ثم بدأ الدم يخرج، فإذا امتلأت القارورة انتهى التفريغ وسقطت وهي مملوءة من الدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
والحجامة توع من أنواع الدواء كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: "إن كان الشفاء في شيء ففي ثلاث" وذكر منها "شرطة محجم". يعني: الحجامة، والحجامة لا شك أنها تخفف البدن، وأن من اعتادها فإنه لا يمكن أن يخف بدنه إلا باستعمالها، وأما من لم يستعملها أصلا فإنه لا يتأثر بعدمها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحتجم أحيانا في رأسه، وأحيانا على كاهله حسب ما تقتضيه الحاجة.
وقوله: "احتجم وصلى ولم يتوضأ" يعني: لم يتوضأ للصلاة، وأتى المؤلف رحمه الله بهذا الحديث ليفيد أن إخراج الدم من البدن لا ينقض الوضوء، ومعلوم أن الحجامة يخرج بها دم كثير، لكن هذا الدم وإن كان كثيرا لا ينقض الوضوء، دليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ.
في هذا الحديث فوائد منها: استعمال الحجامة، وهل هو جائز أو مستحب أو حرام؟
نقول: هاذ الحديث يدل على جوازه، فيبقى الأمر دائرا بين أن يكون مستحبا أو أن يكون حائزا على وجه الإباحة؛ يعني: مستوى الطرفين، فنقول: إذا كان الإنسان يحتاج إليه كان مستحبا اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يحتج إليه نظرنا إن كان يضره إخراج الدم كان حراما، وإن كان لا يضره كان مباحا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الحجامة لا تنقض الوضوء لقوله: "احتجم وصلى ولم يتوضأ"، وهل يقاس عليها ما يخرج من الجروح من الصديد والماء وما أشبه ذلك؟
الجواب: نعم، يقاس عليها وأولى؛ لأن كثيرا من العلماء يقولون: عن دم الآدمي نجس، وإن الصيد الذي يخرج من جروحه ليس بنجس؛ لأنه استحال إلى صديد، وعلى هذا نقول: يلحق بها ما يخرج من الجروح من الصديد والمياه التي تخرج بسبب الاحتراق وما أشبه ذلك.
وهنا سؤال: هل نحتاج على ذكر أن الحجامة لا تنقض الوضوء؟ لا نحتاج؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، والذي يقول: إنها تنقض الوضوء هو المطالب بالدليل، ولكن إذا جاء الدليل مؤيدا الأصل كلن هذا نورا على نور.
فيستفاد من هذا الحديث: أن خروج الدم وإن كان كثيرا لا ينقض الوضوء، وهذا القول هو الراجح، وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كان كثيرا نقض الوضوء، وإن كان قليلا لم ينقض وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله، ولكن هذا القول مرجوح، والصواب: أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
جميع ما يخرج من البدن لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من السبيلين أو ما كان قائما مقامه مثل أن يعالج الرجل بعملية يجعل في مثانته أنبوب يخرج منه البول، فهنا نقول: البول الخارج من المثانة عن طريق هذا الأنبوب يكون ناقضا للوضوء، وأما ما خرج - يعني: من غير البول، والغائط- فإنه لا ينقض الوضوء ولو كثر.
حكم الوضوء من النوم:
74 - وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء". رواه أحمد، والطبراني وزاد: "ومن نام فليتوضأ".
- وهذه الزيادة في هذا الحديث عند أبي داود من حديث علي دون قوله: "استطلق الوكاء". وفي كلا الإسنادين ضعيف.
أولا: من الناحية الفنية كان الأجدر بالمؤلف أن يضع هذا الحديث عند الحديث الأول "وكان الصحابة ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم"، لكن لعله رحمه الله لم يعثر على هذا الحديث إلا بعد أن كتب الباب فألحقه وإلا فلا يخفى على أي إنسان أن سوق الأحاديث في موضوع واحد أولى من تفريقها.
