ومن فوائد هذا الحديث: جواز الخطاب بلفظ يعم الأمة ولفظ يخص بعض الأمة، أيهما الذي يعم الأمة؟ "لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها بغائط أو بول" هذا عام لجميع الأمة، "ولكن شرقوا أو غربوا" خاص بأهل المدينة، ومن كان مثلهم بالنسبة لنا هنا نقول: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن أشملوا أو أجنبوا"؛ لأن القبلة في القصيم جهة الغرب فيقال لأهل القصيم: "أشملوا أو أجنبوا".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز ذلك؛ أي: استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول ولا في البنيان؛ لأن الحديث عام ما قال: "إلا في البنيان"، والأصل العمل بالعموم حتى يقوم دليل على التخصيص؛ ولهذا يقول أبو أيوب رضي الله عنه: "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله". وهذا يدل على أن أبا أيوب فهم أن الحديث عام سواء كان ذلك في البنيان أو في القضاء، وجه ذلك: أن الإنسان يقال إنه مستقبل القبلة ولو كان في البنيان ولهذا لو كان في الحجرة واستقبل القبلة في الصلاة يقال: إنه مستقبل، وعلى هذا فلا فرق، لكن في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة". فهنا نقول: جاز استدبار الكعبة في البنيان لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن الاستدبار أهون من الاستقبال؛ لأن الإنسان يستحي أن يستقبل الناس بوجهه حال قضاء الحاجة، لكن لا يستحي أن يستدبرهم؛ ولهذا يدل على أن الاستقبال أكثر من الاستدبار، فهل يقاس عليه الاستقبال؟ من العلماء من قال: يقاس عليه، وأنه في البنيان لا بأس من استقبال القبلة واستدبارها، وعلى هذا فالمراحيض التي ببيننا الآن إذا كانت مستقبلة الكعبة أو مستدبرتها فلا بأس بها، ولكن الصحيح العموم أنه لا يجوز لا في القضاء ولا في البنيان.
بقي علينا: هل لنا أن نخصص هذا النهي وهو سنة قولية بالسنة الفعلية؟
من العلماء من يرى أن الألفاظ لا تخصص بالأفعال، وأننا نحن مطالبون بتنفيذ السنة القولية، أما السنة الفعلية فلا؛ لأن السنة الفعلية تحتمل الخصوصية وتحتمل الحاجة؛ أي: أنه فعل ذلك لحاجة، وتحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله بسبب آخر، وهو لم يعلنه على الناس، هو في بيت حفصة مستدبر الكعبة لم يعلنه فلا يمكن أن نخصص به اللفظ العام، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، ومنهم الشوكاني في شرح المنتقى، ولكن الصحيح: أن السنة القولية تخصصها السنة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
الفعلية؛ لأن الكل حق، واحتمال الخصوصية غير وارد، واحتمال النسيان غير وارد، واحتمال سبب آخر غير وارد؛ لأن الأصل التشريع في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم والتأسي به، ثم إنه لا حاجة إلى أن نقول بتقديم القول إذا تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن، فإذا كان ممكنا وجب العمل بالحديثين جميعا؛ لأنك لو قلت: هذا الفعل لا يخصص ألغيت سنة، ولو قلت: هذا الفعل يخصص إذا كان في البنيان لم تلغ سنة؛ إذن القول الراجح: أن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مخصص لعموم حديث أبي أيوب.
بقي أن يقال: هل يقاس عليه الاستقبال؟
الجواب: لا، لا يقال؛ لأن من شرط القياس تساوي الأصل والفرع، والتساوي هنا لا يوجد، ويدل لهذا أن حديث سلمان في النهي عن الاستقبال دون الاستدبار مما يدل على أنه الاستقبال أشنع، وإذا كان أشنع فإنه لا يمكن أن يقاس على ما هو أهون منه.
فإن قال قائل: إذا كان الرجل قد بنى مراحيضه متجهة إلى القبلة فماذا يصنع؟
نقول: يجب عليه أن ينقضها ويخلفها، فإن قال: أنا أنحرف. نقول: أنت إذا استطعت أن تنحرف فربما يخلفك من لا ينحرف، فتكون أنت السبب في انتهاك حرمة الكعبة، وعلى هذا فلابد لمن بنى مراحيضه متجهة إلى القبلة أن ينقضها ويوجهها إلى جهة أخرى.
ومن فوائد هذا الحديث: ما سبق من تعظيم القبلة واحترامها.
ستر العورة أثناء قضاء الحاجة:
91 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى الغائط فليستتر". رواه أبو داود.
أضف هذا إلى حديث المغيرة السابق، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خذ الإداوة فانطلق حتى توارى عني". أضف هذه السنة القولية إلى السنة الفعلية السابقة.
قوله عليه الصلاة والسلام: "من أتى الغائط" ماذا يريد بالغائط؟ يريد به: المكان المطمئن من الأرض؛ لأنه هو الذي يؤتى إليه، لكن هذا الغائط - أعني: المكان المنخفض من الأرض- لا ينتابه الناس إلا لأجل قضاء الحاجة، وقوله: "فليستتر" اللام هنا للأمر، والأمر يحتمل الوجوب، ويحتمل الاستحباب، والفاء في قوله: "فليستتر" رابطة للجواب؛ لأن الجواب إذا اقترن بلام الأمر وجب أن يقرن بالفاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
ففي هذا الحديث من الفوائد: الإشارة إلى أن الناس فيما سبق كانوا يقضون حوائجهم في الأماكن البرية أو الداخلية في البلد، لكن بشرط أن تكون منخفضة مطمئنة.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الاستتار على من أتى الغائط؛ لأن هذا ظاهر الأمر، لكن القواعد تقتضي أنه يختلف، فالاستتار بحيث لا ترى العورة واجب، والاستتار فيما زاد على ذلك سنة.
الدعاء بعد قضاء الحاجة:
92 - وعنها رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك". أخرجه الخمسة، وصححه أبو حاتم والحاكم.
قولها: "كان إذا خرج" يعني: إذا خرج بالفعل، يقول عند خروجه: "غفرانك"، وغفران مصدر غفر، فرجحان مصدر رجح، والشكران مصدر شكر، وهو منصوب بعامل محذوف تقديره:
أسألك غفرانك، وإنما كان يدعو بهذا الدعاء قيل: لأنه في حال قضاء الحاجة لا يذكر الله فاستغفر من أجل أنه امتنع عن ذكر الله في هذه الحال، فكأنه أضاع وقتا من عمره الثمين فاستغفر الله لذلك، وفي هذا التعليل نظر؛ لأنه إذا لم يذكر الله في هذا المكان فهو ممتثل متبع؛ ولهذا لا نقول للحائض إذا طهرت واستغفرت وصلت: استغفري الله؛ لأن امتناعها عن الصلاة بأمر الله عز وجل وقال بعض العلماء: إن سؤال المغفرة هنا له مناسبة وهو أن الإنسان لما تخلى من المؤذي الحسي تذكر المؤذي المعنوي، وهي الذنوب، فإن حمل الذنوب أشد من حمل الغائط والبول فنذكر عندئذ الذنوب فسأل الله أن يغفر له، وهذا هو الصحيح.
فيستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا خرج من الخلاء أو من الغائط فليقل: "غفرانك" اتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: ما هي المغفرة التي يسألها الإنسان دائما؟
قلنا: المغفرة هي ستر الذنب، والتجاوز عنه، وإنما وصفناها بهذين الوصفين الستر والتجاوز؛ لأن الاشتقاق يدل على هذا، فهي مشتقة من المغفر الذي يغطى به الرأس عند القتال، وهذا المغفر يفيد الرأس فائدتين:
الفائدة الأولى: الستر. والفائدة الثانية: الوقاية؛ ولهذا لا يصح أن نقول: المغفرة هي ستر الذنب، بل لابد أن نقول: هي ستر الذنب والتجاوز عنه، ويدل لهذا المعنى أن الله سبحانه وتعالى-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
يوم القيامة يخلو بعبده المؤمن، ويقرره بذنوبه ويقول: "قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم". ففرق الله عز وجل بين الستر وبين المغفرة؛ فدل ذلك على أن المغفرة ليست مجرد الستر، بل هي شيء زائد عليه.
ضرورة الاستجمار بثلاثة أحجار:
93 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثا، فأتيته بروثة، فأخذهما وألقى الروثة، وقال: هذا رجس، أو ركس". أخرجه البخاري. وزاد أحمد، والدارقطني: "أئتني بغيرها".
قوله: رضي الله عنه: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط" يعني: مكان قضاء الحاجة، "فأمني أن آتيه بثلاثة أحجار"، وذلك من أجل أن يستجمر بها، فوجد حجرين ولم يجد الثالث، ولكنه أتى بروثة، والروثة هنا هي روثة الحمار، وليست روثة البعير، بل هي روثة الحمار، بدليل ما يأتي في الحديث، يقول: "فأخذهما - أي: أخذ الحجرين- وألقى الروثة، وقال: هذا رجس" هنا قال: "هذا" ولم يقل: "هذه" باعتبار المشار إليه؛ يعني: هذا المشار إليه رجس ولا يريد هاذ الإتيان؛ لأن ابن مسعود أتى بشيء ليس برجس وهما الحجران، ثم قال: "أو ركس"، والخلف لاختلاف اللفظ والمعنى واحد، والمراد بالركس هنا: النجس.
زاد أحمد والدارقطني: "اثتني بغيرها"؛ أي: بغير الروثة؛ لأن الروثة نجسة، والنجس لا يمكن أن يطهر.
من فوائد هذا الحديث: منقبة لعبد الله بم مسعود، كيف ذلك؟ لكونه خدم النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الحديث: جواز استخدام الأحرار؛ لأن ابن مسعود كان حرا.
ومن فوائده: أن أمر الخادم ونحوه لا يعد سؤالا مذموما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر خدمه، الناس لا يعدون هذا سؤالا، بل يعدونه أمرا، ويرون أن الآمر فوق المأمور.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاستعانة بالغير في الطهارة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم استعان بعبد الله بن مسعود أن يحضر ما يتطهر به.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الاجتهاد إذا خالف النص فهو باطل، من كون النبي صلى الله عليه وسلم رد اجتهاد عبد الله بن مسعود وقال: "إن هذا رجس"، لكنه لم يوبخه؛ لأنه مجتهد، وإلا فمن المعلوم أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
كونه يأتي بروثة على النبي صلى الله عليه وسلم ليتطهر بها، أن فيها شيئا من الاستخفاف، لكنه رضي الله عنه مجتهد؛ فيستفاد منه: أن المجتهد إذا أخطأ لا يلام على خطئه؛ لأنه مجتهد، وهذه هي قاعدة الشريعة والحمد لله أن الحاكم إذا حكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للرجل الذي تيمم وصلى ثم وجد الماء فتوضأ وأعاد الصلاة جعل له الأجر مرتين مع أنه مخطئ في هذا العمل؛ حيث إن صاحبه الذي لم يعد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أصبت السنة".
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لابد في الاستجمار من ثلاثة أحجار، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من عبد الله بن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، ثم قال حين رد الروثة: "ائتني بغيرها"؛ فدل هذا على أنه لابد من ثلاثة أحجار.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الاستجمار مطهر لقوله: "هذا رجس"، والرجس لا يطهر، فدل هذا على أنه لو كان طيبا طاهرا لكان مطهرا، وهذا هو الصواب أن ما يحصل من الاستجمار فهو تطهير، وبناء على ذلك لو أن الإنسان استجمر من بول أو غائط بأحجار أو تراب؛ أو مناديل، ثم عرق أو أصاب ثوبه بلل وصل إلى مقعدته أو إلى ذكره فهل نقول: إن ما أصابه الماء والبلل والعرق ومن هذا المحل يكون نجسا؟ الجواب: لا، وهذا هو القول الراجح المتعين.
ومن العلماء من يقول: إن الاستجمار لا يطهر، وأنه لا يعفى عن أثر الاستجمار إذا تجاوز غير محله، ولكن هذا القول ضعيف، والصواب: أنه مطهر تطهيرا تاما، فهل يقاس على ذلك ما لو أزيلت النجاسة في غير هذا الموضع بحجر حتى لم يبق لها أثر؟ الجواب: نعم؛ وذلك لأن النجاسة عين خبيثة متى أزيلت بأي مزيل سواء كان بحجر أو بغير ذلك فإنها تطهر، لكن بشرط أن تكون الإزالة إزالة تامة.
فإن قال قائل: قياسكم غير هذا المحل عليه فيه نظر؛ لأن هذا المحل يكثر تلوثه بالنجاسة، فإن الإنسان دائما يبول، ودائما يتغوط، وغير هذا المحل لا يكثر فيه التلوث بالنجاسة فلا يمكن القياس، ويدل لعدم إمكان القياس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بول الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: "أريقوا عليه سجلا من ماء". فهذا يدل على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء؛ فجوابنا على هذا أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يصب عليه ماء من أجل الإسراع في تطهيره؛ لأنه لو بقي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
ما يطهر الآن يحتاج إلى وقت، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يبادروا في تطهيره فأمر أن يصب عليه ماء.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأرواث نجسة؛ لأن ابن مسعود أتى بروثة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنها نجسة"، ولم يبين عبد الله بن مسعود أنها روثة حمار أو روثة بعير، فيدل على أن جميع الأرواث نجسة، وجميع الأبوال نجسة، وإلى هذا ذهب الشافعي رحمه الله أن جميع الأبوال نجسة ولو مما يؤكل، وجميع الأرواث نجسة ولو مما يؤكل، ولكن هذا القول ضعيف، فقد دلت السنة على طهارة بول ما يؤكل وروثه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها، ولم يأمرهم بالتنزه منها؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم". ومعلوم أن مرابضها لا تخلو من بول أو روث، فدل هذا على أن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر؛ إذن يجب أن نحمل قوله: "روثة" على روثة حمار؛ لأن روث الحمار نجس وبوله نجس.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إنه ألقى الروثة ولم يوبخ عبد الله بن مسعود، ولم يغضب ويدع أمره مرة أخرى، بل قال: "ائتني بغيرها".
