Arabic source text

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

📘 فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (ابن عثيمين - ت 1421 هـ)

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
لأن الجملة طلبية، وإذا كانت الجملة طلبية كان اقترانها بالفاء لازمًا، وقد مر علينا أن الذي يقترن بالفاء وجوبًا سبعة أشياء مجموعة في قول الشاعر:
اسميَّة طلبيَّة وبجامد … وبما وقد وبلن وبالتَّنفيس
التي معنا من الطلبية، وقوله: "فليتجر له" أي: لليتيم؛ أي: لأجله، والاتجار: هو التصرف في المال لطلب الربح، "ولا يتركه" معطوف على "فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة".
قوله: "وله شاهد مرسل" فهو ضعيف أيضًا يقول: "ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" "تأكله" أي: تفنيه وتخلصه، ولا يُعارض هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال من صدقة". إذا كان ما نقص مال من صدقة، وهنا يقول: "فلا يتركه حتى تأكله الصدقة" فما الجمع بينهما؟ الجمع أن يُقال إن النقص نوعان: نقص عين، ونقص معنى؛ فالصدقة لا شك أنها تنقص المال نقص عين لكنها لا تنقصه نقص معنى؛ لأن الله تعالى يُنزل فيه البركة، وبقاء الزكاة فيه تزع البركة منه مثاله إذا كان عند رجل مائة درهم كم الواجب فيها؟ خمسة دراهم أخرج الواجب خمسة دراهم نقصت المائتان وأصبحت مائة وخمسة وتسعين درهمًا؛ ولهذا لو بقيت عنده إلى العام القادم لا يزكيها لأنها نقصت، فالنقص العيني لا شك أنه يحصل بالصدقة، والنقص المعنوي لا يحصل، فإن الصدقة إذا خرجت من المال أنزل الله فيه البركة حتين إن العشرة تساوي ما يزيد عليها، بمعنى: أن العشرة قد تكون عوضًا عن عشرين أو عن ثلاثين حسب البركة.
ففي هذا الحديث عدة فوائد: أولًا أن اليتيم لا بد له من ولي، لقوله: "من ولي يتيمًا"، فلا يجوز للأيتام أن يتركوا بدون ولاية، والولاية على اليتيم مصدرها إما الشرع، وإما العرف فإن كان الأب هو الذي أوصى على ولده فهنا الوصية صادرة بالعرف، وإذا كان الأب مات ولم يُوص ولكن لهذا اليتيم جدًّا فولايته من قبل الشرع، وكذلك القاضي ولي على الأيتام الذين ليس لهم ولي من قبل الشرع.
ومن فوائد هذا الحديث: رحمة الله عز وجل بعباده حيث جعل لليتامى أولياء.
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: وجوب الزكاة على غير البالغ، يُؤخذ من قوله: "ولا يتركه حتى تأكله الصدقة"، إذن فمال الصبي فيه الزكاة، ومال المجنون فيه الزكاة.
فإن قلت: كيف تجب الزكاة في مال الصغير والمجنون وهما غير مكلفين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة". وذكر منهم الصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 55)

فالجواب: أن الزكاة واجبة في المال، والمال لا فرق فيه بين أن يكون لصغير، أو الكبير، أو لعاقل، أو لمجون، ما هو الدليل على أن الزكاة في المال؟ هذه المسألة فيها خلاف، فجمهور أهل العلم على أن الزكاة واجبة في مال اليتيم لعموم الأدلة ولهذا الدليل الخاص؛ ولأن الزكاة منوطة بسبب متى وجد هذا السبب وجبت الزكاة، فهو كضمان الجنايات التي تلزم الصغير إذا جنى، وكوجوب النفقة على الصغير في ماله لمن تجب عليه نفقتهم، فلو كان أخ صغير غني وأخ فقير كبير ولا يرثه إلا هذا الأخ الصغير وجبت على الأخ الصغير النفقة مع أنه ليس بمكلف؛ لأنها واجبة في المال، فهذه هي للزكاة أيضًا، وبهذا نعرف الفرق بين الزكاة والصلاة والصوم؛ لأن هذه الأشياء عبادات دينية تتعلق ببدن المكلف، وأما الزكاة فإنها عبادة مالية تتعلق بمال المكلف.

‌‌الدعاء لمخرج الزكاة:
581 - وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: اللَّهمَّ صلِّ عليهم". متفق عليه.
قوله: "قوم" أي: جماعة، والقوم تطلق على الرجال فقط، وتطلق على القبيلة فتشمل الذكر والأنثى، ففي مثل قوله تعالى: {إنا أرسلنا نوحًا إلى قومه} [نوح: 1]. يشمل الذكر والأنثى، وفي قوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيرًا منهن} [الحجرات: 11]. خاص بالرجال، ومن قول الشاعر: [الوافر]
وما أدري ولست إخال أدري … أقوم آل حصنٍ أم نساء
فجعل النساء مقابل القوم، فيكون المراد بالقوم: الرجال، وهنا "إذا أتاه قوم" الظاهر المراد بهم: الرجال بقرينة الحال، وهي أن الذي يأتي بالصدقات النساء أو الرجال؟ الرجال، "إذا أتاه قوم بصدقة" أي: بزكاتهم، كما مر علينا أن الصدقة تطلق على الزكاة وعلى صدقة التطوع.
قال: "اللهم صلِّ عليهم" "اللهم" أي: يا لله، فحذفت "ياء" النداء وعوض عنها الميم تيمُّنا بالبداءة باسم الله، وعوضت عنها الميم للدلالة على المحذوف وصارت ميمًا متأخرة للدلالة على الضم؛ لأن الميم فيها ضم الشفتين، فكأن الداعي جمع قلبه إلى الله وضمه، وقوله: "صل عليهم" الصلاة تطلق على عدة معانٍ، فإذا قلت: صل على فلان؛ أي: ادع له وإذا قلت: "اللهم صلِّ عليه" أي: اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى، وهو تفسير أبي العالية رحمه الله وهو أصح من تفسير من فسر الصلاة بالرحمة؛ لأن تفسير الصلاة بالرحمة يبطله قوله تعالى: {أولئك عليهم

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 56)

صلوات من ربهم ورحمةٌ} [البقرة: 157]؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، فعلى هذا فالصواب: أن الصلاة هي ثناء الله على العبد في الملأ الأعلى. فإذا قلت: "اللهم صل على محمد" أي: أثن عليه في الملأ الأعلى، والملأ الأعلى هم الملائكة المقربون.
"اللهم صل عليهم" أي: على هؤلاء الذين أتوا بالصدقة، أي: أثنا عليهم في الملأ الأعلى، وإنما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا؛ لأن الله أمره به فقال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم} [التوبة: 103]. فأمر الله تعالى بالصلاة عليهم وبين الحكمة من ذلك، وهي: أن نفوسهم تسكن وتطمئن؛ لأن المال حبيب إلى النفوس وبذله شاق عليها فإذا دعي لمن بذله سكن واطمأن وانشرح صدره، ولهذا تجد الفرق بين رجلين أعطيت أحدهما هدية أو صدقة فقال: جزاك الله خيرًا وأخلف عليك، والثاني أعطيته الهدية فمد يده وأخذها وسكت فلم يتكلم أيهما الذي يشرح صدرك له؟ لا شك أنه الأول، وإن كان الذي يعطي لله لا يهمه: {أنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} [الإنسان: 9] لكن الآداب والأخلاق أحسن.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد: أولًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد مأمور ممتثل يطلب الأجر، من أين يؤخذ؟ من كونه يقول: "اللهم صل عليه" امتثالًا لأمر الله: {وصل عليهمّ}؛ إذن فهو عبد يوجه إليه أمر فيمتثله طلبًا لأجره، وهذا كله يدل على أنه صلى الله عليه وسلم مفتقرًا إلى الله عز وجل وإلى ثوابه وأنه ليس له حق في الربوبية إطلاق، وهذا أمر معلوم عند المسلمين كلهم.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يشرع لمن أعطى زكاة أن يقول لمن أعطاه: "اللهم صل عليه"، إلا إذا خشيت أن يستنكر هذا الأمر فقل هكذا أمر الله نبيه، وتذكر الآية والحديث.
فائدة في حكم الصلاة على غير الأنبياء:
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الصلاة على غير الأنبياء لقوله: "اللهم صل عليهم"، والصلاة على غير الأنبياء تقع على ثلاثة أوجه:
الأول: أن تكون تابعة للصلاة على الأنبياء، وهذه جائزة بالنص والإجماع قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد". فصلى عليهم تبعًا.
الثاني: أن يخص بها شخص معين كلما ذكر صلي عليه فهذا لا يجوز لأنه يلحقه بالأنبياء عرفا؛ لأن الذي يصلى عليه كلما ذكر: الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي هريرة أن جبريل قال له: "رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك".
الثالث: أن يصلى على غير الأنبياء استقلالًا، ولا يجعل شعارا لهذا الشخص المعين، فهذا جائز لا سيما إذا كان بسبب كما في هذا الحديث.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 57)

ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية مكافأة فاعل المعروف لأنا كفأناه بالدعاء له.
ومن فوائده: أن من قام بواجب فإنه لا يكافأ بمثله، ولكن يكافأ بالدعاء له.
ومن فوائده: جواز دفع الزكاة إلى الإمام، يؤخذ من دفعها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الإمام، وهل تدفع إلى الإمام مطلقا أو إذا كان عدلًا يصرفها في مصارفها؟ الأخير إذا كان عدلًا يصرفها في مصارفها دفعت إليه وإلا فلا تدفعها إليه، لكن إن أخذها منك أجزأتك وإن لم يصرفها في مصارفها، لأنك مأمور بدفعها إليه عند طلبه وأنت تبرأ ذمتك والإثم عليه.

‌‌حكم لتعجيل الزكاة:
582 - وعن علي رضي الله عنه: "أنّ العبّاس رضي الله عنه سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحلّ، فرخص له في ذلك". رواه الترمذي والحاكم.
كلا الرجلين من آل النبي صلى الله عليه وسلم علي والعباس لكن أيهما أفضل؟ علي، والعباس هو عم لعلي وعم للنبي صلى الله عليه وسلم.
يقول: "أن العباس سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل" يعني: قبل أن تجب ويأتي وجوبها عند تمام الحول، "فرخص له" رخص، أي: سهل والترخيص في اللغة بمعنى التسهيل، فيكون معنى رخص: سهل له فعجّلها، وقد استدل العلماء بهذا الحديث على أنه يجوز أن يقدم الإنسان زكاة ماله قبل حلولها، ووجه ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم رخص للعباس، ولو كان هذا غير جائز لمنعه.
ويستفاد منه أيضًا: أنه يشرع للإنسان أن يسأل عن أمر دينه؛ لأن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه لم يحكم رأيه هنا، وإلا فمن المعلوم عقلًا أن أداء الواجب قبل حلوله أولى من تأخيره لكن لما كانت المسألة مسألة شرعية استأذن العباس النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يفعل، فيؤخذ منه: مشروعية سؤال الإنسان عن دينه قبل أن يقدم على فعل الشيء.
ومن فوائد هذا الحديث: أن للزكاة وقتًا تحل فيه لقوله: "قبل أن تحل"، وقد سبق ما يدل على أن حلولها يكون بتمام الحول إلا في أشياء معينة.
ويستفاد من الحديث: أنه لا تعجيل لصدقة المال حتى يتم النصاب، وجهه: لأنه قال: "في تعجيل صدقته" وما لم يتم نصابه فليس فيه صدقة، فلو كان عند الإنسان تسعين ومائة درهمًا، وقد سبق أنه لا زكاة فيها إلا أن يشاء فلو أراد أن يعجل زكاة تسعين ومائة عن مائتين درهم، فهذا التعجيل غير صحيح، لأنه تقديم للشيء قبل وجود سبب الوجوب، وتقديم الشيء قبل

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 58)

وجود سبب الوجوب وجوبه لا يصح كما لو صلى الإنسان قبل دخول الوقت فإن صلاته لا تصح، فهكذا إذا عجّل الزكاة قبل تمام النصاب فإنها لا تصح، لأنه لم يخاطب بها الآن، فهذه الفائدة يدل عليها النص والتعليل، ما هو النصر؟ قوله: "صدقته"، وهو قبل أن يبلغ النصاب ليس فيه صدقة، والتعليل: أنه تقديم للعبادة قبل وجود سبب الوجوب، إذن ماذا نقول لو أن رجلًا قدم زكاة تسعين ومائة عن مائتي درهم، قلنا: لا تجزى فتكون صدقة تطوع، وهذا مبني على قاعدة ذكرها الفقهاء- رحمهم الله قالوا: ينقلب الشيء نفلا إذا بان عدم وجود سبب الوجوب كمن صلى الظهر قبل أن تزول الشمس ظانا أن الشمس قد زالت ثم تبين أنها لم تزل فإن هذا ينقلب نفلًا، لماذا؟ لأنه نوى عبادة معينة فتبين فساد التعيين فبقي أصل العبادة، ففي صلاة الظهر وهى أبين من مسألة الزكاة صلى الظهر قبل الزوال بنية أنها فريضة الظهر صلاته هذه مشتملة على بيتين كل نية داخل النية وهما نية الصلاة وأنها الظهر تبين أن الظهر لا تصح، لأنها قبل الوقت فبقيت نية الصلاة، نعم لو فرض أنه يعلم أن الوقت لم يدخل ونوى بهذه الصلاة الظهر، فإنه لا تصح صلاته، لا فرضنا ولا نفلًا، لأنه متلاعب بل نقول إنه للإثم أقرب منه إلى السلامة لأن هذا نوع من اتخاذ آيات الله هزوًا.
ويستفاد من الحديث: جواز تعجيل صدقة المال قبل أن تحل بشرط أن يكون قد بلغ النصاب وإلا فلا تصح.
ومن فوائد هذا الحديث: أن التعجيل رخصة وليس بسنة لقوله: "فرخص له".
فإن قلت: أليس تعجيل الذين قبل وجوبه من باب حسن الأداء يعني: لو كان عليك دين لزيد مائة ريال تحل بعد شهر فأديتها في عشرة أيام أليس هذا أطيب وأفضل؟ نعم، فلماذا لا يكون تقديم الزكاة أفضل وأطيب؟ لأن الدّين قد وجب ولزمك، أما الزكاة فإنها لم تجب، لأنه من الجائز أن هذا المال يتلف أو ينقص عن النصاب فلا تجب عليك الزكاة، ولهذا كان تأخير الزكاة إلى وقت الوجوب أفضل من التعجيل، وهذه قد يلغز بها ظاهرًا لكن عند التأمل ليس فيها لغز، وهي أن يقال: حق واجب كان تأخيره أفضل من تقديمه مع جواز التقديم، أما لو لم يجز فالأمر واضح نقول: هذا هو الزكاة فإن تعجيلها من باب الجواز لا من باب الأفضلية، ولهذا قال: "فرخص له".
ومن فوائد هذا الحديث: أن ظاهره أنه يجوز أن يعجل الزكاة لسنة وسنتين وثلاث وأكثر؛ لأن الحديث مطلق ليس فيه قيد، ولكن المشهور عند أهل العلم أنه مقيد، واستدلوا لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم حين قيل له: إن العباس منع الزكاة فقال: "وأما العباس فهي علي ومثلها"،

