Arabic source text

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

📘 فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (ابن عثيمين - ت 1421 هـ)

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الذي أشرنا إليه في مسألة الذهب المحلق. قال كثير من أهل العلم: إنه شاذ لمخالفته الأحاديث الصحيحة الكثيرة الدالة على جواز لبس الذهب المحلق، ولهذا كان الراجح القول بالجواز، وأن القول بالمنع ضعيف.
ويستفاد من هذا الحديث: أن للأم ولاية على أولادها، لقوله: "أتعطين زكاة هذا؟ "، وهذه المسألة مختلف فيها عند أهل العلم، فمنهم من قال: إنه لا ولاية للأم على أولادها في المال، وأن ولاية المال للأب إما خاصة وإما للأب والجد وإن علا، أما الأم فليس لها ولاية المال على أولادها، ولكن الصحيح أن لها ولاية المال على أولادها كما لها ولاية على آداب أولادها، نعم لو كان هناك أب فهو الأولى لأنه هو الذي يحفظ المال ويحسن التصرف أكثر من الأم، إنما إذا لم يكن أب وكانت الأم هي التي تتولى مال أولادها كما لو مات زوجها وبقي أولادها عندها تتولى أموالهم أخذا ودفعًا وتصرفا فإن لها ولاية شرعية.
ويستفاد من هذا الحديث: أن المخاطب بزكاة مال الصبي والمجنون وليهما لقوله: "أتعطين زكاة هذا؟ "؛ ولهذا قال العلماء: إن الزكاة تجب في زكاة الصبي والمجنون ويخرجها وليهما.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يستفصل في الأمور التي قد تخفى وإلا فالأصل أن الإنسان ما يسأل كيف ذلك؟ لأنه سألها هل تعطي زكاة هذا، وإلا فلا يلزم الإنسان أن يسأل الناس هل أنتم تزكون، هل أنتم تفعلون؟ لا، لكن إذا كان المقام يقتضي السؤال فليسأل، ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أتؤدين زكاة هذا؟ ".
وفيه أيضًا: دليل على وجوب الزكاة في الحلي، لأنه قال: وزكاة هذا، وهو كذلك، ويؤيد هذا قوله: "أيسرك أن يسورك الله بما يوم القيامة سورين من نار؟ "، ومثل هذا الوعيد إنما ورد في ترك الزكاة، ولم يأت بطائل من قال: إنه لا زكاة في الحلي، لأنهم لم يقابلوا هذا الحديث وغيره من الأحاديث العامة بأدلة من السنة أبدا، وغاية ما هناك أنهم استدلوا بحديث رواه جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في الحلي زكاة". وهذا الحديث ضعيف.
ثم هم لا يقولون بموجبه أيضًا، بل يقولون: إن الحلي تجب فيه الزكاة أحيانًا، ولو أخذوا بظاهر الحديث لكان ظاهره عدم الوجوب مطلقا مع أنهم يقولون: لو أعد حليا للإجارة لوجبت فيه الزكاة مع أنه ليس عروض تجارة، هم يقرون أن مثل هذا ليس عروض تجارة، ومع هذا يوجبون فيه الزكاة، ولو أخذوا بدلالة الحديث الذي استدلوا به لكان الواجب عليهم أن يقولوا: ليس فيه زكاة، والمهم: أن من تأمل أدلة من قالوا بعدم الوجوب لم يجد لها طائلًا.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 75)