النهي عن الاستجمار بعظم أو روث:
94 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: إنهما لا يطهران". رواه الدارقطني وصححه.
قوله: نهى أن يستنجى بعظم أو روث" ما المراد بالعظم هنا؟ المراد: جميع العظام؛ لأن العظم إن كان من مذكاة فقد لوثه على الجن، وإن كان من غير مذكاة فهو نجس، وكذلك يقال في الروث: إن كان طاهرا فهو علف بهائم الجن، وإن كان نجسا فالنجس لا يطهر، وقال: "إنهما لا يطهران" أي: العظم والروث لا يطهران، وجه ذلك: أن النجس منهما لا يطهر، هو نجس فكيف يطهر، والطاهر منهما لا يطهر؛ لأنه لا يحصل الإنقاء التام به، لكن إذا صحت اللفظة وهي: "إنهما لا يطهران" فينبغي أن يحمل العظم والروث على العظم النجس، وذلك أن العظم الطاهر إذا استوى في ذلك واستجمر به إنسان فلا وجه لكونه لا يطهر، صحيح أنه حرام عليه لكن الحرام شيء، والتطهير شيء آخر، فيقال لمن استنجى أو استجمر بشيء محرم: إنه آثم، والمحل يطهر؛ لأنه من نجاسة، فإذا زالت بأي مزيل كفى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
الأمر بالاستنزاه من البول:
95 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استنرهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه". رواه الدارقطني.
96 - وللحاكم: "أكثر عذاب القبر من البول". وهو صحيح الإسناد.
قوله عليه الصلاة والسلام: "استنزهوا" أي: اطلبوا النزاهة، والنزاهة هي النظافة، وقوله: "من البول" أي: تخلوا عنه، ثم علل هاذ بقوله: "إن عامة عذاب القبر منه" يعني: أكثر عذاب القبر من عدم الاستنزاه من البول، وقوله: "من البول" هل هو عام؟ سبق لنا أن الشافعي رحمه الله يرى أن جميع الأبوال نجسة، فعلى هذا يكون الحديث عاما، لكن هذا القول ضعيف لما ذكرنا قبل قليل من الأدلة؛ ولأنه في الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان، حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذبان فقال: "أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله"، هكذا في إحدى روايات البخاري، وعلى هذا فيكون المراد من البول - أي: البول الذي يلابسه كثيرا- وهو بول نفسه، فإن عامة عذاب القبر منه، وللحاكم: "أكثر عذاب القبر من البول".
ويستفاد من هذا الحديث: وجوب التنزه من البول لقوله: "استنزهوا من البول".
نعود لحديث أبي هريرة: "استنزهوا" أي: اطلبوا النزاهة من البول، يعني: التنظيف منه، وقوله: "من البول" "أل" للعهد الذهني، يعني: البول المعهود الذي هو بول الآدمي؛ وليست للعموم كما سنذكره، "فإن عامة عذاب القبر منه" يعني: أكثر عذاب القبر بالنسبة للمؤمنين من عدم التنزه من البول، أما الكفار فإن عامة عذاب القبر عندهم من الشرك والكفر، وغير ذلك.
في هذا الحديث فوائد:
أولا: وجوب الاستنزاه من البول، لقوله: "استنزهوا من البول"، والأمر للوجوب.
ومن فوائده: أنه لا يعفى عن يسيره - أي: عن يسير البول- لقوله: "استنزهوا من البول"؛ لكن استثنى الفقهاء رحمهم الله يسير البول ممن به سلس دائم مع كمال التحفظ - يعني: المصاب بسلس البول- يعفى عن يسير البول بشرط أن يكون قد تحفظ تحفظا كاملا، وعللوا ذلك بأن التحفظ من يسيره وكثيره شاق وحرج، وقد قال الله تبارك وتعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]. وهذا عام في كل مسائل الدين، وذكر نفي الحرج في الطهارة خاصة فقال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} [المائدة: 6]. وهذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
الذي استثناه الفقهاء رحمهم الله وجيه جدا؛ وذلك لانتفاء الحرج؛ أي: أننا استثنينا يسير البول ممن به سلس مع كمال التحفظ من أجل الحرج، وكما يقول العامة: لا يحس بحرارة الجمرة إلا من وطأها، يعني: لا يحس بالمشقة العظيمة في هذا الأمر إلا من ابتلي به، أعاذنا الله وإياكم منه.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الاستنزاه من كل بول إذا جعلنا "أل" للعموم، ولكن هذه الفائدة ليست صحيحة؛ لأن العموم لا يستقيم بالنسبة للشريعة الإسلامية، ووجهه: أنه قد دل الدليل على أن ما يؤكل لحمه طاهر وهو إذن النبي صلى الله عليه وسلم إلى العرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل وأبانها، ولم يأمرهم بالتنزه منها، وأيضا لو كان بول الإبل نجسا لكان شربه حراما؛ والحرام لا يجوز التداوي به.
فإذا قال قائل: لماذا تجعلونه عاما وتستثنوا منه بول ما يؤكل لحمه، فيكون شاملا لبول الحدأة والحمير، والكلاب، وما أشبه ذلك.
نقول: هذا ممكن، لكن حمله على المعهود الذهني الذي يكثر من الإنسان مماسته أولى، وما هو المعهود الذهني الذي يكثر من الإنسان مماسته؟ بوله هو.
ومن فوائد هذا الحديث: إثبات عذاب القبر لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن عامة عذاب القبر منه"، وعذاب القبر ثابت بالقرآن والسنة، أما في القرآن، فقوله تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب} [غافر: 46]. عرضهم على النار غدوا وعشيا هذا قبل قيام الساعة؛ لقوله: {ويوم تقوم الساعة}.