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 59)

وفسروا ذلك بأن العباس قد قدم زكاة سنتين فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: وهي علي ومثلها"، كأنه قال: فهي عندي ومثلها، ولكنه سبق لنا أن القول الراجح في هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضمن زكاته لكنه ضاعفها؛ لأن الرجل من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم فضاعف عليه الغرام، وهو نظير قول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه حين ينهى الناس عن الشيء يجمع أهل بيته، ويقول: إني نهيت الناس عن كذا وكذا فلا أرى أحدًا منكم فعله إلا ضاعفت عليه العقوبة لماذا؟ لأن قريب السلطان قد يتجرأ على المعصية لقربه من السلطان يستخدم قربه من السلطان لإقدامه على المعصية فيضاعف عليه الغرام، المشهور من المذهب أنه لا يجوز أن تقدم أكثر من سنتين، وما دامت المسألة فيها اشتباه فالأولى ألا تقدم أكثر من سنتين؛ لأن الأصل أن الزكاة لا تجب إلا إذا حل وقتها، فتقديمها عليه رخصة، ولم يرد أن العباس عجل أكثر من سنتين فيقتصر فيه على ما ورد.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقة سنتين، لو قال قائل: هل يمكن أن يؤخذ من هذا الحديث أن العباس لم يعجل إلا صدقة واحدة عن عام واحد؟ قد يقول قائل: إننا لا نسلم أن في الحديث دليلًا على أنه لا يجوز أن تقدم أكثر من سنة؛ لأن الكلام واضح صدقته قبل أن تحل وإن كان الاحتمال الأول قائمًا؛ لأن الصدقة مفرد، وإذا أضيف المفرد كان للعموم، على كل حال أهل العلم نصوا على أنه لا يجوز تعجيل الزكاة إلا لسنتين فأقل.
وقد يؤخذ من الحديث: فضل العباس؛ لأن الظاهر أن العباس ما طلب هذا إلا لمصلحة يراها كرجل طلب معونة للزواج في هذه السنة وهو محتاج وزكاتنا هذا العام فقط لا تكفيه فتقدم زكاة العام القادم، فهذا فيه مصلحة للمعطي فلا حرج وهذا قد يكون أفضل، وهل يدخل في ذلك جواز تقديم زكاة الدين قبل قبضه؟ رجل له دين على شخص وقال: أنا أريد أن أحصي مالي عينه ودينه وأخرج زكاته الآن فهذا يجوز؛ لأن تأخير إخراج زكاة الدين من باب الرفق بالمكلف، وإلا فالأصل أن زكاته واجبة بتمام الحول، نوضح أكثر بمثال: رجل بيده الآن (10000) تم حولها، وله في ذمة زيد (10000) تم حولها، أما العشرة التي بيده فزكاتها واجبة ولا إشكال فيها، والعشر التي في ذمة زيد هل يجب عليه إخراج زكاتها لا يجب، لأنه لم يقبضها فملكه عليها غير تام، لكن لو أخرجها مع زكاة العشرة التي في يده كان ذلك جائزا لا حرج فيه.

‌‌زكاة الحبوب والثمار:
583 - وعن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقًة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقًة، وليس فيما دون خمسة أو سق من التمر صدقة". رواه مسلم.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 60)

584 - وله من حديث أبي سعيد رضي الله عنه "ليس فيما دون خمسة أو سق من تمر ولا حب صدقة". وأصل حديث أبي سعيد متفق عليه.
585 - وعن سالم بن عبد الله، عن أبيه رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا: العشر، وفيما سقي بالنضح: نصف العشرة". رواه البخاري.
- ولأبي داود "أو كان بغلًا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح: نصف العشر".
الحديث الأول يقول: "ليس فيما خمس أواق من الورق صدقة" الورق هو الفضة، والأواق جمع أوقية، وهنا التنوين في قوله: "خمس أواقٍ" هل هو تنوين إعراب، أو الإعراب على الياء المحذوفة؟ الثاني، وهذا التنوين والكسر ليس إعرابًا.
وقوله صلى الله عليه وسلم "خمس أواق" الأوقية: أربعون درهمًا، فكم تكون الخمس؟ تكون مائتي درهم، وقد سبق في حديث أنس الطويل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر"، وما كان دون ذلك ليس فيه صدقة.
وقوله: "وليس فيما دون خمس ذوي من الإبل صدقة"، "الذود" كالرهط لكنه يختص بالإبل، والرهط يختص بالبشر، إذن ذود يقال لما بين الاثنين والعشرة- يعني: ثلاثة إلى تسعة- كل هذا ذود، فإذا قال: "خمس ذود" فهو من باب إضافة العدد إلى المعدود لا باعتبار دلالة اللفظ كما لو قلت: عندي خمسة رهط، قد يكون العدد خمس رجال ليس خمسة رهط أي خمسة عشر رجلًا، ولهذا توجد روايتان للحديث: "ولا ما دون خمس ذوده" وعلى هذه الرواية لا إشكال لأن الذود يطلق على الخمس وعلى الثلاث والأربع والسبع والثمان والتسع، فيقول: "دون خمسة" مجرورة بإضافة "دون" إليها، و"ذود" بدل منها هذا بالتنوين، أما بالإضافة فالمراد بـ "خمس ذود": أي خمس من هذا النوع الذي هو الإبل، وقد سبق أن الخمس فيها شاة.
"وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة"، "الأوسق" جمع وسق بالفتح، و"الوسق": الحمل؛ لأنه يوسق ويربط، وكان الوسق الحمل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ستون صاغًا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم الذي زنته ألفان وأربعون غرامًا، يعني: إذا قلنا: الوسق ستون صاعا يكون خمسة أوسق ثلاثمائة صاع، فنضرب ثلاثمائة صاع في ألفين وأربعين يكون ستمائة وأثنى عشر ألف غرام، كم يكون قدره بالكيلو؟ كيلوان وستمائة غرام

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 61)

استدراك:
ومن فوائل حديث علي: جواز تعجيل الصدقة، دليله: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعمه العباس أن يؤجلها.
ومن فوائده أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المرجع في الأحكام؛ لأن الصحابة كانوا يرجعون إليه فيسألونه كما سأله العباس.
ومنها: أن الأصل أن الزكاة لا تدفع إلا وقت حلولها، ولولا ذلك ما احتاج العباس أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم. قد يقول قائل: إذا جاز التعجيل جاز التأخير. نقول: لا؛ لأن التعجيل فيه فائدة للمستحقين للزكاة أمّا التأخير فهو ضرر على الدافع والمدفوع إليه، فإن المال قد يتلف ويتعلق الشيء بذمة من وجب عليه.
ومنها: جواز التعبير بالرخصة فيما لم يرد فيه المنع لقوله: "فرخص له" لكنه يتوهم المنع؛ لأن الأصل أن الزكاة لا تدفع إلى عند حلولها.
أما حديث جابر فمن فوائده: حكمة الشارع في إيجاب الزكاة، حيث لم يوجب الزكاة في كل قليل وكثير، لأنها لو وجبت في كل قليل وكثير لأرهقت الأغنياء، ولو لم تجب إلا في الأموال الكثيرة الطائلة لضاع حق المستحقين لها، فمن حكمة الشارع أنه قدر أنصبة مناسبة للمال كما ستشاهدون.