قال: "العين وكاء السه" "العين": هي الباصرة المعروفة، و "السه" - بكسر الهاء--: الدبر، و"الوكاء": ما يربط به الكيس أو نحوه لئلا يتدفق ما فيه، "فإذا نامت العينان" ولم يقل: إذا نامت العين؛ لأن العين في الأول المراد بها: الجنس فتشمل الواحد والمتعدد، "فإذا نامت العينان استطلق الوكاء" يعني: انطلق ولم يشعر به الإنسان.
في هذا الحديث: إشارة إلى أن النوم الناقض للوضوء إنما هو ما يستطلق به الوكاء وهو النوم العميق الذي يسترخي به الدبر، وتخرج الريح من غير أن يشعر به الإنسان.
وفيه من الفوائد: أن الريح ناقض للوضوء، وقد جاء ذلك صريحا في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
ومن فوائد هذا الحديث: أن النوم لا ينقض الوضوء إذا لم يستطلق الوكاء سواء كان من قاعد أو ساجد، أو راكع، أو مضطجع؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
75 - ولأبي داود أيضا، عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: "إنما الوضوء على من نام مضطجعا". وفي إسناده ضعف أيضا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
يعني: لا وضوء على من نام قاعدا، أو قائما، أو راكعا، إنما على من نام مضطجعا، يعني: على جنبه، أو ظهره، أو بطنه؛ وذلك لأن النائم على وجه الاضطجاع أقرب إلى أن يكون نومه عميقا يحدث ولا يشعر بنفسه، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث- ذكر هيئة يكون بها الحديث أقرب، والقاعدة كما مر علينا أنه إذا نام نوما لم أحدث لم يحس بنفسه فعليه الوضوء وإلا فلا وضوء عليه.
التحذير من الوسواس في الوضوء:
76 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي أحدكم الشيطان في صلاته، فينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث، فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". أخرجه البزار. وأصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد.
في هذا الحديث: أن الشيطان قد يسلط على بني آدم في الصلاة ليفسد صلاته عليه؛ لقوله: "ينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث".
ومن فوائده: إثبات الشيطان لقوله: "يأتي أحدكم الشيطان".
ومن فوائده: بيان شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ حيث يريد أن يفسد عليه عبادته.
ومن فوائد هذا الحديث: التحذير من الوساوس لقوله: "فيخيل إليه أنه أحدث"، وطرد هذه التخيلات أن يستعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأنه إذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم فإن الله سبحانه وتعالى يعيذه إذا كان ذلك بصدق وإخلاص.
ومن فوائد هذا الحديث: أن اليقين لا يزول بالشك؛ لقوله: "فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".
ومن فوائد هذا الحديث: أن النصوص قد تأتي مقيدة للشيء بناء على الغالب؛ لقوله: "حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا"؛ لأنه من المعلوم لو كان الرجل أصم لا يسمع أو كان لا يشم فإنه لن يجد ريحا ولن يسمع صوتا، فهل نقول: إن هذا الرجل لو خرج منه الريح يقينا فوضوؤه باق؟ لا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رتب على هذا في الغالب، وقد ذكر الأصوليون أن القيد الأغلبي ليس له مفهوم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
77 - ولمسلم: عن أبي هريرة رضي الله عن نحوه.
78 - وللحاكم: عن أبي سعيد مرفوعا: "إذا جاء أحدكم الشيطان، فقال: إنك أحدثت، فليقل: كذبت". وأخرجه ابن حبان بلفظ: "فليقل في نفسه".
"إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك أحدثت" هل هو قول يسمع أو وساوس وتخيلات؟
الثاني، وقوله: "فليقل كذبت" يعني: يتكلم لكن في نفسه، لا بلسانه كذبت؛ وذلك من أجل أن يمضي في صلاته.
ففي الحديث من الفوائد ما سبق، وفيه أيضا: أن الإنسان ينبغي أن يلاقي عدوه بحزم وقوة؛ لأن "كذبت" فيها شيء من العنف، والشيطان جدير بأن يعنف معه، ويقال له: "كذبت"؛ لأنه كذوب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: "صدقك وهو كذوب".
