ومن فوائد هذالحديث: أنه يكفي أن يحثي الإنسان علىراسه ثلات حثيات.
فإن قال قائل: وهل يكفي دون ذلك؟
فالجواب: نعم، لكن لما كان الرأس الذي له شعر يحتاج إلى المبالغة قال: إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات"، وإلا إذا علمنا أن الحثية الواجدة بلغت أصول الشعر، فإنه لا يلزمها أكثر من ذلك؛ لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6].
حكم المكث في المسجد للحائض والجنب:
114 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب". رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة.
قوله: "إني لا أحل" الجملة هذه مؤكدة ب"إن"، وقوله: "لا أحل" أي: لا أجعله حلالا تكون فيهالحائض وتمكث فيه، "ولا جنب" أي: منعليه جنابة، وعرفتم أن الجنابة تكون بأحد أمرين: إما الإنزال بشهوة، وإما الجماع، ومعنى: لا أحل" أي: لا أحل المكث فيه، أما المرور فإنه لا بأس به كما سنذكره إن شاء الله.
في هذا الحديث فوائد:
منها: جواز إضافة التحليل والتحريم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه عليه الصلاة والسلام يحلل ويحرم كما أن الله تبارك وتعالى يحلل ويحرم، قال الله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربوا} [البقرة: 275]. كذلك النبي - عليه الصلا والسلام- له أن يحلل ويحرم كما له أن يأمر وله أن ينهى.
ومن فوائد هذا الحديث: تعظيم المساجد، وذلك بمنع الحائض والجنب منها.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز للحائض أن تمكث في المسجد سواء مكثت جالسة أو مضطجعة، أو مترددة فيه، ومن ثم منع النبي صلى الله عليه وسلم الحائض من الطواف، فإن العلة الظاهرة فيه - أي: منعالحائض من الطواف- هو أنها تمكث في المسجد لأنها تتردد، والتردد هذا بمنزلة المكث؛ ولذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله: "إن الحائض إذا اضطرت إلى أن تطوف فلا بأس أن تطوف"،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
ولكن الضرورة ما هي؟ ظن بعض الناس أن الضرورة بمعنى الحاجة، وأن المرأة لها أن تطوف إذا أراد أهلها أن ينفوا وإن كان يسهل عليها أن ترجع بعد الطهر وتطوف، ولكن هذا ليس بصحيح، هذا ظن خاطئ وهو غلط على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن شيخ الإسلام رحمه الله فرض المسألة في أمر ضروري: امرأة إذا سافرت لا يمكنها أن ترجع، وحينئذ إذا قلنا بأنها غير محصرة تبقى محرمة مدى الدهر إلى أن تستطيع الرجوع إلى البيت، وإن قلنا: إنها محصرة فاتا الحج، أو العمرة، وهذا خسارة عظيمة، لاسيما النساء اللاتي يأتين من محل بعيد، وأما المرأة الحائض التي تكون في السعودية - عندنا- فيسهل عليها أن تبقى مع محرمها، أو أن تذهب على إحرامها، فإذا طهرت ادت فطافت.
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أنه لا يجوز للمرأة وهي حائض أن تعبر المسجد، وكذلك الجنب لقوله: "لا أحله لحائض ولا جنب"، ولكن قد دلت الأدلة الخرى بجواز عبور المرأة الحائض المسجد، حيث طلب النبي صلى الله عليه وسلم من إحدى أمهات المؤمنين أن تأتي بالخمرة وهي في المسجد - أعني: الخمرة- فقالت: إنها حائض، فقال لها: "إن حيضتك ليست في يدك"، وكذلك الجنب قال الله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} [النساء: 43]. وعليه فيكون المراد بنفي الإحلال هو المكث، وأما المرور والعبور فلا بأس به، إلا أن العلماء رحمهم الله اشترطوا في الحائض أن تأمن تلويث المسجد، فإن كانت لا تأمن بحيث ينزل الدم إلى المسجد فإنه لا يجوز لها أن تمر؛ لأن ذلك يؤدي إلى تنجيس المسجد.
فإن قال قائل: وهل يزول التحريم بالوضوء؟
نقول: أما الجنب فنعم، يزول التحريم بالوضوء، فغذا توضأ جاز له المكث في المسجد؛ لأن هذا هو عمل الصحابة رضي الله عنهم من وجه، ومن وجه آخر هذا الوضوء يخفف الجنابة، وأما الحائض فلا؛ لأن الحائض لا يمكن أن يصح منها الوضوء؛ لماذا؟ لأن الحدث باق، ومن شروط صحة الوضوء: ارتفاع الحدث، بمعنى ألا يكون المتوضئ قد استمر به الحدث، إلا من حدث دائم فيجوز وضوءه للضرورة بالشروط المعروفة.
وعلى هذا فنقول: إذا توضأ الجنب جاز له أن يمكث في المسجد فإن انتقض وضوءه بعد ان توضأ فهل يجوز أن يمكث؟ الجواب: "نعم"؛ لأن تخفيف الجنابة حصل بالوضوء؛ ولأن الصحابة يتوضئون وينامون في المسجد، والنوم ينقض الوضوء، ولو كان نقض الوضوء يعد مانعا من المكث في المسجد للجنب لما جاز لهم أن يناموا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
جواز اغتسال الزوجين في مكان واحد:
115 - وعنها رضي الله عنها قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه سلم من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه من الجنابة"". متفق عليه. وزاد ابن حبان: "وتلتقي أيدينا".
"كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد" يعني: بالاغتراف، "تختلف أيدنا فيه".
يعني: أنه يكون قد مزع يدع وفيها الماء، وهي نزلت يدها لتغترف، وقولها: "من الجنابة" متعلق ب"يغتسل"، يعني: نغتسل من الجنابة، وليس غسلا يتبرد به بل هو غسل عن حدث.
ففي هذا الحديث من الفوائد: ما سبق من صراحة نساء الصحابة رضي الله عنهن، وأنهن يبين الحق، ولو كان مما يستحيا منه.
ومنها: جواز اغتسال الرجل مع امرأته. فإن قال قائل: لماذا لا يجعلونه سنة؟ قلنا: هذا لا يظهر فيه أثر التعبد، والظاهر أنه من قسم المباح، نعم إذا كان يؤدي إلى قوة المحبة والمودة والائتلاف قلنا: إنه يسن من أجل هذا الغرض النبيل؛ لأنه إذا ارتفعت الكلفة بين الزوجين إلى هذا الحد فإن المودة سوف تزداد وتقوى.
ومنها جواز تعري الزوجين بعضهما عند بعض؛ لأن الاغتسال لابد فيه من التعري، وقد قال الله تبارك وتعالى: {والذين هم لفروجهم حفظون إلا على أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 5، 6]. وهذا جائز عند الاغتسال، وجائز أيضا في الفراش، وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تجردا تجرد العيرين". فهذا إن صح فالمراد أن يفعلا ذلك وهما مكشوفان، وأما إذا كانا عليهما اللحاف فلا بأس بذلك.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز اغتراف الجنب من الماء ليتطهر به.