‌‌مسألة: اختلاف العلماء في نصاب الفضة
ومنها: أن نصاب الفضة مقدر بالوزن لقوله: "ليس فيما دون خمس أواق"، وحينئذ نحتاج إلى الجمع بين هذا الحديث وحديث أنس السابق الذي قدر فيه النصاب بالعدد، فهل نعتبر العدد ولو زاد في الوزن أو نقص، أو نعتبر الوزن ولو زاد العدد أو نقص؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، فمنهم من اعتبر الوزن احتجاجًا بهذا الحديث؛ لأن الحديث في النهي: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة"، فما دون الخمس ولو بلغ مئات الدراهم ليس فيه صدقة، وهذا هو المشهور من ملهب الإمام أحمد، بل هذا الذي عليه جماهير أهل العلم بل حكي فيه الإجماع، على أن المعتبر الوزن في هذا الحديث؛ لأن هذا فيه نفي: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة"، ولكن حديث أنس أيضًا نفي فإن فيه: "فإن لم يكن إلا تسعون ومائة. فليس فيها صدفة إلا أن يشاء ربها".
فعلى هذا نقول: إن هذا الحديث مقدم على الحديث الآخر الذي اعتبر فيه العدد، وقال آخرون- وهم قلة، ولكن منهم شيخ الإسلام ابن تيمية-: إن المعتبر العدد وأن مائتي درهم فيها

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 62)

ربع العشر قال ما فيها من الفضة أم كثر حتى لو بلغت عشر أواق فإن هذه إذا نقصت عن المائتين فليس فيها زكاة، وهذا مبني على ما سبق من حديث أنس وهو متفق عليه، وهذا أيضًا متفق عليه.
ويمكن أن يجاب بأن يقال: في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت الدراهم المائتان كانت خمس أواق، وعلى هذا فلا خلاف بين الحديثين، أما نحن فإذا اختلف الوزن والعدد فإننا نقدم القاعدة بأن نقدم الأحب للفقراء، فإن كان الأحب العدد أخذنا به، وإن كان الأحب الوزن أخذنا به.
والحديث الثاني حديث أبي سعيد: "ليس فيما دون خسة أوسق من تمر ولا حب صدقة"، "دون" بمعنى: أقل، و"خمسة أوسق"؛ أي: خمسة أحمال: لأن الوسق الحمل، سمي بذلك: لأنه يوسق على الناقة ويربط، وكل حمل عند العرب معروف ستون صاعا، فتكون الخمسة ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وصاع النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ كيلوين وأربعين غرامًا، فاضرب ثلاثمائة في كيلوين وأربعين غرامًا حتى يتبين لك مقدار النصاب بالغرامات وهو حوالي ستمائة واثني عشر غرامًا، هذا هو نصاب التمر، والحبوب أيضًا.
وقوله: "ومن تمر ولا حب" الحب معروف، لكن هل هو الحب الذي يكون مطعومًا ومقتاتًا، أو كل حب؟ في هذا خلاف، والأقرب أن المراد به: الحب الذي يقتات ويدخر، فكل مكيل من تمر أو حب ففيه الزكاة ولا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق، أي: ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم.
نستفيد من هذا الحديث: حكمة الشارع في عدم وجوب الزكاة في القليل، لأنه لو أوجب الزكاة في القليل لكان في ذلك إجحاف على الملاّك، ولو جعل الأمر لا حد له لكان في ذلك إهدار بحق أهل الزكاة، ولو جعل الأمر موكولًا على الناس لاختلف الناس في البذل والمنع؛ لأنا نعرف أن من الناس من هو كريم يبذل من القليل الكثير، ومن الناس من هو بخيل يمنع القليل من الكثير فلما كان الناس يختلفون في ذلك في تقدير المال حدده الشرع قطعًا للنزاع وضبطًا للواجب، إذن النصاب لا يرجع للعرف، وإنما يرجع إلى الشرع، فلو قدر أننا في زمن تكون ثلاثمائة صاع شيئًا قليلًا لا يؤبه له ولا يعد مقتنيها غنيًا فتجب الزكاة ولو كنا في وقت مائة الصاع تعتبر مالًا كثيرا، ويعد مالكها من الأغنياء، فإن الزكاة لا تجب فيها، فمن ثم حدد الشارع النصاب حتى لا يختلف الناس في وجوه الزكاة، وهناك أشياء أيضًا محددة من جنس هذا التحديد كصدقة الفطر وكصاع المصراة من الإبل أو الغنم إذا وجدها المشتري مصراة؛ أي: محبوسًا لبنها حتى يراها المشتري كثيرة اللبن فإن له الخيار بعد أن يحلبها ثلاثة أيام إن شاء أبقاها وإن شاء ردها ورد معها صاعا من التمر، الصاع من التمر ليس عوضًا على ما أخذه من اللبن في هذه المدة لكنه عوض عن اللبن الموجود في الضرع حين العقد؛ لأنه هو الذي وقع

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 63)

عليه العقد، أما ما بعد العقد فإنه نماء للمشتري كما سيأتي في كتاب البيوع، وإنما قدره الشارع بصاع قطعًا للنزاع وصار من التمر؛ لأن التمر أقرب ما يكون شبهًا باللبن لحلاوته والتغذي به، المهم: أن النصاب من الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، ما دون ذلك فليس فيه صدقة، وهل نقول: "إلا أن يشاء ربه"؟ الجواب: نعم نقول: إلا أن يشاء ربه، يعني: على أن يتصدق منه لا على أنها زكاة فلا يمنع.
والحديث الثالث: عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا" العشر". هذه جملة خبرية سبق فيها الخبر على المبتدأ، الخبر هو قوله: "فيما سقت السماء"، والمبتدأ قوله: "العشر". "وفيما سقي بالنضح نصف العشر"، "بالنضح"؛ أي: بالسواني، وشبهها نصف العشر، يعني: واحد من عشرين، والأول العشر واحد من عشرة.
ولأبي داود: "إذا كان بعلًا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر". ففي هذا الحديث بيان مقدار الواجب لا مقدار ما فيه الواجب؛ لأن مقدار ما فيه الواجب سبق في حديث أبي سعيد وجابر، لكن هنا بيان مقدار الواجب، فما هو الواجب في الحبوب والثمار إذا بلغت النصاب؟ الواجب يختلف "إذا كان بعلًا" يشرب بعروقه أو كان يشرب بالمطر أو كان يشرب بالعيون الجارية وكذلك بالأنهار فهذا فيه العشر كاملًا؛ لأن المؤنة فيه قليلة ليس على مالكه إلا أن يصرف الماء إذا كان يسقى بالعيون أو يسقى بالأنهار، وأما ما كان يسقى بمؤنة بمعنى: أنه يحتاج في استخراج الماء إلى مؤنة عند السقي هذا فيه نصف العشر، يعني: واحدًا من عشرين لكثرة المؤنة والتعب عليها.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء"، "ما" هذه عامة في النوع والقدر "فيما سقت"، فيقتضي وجوب الزكاة في كل ما سقته السماء، أو الذي سقي بالعيون، أو كان بعلًا يشرب بعروقه كل شيء التمر، والحبوب، والبطيخ، وكل شيء لأنه شامل، "فيما" عام في قدره، "فيما سقت السماء" يقتضي لو أن الإنسان ملك من البعل مائة صاع من البر لوجب عليه الزكاة، لأنه يصدق عليه أنه كان بعلًا فشرب بعروقه، فهل هذا الحديث على عمومه من الوجهين أي: النوع والقدر؟ الجواب لا، كيف؟ يخصصه حديثي جابر وأبي سعيد في النوع وفي القدر، إذ إن حديثي جابر وأبي سعيد يدلان على أنه ليس فيه زكاة إذا كان دون خمسة أوسق، ويدلان أيضًا على أن الزكاة إنما تجب فيما يوسق ويحمل وهو الحبوب والتمر، وأما ما لا يحمل ولا يوسق كالبطيخ والفاكهة وما أشبه ذلك فليس فيه زكاة، وعلى هذا فالحديث مخصوص بوجهين وهما النوع والقدر.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 64)

فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد أولًا: وقوع التخصيص في النصوص وأن بعضها يخصص بعضا، فإن قلت: كيف يخصص بعضها بعضا مع الانفصال، ولو كان المخصص متصلًا مثل: "قام القوم إلا زيدا" لكان الأمر واضحًا، لكن هنا منفصل ذاك حديث، وهذا حديث فكيف يصح التخصيص مع الانفصال؟
الجواب: لأن المتكلم بهما واحد، والشرع لا يختلف ولا يتناقض، ولو أننا قلنا بعدم التخصيص لتناقض في الصورة التي لا يجتمعان فيها: فإذا قلنا بتخصيص العام اتفق في الصورة المعينة التي وقع فيها التخصيص، لكن لو أني تكلمت بكلام عام ثم جاء واحد آخر يتكلم بكلام خاص فهو لا يستطيع أن يخصص كلامي؛ لأن المتكلم مختلف، أما والمتكلم واحد والشرع لا يتناقض فإن القول التخصصي واجب وهو واقع.
ويستفاد من هذا الحديث: حكمة الشرع حيث فرق بين ما يسقى بمؤنة وما يسقى بلا مؤنة، فجعل الذي يسقى بمؤنة فيه على النصف مما يسقين بلا مؤنة.
ويستفاد: حكمة الشرع أيضًا من وجه آخر، فإنه لما كانت الزروع أقل كلفة من الاتجار بالدراهم والدنانير جعل الشرع فيها نصف العشر أو العشر بخلاف الدراهم والدنانير وأموال التجارة ففيها ربع العشر؛ لأن تنمية تلك أصعب وأشق، فالدراهم والدنانير إن لم تحركها لا تنمو ولا تستفيد منها فلو أوجبنا نصف العشر لكانت تتلف عليه بسرعة، وأما عروض التجارة فتنمو لكنها تنمو نموًا بطيئا خفيفا، ونمو الثمار والحبوب أسرع، إذ إنه ربما يكسب الإنسان في خلال ستة أشهر تكون المائة سبعمائة أو أكثر: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة} [البقرة: 261].
كم تكون الواحدة؟ سبعمائة، فالنمو فيها ظاهر جدًا لذلك أوجب الشرع فيها العشر إذا كان لا يحتاج إلى مؤنة في سقيه، ونصف العشر إن كان يحتاج إلى مؤنة في سقيه، إن كان يسقى أحيانًا بمؤنة، وأحيانًا بلا مؤنة اعتبرنا الأكثر، فإذا كان مثلًا يسقى بمؤنة ثمانية أشهر، وبلا مؤنة أربعة أشهر اعتبرنا الأكثر، إلا إذا كانت هذه الأربعة في انتفاء الزرع أكثر من ثمانية فإننا حينئذ نرجع إلى الأنفع، فصار إذا كان يسقى بهذا وبهذا تعتبر الأكثر قدرًا؛ لأن الأكثر قدرًا منضبط ثمانية أشهر، أربعة، تسعة أشهر وثلاثة، وذلك إذا كان الزرع يبقى سنة، فإن كان ستة أشهر فعلى النصف أربعة أشهر وشهرين

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 65)

‌‌أنواع الحبوب التي تجب فيها الزكاة:
586 - وعن أبي موسى الأشعري ومعاذ رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما: "لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر". رواه الطبراني والحاكم.
"الشعير" معروف هو حب يكال ويقتات، و"الحنطة" حب يكال ويقتات لكنهما نوعان مختلفان، فيكون هذان النوعان المختلفان يتخذهما الناس قوتا، فعليه نقول: كل ما كان قوتا ففيه الزكاة، وظاهر الحديث أنه لا فرق- إذا جعلنا هذه العلة- بين ما يكال وما لا يكال، وإذا قلنا: إنه خاص بهذه الأشياء بنوعها، فإنه يبطله حديث جابر وأبي سعيد السابقين، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر صدقة"، وهذا صريح في أن الزكاة تجب في التمر مع أنها ليست من هذه الأصناف الأربعة، فيكون الحصر هنا حصر جنس أو نوع وليس حصر شخص، يعني: لا تأخذها إلا في هذه الأشياء وما كان نظير لها، أيضًا الزبيب لأنه مأخوذ من العنب فهو يكال ويدخر بعد أن يكون زبيبًا، والتمر يكال ويدخر بعد أن يكون تمرًا قبل أن يكون رطبًا، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم عد هذه الأصناف الأربعة ثم ألقينا الضوء عليها وجدنا أنها قوات للناس تكال وتدخر فعليه تجب الزكاة في كل قوت يكال ويدخر.
فقولنا: "في كل قوت"، خرج به ما ليس بقوت مثل حب القت الذي يسمى البرسيم، الحب الذي يفصص هل تجب فيه الزكاة لو جمع الإنسان من هذا الذي يسمونه الفصفص فلا تجب فيه الزكاة، لأنه ليس قوتًا، فالصحيح أن الحد فيما تجب فيه الزكاة مما تخرجه الأرض أنه ما كان حبًا أو ثمرا يقتات ويدخر، لأنك إذا تأملت هذه التي يجب فيها الزكاة وجدتها كذلك، ولا بد من اعتبار التوسيق لقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق"، فلا بد أن يكون مما يوسق ويكال، وأما ما لا يوسق ولا يكال فهو وإن كان قونًا ويدخر فليس فيه زكاة، فإنه يوجد بعض الفواكه يكون قوتًا عند أهله وربما يدخرونه لا سيما بعد وجود الآلات المبردة ومع ذلك نقول: ليس فيه زكاة.
"الزبيب" هو العنب إذا جف، ولكن اعلم أن العنب ينقسم إلى قسمين: قسم لا يمكن أن يأتي منه زبيب أبدا مثل العنب البلدي هنا، وقسم آخر يمكن أن يكون زبيبًا، فأيهما أشبه بتمر النخل؟ الأخير أشبه بتمر النخل، وأما الأول فأشبه بالفواكه، لأنه لا يؤكل إلا طريًا ولو يبس لفسد

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 66)

ولم يؤكل، ولكن مع ذلك ذهب بعض العلماء إلى أنه تجب الزكاة فيه وإن لم يكن زبيبًا؛ لأن هذا يعتبر نادرا، فإن أكثر الأعناب- ولا سيما الأعناب الخارجية- تكون زبيبًا، وبناء على ذلك يوجد من الرطب ما لا يصلح لو جعل تمرًا.
فهل نقول: إن هذا يقاس على العنب الذي لا يتأتى منه زبيب فلا تجب فيه الزكاة؟
الجواب: لا؛ لأن هذا نادر جلا، والتمر حتى وإن كان لا يؤكل إلا رطبًا، فإنه لو بقي ويبس انتفع به بخلاف العنب الذي لا يزبب، ووجوب الزكاة في العنب الذي لا يزبب عندي فيه نظر، والأقرب عندي أن الزكاة لا تجب فيه، وأنه من جنس الخضروات والفواكه، فكما أن البرتقال والتفاح والمشمش وما إلى ذلك لا زكاة فيه فهذا أيضًا لا زكاة فيه.
- هل تجب الزكاة في التين؟
قال بعض العلماء: لا تجب في التين، لأنه إنما يؤكل طريا على أنه فاكهة، وقال آخرون- وهو اختيار شيخ الإسلام-: بل تجب الزكاة فيه؛ لأن التين يؤكل طريا ويدخر، وقد حدثنا من سابقنا في السن أنهم كانوا فيما سبق يدخرون التين ويكنزونه كما يكنز التمر تماما
587 - وللدارقطني عن معاذ رضي الله عنه قال: "فأما القثاء، والبطيخ، والرمان، والقصب، فقد عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإسناده ضعيف.
ولكن هذا النفي قد يستفاد من قوله: "لا تأخذ الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة"؛ لأن هذه الأصناف الأخيرة القثاء- هو عبارة عن الخيار أو يشبهه-، وأما البطيخ فهو عام يشمل كل ما يؤكل خضرا، وأما الرمان فواضح معروف، والقصب هو قصب السكر، هذا ليس فيه شيء؛ لأنه لا يكال ولا يدخر.