ومن ذلك قوله تعالى: {مما خطيئتهم أغرقوا فأدخلوا نارا} [نوح: 25]. والأصل: أن التعقيب فوري، قلت ذلك؛ لأن التعقيب قد يكون غير فوري كما لو قيل: "تزوج فلان فولد له" ومعلوم أنه لا يمكن أن يولد له في ليلة الزواج، وكما في قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} [الحج: 63]. فإن الأرض لا تصبح مخضرة صباح نزول المطر، لكن هذا التعقيب على حسب ما تقتضيه الحال، وهذا دل عليه قرينة، وإلا فالأصل أن التعقيب يكون فوريا.
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظلمون في غمرات الموت والملئكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون} [الأنعام: 93]. اليوم متى؟ يعني: يوم الوفاة.
{تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق} [الأنعام: 93].
أما في السنة فلي أن أقول: إن السنة متواترة في ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يتعوذ بالله من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
أربع بعد التشهد الأخير ذكر منها: عذاب القبر، وما زال المسلمون يدعون بذلك في كل صلواتهم، فهو من أشد الأحاديث تواترا، وأقواها معلوما.
فإن قال قائل: وهل العذاب الذي يكون في القبر يكون على البدن أو على الروح؟
نقول: الأصل أنه على الروح هذا هو الأصل، لكن قد يتصل بالبدن؛ يعني: قد يتصل العذاب بالبدن؛ ولهذا ذكر في منامات كثيرة أنه عثر على المعذبين ووجد آثار العذاب في أجسادهم وإلا فالأصل أنه على الروح.
فإن قال قائل: وهل عذاب القبر ينجو منه من احرق أو غمس في البحر، أو ما أشبه ذلك؟
فالجواب: لا، لأننا نقول: الأصل أن العذاب على الروح، والروح منذ خلقها الله عز وجل لا تفنى ولكنها تفارق البدن وتعاد إليه يوم القيامة.
ومن فوائد هذا الحديث: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على حماية أمته مما يضرها؛ حيث قال: "استنزهوا"، وهذا يدل على نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، ولا شك أنه أنصح الخلق للخلق لا شك في هذا، ومن تتبع سيرته عرف نصحه عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك: أي: من نصحه- أنه ينزل الناس منازلهم؛ فالصغار يخاطبهم بما تقتضيه عقولهم يمزح معهم ويلاطفهم ويعطيهم ما يريدون مما أحل الله، والكبراء يعاملهم بما يستحقون وأوساط الناس بما يستحقون، ولا شك أن هذا من النصح؛ لأنك لو أردت أن تعامل أكبر الناس جاها وعلما وإحسانا وفضلا كما تعامل أرذل الناس لقال الناس: هذا سفه مناف للحكمة؛ بل تنزل كل إنسان منزلته، حتى إنه روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "أنزلوا الناس منازلهم".
ومن فوائد هذا الحديث: أن عدم الاستنزاه من البول كبائر الذنوب؛ لأن قوله: "إنه من عذاب القبر" يدل بفحوى الكلام وقوة الكلام أن من لم يستنزه من البول فإنه يعذب في قبره، وهذا ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان"، وذكر أن أحدهما كان لا يستنزه من البول.
فإن قال قائل: ألا يفتح هذا التأثيم باب الوسواس على بعض الناس؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
فنقول: ربما يفتحه على ضعيف الإدراك أما القوي - قوي الإدراك، قوي العزيمة- الذي يربط الأدلة بعضها ببعض فإن ذلك لا يؤثر عليه شيء؛ لأن بعض الناس يقول مثلا من جملة الاستنزاه النتر والنضح، وما أشبه ذلك لئلا يبقى في قنوات البول شيء، حتى ذكر بعض أهل العلم أشياء عجيبة ذكر أن بعضهم إاذ انتهى من البول علق حبلا في السقف وتمسك به وجعل يهز نفسه من أجل الا يبقى شيء، اللهم عافنا هذه وساوس بلوى، كل هذا لأنهم يقولون: نخشى ألا نكون استنزهنا من البول، ولكن من عرف موارد الشريعة وجمع الأدلة بعضها إلى بعض تبين له أن هذا ليس بواجب، بل ولا مستحب، بل هو مكروه إن لم نقل إنه محرم، لأنه بدعة في الدين وإلحاق المضرة على النفس وإلحاق القلق، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول فيمن وجد في نفسه شيئا: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". وقد وجد قرائن كيف بمن ليس عنده إلا الوهم؛ ولهذا ينبغي لنا نحن طلبة العلم إذا جاءنا من يشكو هذه الحال نقول: تلهى عنه كما قال أئمتنا رحمهم الله تلهى عنه لا تذهب، تقول: أنظر هل هناك شيء أو لا، بعض الناس يقول: إذا أحس ببرودة أو أحس بوهم قال: أذهب، ثم يذهب يعصر ذكره فلا يجد شيئا، اترك هذا كله دع الوساوس، وهذا - بإذن الله- سوف يذهب عنك الشيطان مثل الكلب، الكلب إن حارشته نجسك وآذاك بالنجاح، وإن سكت عنه سكت عنك؛ فهكذا الشيطان يجس الإنسان وينظر إذا رأى أنه هش لين بالوساوس ابتلاه بها، وإن رأى أنه رجل حازم وأنه ذو قوة، وأنه يتمشى مع الشرع يعجز عنه وينصرف.
97 - وعن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال: "علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلاء: أن نقعد على اليسرى، وننصب اليمنى". رواه البيهقي بسند ضعيف.
"في الخلاء" أي: في الجلوس لقضاء الحاجة، "أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى"، الفقهاء عبروا بكلمة "يتكئ"، والحديث "نقعد" وبينهما فرق؛ لأننا لو أردنا أن نأخذ بظاهر الحديث لقلنا: إن الإنسان يقعد على رجله اليسرى يفترشها وينصب اليمنى، يعني: ارتفاع ساقه، أما كلام الفقهاء فلا يدل على هذا، يدل على أنك تتكئ على اليسرى وتنصب اليمنى، وهذا فيه مشقة شديدة لا سيما على من لا يخرج منه الخبث بسرعة، فإنه إذا بقي هكذا لمدة خمس دقائق أو عشر دقائق لا شك أنه يتكلف؛ ولهذا الحمد لله أن جعل الله هذا الحديث ضعيف حتى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
لا نستن به، فما دام هذا الحديث ضعيفا فإنا إما أن نرجع إلى أهل الطب في الأمر، وما هي الجلسة التي تكون أهون لخروج الخبث، وإما أن يكون الإنسان طبيب نفسه، هل إذا قعد مستقيما يكون أريح له وأسهل لخروج الخبث؛ أو إذا انحرف يسيرا، أو إذا اتكأ على اليمنى يسيرا، أو على اليسرى يسيرا، الإنسان طبيب نفسه في هذا وهو يعلم.