ومن فوائده: أن الماء المستعمل أو الماء الذي تغمس فيه اليد التي فيها الحدث لا يكون طاهرا، بل هو طهور وإلا لارتفعت الطهورية من أول مرة غمس فيه يده، وهذا القول هو الراجح أن الماء المستعمل في طهارة باق على طهوريته ولا يفتقده ذلك الاستعمال الطهورية؛ لأنه لا دليل على أن الماء ينتقل من وصف الطهورية إلى وصف الطاهر غير مطهر، وإذا لم يكن دليل فالأصل بقاء ما كان على ما كان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
116 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر". رواه أبو داود والترمذي وضعفاه.
قوله: "إن تحت كل شعرة جنابة" يعني: شعرة من شعر الرأس، ومن شعر الجسد أيضا، "فاغسلوا الشعر" وهذا في فروع الشعر، "وأنقوا البشرة" يعني: أصول الشعر، والحديث كما رأيتم ضعيف، لكن عموم قوله تعالى: {فاطهروا} يدل على أنه لابد أن يكون التطهير شاملا لجميع الجسم.
117 - ولأحمد عنن عائشة رضي الله عنها نحوه، وفيه راو مجهول.
فيكون ضعيفا؛ لأن من شرط الصحة: أن يكون الراوي معلوما؛ أي: معلوم العدالة ومعلوم الضبط؛ وبهذا انتهى باب الغسل وحكم الجنب.
أسئلة:
- في قوله صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء" ماذا يريد به، وما معنى الحديث؟
- هل الغسل لا يجب إلا عند الإنزال؟
- إذا نزل المني بغير شهوة هل يجب الغسل؟
- هل يمكن أن تحتلم المرأة؟
- هل أوردت أم سلمة على الرسول في هذا الحديث إشكالا؟
- رجل احتلم ولكنه لم ير أثرا، وآخر رأى أثرا ولم يذكر احتلاما، ما حكمهما؟
- إذا رى ماء ولم يذكر احتلاما وشك هل هو الماء الدافق أم غيره ماذا يكون حكم الماء الذي رآه؟ وإن شك أهو ماء أو عرق، فما حكمه؟
- هل يجب الاغتسال للإسلام بعد الكفر؟
- "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" ما معنى الحديث؟
- رجل أتى أهله ثم أراد أن ينام، وآخر أتى أهله ثم أراد أن يعود ماذا يفعلان؟
- أيهما أوكد أن يتوضأ للنوم أو يتوضأ للعود؟
- الغسل له صفتان واجبة وكاملة؟
- لو قال قائل: إن حديث عائشة بيان لمجمل، وبيان الواجب واجب؟
- إذا قال قائل: ما الحكمة أن يعم الغسل جميع البدن في الجنابة؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
- لماذا اتقصر الوضوء على الأعضاء الأربعة؟ لأن فيها كثرة الذنوب وهي تخرج مع الماء.
- هل يجوز للحائض أن تدخل المسجد؟
الحديث يقول: "لا أحل المسجد لحائض"؟ أي: المكوث، أما المرور فإنه جائز.
وهل يجوز للجنب أن يمر في المسجد؟
- هل يجوز للرجل أن يغتسل مع امرأته في مكان واحد وهم عراة؟
- هل يمكن أن يستدل لهذا القرآن؟ نعم، ما هو؟ قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حفظون} [المؤمنون: 5].
9 - باب التيمم
"التيمم" لغة: القصد، قال الله تعالى: {فلم تجدوا ماء فيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6]. أي: اقصدوا.
وفي الشرع: التعبد لله تعالى بمسح الوجه واليدين بالتراب على صفة مخصوصة، فهو عبادة يتعبد بها الإنسان لربه تبارك وتعالى، وقد دل على مشروعية التيمم القرآن والسنة وإجماع المسلمين؛ ففي القرآن: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6]. وفي السنة ما يأتي إن شاء الله، أما الإجماع: فهو معلوم، لكنه لابد فيه من شروط:
الشرط الأول: تعذر استعمال الماء؛ إما لعدمه، وإما للتضرر باستعماله، وهذا شيء متفق عليه دل عليه القرآن، بقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} [المائدة: 6]. ودل عليه النظر الصحيح أيضا، وهو أن التيمم فرع والتطهر بالماء أصل، ولا يجوز فعل الفرع من إمكان الأصل، فيكون الدليل على مشروعية الكتاب والسنة والإجماع.
وأما الشرط الذي اشترطناه فالدليل عليه: أن الله اشترط عدم وجود الماء: وأن النظر الصحيح يدل عليه؛ وهو أن طهارة التيمم فرع، ولا يمكن أن تعدل إلى الفرع مع وجود الأصل، واعلم أن مشروعية التيمم من رحمة الله عز وجل بعباده؛ لأن الناس قد يتضررون باستعمال الماء إما لمرض أو لشدة برد ولا مسخن، أو لعدم وجوده، أما ما أشبه ذلك، فكان من رحمة الله أن يسر للعباد وشرع لهم التيمم، وسيأتي - إن شاء الله- أنه من خصائص هذه الأمة.
بقي أن يقال: وهل يشترط دخول الوقت في التيمم؟
الجواب: لا، لا يشترط دخول الوقت، بل إذا تيقن أنه لن يجد الماء كما لو كان في أرض مفازة، أو أنه لن يستطيع القدرة على استعماله كما لو كان مريضا يعرف أنه لن يبرأ قبل دخول الوقت؛ فهنا له أن يتيمم متى شاء؛ لأن التيمم مطهر كما سيأتي إن شاء الله، وإذا كان مطهرا ففي أي وقت استعملته فهو مطهر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
وهل يبطل بخروج الوقت؟
الجواب: لا، إذن ليس دخول الوقت شرطا لصحته ولا خروجه- أي: الوقت- مبطلا له، بل ما دام الإنسان على طهارته فهو على طهارة؛ لأن التيمم طهارة كاملة كما سيتبين إن شاء الله تعالى.
وهل يختلف فيه الحدثان الأكبر والأصغر؟
الجواب: لا، لا يختلفان الأصغر والأكبر سواء؛ لأن المقصود به التدين والتعبد لله عز وجل.
وهل يشرع في غبر الحدث، كما لو كان بدنه نجسا - يعني: عليه نجاسة، ولم يجد ما يغسلها به فهل يتيمم؟
الجواب: في هذا خلاف، والصحيح لا؛ وذلك لأن المقصود من غسل النجاسة هو إزالتها، وهذا لا يحصل بالتيمم فلا فائدة منه، وكما أنه لا يتيمم لنجاسة الثوب، لو كان عليه ثوب ولا يستطيع تطهيره فإنه لا يتيمم له، ولا يتيمم لنجاسة الأرض لو كان في أرض نجسة لا يستطيع الخروج منها، لا نقول: تيمم، إذن التيمم خاص بالحدث الأصغر والأكبر فقط.