‌‌خرص الثمر قبل نضوجه:
588 - وعن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرصتم فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدّعوا الثلث، فدعوا الربع". رواه الخمسًة إلا ابن ماجه، وصححه ابن جبان والحاكم.
قوله: "إذا خرصتم" هو تقدير الشيء على سبيل التخمين والتحري؛ لأن تقدير الشيء إما أن يكون بالمكيال، أو الميزان، أو العد، أو الذرع، وهذا يكون تقديرا متيقنًا، مثل أن تذرع هذا

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 67)

الحبل فيبلغ عشرة أمتار، تزن هذا الشيء فيبلغ عشرة كيلوات، تكيل هذا الشيء فيبلغ عشرة آصع، هذا يكون تقديرا متيقنًا إذا لم تفعل هكذا، ولكن قدرته فيسمى هذا خرصًا، والخرص معتبر فيما يتعذر فيه اليقين، أو يتعسر، بناء على القاعدة المعروفة عند أهل العلم، والتي دل عليها الشرع: "أنه إذا تعذر اليقين عملنا بغلبة الظن".
"إذا خرصتم" معناه: قدرتم الشيء على سبيل التحري والتخمين، وما الذي يخرص؟ هو الثمار كالعنب والتمر؛ لأن الثمرة فيها ظاهرة بارزة فيخرص، وأما الزروع فقال العلماء: إنها لا تخرص لأن الحب المقصود مستتر بالسنابل، فلا تمكن الإحاطة به، فخرصه لا يكون على سبيل التحري؛ لأن التحري فيه متعذر، أو متعسر؛ ولهذا قالوا: لا تخرص الزروع، حتى إن بعض أهل العلم حكى الإجماع على أن الزرع لا يخرص، والعمل الآن على خلاف ذلك فإن الناس يخرصون الزروع، ويقولون: إن أهل الخبرة يقدرون ذلك بالتحري والتخمين كما يقدرون ذلك بالثمار، ولا شك أن التقدير في الثمار أقرب إلى اليقين؛ لأن الثمرة مشاهدة في العنب أو في التمر بخلاف هذا، إذن الذي يخرص الثمار فقط من التمور والأعناب.
وقوله: "فخذوا ودعوا الثلث"، "خذوا" أي: خذوا ما يجب فيها من الزكاة، ففي ألف كيلو فيما يسقى بمؤنة نصف العشر خمسمائة كيلو، وفيما يسقى بلا مؤنة العشر مائة كيلو، لكن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "دعوا الثلث" هل المراد: دعوا الثلث من أصل المال فلا تأخذوا عنه زكاة، أو دعوا الثلث أي: مما يؤخذ حتى يؤديه صاحبه؟ فيه احتمالان في الحديث، وهما قولان لأهل العلم؛ لأن كلمة: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث" ظاهر الحديث يقول: "دعوا الثلث" من الواجب، لماذا؟ يبقيها للمالك، لأنه ربما يكون لديه أناس من أقاربه من أهل الزكاة فيعطيهم، أو أناس من أصحابه من أهل الزكاة فيعطيهم، فجعل الشارع ثلث الواجب باقيا للمالك يتصرف فيه كما يشاء يعطيه لمستحقه؛ لأننا لو أخذنا منه الكل، وكان له أقارب أو جيران أو أصدقاء ينظرون إلى ملكه في ثماره، ثم يحرمهم من زكاته كان في نفوسهم شيء من ذلك، فجعل الشرع له الثلث، وهذا الذي فسرنا به الحديث هو الذي يوافق ما سبق في الأحاديث في قوله: "فيما سقت السماء العشر"، لأننا لو فسرنا الحديث على الاحتمال الثاني الذي هو أن ندع ثلث الزكاة فلا تجب عليه لكان فيما سقت السماء ثلثا العشر، وفيما سقي بالنضح ثلث العشر، فجمعًا بين الأحاديث نقول إن المراد بقوله: "دعوا الثلث" أي: دعوا الثلث من الواجب يؤديه المالك حتى تبقى عموم الأحاديث على ما هي عليه، ويكون هذا له وجه من النظر، وهو تفسير يحتمله الحديث: "دعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربعة".
قوله: "فإن لم تدعوا الثلث" هل هذا على سبيل الخيار المطلق للسعاة الذين يأخذون الزكاة

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 68)

ويخرصونها؟ يعني: إن لم تختاروا ترك الثلث فدعوا الربع، نقول: لدينا قاعدة وهي أن كل ما جعل فيه الخيار لشخص عن طريق الولاية أو التصرف لغيره فالواجب عليه اتباع الأصلح، بخلاف ما جعل فيه الخيار مما يتصرف لنفسه فهذا يتبع ما يراه أسهل على ما يرى، أما ما جعل له الخيار فيه عن طريق الولاية أو التصرف للغير فالواجب عليه أن يتبع الأصلح.
"إن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" يعني: إن رأيتم المصلحة في عدم ترك الثلث فاتركوا الربع، فما هي المصلحة؟ أما على الاحتمال الأول الذي يقول: "دعوا الثلث" يعني: لا يجب عليه بذله، فيقولون: إن السعاة ينظرون إلى هذا الرجل، إذا كان هذا الرجل مضيافا كريما يبذل كثيرًا من ماله للضيوف فهنا يترك له الثلث، وإن كان بالعكس فيترك له الربع، كذلك لو كان النخل قد أصيب بجوائح، أو كان هناك أتعاب أكثر في هذه السنة على سقيه ونحو ذلك فيترك له الثلث وإلا ترك له الربع.
والاحتمال الثاني، نقول: إذا كان هذا الرجل حوله أناس كثيرون فقراء من أهل الزكاة فإننا نترك له الثلث، وإلا تركنا له الربع، فأيا كان، فإن هذه مرجعة إلى ما تقتضيه المصلحة.
يستفاد من هذا الحديث: ثبوت الخرص في الثمار لقوله: "إذا خرصتم فدعوا"، ووجه ثبوته: أنه لما علق على الخرص أحكامًا كان ذلك دليلًا على نفوذها؛ لأن غير النافذ لا يترتب عليه أحكام لأنه يلغى من الأصل، فلما رتب عليه الأحكام علم أنه نافذ وصحيح.
ومن فوائد الحديث: تيسير الشرع على العباد؛ لأن الخرص أسهل من التقدير بالكيل، إذ أنا لو اعتبرنا التقدير بالكيل لزم من ذلك أن يجزه صاحب المال- يعني: صاحب الثمرة-، ثم ييبس، ثم يكيل، ثم يعرف الواجب، وهذا فيه صعوبة ومشقة، فالخرص لا شك أنه من التيسير.
ويستفاد منه: أنه إذا تعذر اليقين أو تعسر رجعنا إلى غلبة الظن، وهذا له نظائر في الشرع منها ما سبق في حديث ابن مسعود في الشك في الصلاة يقول: "فليتحر الصواب ثم يبني عليه" هذا أصل يشهد لهذا الحديث.
والأمر بالخرص كاستعمال القرعة عند الحاجة إليها، فإن القرعة بلا شك فيها تعيين المستحق على سبيل التحري، فإنه لو اجتمع شخصان فأكثر في حق من الحقوق واستويا ولم يمكن التمييز بينهما فإننا نجري القرعة، وقد ذكرت القرعة في القرآن مرتين في قصة يونس: {فساهم فكان من المدحضين فألتقمه الحوت وهو مليم} [الصافات: 141، 142]. وفى قصة مريم: {وما كنت لديهم إذ يختصمون} [آل عمران: 44].