فإذا قال أهل الطب: إن الأحسن الجلسة الفلانية، وليس في الشريعة ما يدل على جلسة معينة، فإننا نأخذ بكلامهم؛ لأن هذه المسائل تتعلق بصحة البدن تعلقا كبيرا، والمرجع فيما يتعلق بصحة البدن إلى من؟ إلى الأطباء، لكن لو فرض أنه تعارض قول الطبيب وما جاءت به السنة قدم ما جاءت به السنة؛ ولهذا لما وصف النبي صلى الله عليه وسلم للرجل المبطون العسل، فشرب العسل؛ فزاد بطنه انطلاقا؛ فجاء أخوه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: يا رسول الله، أخي شرب العسل، ولكن زاد بطنه، قال: "صدق الله وكذب بطن أخيك". فأي مادة أو قاعدة أو ضابطة يعارض ما صحت به السنة وجاء القرآن من الطب فإننا لا نقبله؛ لأن الكلام صدر ممن - إذا كان في الكتاب والسنة-؟ من الله عز وجل وهو العليم الخبير، وما يقوله الأطباء فهو إما عن تجارب، أو عن قرائن قد تخطئ وقد تصيب.
على كل حال: لو صح هذا الحديث لقلنا به، وقلنا: يستحب للإنسان أن يفعل هذا، وأما إذا لم يصح فقد كفينا إياه؛ ولهذا ينبغي لنا عند المناظرة والمجادلة أن نهدم الدليل من أصله قبل كل شيء، قبل المجادلة في معناه، فإذا لم يكن في القرآن ولا في السنة المعلومة الصحة، قلنا لمن أدلى به: نطالبك بصحة الدليل كما كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يجادل الرافضي في منهاج السنة بهذه العبارة أو ما يسوق كلام الرافضي يقول: الوجه الأول أننا نطالبك بصحة الدليل، وإذا لم يصح الأصل بقي الفرع، وهذه قاعدة قد بينه الإنسان إذا أورد عليه المجادل حديثا ربما أن هذا المجادل لا يعلم عن صحة الحديث فيظنه صحيحا ثم ينبهت، وما أكثر المجادلين أهل البدع، وأعني بذلك: أهل البدع الذين يأتون بالأحاديث الضعيفة، ولذلك أدمغ رءوسهم قبل كل شيء بالمطالبة بصحة النقل، ثم إذا ثبتت صحة النقل حينئذ نتكلم في المدلول.
98 - وعن عيسى بن يزداد، عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات". رواه ابن ماجه بسند ضعيف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
أولا: "عيسى بن يزداد"، هل "يزداد" مصروفة أو لا؟ الجواب: لا، ليست بمصروفة، والمانع لها من الصرف العلمية ووزن الفعل.
هذا الحديث يقول فيه: "إذا بال" أي: إذا فرغ من بوله، "فلينتر ذكره ثلاث مرات" يعني: ليهزه من الداخل كأنما يتعصره ثلاث مرات، وذلك من اجل أن يخرج ما بقي من البول، لكن هذا الحديث - والحمد لله- ضعيف؛ ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان كذلك فإن النتر ليس بسنة، ولذلك صرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأن النتر بدعة لعدم صحة السنى به؛ ولأن ذلك أيضا قد يؤدي إلى أن يكون في الإنسان سلس أو وسواس كما هو معروف.
لكن لو قال قائل: دعونا من هذا الحديث، إذا كان الإنسان جرت عادته أنه لا يفرغ البول في قنوات البول إلا بالنتر فهل يقولون: إنه مستحب؟
هنا نقول: ربما يقال بذلك، لكن هذا ليس عاما للناس، بل يختص به أحد دون الآخر، وإلا فالأصل أن النتر بدعة يؤدي إلى الوسواس وتشديد لا ينبغي أن يفعله.
99 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء فقال: إالله يثني عليكم، فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء". رواه البزار بسند ضعيف، وأصله في أبي داود والترمذي.
قوله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء" قباء: مكان معروف في المدينة يقع في الجنوب الشرقي، وهو حي معروف نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم أول ما نزل المدينة في الهجرة، وأقام فيه المسجد، وهو المذكور في قوله تعالى: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} [التوبة: 108]. وهذا في مقابل مسجد الضرار الذي بناه المنافقون من اجل تفريق المؤمنين، كما قال تعالى: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرار وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله} [التوبة: 107].
وقد بنوا هاذ المسجد بناء على مشورة من أبي عامر الفاسق المنافق على أنه يريد أن يجمع الناس إليه لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم، وادعى أنه إنما بناه من أجل أن يخفف على الكبار والمرضى ونحوهم حتى لا يتكلفوا الذهاب إلى مسجد قباء الذي أسس على التقوى، وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغهم من بنائه يطلبون منه أن يصلي فيه، وكان صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة يتجهز إلى غزوة تبوك، فاعتذر بأنه على جناح سفر، وأنه إذا رجع صلى فيه، لما رجع إلى المدينة من غزوة تبوك ولما يبقى عليه إلا ساعات يسيرة نزل الوحي وهو قوله تعالى: {والذين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل}، وهم يدعون أنهم إنما اتخذوه رفقا بكبار السن، وما أشبه ذلك؛ فنهاه الله.
أما مسجد قباء فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج كل يوم سبت راكبا أو ماشيا فيصلي فيه. ورغب صلى الله عليه وسلم في الصلاة فيه إذا تطهر الإنسان في بيته وخرج إلى هذا المسجد وصلى فيه ركعتين أو ما شاء الله، كان كمن أتى بعمرة.
أهل قباء وصفهم الله تعالى بأنهم يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين، فقال: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيهفيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} [التبة: 108]. أثنى الله عليهم بأنهم رجال بمعنى الرجولة الحقيقية، وأنهم يحبون أن يتطهروا من الأنجاس والأحداث والذنوب، {والله يحب المطهرين}، أي: الذين يتطهرون، فسألهم النبي لماذا أثنى الله عليهم؟ قالوا: إنا نتبع الحجارة الماء، أيهما التابع وأيهما المتبوع؟ الماء تابع، والحجارة متبوع، يعني: إذا استجمروا بالأحجار استنجوا بالماء، وهذا وجه ثناء الله تعالى عليهم.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد منها: أن الجمع بين الاستجمار والماء أفضل من الاقتصار على أحدهما، فإذا اقتصر على أحدهما فأيهما أفضل الماء أو الحجارة؟ قال العلماء: الماء أفضل؛ لأنه أنقى وأطيب، والمقصود: الإنقاء، فمتى حصل إنقاء أكثر وأشد كان أولى وأدنى من ذلك الأحجار لكنها مطهرة، كما سبق أن الاستجمار الشرعي الذي يكون ثلاث مسحات منقية فأكثر يكون مطهرا.