مسائل وفوائد:
الصحيح: أن الحائض تقرأ القرآن؛ لأنه ليس يوجد سنة صحيحة صريحة في منعها، لكن نظرا إلى أن الخلاف فيها قوي لا ينبغي أن تقرا إلا لحاجة إما لكونها معلمة، أو طالبة، أو تخشى النسيان، أو تردده على أبنائها وما أشبه ذلك.
- أشرطة القرآن لا تأخذ حكم المصحف؛ لأنه لم يكتب فيها.
- أيجوز أن يقرأ القرآن على الجنب كمريض مجنب يريد أن يقرأ عليه القرآن؟ فلا بأس.
أسئلة:
- ما معنى نواقض الوضوء؟
- هل الفقهاء رحمهم الله يعتبرون النواقض مفسدات مبطلات وما أشبه ذلك؟
- إذا شك الإنسان بعد أن علم أنه محدث هل يتوضأ أو لا؟
- النوم ناقض للوضوء هل بمجرده؟
- ما هو الضابط من النوم الناقض للوضوء؟
- رجل أرعف أنفه أينتفض وضوؤه أو لا؟
- رجل أكل من كبد بعير والثاني من كبد شاة أيهما الذي يتوضأ؟
-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
هل الأمر بالوضوء من لحم الإبل على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب، وما الدليل؟
- المؤلف رحمه الله ذكر في نواقض الوضوء أحاديث ضعيفة، فكيف يذكرها مع أنه لا يحتج بها؟
- في حديث عمرو بن حزم: "لا يمس القرآن إلا طاهر" ما المراد بالطاهر؟
- ما هو الدليل على أنه نجاسة المشرك نجاسة معنوية؟
- ما هو حل المشكلة في مس الصغار للقرآن؟
- هل حديث عائشة: "كل أحيانه" يدل على قراءة الجنب للقرآن؟
7 - باب آداب قضاء الحاجة
من حكمة الله عز وجل أنه جعل لذكره أسبابا حتى يستيقظ الإنسان وينتبه لذكر الله، لأن الإنسان قد تستولي عليه الغفلة وينسى ذكر الله، فيجعل الله تعالى لذكره أسبابا كثيرة: دخول المنزل فيه ذكر، الخروج من المنزل فيه ذكر، لبس الثوب الجديد فيه ذكر، الأكل فيه ذكر، التخلي من الأكل فيه ذكر؛ حتى يكون الإنسان دائما على صلة بالله عز وجل يذكر الله تبارك وتعالى، وهذا في الحقيقة إنما يحصل لمن يذكر الله بقلبه ولسانه وجوارحه، فأما الذي يذكر الله باللسان والجوارح دون القلب، فإن هذه الفائدة العظيمة تفوته، أسأل الله أن يوقظنا وإياكم من الغفلة؛ لذلك نجد أن الشارع شرع لنا عبادات حتى عند التخلي من الأكل والشرب فضلا عن الأكل والشرب؛ لأن التخلي عن الأكل والشرب نعمة عظيمة لا يدرك نعمة الله علينا بها إلا من فقدها، لو احتبس بول الإنسان لكان يفدي ذلك بالدنيا كلها، أو احتبس غائطه، أو احتبست الريح لتعب تعبا عظيما، ولسلك كل واد ليصل إلى طبيب لينقذه من ذلك، فنعمة الله علينا بالتخلي من الأكل والشرب لا شك أنها عمة عظيمة، له علينا أن نشكره تبارك وتعالى عليها، ثم هذا التخلي هو عن طعام وشراب، طعام وشراب من أين جاء؟ من الله عز وجل {أفرءيتم ما تحرثون ءأنتم تزرعونه أم نخن الزرعون} [الواقعة: 63، 64] ، الجواب: أنت يا بنا الذي زرعت هذا، ولولا أن الله تعالى زرعه ما نما، قال تعالى: {لو نشاء لجعلنه حطما} [الواقعة: 65]. ولم يقل: لو نشاء لم نخرجه؛ لأنه إذا نما وكمل ولم يبق إلا حصاده ودياسه ثم صار حطاما صار أشد حرمانا وأشد حسرة، وتأمل الآيات لم يقل: لو نشاء لم ننبته أو لم نزرعه، قال: {لو نشاء لجعلنه حطما}، يعني: بعد أن يخرج وينمو ويشاهده الإنسان وتتعلق نفسه به يجعله الله حطاما وصدق الله العظيم لو شاء لجعله حطاما، وكم من زروع صارت حطاما بعد أن استكملت ونمت يرسل الله عليها رياحا وبردا من السماء فيتلفها.