التيمم من خصائص الأمة الإسلامية:
التيمم من خصائص هذه الأمة، وكم لله تعالى من فضل على هذه الأمة من الخصائص العظيمة لو لم يكن من ذلك إلا أن الله خصها بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لكان كافيا، فإن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، والرسول صلى الله عليه وسلم خير رسول أرسل إلى الناس، وخصائص هذه الأمة كثيرة ولله الحمد منها: التيمم؛ حيث قال المؤلف رحمه الله فيما ساقه:
118 - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل". وذكر الحديث.
"أعطيت" والمعطي هو الله، فضل الله يؤتيه من يشاء؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقسم الغنائم: "إنما انا قاسم والله يعطي". فالذي أعطاه الله عز وجل تفضلا منه وكلاما، وقوله: "خمسا" هذا لا يفيد الحصر، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بمثل هذا العدد في بعض الأحيان مع وجود ما يماثله ولكنه يريد تقريب الشيء؛ ولهذا للنبي صلى الله عليه وسلم خصائص غير هذا؛ ولهذه الأمة خصائص غير هذه، وهذا مثل قوله: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم". ويوجد آخرون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
ومثل قوله: "سبعة يظلهم الله في ظله". ويوجد آخرون.
قوله: "لم يعطهن أحد" ممن؟ من الأنبياء وغيرهم. "قبلي"، ولماذا لم يقل: ولا بعدي. لأنه لن يأتي رسول من بعده.
الأول: قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" نصرت، والناصر هو الله عز وجل {ولينصرن الله من ينصره} [الحج: 40]. وقال تعالى: {فنعم المولى ونعم النصير} [الحج: 78]. وقوله: "بالرعب" أي: الخوف الذي يلقيه الله تبارك وتعالى في قلوب الأعداء كما قال تعالى في بني النضير: {وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} [الحشر: 2]. ولا شك أن الرعب في العدو أقوى سلاحا بفتك به؛ لأن من في قلبه الرعب لا يمكن أن يثبت قدمه لأبد أن يهرب ولا يمكن أن يستقر، فالرعب من أعظم، بل إن لم أقل أعظم سلاح بفتك بالعدو.
وقوله: "مسيرة شهر" يحمل هذا على ما كان معروفا في عهد الرسول - عليه الصلا والسلام- وهو سير الإبل المحملة وليس في كل زمان ومكان؛ لأننا لو قلنا بهذا لكان في زماننا مسيرة شهر يبلغ كل المعمورة مشارق الأرض ومغاربها؛ لأن المراد ما كان معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني: يقول: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا} هذا الشاهد ف"الأرض" هنا "أل" فيها للعموم؛ أي: كل أرض مسجدا، أي محلا للصلاة، وأصله محل السجود، لكن السجود يطلق على الصلاة، فيكون المعنى: مسجدا، أي: محلا للصلاة، أي مكان، : وطهورا" الطهور بالفتح ما يتطهر به، فوصف الله الأرض بأنها طهور، وأطلق ولم يقل: الأرض ذات التراب، ولا ذات الأشجار أطلق، وقال: "طهورا" كما قال: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا {[الفرقان: 48]. ليتطهر به، والأرض طهور كما أن الماء طهور، "فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل" هذه جملة شريطة مكونة من فعل الشرط وهي "أدركته الصلاة"، وجوابه وهو قوله: "فليصل"، وإدراك الصلاة يكون بدخول وقتها فليصل في أي مكان؛ لأنه إن قال: أريد أن أؤخر لأجل أن أتوضأ بالماء.
قلنا له: الأرض طهور، وإذا قال: أؤخر الصلاة لأجد مكانا أطمئن إليه أكثر. قلنا: الأرض مسجد لا عذر لك، عندك طهورك وعندك مصلاك فلا عذر لك.
قال: "وذكر الحديث"، وينبغي أن نذكره لما فيه من الفائدة: "وأحلت لي الغنائم". هذه الثالثة: "ولم تحل لأحد قبلي" "الغنائم": ما يأخذه المسلمون من أعدائهم بقتال وما ألحق به، وكانت فيما سبق تجمع وينزل الله عليها نارا من السماء فتأكلها؛ ولذها احتج المكذبون للرسول عليه الصلاة والسلام بقولهم: يأتينا بقربان تأكله النار، فكانوا فيما سبق يجمعون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
الغنائم فينزل الله عليها نارا فتأكلها، وإذا حدث أن أحدا غل من الغنيمة - يعني: أخذ منها - لم تنزل النار فيبحث من الغال حتى إذا أدرك وألقى الغلول في الغنيمة نزلت النار فأكلتها، وهذه من آيات الله عز وجل.
الرابعة: "وأعطيت الشفاعة" والشفاعة هنا المراد بها: الشفاعة العظمى التي لا ينالها إلا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي التي تكون حين يصيب الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون في الموقف؛ لأن الموقف مقداره خمسون ألف سنة بأهواله العظيمة التي تجعل الولدان شيبا، فيلحق الناس هم وكرب لا يطيقونه، فيلهمهم الله عز وجل أن يذهبوا إلى آدم أبو البشر خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، ولكنه يتعذر، فيلهمهم الله أن يذهبوا إلى نوح أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وأثنى الله عليه بقوله: {إنه كان عبدا شكورا} [الإسراء: 3]. ولكنه يعتذر، ثم يأتون إلى إبراهيم بالترتيب الزمني فيعتذر، فيأتون إلى موسى فيعتذر، فيأتون إلى عيسى كل ذلك بإلهام الله عز وجل فلا يعتذر لكنه يتخلى عنها لوجود من هو أحق بها وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه من حكمة الله عز وجل، أن الله ألهمهم أن يذهبوا إلى هؤلاء السادة فيعتذرون بما يعتذرون به.
والخامس منهم لا يعتذر بشيء، ولكنه يحيل المسألة إلى من هو أولى بها وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتون إليه فيشفع لهم عند الله. ويأتي الله تعالى للفصل بين عباده، هذه الشفاعة كما سمعتم لم ينلها أحد من الناس، أشرف البشر ما نالوها، ادخرها الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لا أحد يحجر على الله؛ لأن له الحكم يفعل ما يشاء، إذن أعطيت الشفاعة"، ما هي؟ الشفاعة العظمى التي يعتذر عنها سادات البشر، وينالها محمد صلى الله عليه وسلم.