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 69)

أما في السنة فقد وردت أيضًا في عدة مواضع تبلغ حوالي ستة مواضع، لماذا رجعنا إلى القرعة وفيها نوع من الميسر؛ لأن الإنسان قد يكون فيها غارمًا؟
نقول: لأنه لما تعذر التمييز على سبيل اليقين رجعنا إلى غلبة الظن، هذا الحديث يمكن أن يكون من جملة الأصول التي تدل على أنه إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن.
ومن فوائد الحديث: أنه يجب أن يترك لرب المال الثلث أو الربع على حسب ما تقتضيه المصلحة ويقتضيه نظر الساعي؛ لقوله: "فخذوا ودعوا".
ومنها: وجوب أخذ الزكاة من أهل الثمار، وهذه الفائدة قد يكون فيها مناقشة، إذا قلنا: "وجوب"، من أين يؤخذ؟ من قوله: "فخذوا" هذا أمر، ولكن قد يقول قائل: إن المراد بذلك الإباحة، يعني: بيان ما يؤخذ، وليس على سبيل الإلزام، وأن الساعي لو رأى من المصلحة ألا يأخذ الزكاة من هؤلاء بل يبين المقدار ويدع الأمر إلى إيمانهم لكان ذلك جائزًا، ولكن على كل حال إبقاء الحديث على ظاهره وأنه يؤمر بأن يأخذ أولى، لأنه لو لم يأخذ لكان بعث السعاة وتعبهم وعملهم مشقة بدون فائدة.
ومن فوائد الحديث: أن ترك الثلث أو الربع موكول إلى الساعي فيجب عليه أن ينظر نحو الأصلح.
ومن فوائد الحديث: مراعاة الأحوال أنه من الحكمة أن تراعى الأحوال، وهذا شيء مستقر في النفوس، وأن الشرع يراعي الأحوال حتى إنه ليجب على الشخص ما لا يجب على غيره ويحرم عليه ما لا يحرم على غيره، ويلزم بما لا يلزم به غيره حسب ما تقتضيه العلل الشرعية.
ومن فوائد الحديث الأول: "لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف": أن الزكاة لا تجب إلا في هذا الأصناف الأربعة، لأنه قال: "لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف"، وهذا مذهب كثير من أهل العلم أنها لا تجب إلا في هذه الأصناف، ولكن هل هذا الحصر حصر عين أو حصر وصف؟ إن قلنا: إنه حصر عين، فمعناه: أنها لا تجب الزكاة في غير هذه الأربعة فقط فلا تجب في الرز، ولا في الدرة، ولا في الدخن، ولا في غيرها، وإن قلنا: إنها حصر وصف صار ما يماثلها ملحقا بها تجب فيه الزكاة مثل الرز والذرة والدخن وغيرها من الحبوب التي تقتات وتدخر، وذكرنا أن القول الراجح والأحوط هو أن هذا المذكور حصر- وصف لا حصر عين.
ويرى بعض العلماء أنه حصر عين ويقول: إنه لا يجب أن نلزم الناس ونغرمهم في أموالهم بشيء ليس فيه دليل بيان؛ لأن اخذ المال كإسقاط المال، يعني: أخذ المال من الأغنياء وهو لا

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 70)

يجب عليهم، كإسقاطه عنهم وحرمانه الفقراء، والأصل براءة الذمة؛ لأن هنا هل الاحتياط أن تلزم بالزكاة احتياطا لأهل الزكاة أو لا نلزم احتياطا لحماية أموال الناس؟
فقد تعارض الاحتياطان، قالوا: وإذا تعارض الاحتياطان تساقطا ورجعنا إلى الأصل، وهو أن الأصل براءة الذمة، هذا وجه من رجح القول بأن هذا الحصر حصر أعيان، لكن المشهور عند أكثر أهل العلم أنه حصر أوصاف.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإمام الموجه للسعاة أن يبين لهم ما تجب فيه الزكاة مما لا يجب حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم لقوله: "لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأصناف"، وهكذا شأن كل من ولى أحد على ولاية أن يبين له ما يجب عليه فيها حتى تقوم عليه الحجة وتبرأ ذمة المولى.
589 - وعن عتاب بن أسيد رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبًا"". رواه الخمسة، وفيه انقطاع.
قوله: "كما يخرص النخل" يعني: ثمر النخل، والعنب ثمر العنب، وسبق لنا أن معنى الخرص هو الظن والتخمين، وأنه عمل به لدعوة الحاجة إليه كما أمر بالقرعة لدعوة الحاجة إليها.
وقوله: "كما يخرص النخل" هذه تشبيه للأصل بالأصل، وإلا فمعلوم أن خرص العنب في الغالب أشق من خرص النخل؛ لأن بروز ثمرة النخل واضح، لكن العنب خفي يختفي بالأوراق فهو يحتاج إلى عناية أكثر وإلى ضبط أكثر.
وقوله: "تؤخذ زكاته زبيبًا" يعني: لا عتبا؛ لأن الزبيب هو الذي يدخر، أما العنب فإنه يفسد.
وظاهر الحديث: أن العنب الذي تجب زكاته هو ما يكون زبيبًا، وأما العنب الذي لا يزبب فإن العلماء اختلفوا فيه؛ فمنهم من ألحقه بالفاكهة والخضروات، ومنهم من ألحقه بالذي يزبب، وقال: إنه يقدر زبيبًا، لم يذكر في الحديث نصاب الزبيب، ولكنه ملحق بثمر النخل، وقد يشعر قوله: "كما يخرص النخل" بذلك، وأن نصابه كنصاب النخل، وهو هكذا يقينا فيما عدا ثمار النخل، وثمار العنب هل يخرص أو لا مثل الزروع؟ تقدم لنا أن في المسألة خلافًا، وأن أكثر أهل العلم، بل حكي إجماعا أن الزرع لا يخرص، وعللوا ذلك بأن المقصود منه مستتر بقشوره فلا تمكن الإحاطة به، بخلاف النخل والزبيب فإن المقصود منه ظاهر بارز.
وقلنا: إن عمل الناس اليوم على خلاف ذلك، وأن أهل الخبرة يعرفونه ويقدرونه تقديرا قد يكون منضبطا، وهذا هو الذي عليه العمل.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 71)