ومن فوائد الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب؛ ولهذا سألهم لماذا أثنى الله عليهم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأعلى منزلة ومرتبة قد يستفيد ممن دونه؛ لأن قوله تعالى: {يحبون أن يتطهروا} لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم هذا التطهر، وإنما أخذ المعنى من هؤلاء، فيستفاد منه: أن الأعلى مرتبة ومنزلة يستفيد من الأدنى، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان ألا يحقر غيره، بل أن يتعلم منه؛ لأن فوق كل ذي علم عليم، ورب علم عند شخص دونك بمراتب لا تدركه أنت.
ومن فوائد هذا الحديث: أن أفعال الله عز وجل لا تحتاج إلى توقيف؛ بمعنى: أن كل شيء في الكون يخلقه الله لا بأس أن تصفه تبارك وتعالى بهذا الأمر الذي فعله فمثلا "يثني".
لو قال قائل: هل من أسماء الله المثنى؟ قلنا: لا، لكنه سبحانه وتعالى فعل من فعله بأن أثنى على هذا كذلك الخالق الرازق وغير ذلك من كل أفعال الله لا بأس أن تسندها إلى الله، وإن لم تأت في الكتاب والسنة ما دام إسنادها إلى الله صريحا صحيحا.
فإن قال قائل: ذكرت أن أول مسجد {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
فيه} ذكرت أنه مسجد قباء، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه المسجد النبوي حيث قال: "إنه مسجدي هذا".
فالجواب: أن العلماء اختلفوا أيهما يكون؟ والصواب: أن لا منافاة، فإن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أسس على التقوى من أول يوم وصل المدينة فيه لا شك، فيكون المسجدان كلاهما أسس على التقوى من اول يوم، مسجد قباء من أول يوم وصل إلى قباء، ومسجد المدينة من أول يوم وصل إلى المدينة، ثم بعد ذلك نرجح أيهما أفضل؟ لا شك أن المسجد النبوي أفضل؛ ولهذا تشد الرحال إليه، ولا تشد الرحال إلى مسجد قباتء فهو أفضل، فيكون المسجدان اشتركا في أن كل واحد منهما أسس على التقوى من أول يوم، وانفرد المسجد النبوي بأنه يجوز شد الرحال إليه بخلاف مسجد قباء، قال:
100 - وصححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة رضي لله عنه بدون ذكر الحجارة.
يعني: أنهم ذكروا أنهم يسنجون بالماء فقط، ولا يستعملون الحجارة، ولكن الأمر كما بينا قبل قليل على الترتيب الجمع بين الماء والحجارة أفضل من الماء، والماء أفضل من الحجارة، وهذا معلوم من المعنى، وإن كان ليس هناك نص يبين هذا الترتيب لكنه معلوم من المعنى، وبهذا انتهى الكلام على باب الاستنجاء، ونعود إلى هذا الباب ونذكر ماذا استفدنا منه:
أولا: استفدنا منه ما يسن عند دخول الخلاء، وهو أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
ثانيا: استفدنا منه ما يقوله إاذ خرج من الخلاء وهو: "غفرانك"، أما في ذكر البسملة عند الدخول فهذه ورد فيها حديث ولكنه ليس بذاك القوي: "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف أن يقولوا: بسم الله". وكذلك أيضا "غفرانك". ورد في بعض الأحاديث زيادة: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني". ويذكر عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: "الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه". يشير إلى الغذاء من طعام وشراب.
ثالثا: استفدنا أيضا تحريم التغوط فيما يكون أذى للناس أو ضررا عليهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
رابعا: استفدنا أيضا جواز استخدام الغير في إعداد الأحجار التي يستجمر بها، وأن ذلك لا ينافي الحياء؛ لأنه فعله من هو أشد الناس حياء وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
خامسا: استفدنا أيضا أنه يكره على رأي الجمهور مس الذكر باليمين حال البول والتمسح من الخلاء به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وسبق أن العلماء اختلفوا هل النهي للتحريم أو للكراهة.
سادسا: استفدنا أيضا أنه لابد من أن يكون الاستجمار بثلاثة أحجار فأكثر، والاستنجاء لم يرد فيه العدد؛ لأن المقصود: إزالة الأذى والقذر بواحدة أو اثنين أو ثلاث أو أكثر، واختلف العلماء هل البول كالغائط لابد فيه من ثلاث مسحات، أو يكفي مسحة واحدة إاذ طهر بها المحل؟ والجمهور على أنه لابد من ثلاث مسحات في البول والغائط أيضا.
سابعا: استفدنا مما مر أن الاستنزاه من البول واجب، وكذلك من الغائط، وأن أكثر عذاب القبر من البول، أي: من عدم التنزه منه.
ثامنا: استفدنا أيضا أنه لا يجوز الاستجمار بما يكون محترما من طعام لنا أو لدوابنا، من أين أخذنا هذا؟ من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستجمار بالعظام؛ لأنها طعام الجن، وعن الاستجمار بالروث؛ لأنها طعام بهائمهم، ولا شك أن الإنس أكرم من الجن.
أسئلة:
- هل النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس خاتم ولماذا؟ وما الذي كتب فيه؟
- هذا الحديث على ما قيل فيه، ما الذي يدل عليه؟ يعني: مجرد فعل الرسول في الترك يدل على الكراهة؟
- كم وجها في الخبث، وما معناها، وأيهما اولى؟
- ما الذي يدل عليه تواري النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة؟
- لماذا سمى من يتغوط في طريق الناس باللاعنين؟
- وهل يجوز أن نقول إذا رأينا غائطا في السوق: اللهم العن من فعل ذلك؟
- ما هو الضابط في استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة؟
- ما دليلك على جواز الاستدبار في البنيان؟
- لو قال قائل: تعارض قول الرسول وفعله؟
- وجه تقديم القول على الفعل مع إمكان الجمع؟
- لماذا نهي عن استقبال القبلة واستدبارها؟ لتعظيم بيت الله؛ ولئلا يستوي من كان في الصلاة ومن كان في الأذى، ولهذا قلنا: الاستدبار أهون.
- ما هو الدليل على أنه يجوز الاقتصار على الماء دون الاستجمار؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
8 - باب الغسل وحكم الجنب
"الغسل" يقال: بالضم، ويقال: بالفتح، ويقال: بالكسر، فهل هي لغات أو لكل حركة معنى؟ الأطهر أن لكل حركة معنى.
أولا: الغسل: التطهير؛ ولهذا نقول: غسل ثوبه من النجاسة غسلا.
ثانيا: الغسل: استعمال الماء - يعني: الاغتسال- على صفة مخصوصة يسمى غسلا:
ثالثا: الغسل: ما يخلط بالماء من إشنان أو نحوه لتكميل الاغتسال لتكميل تنظيفه يسمى غسلا بالكسر، فصارت الحركات ثلاث والمعاني تختلف.