الخامسة: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، ويعثت إلى الناس عامة". "كان النبي" المراد بالنبي هنا: الجنس، يعني: النبي من الأنبياء يبعث إلى قومه، وذلك حين تتعدد الأقوام، وإنما قيدت بذلك لئلا يرد علينا رسالة نوح؛ لأن نوحا رسالته إلى أهل الأرض، لكن في ذلك الوقت ما كان هناك أمم متفرقون وأقوام لكل قوم نبي، بل الناس واحد فبعث إليهم نوح وقصته معروفة، "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة"، وقلنا: إن نوحا عليه السلام بعث على الناس عامة لأنهم قومه، لم تتفرق الأمم ولم تكثر الخلائق فكان قومه هم أهل الأرض؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: {رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا} [نوح: 26]. وأغرق الله أهل الأرض كلهم إلا ثلاثة من بني نوح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
في هذا الحديث فوائد:
منها: منة الله تبارك وتعالى على هذه الأرمة؛ حيث خصها بخصائص لم تكن للأمم من قبلهم، وهذا داخل في ضمن قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110]. ولم يرد سوى هذا اللفظ فيما سواها من الأمم؛ ورد في بني إسرائيل أن الله فضلها على العالمين، لكن قال العلماء: أي: عالمي زمانهم لا على كل العالم؛ لأن هذه الأمة بالاتفاق هي خير الأمم.
ومنها: فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أعطاه الله تعالى ما لم يعط أحدا من الأنبياء قبله.
ومنها: حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث يجمع بعض الأشياء المتشتتة في سياق واحد؛ لأن ذلك أوعى للقلب وأسمع للأذن، ولم يلزم إذا خص عددا معينا في موضع ألا يزيده في موضع آخر كما قد بينا في الشرح.
ومن فوائد هذا الحديث: إعطاء الرسول صلى الله عليه وسلم هذا السلاح الفتاك في عدوه وهو الرعب، فقد نصر بالرعب مسيرة شهر، وما دون ذلك من باب أولى.
وهل يثبت هذا لأحد من أمته؟ الجواب: إذا كانت الأمة على سيرة نبيها صلى الله عليه وسلم ثبت لها ذلك ولا شك؛ لأن المعنى الذي نصر من أجله الرسول صلى الله عليه وسلم إذا وجد في أمته فالنصر باق كما قال الله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} [التوبة: 32]. وعلى هذا فنقول: إذا تخلف النصر عن الأمة فلابد أن يكون لذلك سبب، وأسباب الخذلان كثيرة:
منها: المعصية. ومنها: الإعجاب بالنفس. ومنها: عدم الإخلاص في الجهاد كالذين يقاتلون لأجل القومية العربية، أو غيرها من القوميات، فإن النصر ليس مضمونا لعدم الإخلاص؛ لكن قد يكون من اجل أن يسلطوا على الآخرين لا انتصارا لهم، أن النصر إذا تخلف في هذه الأمة فلابد أن يكون له سبب، وأما إذا قامت الأمة بما قام به نبيها صلى الله عليه وسلم وخلفاؤها الراشدون فإنه لابد أن يحصل النصر، ومن تتبع التاريخ علم الشاهد لذلك.
نتكلم الآن عن قوله: "مسيرة شهر" دائما يكون في الحديث مسيرة ثلاثة أيام، مسيرة شهر، وفي القرآن خمسين سنة، خمسين عاما وما أشبه ذلك، فالمسيرة هنا مسيرة الشهر، بأي شيء توزن المسيرة؟ قال العلماء: توزن المسيرة فيما هو غالب في ذلك الوقت، والغالب في ذلك الوقت سير الإبل المحملة على عادة المسافر لا السريعة ولا البطيئة جدا، كل ما وجدت مسيرة يومين أو ثلاثة أيام أو ما أشبه ذلك، فاحملها على أن ذلك على مسيرة الإبل المحملة التي جرت العادة بالقياس بها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الله جعل الأرض مسجدا وطهورا، والجعل ينقسم إلى قسمين: قسم بمعنى الشرع، وقسم بمعنى التصيير والخلق، ففي قوله تعالى: {وجعلنا الليل لباسا وجعلنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
النهار معاشا} [النبأ: 10، 11]. ما هذا؟ الخلق والتصيير، أي: صبرناه معاشا، {وجعلنا الليا والنهار ءايتين} [الإسراء: 12]. كذلك وفي قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة} [المائدة: 103]. أي: ما شرع؛ لأن البحيرة موجودة، العرب يفعلون البحيرة، والسائبة والوصيلة والحام، لكن {ما جعل} أي: ما شرع، هنا جعلت الأرض مسجدا من أي القسمين؟ الشرعي.
ومن فوائد هذا الحديث: أن جميع الأرض تصح فيها الصلاة، كل الأرض، فأي إنسان رآك تصلي وقال: صلاتك غير صحيحة في هذا المكان لابد أن تقول: ما هو الدليل؟ وعموم هذا يقتضي صحة صلاة الفريضة في جوف الكعبة، فتصح صلاة الفريضة في جوف الكعبة كما تصح النافلة، وصلاة النافلة ثبتت بها السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين في جوف الكعبة. والأصل أن ما ثبت في النقل ثبت في الفرض، وعندنا هذا العموم: "جعلت لي الأرض مسجدا".
فإن قال قائل: الفريضة لا تصح في الكعبة، ولا في الحجر؟
سألناه هل الكعبة في السماء أم في الأرض؟ فسيقول: في الأرض، إذا قال: في الأرض، قلنا: ما الذي أخرجه من هذا العموم: "جعلت لي الأرض".
يبقى على هذا: ما الذي يستثنى لننظر؟
أولا: المكان النجس يستثنى، المكان النجس لا يصلى فيه، ودليل ذلك: أنه لما بال الأعرابي في المسجد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصب عليه ذنوبا من ماء. وهذا يدل على أنه لابد أن تكون أرض المصلي طاهرة، وهذا نص صريج.
ثانيا: قول الله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين والعكفين والركع السجود} [البقرة: 125]. وهذا يشمل الطهارة الحسية والمعنوية، هذا واحد؛ المقبرة لا تصح الصلاة فيها، ودليل ذلك أمرين:
الأمر الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي مرثد الغنوي: "لا تصلوا إلى القبور".
فإذا نهى عن الصلاة إلى القبور - أي: تجعلها قبله له- خوفا من الفتنة والشرك، فالصلاة بينها من باب أولى ولا شك.
الأمر الثاني: أنه روى الترمذي بإسناد لا بأس به، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام". فالمقبرة لا يصح الصلاة فيها لا فرضا ولا نفلا سواء كان ذلك بين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
القبور، أو خلف القبور، أو عن يمين القبور، أو عن شمال القبور، وعلى هذا فإذا كانت مقبرة كبيرة فيها مساحات كبيرة لم يدفن فيها؛ فالصلاة في هذه المساحات لا تصح؛ لأنها داخلة في اسم المقبرة، ومن هنا نأخذ حرص الشارع على حماية التوحيد، وتجنب كل طريق موصل إلى الشرك؛ لأن فتنة القبور ليست هبة بل من أعظم الفتن التي افتتن بها بنو آدم فتنة القبور.