‌‌حكم زكاة الحلي:
590 - وعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، "أن امرأةً أتت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ومعها ابنةٌ لها، وفى يد ابنتها مسكتان من ذهبٍ، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرُّك أن يسوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ فألقتهما". رواه الثَّلاثة، وإسناده قويٌّ.
- وصحَّحه الحاكم من حديث عائشة.
يقول: "امرأة أنت .... " إلخ. "المسكتان" قال العلماء: هما السواران، وفي بعض ألفاظ الحديث: "مسكتان غليظتان".
وقوله: "من ذهب"، ومن هذه لبيان الجنس كما يقال: خاتم من ذهب، أو من حديد، أو ما أشبه.
وقوله: "أتعطين زكاة" هذا الخطاب للأم، ولم يسأل البنت، لأنها إما صغيرة طفلة، وإما صغيرة غير مميزة، وتكون وليتها أمها أو أبوها كما سيأتي في الفوائد.
فقال: "أيسرك أن يسورك الله بهما؟ " السرور معناه: الانبساط والفرح وما أشبه ذلك، وهو من المعاني النفسية التي لا يمكن تعريفها لأن المسائل النفسية لا يمكن للإنسان أن يعرفها أبدا مهما عرفتها فإنك تعرفها بآثارها، ولذلك لو قال لك قائل: ما هي العداوة؟ ما تعرفها بأوضح من لفظها. ما هي البغضاء؟ ما هي المحبة؟ ما تقدر؛ ولهذا نقول: إن المعاني النفسية لا يمكن أن تعرف بمثل ألفاظها، فالمعنى: هل تسرين بأن يسورك الله بهما سوارين من نار، يعني: تحبين ذلك وتسرين به. ما الجواب؟ لا، ولا أحد يسرّه أن يسوره الله يوم القيامة سوارا من نار، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى من قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} [التوبة: 34، 35]. وفي الحديث الصحيح: "أن هذا المال يصفح صفائح من نار يكوى بها جنبه وجبينه وظهرها". هكذا أيضًا هذه الأسورة التي منعت ما يجب فيها تكون عليها يوم

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 72)

القيامة أسورة من نار ويكوي بها المحل، يعني: لا أحد يستطيع أن يضعه ولو شريطا على ذراعه، لكن هذه بقدر ما عليها من الأسورة التي تجب فيها الزكاة ولم تزكها فإنها تحرق بها، والعياذ بالله.
قال: "فألقتهما من يد ابنتها"، وفي رواية أخرى: وقالت: "هما لله ورسوله" وتركتهما لأنها خافت، فإن هذا أمر عظيم.
قال المؤلف: "إسناده قوي"، وهو كما قال، لكن صححه بعض المتأخرين وقال: إنه صحيح، ويشهد له عمومات الكتاب والسنة الدالة على وجوب الزكاة في الذهب والفضة بدون تفصيل.
قال المؤلف
591 - وعن أمِّ سلمة رضي الله عنها: "أنَّها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب فقالت: يا رسول الله، أكنزٌ هو؟ فقال: إذا أديت زكاته فليس بكنزٍ". رواه أبو داود، والدَّارقطنيُّ، وصحَّحه الحاكم.
قولها: "أوضاحًا من ذهب" المعروف أن الأوضح تكون من الفضة، وسميت وضحًا لبياضها ولمعانها، ولكن ربما يراد بها من الذهب بشرط أن تقيد به، فيقال: أوضاح من ذهب، ويكون الجمع بينها وبين الفضة اللمعان في كل منهما، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أكنز هو؟ وتريد بالكنز ما يعاقب عليه صاحبه، وليست تسأل هل هو كنز مدفون، لماذا؟ لأنها تعلم ذلك، لكن هل هو يعاقب عليه صاحبه أم لا؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أديت زكاته فليس يكنز".
وفي رواية أبي داود: "إذا بلغ أن يزكى فأديه زكاته وليس بكنز" وهذه زيادة مهمة جدا كما سيذكر في الفوائد، إذن يجعل هذا الحديث شاهد الحديث عمرو بن شعيب.
من فوائل حديث عتاب: آن العنب يخرص كما يخرص النخل لظهور ثمرته وبروزها وبيان ثمرها، وفيه إشارة إلى أنه لا بد أن يبلغ النصاب؛ لأن هذا هو نتيجة الخرص، ولو كانت الزكاة واجبة في قليل وكثير ما احتجنا إلى الخرص، وفي قوله: "كما يخرص النخل" أيضًا إشارة إلى أن نصابه كنصاب ثمن النخل.
وفيه أيضًا من الفوائد: أن الزكاة واجبة فيه لقوله: "وتؤخذ زكاته"، وأنه يجب أن تؤخذ زبيبًا، ولكن إذا كان لا يزبب فهل يلزم مالكه أن يشتري زبيبًا ليدفعه عنه؟ إن قلت: هذا على الغالب، صار لا بد أن يكون هناك شيء مقدر.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 73)

"وتؤخذ زكاته زبيبًا منه"، وعلى هذا يكون بناء على الغالب وإن لم تقدر، وتؤخذ زكاته زبيبًا صار لا بد أن يقدر هذا العنب زبيبًا ثم تخرج زكاته من الزبيب، وهذا هو ظاهر الحديث وهو الذي ذكره الفقهاء- رحمهم الله.
ولكن الصحيح: أن تؤخذ زكاته منه؛ لأن الإنسان لا يكلف أكثر مما عنده فيؤدي زكاته منه والفقير يتصرف، نعم إذا خاف لو أعطى الفقير شيئا كثيرا فسد عليه فإنه يوزعه بحيث يعطى الفقير ما لا يفسد عليه، فإذا قدرنا مثلًا أن هذا الرجل عنده زكاة تبلغ ثلاثين كيلو هذا ربما إن أعطاه الفقير ربما يفسد عليه أو يبيعه بقليل من المال، فمثل هذا نقول: حرصًا على مصلحة الفقير توزع عليه توزيعًا مناسبًا هذا إن لم يبعه فإن باعه فلا شك أنه يخرج من قيمته، ويكون الواجب عليه نصف العشر إن كان يسقى بمؤنة، وإن كان يسقى بلا مؤنة فالعشر كاملًا.

‌‌فائدة في جواز لبس الذهب المحلق:
أما حديث عمرو بن شعيب فمن فوائده: جواز لبس الذهب المحلق لقوله: "وفي يد ابنتها مسكتان"؛ لأن السوار محلق بلا شك، وقد تضافرت الأدلة على جوازه، وهناك أحاديث تدل على المنع من الذهب المحلق والوعيد على من فعل ذلك، ولكن العلماء اختلفوا في تخريج هذه الأحاديث؛ فمنهم من قال: إنها شاذة ولا يعمل بها، ومنهم من قال: إنها منسوخة، فأما من قال: منسوخة، فإنه يحتاج إلى إقامة الدليل على أنها سابقة، وأن الأحاديث الدالة على الجواز متأخرة؛ لأن هذه هي القاعدة، ومن قال: إنها شاذة، قال: لأنها تخالف الأحاديث الصحيحة التي هي أقوى منها، وتخالف عمل المسلمين، فإن بعض العلماء نقل الإجماع على جواز لبس الذهب المحلق، والغالب ألا يكون الجمهور على قول يخالف الحق لا سيما وأن معهم من الأدلة القوية الصريحة في جواز اللبس ما يقوي قولهم، وعلى هذا فتكون شاذة، وكنت قد بحثت معكم مسألة الشذوذ، هل يصح أن نحكم على الحديث بالشذوذ إذا كانا حديثين، أو نقول: إن الشذوذ مخالفة الراوي بقية الرواة في هذا الحديث المعين؟ كنت أظن أن الشذوذ يكون في حديث واحد يختلف فيه الرواة، فيشذ بعضهم ويزيد شيئا لم يزده غيره، ولكن رأيت كلامًا للإمام أحمد رحمة الله يدل على أن الشذوذ يقع حتى وإن كانا الحديثان مختلفين، وذلك فيما ورد من الحديث عن النهي عن الصيام: "إذا أنتصف شعبان فلا تصوموا"، قال الإمام أحمد: هذا حديث شاذ لمخالفته قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين". قال: لأن هذا الأخير ثابت في الصحيحين وغيرهما، فهو قوي ورواته حفاظ وذاك الحديث لا يساويه في القوة، فيكون مما خالف الثقة من هو أوثق منه فيحكم بشذوذه، وكذلك أيضًا هذا الحديث

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 74)