ومن اللغويين من قال: إن الأمر في هذا واسع، وأنه يجوز الغسل والغسل سواء للفعل أو للاغتسال.
أما الجنب: فكل من جامع أو أنزل يسمى جنبا، وأصله: من جانب المار محله، وهذا يحصل بالإنزال على وجه ظاهر؛ وبالجماع لأنه سببه.
الجنابة من موجبات الغسل:
101 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء".
رواه مسلم، وأصله في البخاري.
"الماء من الماء" يعني: هذا يسميه البلاغيون: الجناس، يعني: أن تأتي كلمتان لفظهما واحد، ومعناهما مختلف؛ الماء الأول ماء الاغتسال، والماء الثاني المني؛ لأن المني كما قال الله تبارك وتعالى: {فلينظر الإنسن مم خلق خلق من ماء دافق} [الطارق: 5، 6]. وقال الله تبارك وتعالى: {والله خلق كل دابة من ماء} [النور: 45]. كل شيء يدب صغيرا أو كبيرا فإن أصله الماء، لكن ماء كل شيء بحسبه؛ ماء الحيوانات الكبيرة يختلف عن ماء الحيوانات الصغيرة، وإلا فالأصل أن جميع الدواب من الماء.
وأما قوله تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} [الأنبياء: 30]. فهو مثل قوله: {والله خلق كل دابة من ماء}، يعني: كل شيء حي فأصله الماء، والعوام يؤولون الآية على معنى آخر يقولون: إن كل شيء يحيا بالماء، وهذا غلط، هذا تحريف للقرآن؛ لأن الله إذا أراد ذلك لقال: "وجعلنا من الماء كل شيء حيا" يعني: صيرناه حيا بالماء، لكن معنى الآية: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} أي: أن كل حي فأصله من الماء، فهو يطابق قوله تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء}.
إذن معنى: "الماء من الماء" يعني: إذا نزل المني وجب الاغتسال، وانظر الكناية من النبي - عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
الصلاة والسلام - حيث قال: الماء من اماء"، قد يقول قائل: إن هذا ليس فيه بيان؛ لأن الأول يصدق في الوضوء مثلا؛ لأن المتوضئ قد يستعمل الماء فيقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كنى بهذا يخاطب قوما يعلمونه ويفهمونه، وإذا كانوا يعلمونه ويفهمونه فهذا غاية البيان، المسألة في غاية البيان؛ لأنه يخاطب أناسا يفهمون هذا الماء من الماء له منطوق، المنطوق الأول أنه متى نزل المني وجب الغسل هذا المنطوق.
وظاهر الحديث أنه سواء نزل المني بشهوة أو بغير شهوة، ولكن هذا غير مراد، بل المراد: "الماء الدافق"، والماء الدافق هو الذي يخرج بشهوة، أما لو خرج الماء - يعني: المني- بغير شهوة كروعة وسقطة ومرض وما أشبه ذلك؛ فإنه لا يوجب الغسل فلابد أن يكون ماء دافقا، وهذا لا يكون إلا مع الشهوة، وعموم هذا الحديث يشمل ما إذا كان الإنوال بتفكير "الماء من الماء" أو بتقبيل أو بنظرة أو بلمسة، على أي حال: متى نزل الماء الدافق فإنه يجب الغسل سواء كان يقظة أو مناما، وسوف يأتي ذلك إن شاء الله.
مفهوم الحديث: إذا لم يكن ماء فلا ماء؛ يعني: إذا لم يكن إنزال فلا غسل، وهذا المفهوم يعم ما إذا جامع الإنسان زوجته ولم ينزل فإنه لا غسل عليه، ولكن هذا الحكم يعارضه بما أردفه المؤلف رحمه الله بهذا الحديث.
102 - وعن أبي هريرة رضي الله عه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها؛ فقد وجب الغسل". متفق عليه. وزاد مسلم: "وإن لم ينزل".
"إذا جلس" يعني: الرجل، والذي علين الرجل مرجعا للضمير السياق، وهو قوله: "بين شعبها" أي: المرأة، المراد بالجلوس هنا: الجلوس للجماع والتهيؤ له، وقوله: "شعبها الأربع" قيل: إنها فخذاها وساقاها، وقيل: بل رجلاها ويداها، وهذا الأخير هو المتعين؛ لأن الجلوس للجماع يكون بين هذه الأربع، الرجلين وعددهما اثنتان، واليدان وعددهما اثنتان، وقوله: "ثم جهدها" أي: بلغ منها الجهد؛ أي: الطاقة، وهذا يكون بالإيلاج، فإنه يبلغ منها جهدا ومشقة، لاسيما إذا كانت بكرا، المهم على كل حال أن يكون هناك مشقة على المرأة.
قوله: "فقد وجب الغسل" على من؟ عليهما جميعا؛ لأن الرسول ذكر فاعلا ومفعولا به.
وقوله: "وجب الغسل"؛ أي: على هذا وعلى هذا، وليس المراد على الجل وحده، ولا على المرأة وحدها، بل على الجميع.
قال: "متفق عليه، وزاد مسلم: "وإن لم ينزل"، وهذه الزيادة لا شك أنها مفيدة؛ لأن الأول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
الذي اتفق عليه الشيخان يدل على وجوب الغسل سواء أنزل أو لم ينزل، لكن ليس فيه التصريح بعدم الإنزال، فإذا جاء التصريح بعدم الإنزال فإنه يكون أوضح وأبين، لماذا؟ لأننا لو اقتصرنا على قوله: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل" لأمكن لقائل أن يقول: فقد وجب الغسل إذا أنزل، ويجعل الحديث الذي قبله مقيدا له، لكن إذا جاءت لفظ: "وإن لم ينزل" انقطع هذا التأويل، وصار المعنى: أنه إذا جامع سواء أنزل أم لم ينزل.
فإن قال قائل: هل بين الحديثين تعارض؟
فالجواب: لا تعارض بينهما؛ لأن دلالة عدم وجوب الغسل من الحديث الأول دلالة مفهوم، قال الأصوليون: والمفهوم تحصل الدلالة فيه إذا وقعت المخالفة في صورة واحدة، يعني: أنه لا عموم له، هذا معنى ما قلت: المفهوم لا عموم له، وإذا كان لا عموم له فإنه لا ينافي هذا؛ لأن قوله: "الماء من الماء" مفهومه: ولا ماء مع عدم الماء، نقول: نعم هذا ما لم يجامع؛ لأن الإنسان قد يستمتع بزوجته استمتاعا بالغا لكن دون الجماع، ويكون الماء قد تهيأ للخروج ولا يخرج، فيصدق بهذه الصورة، والمفهوم إذا صدق بصورة واحدة كفى العمل به على أنه قد روي أن قوله: "الماء من الماء" كان في أول الأمر ثم نسخ وصار الغسل يجب إما من الجماع، وإما من الإنزال.