الثالث: "الحش والحمام"، الحمام فيه الحديث الذي سمعتم: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، والحش من باب أولى، والفرق بينهما: أن الحمام هو المغتسل، والحش هو المحتلى - يعني: الذي يقضي فيه الإنسان حاجته ببول أو غائط-، وكان هذا معروفا عند السابقين، وأدركناه نحن، كان الناس بالأول في بيوتهم كنف تقضى فيها الحاجة فقط، البول أو الغائط، ثم يقوم الإنسان من هذا المكان إلى مكان آخر ليستنجي أو يستجمر، فالمكان الأول هذا يسمى حشا لا تصح الصلاة فيه لهذا الحديث الذي هو الحمام، فإن الحش أخبث من الحمام.
الرابع: أن تكون الصلاة إلى قبر بحيث يكون القبر بين يدي الإنسان، فإن الصلاة في هذا المكان لا تصح؛ لا لأنه نجس أو خبيث أو ما أشبه ذلك، ولكن لأن كون القبر أمامك وسيلة إلى الشرك، فإنه قد يتدرج الناس - ولاسيما الجهال- إلى الصلاة للقبور؛ ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لا تصلوا إلى القبور".
الخامس: أعطان الإبل وهي مناخها التي تقيم فيها وتأوي إليها، وعلى القول الصحيح: ما تعطن فيه بعد شرب الماء؛ لأن الإبل إذا شربت الماء تنحت قليلا عن مكان الماء ثم وقفت تبول وتروح، فالإبل معاطنها لا تصح الصلاة فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في معاطن الإبل فأيى، قال: "لا"، قالوا: نصلي في مرابض الغنم، قال: "نعم". هل لأن أروائها نجسة وأبواها نجسة؟ لا، ولكن لأن أعطانها مأوى الشياطين؛ لأن الإبل خلقت من الشياطين كما خلق الإنسان من عجل - يعني: أن طبيعتها طبيعة الشياطين - وليس المعنى: أنها من ذرية الشيطان؛ لأن هذا عالم آخر، لكن هذا كقوله: {خلق الإنسن من عجل} [الأنبياء: 37]. يعني: أن طبيعتها طبيعة الشياطين، فتكون معاطنها مأوى الشياطين فلا تصح الصلاة فيها؛ وقال بعض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
العلماء: إنها لا تصح الصلاة فيها؛ لأنه يخشى على الإنسان الذي يصلي فيها أن تدعسه الإبل وتهلكه، لكننا لو جعلنا هذه هي العلة لزم أن تصح الصلاة فيها إذا لم تكن موجودة فيها، وظاهر الحديث العموم، وهذا هو الصحيح أنه عام فلا تصح الصلاة في معاطن الإبل، أما ما بركت فيه الإبل لكون صاحبها نزل في أرض يستريح يتغذى أو يتعشى أو ينام ثم بالت وراثت ثم انصرفت، فهذا لا يعد من معاطنها فتصح الصلاة فيه.
السادس: المغصوب عند كثير من العلماء: الأرض المغصوبة أو أي شيء غصبته من صاحبه وصليت؛ فإن الصلاة لا تصح فيه على قول كثير من أهل العلم، وجه ذلك أن لبسه في هذا المكان معصية ومنهي عنه ولا يمكن أن يكون محلا لطاعة لما في ذلك من التضاد، كيف تقيم مقاما نقول لك: إنك عاص، ونقول في نفس الوقت: إنك مطيع؟ ! هذه منافاة تامة وتناقض، فلا تصح الصلاة في أرض مغصوبة، وعلى هذا فمن بقي في بيته مستأجرا دون رضا صاحب البين؛ فإن صلاته لا تصح ولا صلاة أهله، اللهم إذا كان أهله لا يستطيعون أن يصلوا في مكان آخر، فهنا قد نقول: إنهم مثل الذين حبسوا في مكان غصب تصح صلاتهم لكن إثمها على رب الأسرة.
فإذا قال: إنه باق بالأجرة بدون رضا المؤجر بناء على القانون؛ لأن بعض الدول إذا استأجر الإنسان البيت صار كالمالك لا يمكن لأن يخرج منه إلا إذا طارت نفسه منه. فنقول: إن القانون لا يحلل الحرام، وأنت إذا احتججت بالقانون فإذا أخذت الحجة بقوة السلطان فأنت ظالم لا شك، وإن احتججت بالقانون لأنك جعلته الحكم بين الناس دون حكم الله فإنك على خطر عظيم أن تكون مشركا، الذي يقيم بحجة القانون بغير رضا صاحبه لا يخلو من حالين: إما أن يحتج بالقانون باعتبار السلطة، وأنك لا تستطيع أن تخرجني؛ لأنك مهما رفعت الأمر سيكون بقائي لازم، فهذا نقول: إنه عارض ظالم، ولا إشكال فيه، وإما أن يحتج بالقانون مقدما له على حكم الله ورسوله، فهذا على خطر، ويصح أن نقول: إنه مشرك؛ لأن الله تعالى قال: {اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} [التوبة: 31]. فقال عدى بن حاتم لرسول اله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ " قال: نعم، قال: "فتلك عبادتهم". فالمسألة خطيرة؛ ولهذا أوصي إخواني الذين من غير هذه البلاد أن يبثوا هذا الوعي في العامة أنه لا يجوز لأحد أن يسكن دار تخص غيره بغير رضاه حتى بحكم القانون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
أما الصحيح من أقوال العلماء في هذه المسألة - أي: الصلاة في الأرض المغصوبة-: أن الصلاة صحيحة لكنه آثم، وذلك لانفكاك الجهة؛ لأن الصلاة طاعة من حيث أمر الله بها، والغصب معصية من حيث النهي عن أكل المال بغير حق، ولم يرد النهي عن الصلاة نفسها، لو قيل مثلا: لا تصلي في أرض مغصوبة بهذا اللفظ، لقلنا: الصلاة باطلة، كما قلنا: إن الصلاة تدخل في أوقال النهي بقوله: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع البشمس". فهنا لو صلى الإنسان صلاة ليس لها سبب بعد صلاة الفجر، لقلنا: صلاته باطلة، وهو آثم، لأن النهي هنا عن الصلاة.
فالصحيح: أن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة لكنه آثم بالبقاء، ووجه ذلك: انفكاك الجهة؛ والنهي لم يرد عن الصلاة نفسها، لو قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تصلوا في الأرض المغصوبة"؛ قلنا: إذن الصلاة باطلة كما قلنا ببطلان صلاة الرجل إذا صلى في وقت النهي.
المهم: ما هو الأصل في الأرض أن تصلح للصلاة أو لا؟ تصلح للصلاة، هذا هو الأصل، فأي إنسان يعترض قل له: هات الدليل، أما حديث عبد الله بن عمر في أنها لا تصح الصلاة في سبع مواطن. فهذا حديث ضعيف، ولا يعول عليه.