الشراب أيضا {أفرءيتم الماء الذي تشربون ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون} [الواقعة: 68، 69].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
الجواب: قال الله عز وجل {لو نشاء جعلنه أجاجا} [الواقعة: 70]. وإذا جعله الله أجاجا لا يمكن أن نشربه مع أنه بين أيدينا، ولم يقل: لو نشاء لم ننزله؛ لأن كون الماء بين أيدينا ولا نستطيع شربه أشد حسرة مما لم نجده.
فالحاصل: أن نعم الله عليك بالتخلي من الطعام والشراب لابد أن تذكر نعمة الله عليك بتحصيل الطعام والشراب، كم من أناس لم يحصلوا عليه إما قدرا وإما شرعا، حرم على بني إسرائيل طيبات أحلت لهم فمنعوا من ذلك شرعا مع أنها طيبة، ويمرض الإنسان ويقال: لا تأكل اللحم الفلاني، أو الطعام الفلاني فيحرم منها قدرا، فهذه من نعمة الله أن الله يسر الطعام والشراب وأحله لك، ومكنك منه هذه نعم، ولو أردنا أن نعد نعم الله علينا سبحانه وتعالى في هذا لبلغ المئات، حتى قيل: إنه لا يمكن أن يوضع الطعام بين يديك إلا والله تعالى فيه أكثر من ثلاثمائة نعمة، ولكننا في غفلة عن هذا، لذلك احتاج العلماء رحمهم الله إلى أن يذكروا آداب قضاء الحاجة، ومعنى قضاء الحاجة يعني: "التخلي عن الأكل والشرب"، لكن من الأدب في الألفاظ أن يكني الإنسان عن الشيء الذي يستحيا من ذكره بما يدل عليه، وهو إذا كنى بما يدل عليه صار حقيقة فيه، وإلا لو رجعنا إلى جانب قضاء الحاجة ماذا تشمل؟ تشمل الذي يذهب يشتري له طعاما أو يشتري شيئا لأهله، لكن لما اصطلح على هذا التعبير صار حقيقة في البول والغائط، إذن قضاء الحاجة مرادفة لأي شيء؟ للتخلي من الطعام، وهو البول والغائط، له آداب قولية ول آداب فعلية عند الدخول وعند الخروج وعند الجلوس، قال المؤلف:
تجنب دخول الخلاء بشيء فيه ذكر لله:
79 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه". أخرجه الأربعة، وهو معلول.
"كان إذا دخل الخلاء" أي: إذا أراد دخوله "وضع خاتمه" أي: أخرجه من أصبعه ووضعه قبل أن يدخل به الخلاء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم إما باليسرى، وإما باليمنى، وذكر بعضهم أن تختمه باليسرى أكثر من تختمه باليمنى، وإنما كان يتختم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قيل له: إن الملوك لا يقبلون الكتاب إلا إذا كان مختوما. فاتخذ خاتما ونقش على فصه "محمد رسول الله" أسفل و "رسول"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
في الوسط، و"لفظ الجلالة" فوق، حتى إذا انتهى من الكتاب ختمه بهذا الخاتم، وإنما اختار عليه الصلاة والسلام أن يكون خاتمه خاتما بيده؛ لأنه أحوط له من الضياع وآمن من التلاعب، خصوصا وأنه فيما سبق في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر لباسهم إزار ورداء ليس هناك جيوب يضعون فيها الأشياء، فإذا قدر أنه جعله في ردائه وصر عليه ربما يتلاعب به.