في هذا الحديث فوائد منها: التكنية عما يستحيا من ذكره لقوله: "إذا جلس بين شعبها الأربع"، ومعلوم أن الرسول - عليه الصلاة والبسلام- لا يريد أن يجلس على أليته على شعبها الأربع، لا يريد هذا قطعا، وإنما هو كناية عن الجماع.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الغسل واجب إذا حصل الجهد، وهذا لا يتحقق إلا إذا التقى الختانان، ختان الرجل وختان المرأة، وهو كناية عن تغييب الحشفة في الفرج، فمتى حصل التغييب وجب الغسل، وأما ما دون ذلك فإنه لا يوجب الغسل إذا لم يكن إنزال؛ يعني: لو أن الرجل وضع رأس ذكره على حافة فرج الأنثى ولم ينزل فليس عليه غسل، لماذا؟ لأنه لم يجهدها ولا تحس بهذا ايضا؛ يعني: من حيث المشقة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره وجوب الغسل سواء كان بحائل أو بغير حائل؛ لأنه إذا غيب ذكره في فرجها بحائل سيبلغ منها الجهد، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء، وقال بعض العلماء: لا يجب مع الحائل؛ لأن في بعض الألفاظ: "إذا مس الختان الختان"، والمس لا يصدق إلا إذا كان بغير حائل؛ ولأن الأصل عدم الوجوب، لكن لو حصل إنزال وجب الغسل بالإنزال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
الاحتلام وأحكامه:
103 - وعن أنس رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل- قال: تغتسل". متفق عليه.
- زاد مسلم: فقالت أم سلمة: "وهل يكون هذا؟ قال: نعم، فمن أين يكون الشبه؟ ".
قوله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل" هذا الحديث نقله المؤلف بالمعنى وأصله: أن أم سليم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتملت؟ " فتأمل هذا الأدب الرفيع من هذه المرأة؛ حيث خاطبت النبي صلى الله عليه وسلم وقدمت لخطابها ما يقيم لها العذر، وهو قولها: "إن الله لا يستحي من الحق"، فأجابها النبي عليه الصلاة والسلام: "بأنها تغتسل إذا رات الماء"، والمؤلف رحمه الله نقص هذه العبارة مع أنها مهمة وضرورة، فالمرأة ترى في المنام أن أحدا يجامعها فهل تغتسل أو لا؟ كذلك الرجل يرى في المنام أنه يجامع امرأة، فهل يغتسل أم لا؟ حدد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بحد بين واضح قال: "نعم، إذارأت الماء" يعني: رأت الماء الذي هو الجنابة؛ أي: المني فتغتسل.
زاد مسلم: فقالت أم سلمة وهي إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم: "وهل يكون هذا؟ " قال: نعم، فمن أين يكون الشبه؟ " يعني: هل المرأة لها ماء كماء الرجل؟ قال: "نعم"، ثم أتى بدليل حسي واقعي: وهو الشبه، فإن الإنسان يشابه أمه ويشابه أباه، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: "فمن أين يكون الشبه؟ " لولا أن ماء الرجل يخالط ماء المرأة ما كان هناك شبه للطفل بأمه.
فالحديث فيه فوائد منها: الأدب العالي للصحابة رضي الله عنهم وذلك يتمثل في قول أم سليم: "إن الله لا يستحي من الحق".
ومنها: وصف الله تعالى بالحياء لقولها: "لا يستحي من الحق"، ولو كان الحياء ممتنعا على الله لامتنع عليه الحياء مطلقا من حق وغير حق، فلما نفى أن يستحي من الحق دل على أنه تعالى يستحي من غيره، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الله يوصف بالحياء، وهو صفة حقيقية ثابتة لله على الوجه اللائق به، وليس كحيائنا نحن، بل بينه وبين حيائنا كما بين الإنسان وذات الله عز وجل، فهو لا يشبه حياء المخلوقين، وبهذا الطريق وعلى هذا الأساس نسلم من كل شبهة، وتطمئن قلوبنا أيضا؛ لأن مذهب أهل السنة - والحمد لله- هين سهل، فيه براءة للذمة، وفيه إعمال للنصوص كلها، فنحن نثبت الحياء لله على وجه يليق به ولا يشبه حياء المخلوقين، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام وصف الحياء إثباتا لا نقيا؛ حيث قال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
"إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا". فقال: إن الله حيي كريم.
فإن قال قائل: إن الله لا يوصف إلا بالكمال، فهل الحياء كمال؟
فالجواب: نعم، هو كمال؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحياء شعبة من الإيمان". والإيمان كمال، زقال عليه الصلاة والسلام: "إن مما ادرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت". وهذا الحديث له معنيان:
المعنى الأول: أن الذي ليس عنده حياء يصنع ما يشاء وإلا يبالي.
والمعنى الثاني: أنك إذا أردت أن تفعل شيئا وهو لا يستحيا منه فافعله: "اصنع ما شئت"، وكلا المعنيين صحيح.
فإن قال قائل: هل من الحياء أن يسكت الإنسان عن الشيء من دين الله يشكل عليه؟
فالجواب: لا، ليس هذا من الحياء، بل هذا من الخوف والجبن وضعف الشخصية، والواجب: أن يسأل الإنسان عن كل شيء يتعلق بدينه، لاسيما بعد أن انقطع الوحي بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم فإننا الآن قد آمنا أن ينزل الوحي بتحريم شيء حلال أو إيجاب شيء غير واجب، فليسأل ولا يستحي نعم، إذا كان الشيء مما يستحيا من التصريح به فليكني عنه، وباب الكناية واسع، وإذا كان مما لابد أن يصرح به لكن أراد الإنسان أن يكون السؤال بينه وبين المسئول فليؤخر لا بأس، أما إذا كان خاليا من هذا فإن الحياء يعني الجبن، وضعف الشخصية، وهو حرام بهذه المثابة، الواجب على الإنسان أن يسأل كما أمر الله تعالى: {فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43].
ومن فوائد هذا الحديث: أن النساء يحتلمن كما يحتلم الرجال لقولها؛ رضي الله عنها" "هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت"، و"إذا" في الغالب تقال للشرط المحقق، لكنها شرط للزمان لا للوقوع، بخلاف "إن" فإنها شرط للوقوع.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الاحتلام بلا إنزال لا يجب فيه الغسل حتى لو أحس الإنسان باللذة ولكن لم يخرج شيء فلا غسل عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد هذا بما إذا رأت الماء.
ومن فوائد هذا الحديث: أنها - أي: المرأة- ومثلها الرجل لو رأى بعد استيقاظه أثر الجنابة وتيقن أنه مني وجب عليه الغسل، وإن لم يذكر احتلاما؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل مدار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)