ومن فوائد حذا الحديث الشريف: أن جميع الأرض مكان للتيمم، لقوله: "وجعلت الأرض مسجدا وطهورا" كل الأرض، الأرض الحجرية يصح التيمم عليها؟ نعم، الرملية. نعم، الندية؟ نعم، كل الأرض جعلت مسجدا وطهورا.
فإن قال قائل: إذا كانت الأرض رملية أو ندية، أو حجرية فليس فيها غبار فلا يصح التيمم بها؟
قلنا: من قال أنه يشترط أن يكون فيها غبار والحديث عام، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن الناس يسافرون في أيام الشتاء، وأيام الشتاء ما بين أمطار أو طل أو ما أشبه ذلك، وهو عليه الصلاة والسلام سافر إلى تبوك وفي طريقه الرمال الكثيرة، والناس يتيممون، على هذا فالتيمم على أي نوع من أنواع الأرض جائز سواء كان فيها تراب أو لا.
فإن قال قائل: أليس قد جاء في هذا الحديث: "جعلت تربتها لنا طهورا"؟
فنقول: إن كانت هذه اللفظة محفوطة - يعني: عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي من ذكر بعض أفراد العام بما يوافق حكم العام، وذكر أفراد العام بما يوافق حكم العام لا يفيد التخصيص كما هو معروف، اللهم إلا إذا كان هذا المخصص لوصف يقتضي الحكم، كما لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم المجتهد، فهنا يكون التخصيص، أما اللقب الذي هو مجرد اسم فهذا ليس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
بتخصيص، وهذا ما تجدونه أحيانا في بعض المجادلات ببين الفقهاء يقولون: مفهوم هاذ مفهوم لقب، ومفهوم اللقب ليس بحجة.
قلنا طريقان: إما أن نقول: هذا ذكر بعض أفراد العام بما يوافق العام، وهذا لا يقتضي التخصيص لما حققه أهل العلم في أصول الفقه، ومن آخر ما رأيت الشيخ الشنقيطي رحمه الله في كتابه "أضواء البيان" وهذا هو الذي عليه الجمهور، وإما أن نقول: إن هذا بناء على الغالب.
فإن قال قائل: ما تقولو في قول الله: {فأمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6]؟
فالجواب: أن "من" هنا لا يلزم أن تكون للتبعيض، بل هي لبيان الجنس أو للابيتداء؛ ولهذا جاء في حديث عمار بن ياسر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ضرب الأرض نفخ في كفيه قبل أن يسمح وجهه، فالصواب: إذن: أن جميع الأراضي يصح التيمم منها بدون استثناء، لكن اشترط الله في ذلك أن تكون طيبة، قال: {صعيدا طيبا} [النساء: 43].
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجب طلب الماء قبل دخول الوقت؛ لقوله: "أدركته الصلاة".
ومن فوائده: الإشارة إلى فعل الصلاة في أول وقتها.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز لمن دخل عليه وقت الصلاة ولم يجد الماء أن يصلي بالتيمم، وإن كان يعلم وجود الماء في آخر الوقت لقوله: "أدركته الصلاة".
وقال بعض أهل العلم: إذا علم وجوده في آخر الوقت لزمه التأخير، وله حظ من النظر؛ لأن تقديم الصلاة في أول وقتها سنة، واستعمال الماء عند وجوده واجب.
ومن فوائده: أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها ولو لعالم بوجود الماء قريبا لقوله: "فليصل"، ويعضده قوله تعالى: {إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا} [النساء: 103].
ومن فوائد الحديث: حل الغنائم لهذه الأمة؛ لقوله: "وأحلت لي الغنائم".
ومن فوائده: جواز النسخ في الأحكام سواء كان ذلك باعتبار النبوات أو باعتبار الشريعة الواحدة، يعني: باعتبار الشرائع، أو باعتبار الشريعة الواحدة.
ومن فوائده: فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء الشفاعة؛ لقوله: "وأعطيت الشفاعة".
ومن فوائده: إثبات الشفاعة، والعلماء رحمهم الله، بل هذه الأمة- اتفقوا - فيما أعلم- أن الشفاعة العظمى ثابتة، يعني: قال بذلك السني والبدعي، أما الشفاعة في أهل الكبائر فعند المعتزلة والخوارج لا تثبت؛ لأنهم يرون أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، ولا يمكن أن يشفع فيه، والصحيح أنها ثابته، ولذلك أدلة معروفة في كتب العقائد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
ومن فوائد هذا الحديث: عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: "ةوبعثت إلى الناس عامة".
ومن فوائده: أنه لا يمكن تغيير الشريعة باختلاف الزمن؛ لأنه لو جاز ذلك لم تكن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم عامة، لكن ما قيد بالمصالح فإنه يتغير باختلاف الأحوال، يعني: ما علم من الشرع أنه تابع للمصالح فإنه لا شك يختلف باختلاف الأحوال، وأما الأصول الثابتة فإنه لا يمكن أن تنسخ.
ومن فوائده: أنه لا عموم في رسالة أحد من الرسل إلا النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: "وكان النبي يبعث على قومة خاصة".
فإن قال قائل: أليس نوح بعث إلى الناس جميعا؟
قلنا: لأنه لا يوجد في ذلك الوقت إلا قومه.
عدم صحة التيمم مع وجود الماء:
119 - وفي حديث حذيفة رضي الله عنه عند مسلم: "وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم نجد الماء".
ففي هذا الحديث تخصيصان عن حديث جابر السابق.
الأول: قوله: "تربتها"، والثاني: قوله: "إذا لم نجد الماء".
فأما الأول: فهو قيد غير مراد؛ وذلك لأنه نص على بعض أفراد العموم؟ وذكر بعض أفراد العموم بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص، اللهم إلا إذا كان التقييد بمعنى يختص به فحينئذ يقتضي التخصيص، وهنا كلمة "التراب" ليست وصفا تتغير به الأحكام، وإنما هو لقب، سمي التراب لأنه تراب، ومفهوم اللقب عند العلماء غير معتبر.
وأما الثاني: "إذا لم يجد الماء" فهذا القيد لا شك أنه معتبر ينص القرآن؛ لقول الله تعالى:
{فلم تجدوا ماء فتيمموا} [النساء: 43].
ويضاف إلى فوائد هذا الحديث: أنه لا يصح التيمم مع وجود الماء.
ولكن لو قال قائل: إن وجد الماء ولم يجد ثمنه، وليس ملكا له وليس عنده ثمن يشتريه به فهل نقول: إنه كعادم الماء؟
الجواب: نعم، لأن عدم ثمن الماء كعدم الماء.
فإن قال قائل: فإذا وهب له هل يلزمه قبوله هدية؟
فالجواب: لا، لا يلزمه لما في ذلك من المنة، هكذا قال العلماء، وبناء على هذا التعليل نقول: إذا وهبه له من لا منة له عليه كأبيه وابنه لزمه القبول، وأما إذا وهبه أجنبي فإنه لا يلزمه؛ لأنهربما في يوم من الأيام يمن عليه بذلك فيخجله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
فإن قال قائل: وهل يلزمه أن يشتريه إذا وجد الثمن؟
فالجواب: نعم، يلزمه؛ لأنه لا يصدق عليه أنه عادم.