ففي هذا الحديث من الفوائد:
أولا: جواز لبس الخاتم، وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لبسه ولم ينه عنه.
فإن قال قائل: إذن لماذا لا تقولون: إن لبس الخاتم سنة؟
نقول: لا نقول هذا؛ لأنه لا يظهر في لبسه أدب التعبد، وإنما اتخذه النبي عليه الصلاة والسلام لحاجة وهي الختم الرسمي كما يقولون، وعليه فنقول: إذا كان الإنسان ذا قضاء، أو حكم، أو إمرة، أو وزارة أو ما أشبه ذلك سن له أن يتخذ الخاتم اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، وكما عرفتم العلة في ذلك، وأما عامة الناس فإنه يجوز لهم اتخاذه، أما النساء فهو من زينتهن؛ ولهذا أبيح لهن التختم بالذهب، والعقيق، والفضة، وأما الرجال فلا يجوز لهم التختم بالذهب، ويجوز لهم التختم بالفضة.
ولكن لو قال قائل: إذا كنا في عصر لا يلبس فيه الخاتم إلا من كان مغمورا في الناس ومخالفا للمروءة؟
فنقول: إذا كنا في عهد هكذا فالأولى عدم لبسه؛ لأنه لا ينبغي للإنسان أن يعرض نفسه للغيبة، أو يعرض نفسه لما يكرهه الناس منه، أو ما أشبه ذلك، الإنسان يجب أن يحمي نفسه عن الأذى والضرر، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى أن يهين الرجل نفسه فيتكلم بما لا يطيق.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا ينبغي الدخول للخلاء بشيء فيه ذكر الله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد دخول الخلاء وضع خاتمه.
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان يخشى عليه لو دخل المرحاض ووضعه أن يسرق كما في المجامع، في المساجد، وفي الحرمين وفي غيرها؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
فالجواب: أن الأمر ليس على سبيل التحريم حتى نقول إن هذا يؤدي إلى حرج الأمر على سبيل الاستحباب، وإنما قلنا: على سبيل الاستحباب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به ولكن فعله، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم المجرد يدل على الاستحباب لا على الوجوب، فالحمد لله يخلعه من أصبعه ويجعله في جيبه إن كان له جيب، وإن لم يكن له جيب كما لو كان محرما بحج أو عمرة فليبقه على ما هو عليه ولا حرج.
ومن فوائد هذا الحديث: تعظيم ما فيه ذكر الله إلى حد أنه لا يدخل به الخلاء، ومن باب أولى ألا يرمى في الطرقات أو في الأماكن القذرة؛ لأن اسم الله تعالى أعظم الأسماء ولاسيما لفظ الجلالة الذي لا يسمى به غيره، وكذلك الرحمن، ورب العالمين، والملك القهار، مما لا يسمى به غير الله فإنه لا يمتهن.
فإن قال قائل: ما تقولون في دخول المتخلي بالمصحف؟
فالجواب: أن العلماء رحمهم الله صرحوا بأن دخول المخلي بالمصحف محرم؛ لأن عظمة المصحف أعظم من مجرد عظمة الذكر، يعني: أعظم من عظمة الذكر المجرد، فلا يجوز أن يدخل محل قضاء الحجة بالمصحف.
فإن قيل: لو خاف إذا وضعه أن يسرق؟
قلنا: هذه حاجة فله أن يدخل وهو معه للحاجة.
أسئلة:
- ما المراد بآداب قضاء الحاجة؟
- وما المراد بقضاء الحاجة؟
- لماذا كنوا عن هذا بقضاء الحاجة؟
- لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه؟
- هل هذا الحديث يدل على تحريم دخول ما فيه ذكر الله؟
- هل يدل على كراهة الدخول بما فيه ذكر الله؟
- هل عدم فعل المستحب يكون مكروها؟
- دعاء دخول الخلاء:
80 - وعنه رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". أخرجه السبعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)