فإن قال قائل: وهل يلزمه استعارته إذا قال: يمكن استعارة ما يحمل فيه الماء، كالدلو والرشاء وما أشبه ذلك؟
فالجواب: أنه يلزمه إلا إذا كان يخشى أن يمن عليه بذلك؛ فإنه لا يلزمه، أما إذا كان يستعيره من شخص قد علم أنه يفرح إذا استعير منه الشيء؛ فإنه يلزمه لعدم وجود العلة التي هي المنة.
120 - وعن علي رضي الله عنه عند أحمد: "وجعل التراب لي طهورا".
وهو قريب من حديث حذيفة، وفيه من الفوائد من حديث حذيفة، أن التيمم مطهر كما سبق، وإذا كان مطهرا لزم أن يكون رافعا للحدث، وهذا هو ما تقتضيه دلالة القرآن والسنة، فالقرآن قال الله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} [المائدة: 6]. والسنة كما ترون وصف النبي صلى الله عليه وسلم التراب أنه طهور، والطهور ما يتطهر به، وبناء على هذا القول لم تيمم من علم أنه لن يجد الماء بعد الوقت لو تيمم قبل دخول الوقت فتيممه صحيح، وله أن يصلي به، ومن تيمم في الوقت ثم خرج الوقت وعلى طهارته فتيممه لا يبطل إلا بزوال مبيحه، وهو البرء إن كان التيمم لمرض، ووجود الماء إن كان التيمم لعدم الماء، ثم قال رحمه الله:
حكم التيمم من الجنابة وصفته:
121 - وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: "بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال هلى اليمين، وظاهر كفيه ووجهه". متفق عليه، واللفظ لمسلم.
وفي رواية البخاري: "وضرب بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه".
قوله: "عن عمار بن ياسر قال: بعثني" بمعنى: أرسلني، فالبعث يكون بمعنى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
الإرسال، ومن قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا} [النحل: 36]. أي: أرسلنا، وقوله: "في حاجة" لم يبينها إما لأن الذي ينبغي للإنسان المرسل في حاجة - لاسيما من ولاة الأمور- ألا يبينهما؛ لأنها قد تكون من الأسرار التي ينبغي اطلاع الناس عليها، أو لسبب من الأسباب، "فأجنبت" أي: أصابتني جنابة، وجنابة تكون في واحد من الأمرين: إما بالجماع، وإما بالإنزال، والظاهر أنها كانت بالاحتلام، أعني: التي وقعت من عمار بن ياسر.
قوله: "فلم أجد الماء" وذلك بعد طلبه، قال العلماء: إن نفي الوجود لا يكون إلا بعد الطلب، وقد يكون تعبيره بقوله: "لم أجد الماء" فإنه هو أعلم بأنه ليس حوله ماء، فيصح ان يقول: "لم اجد الماء" وإن لم يطلبه.
"فتمرغت في الصعيد" أي: تقلبت، يعني: على الجنبين الأيمن والأيسر، والبطن والظهر، "كما تتمرغ الدابة" وهاذ التشبيه للبيان، وليس للتقبيح، لأنه لا يمكن أن يأتي بتشبيه للتقبيح، وهو من فعل نفسه وهو أيضا بإقامة عبادة، لكنه للبيان لئلا يظن الظان أنه تمرغ في بعض جسده بل في كله "كما تتمرغ الدابة ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك" أي: ذكر أنه أصابته الجنابة، وأنه تمرغ كما تتمرغ الدابة بناء على أن طهارة التراب كطهارة الماء، فكما أن الماء يعم جميع البدن فكذلك طهارة التيمم هكذا قال.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما يكفيك أن تقول: بيديك" "يكفيك" أي: عن التمرغ، ويحتمل أن المعنى: يكفيك عن الاغتسال الذي تمرغت من أجله أن تقول بيديك هكذا، هنا أطلق القول وأراد به الفعل؛ لأن اليد لا تقول القول باللسان، لكن قد يطلق القول ويراد به الفعل، "بيديك هكذا" ثم فسر هذا المجمل، "ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه". قوله: "مسح الشمال على المين" يعني هكذا، وظاهره أنه على كل الكف ظاهره وباطنه؛ ولهذا قال: "وظاهر كفيه". إذن مسح الشمال على اليمين من الباطن، وظاهر كفيه من الظاهر، "ووجهه" يعني: ومسح وجهه.
وفي رواية للبخاري: "وضرب بكفيه الأرض" ولكنها لا تعارض رواية مسلم؛ لأن اليد إذا أطلقت فالمراد بها: الكف، وإذا قيدت بما قيدت به. فإذا قيل: يده إلى الكتف صارت اليد كل العضو، وإذا قيل: يده إلى المرفق صارت إلى المرفق، يده فقط صارت الكف، ولهذا لما قال الله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]. صار المراد بذلك: الكفين فقط، "وضرب بيديه الأرض ونفخ فيهما" وكأنه - والله أعلم- علق بهما تراب كثير فنفخ ليتساقط بعض ما علق ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
في هذه الرواية للبخاري زيادة النفخ: نفخ فيهما"، وفيه أيضا: سياق مخالفة الترتيب، فإن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
سياق مسلم: أنه مسح بيديه قبل الوجه، وسياق البخاري: مسح الوجه قبل اليدين، وسياق رواية البخاري هو الذي يوافق القرآن، قال الله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6]. فكون البدء بالوجه؛ لأنه أشرف، ولأجل أن يوافق ترتيب التيمم ترتيب الوضوء، فإن الترتيب في الوضوء: الوجه قبل اليدين.
ففي هذا الحديث فوائد، منها: جواز بعث الغير في جاجة، فإن كانت دعوة أو كتابا أو ما أشبه ذلك فهي عبادة، وإن كانت خاصة فهي جائزة، وهذا لا ينافي كراهة السؤال - أي: سؤال الغير- لأنك إذا علمت أن الغير بفرح إذا كلفته بشيء فإن المنة تكون منك عليه، وليس منه عليك.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز التصريح بما يستحيا منه عند الحاجة، لقوله: "فأجنبت" وهذا قد يستحي منه الإنسان، لكن إذا كان لحاجة كبيان حكم شرعي، فإنه لا بأس به، وقد يكون واجبا.
ومن فوائده: أنه لا يجوز التيمم مع وجود الماء لقوله: "فلم أجد الماء"، وهذا كإقامة الدليل على جواز التيمم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجوز التيمم مع وجود الماء لقوله: "فلم أجد الماء"، وهذا كإقامة الدليل على جواز التيمم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن مقتضى القياس مساواة الفرع للأصل، وجهه: أنه قال الطهارة بالتراب على الطهارة بالماء فتمرغ.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز العمل بالقياس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه مشروط بما إذا لم يتمكن من الوصول إلى النص، فإن تمكن لم يصح القياس، أما إذا لم يتمكن فلا بأس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه.
ومن فوائده: أنه لا قياس مع النص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبطل قياس عمار بن ياسر رضي الله عنه.
ومن فوائده: أن من اجتهد فاخطأ فإنه لا يؤمر بالإعادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر عمارا بإعادة ما سبق من الصلاة، ولو أمره لنقل لأهميته، لا يقال: إن عدم النقل ليس نقلا للعدم؛ لأنا نقول هذا مهم، وإاذ كان عمار رضي الله عنه ذكر صفة التيمم، فكيف لا يذكر إعادة الصلاة لو كان الرسول أمره بها مع أنها أهم؟
وعلى هذا؛ فإذا اجتهد الإنسان اجتهادا بلا تفريط وأخطأ؛ فإنه لا إعادة عليه، وهذا له شواهد وله أصول منها: المرأة التي كانت تستحاض حيضة شديدة ولا تصلي، فلم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة لأنها بنت على الأصل، وهو أن الأصل في الدم أنه حيض، ولا تصلي الحائض، أما إذا كان مجرد حرص غير مبني على أصل أو كان هناك تفريط فإن عليه الإعادة.
من التفريط مثلا لو اجتهد في القبلة وهو في البلد يمكنه أن يسأل ويتيقن؛ فإن عليه الإعادة؛ لأنه قادر على تصحيح الاتجاه، أما إذا لم يكن تفريط فلا إعادة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
ومن فوائد هذا الحديث: أن محل التطهير في التيمم عضوان فقط، وهما: الوجه واليدان، وهما أشرف الأعضاء بالنسبة للوجه فالوجه أشرف من الرأسى، واليدان أشرف من الرجلين، ولهذا كفى بالتعبد أن يلوث الإنسان وجهه ويديه بالتراب، فصارت الطهارة بالتيمم مقصورة على عضورين فقط هما أشرف أعضاء الوضوء: الوجه واليدان.
ومن فوائد هذا الحديث: أن طهارة الوضوء وطهارة التيمم في الجنابة سواء، يعني من فوائده: أن الحدث الأصغر والأكبر سواء في طهارة التيمم بخلاف الماء.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يكرر المسح في التيمم؛ لأن حديث عمار ليس فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كرر، قال العلماء: وهكذا كل ممسوح فإن تكرار مسحه مكروه؛ لأن فيه نوع مضادة للحكم الشرعي، إذ إن الشارع إنما جعل تطهيره بالمسح تخفيفا فتكراره تقيل، فيكون فيه نوع مضادة، وعلى هذا كل شيء يمسح فتكرار مسحه مكروه، الرأس يكره تكرار المسح، الخفان يكره تكرار مسحهما، الجبيرة يكره تكرار مسحها، التيمم يكره فيه التكرار.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين؛ لأن عمارا لم يذكر إلا ضربة واحدة، وأكدها فقال: "ضربة واحدة".
هل يستفاد منه أن ما استعمل في الطهارة لا يكون طاهرا غير مطهر؟ ربما يستفاد من ذلك أن المستعمل بالطهارة لا يكون طاهرا غير مطهر؛ لأن الحديث ظاهره أن الرسول مسح الوجه، ومسح الكفين كليهما، أما الفقهاء الذين يرون أن التيمم المستعمل لا يجوز التطهير به، فيقولون: يمسح الوجه بالأصابع، ثم يمسح الكفين براحة اليد، ولا شك أن هذا تكلف لم تأت به السنة.
فإما أن يقال: إنه يستفاد منه أن الطهور المستعمل في طهارة واجبة لا ينتقل من الطهورية إلى الطهارة، وإما أن يقال: إن طهارة التيمم يراعى فيها التخفيف، على أن الأصل الذي ذكرناه على القول الراجح لا ينتقل فيه الماء من الطهرية إلى الطهارة، وأن الماء المستعمل في رفع الحدث طهور مطهر.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب استيعاب الوجه في مسح التيمم لقوله: "ووجهه"، وبه نعرف تقصير بعض العوام الذين إذا تيمموا يمسحون وسط الوجه فقط، والواجب أن يمسح الوجه كله من منحى الجبهة إلى أسفل اللحية، ومن الأذن إلى الأذن؛ لقوله: "وجهه".
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية النفخ بعد الضرب، لكن نقول: إن هذا مقيد بما إذا علق بهما تراب كثير.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الترتيب في التيمم سواء كان عن جنابة أو كان عن حدث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
أصغر، ولكن الفقهاء رحمهم الله يقولون: إن تيمم عن حدث أصغر وجب الترتيب، وإن تيمم عن حدث أكبر لم يجب الترتيب، لكن ظاهر الأدلة وجوب الترتيب مطلقا، ولا يصح أن يقاس على طهارة الماء؛ لمخالفته لطهارة الماء في أصول كثيرة، فالصواب: وجوب الترتيب.
لكن هل يسقط الترتيب بالجهل والنسيان؟ الظاهر هذا، أن الترتيب يسقط بالجهل والنسيان في كل شيء.
إذا قال قائل: من أين لكم وجوب الترتيب؟
قلنا: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أبدأ بما بدأ الله به". هكذا أخرجه مسلم، وفي رواية في السنن، قال: "ابدءوا بما بدأ الله به".
فإن قال قائل: وهل يجوز التيمم على غير الأرض كالتيمم على البساط ونحوه؟
فالجواب: إن كان فيه تراب جاز ذلك؛ لأن التراب الذي فيه جزء من الأرض وإن لم يكن فيه تراب فالظاهر أنه لا يجوز.
فإن قال قائل: إذا لم يكن عنده في المكان إلا هذا الفراش النظيف؟
نقول: يسقط عنه التيمم لعدم وجود الماء وعدم وجود التراب.
ومن فوائد هذا الحديث - حديث عمار-: أنه يجوز للجن التيمم كما يجوز للمحدث حدثا أصغر؛ لأن قضية عمار هي تيمم في الجنابة، وهذا أجمع العلماء عليه بعد أن كان فيه الحلاف قديما، وممن خالف فيد قديما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه خالف في ذلك، وقال: إإنعلى الجنب أن ينتظر حتى يجد الماء، ثم يغتسل، وناظره عمار في ذلك؛ لأن عمر كان مع عمار حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم وذكره هذا - ذكر عمار عمر هذه القضية- ثم قال له: يا أمير المؤمنين، إن شئت بما جعل الله لك علي من الطاعة ألا أحدث به، قال: لا، حدث نوليك ما توليت، فحدث به، فصار يتحدث به، ولكن الإجماع بعد ذلك انعقد - والحمد لله- على أنه يجوز التيمم للجنب ولمن حدثه أصغر.
122 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين". رواه الدارقطني، وصحح الأئمة وقفه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)