وأما القياس على الثياب، وحوائج المنزل وما أشبه ذلك، فيجاب عنه من وجهين: الأول: أنه قياس فاسد لماذا؟ لمخالفته النص، وأول من عارض النص بالقياس إبليس، ورد الله عليه معارضته قلنا: أن نقول: أنتم عرضتم بالقياس ومع ذلك لم تأخذوا بالقياس لا طردًا ولا عكسًا.
فإنكم تقولون: لو كان عنده حلي للإيجار وجبت عليه الزكاة، ولو كان عنده ثياب للإيجار لم تجب الزكاة.
وتقولون أيضًا: إذا كان عنده ثياب محرمة يلبسها فليس فيها زكاة، وإذا كان عنده حلي محرم يلبسه ففيه الزكاة.
وتقولون أيضًا: إنه إذا كان عنده ثياب أعدها للبس ثم عدل عن ذلك وأعدها للتجارة لم تجب فيها الزكاة، وإذا كان عنده حلي للبس، ثم عدل عن ذلك وأعدها للتجارة ففيه الزكاة.
وتقولون أيضًا: لو كان عنده حلي أعده للنفقة، مثل امرأة فقيرة ليس عندها مال عندها حلي كثير وجعلته للنفقة، كلما احتاجت باعته وأنفقت على نفسها فعليها الزكاة، ولو كان عندها ثياب كثيرة جدا أعدتها للنفقة كلما احتاجت باعت وأنفقت فليس عليها زكاة، كيف يصح القياس مع هذه المخالفة العظيمة؟ لا يصبح لأن القياس معناه: إلحاق الفرع بالأصل، وهنا الفرع خالف الأصل في أكثر المسائل، فتبين بهذا أن من نفوا وجوب الزكاة في الحلي ليس عندهم دليل من أثر ولا نظر، أما الآثار فعرفتم، وأما النظر فعرفتم التناقض وعدم صحة القياس، وبناء عليه فإن أحاديث وجوب زكاة الحلي قائمة بلا معارض، وكلما جاء الدليل قائمًا سالما عن المعارض وجب الأخذ بمدلوله ومقتضاه، ولهذا صار القول الراجح وجوب زكاة الحلي وهو مذهب أبي حنيفة، ولكن بشرط أن يبلغ النصاب.
فإن قلت: ظاهر هذا الحديث أنه لا يشترط بلوغ النصاب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟ "، والسواران في الغالب لا يبلغان عشرين مثقالًا، فاختلف الجواب في ذلك، فقال الثوري رحمة الله: تضمه إلى ما عندها حتى يبلغ النصاب.
وبعضهم قال: إن في بعض ألفاظ الحديث: "سواران غليظان"، والسوار الغليظ قد يبلغ؛ لأن الغليظ معناه: المتين، وهذا يبلغ.
ومنهم من قال: إن هذا مطلق أو مجمل مبين بالأحاديث الدالة على أنه لا زكاة قي الذهب حتى يبلغ النصاب، ومنه حديث أم سلمة في رواية أبي داود حيث اشترط أن يبلغ ما يزكى.
القول الثالث في المسألة: أن الزكاة واجبة في الحلي قليلًا كان أو كثيرًا.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 76)

ومن فوائد هذا الحديث: أن الزكاة واجبة في الحلي كل سنة؛ لقوله: "أتؤدين زكاة هذا؟ "، وجه الدلالة: أن الزكاة في الأموال تتكرر كل سنة، فلو كان عند الإنسان مال دراهم أو دنانير وجب عليه أن يزكيها كل ستة وإن كانت لا تنمو، ومن قال: إن الزكاة لا تجب فيه إلا سنة واحدة فليس قوله بظاهر، بل الظاهر وجوب الزكاة في الحلي في كل سنة.
ومن فوائد الحديث: إثبات يوم القيامة لقوله: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة؟ ".
ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، كيف ذلك؟ لما كانت المخالفة هنا في الأسورة كان العقاب في الأسورة، فالجزاء من جنس العمل، ويؤيد هذه القاعدة أن الله- سبحانه وتعالى حكم عدل لا يظلم، وأنه جعل جزاء السيئة بالنسبة للخلق- بعضهم مع بعض- سيئة مثلها فكذلك العقوبة تكون مثل العمل، ويؤيد ذلك أيضًا قوله تعالى: {فكلًا أخذنا بذنبه} [العنكبوت: 40] فعقوبته على حسب ذنبه، ولهذا لو رأيت حتى الحدود الدنيوية تجد أن الحدود مناسبة تماما للجرائم.
ومن فوائد الحديث: إثبات أفعال الله الاختيارية، لقوله: "أن يسورك الله بهما" وقد سبق لنا أن مذهب أهل السنة والجماعة هو إثبات أفعال الله الاختيارية، يعني: المتعلقة بمشيئته، وأن ذلك لا يستلزم نقصا بل هو غاية الكمال؛ لأن الذي يفعل متى شاء خير ممن لا يفعل، وأهل التعطيل يقولون: إن الأفعال الاختيارية منتفية عن الله بحجة أن الفعل الحادث لا يكون إلا بحادث، والله- سبحانه وتعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء، وسبق لنا تفنيد هذا القول، وأن من كمال الله أن يكون فعالًا لما يريد كما قال الله تعالى: {فقال لما يريد} [هود: 107]. وقال: {إن الله يفعل ما يريد} [الحج: 14] وقال: {ويفعل الله ما يشاء} [إبراهيم: 27].
ومن فوائد الحديث: إثبات النار، وأن الله تعالى قد يغلب الأشياء عن معدنها الأصلي إلى أن تكون نارًا، لقوله: "سوارين من نار" هذا إن قلنا: إن السوارين من النار هما السواران الملبوسان، وإن قلنا: إنهما غيرهما فليس فيه دليل، لكن حديث أبي هريرة: "صفحت له صفائح من نار" يدل على أن السوارين من الذهب تكون يوم القيامة سوارين من نار، لكن هل المعنى: أنها تنقلب المادة، أو أنها إذا أحمى عليها حتى احمرت وصارت كالجمرة صارت نار؟ يحتمل، وهذا عندي أقرب؛ لأن الحديدة إذا أحميتها في النار صارت نارًا، أي: قطعة حمراء تلتهب أحيانًا.
وفي هذا الحديث أيضًا من الفوائد ورع الصحابة- رضي الله عنهم وشدة خوفهم من العقاب لقوله: "فألقتهما"، ولكن في هذا إشكال، وهو أن المعروف أن ولي الصغير يتصرف فيما هو أحظ للصغير، ومعلوم أن الأحظ للصغير هنا أن تخرج الزكاة وتبقي السوارين، فالجواب على ذلك أن يقال: هي ألقتهما، ولكن هل بقيا ملقيين، أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرها

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 77)

بعد ذلك بما يجب، والجواب أن يقال: إن هذا التردد بين هذا وهذا يجعل هذا النصر من باب المتشابه- كل نص يحتمل شيئين ولم يتبين رجحان أحدهما فهو متشابه-، والقاعدة الشرعية أن المتشابه يحمل على المحكم، والنصوص المحكمة تدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في المال الذي هو ولي عليه إلا بما هو أحظ، وحينئذ نجزم بأن هذه المرأة إما أنها أخذتهما بعد ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أو باختيارها بعد أن تأخذهما، أو أنها ضمنتهما للبنت، وهذه القاعدة هي قاعدة الراسخين في العلم الذين يحملون المتشابه على المحكم، وأما الذين في قلوبهم زيغ فيحملون المحكم على المتشابه ليجعلوا الجميع متشابهًا!
ومن فوائد حديث أم سلمة: جواز لبس المرأة الذهب من الأوضاح وغيرها لقوله: "كانت تلبس أوضاحا".
وفيه أيضًا: دليل على أن الكنز هو المال الذي لا تؤدى زكاته، وليس المال المدفون لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أديت زكاته فليس بكنز"
وفيه أيضًا: أن الكنز هو المال الذي لا تؤدى زكاته، نأخذه من مفهوم قوله: وإذا أديت زكاته فليس بكنز، فإن مفهومه: إذا لم تؤد زكاته فهو كنز، والمراد بالكنز قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة .... } [التوبة: 34].
وفيه: دليل على أنه ينبغي السؤال عن العلم لسؤال أم سلمة قالت: "أكنز هو؟ "، ويقول العلماء: إن السؤال مفتاح العلم، وقيل لابن عباس رضي الله عنه: بم أدركت العلم؟ قال: "بلسان العلماء، وقلب عقول، وبدن غير ملول".
وفيه أيضًا: حرص الصحابة- رضي الله عنهم على براءة ذممهم وسلامتها من عقاب الآخرة لقولها: "أكنز هو؟ ".
وفيه: دليل علي وجوب الزكاة في الحلي، لقوله: "إذا أديت زكاته فليس بكنز".

‌‌زكاة عروض التجارة:
592 - وعن سمرة بن جندبٍ رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصَّدقة من الَّذي نعدُّه للبيع". رواه أبو داود، وإسناده ليِّنٌ.
"اللين" معناه: ضد القوي؛ لأن هناك لينًا له ضد وهو القوة وكأن المحدثين- رحمهم الله إذا كان الضعف ليس بينًا واضحًا يقولون: إنه لين، فهو درجة بين الضعف المجزوم بضعفه وبين الحسن.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 78)

يقول سمرة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج" الأمر في اللغة: الطلب، وفي اصطلاح الأصوليين: طلب الفعل على سبيل الاستعلاء، أي: أن الطالب يظهر نفسه مظهر المستعلي على المطلوب وإن لم يكن عاملًا عليه في الواقع، قد يكون رجلًا قاطع طريق، أو هو من ضعة الناس وأراذلهم، فيمسك رجلًا من أشراف الناس ويأمره، والأمر في الأصل يكون من الأعلى إلى الأدنى، لكن هذا نزل نفسه منزلة الأعلى؛ ولهذا قال العلماء في التعريف: على وجه الاستعلاء، ولم يقولوا: العلو، لأنه قد يأمر وليس عليا على المأمور من حيث الواقع، لكن ينزل نفسه منزلة المستعلي، ثم إن استحق العلو فهو له وإن لم يستحقه فهو دعوى، أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأصل فيه الوجوب، لا سيما وأن المأمور به موصوف بأنه صدقة، والصدقة واجب إخراجها إذا أمر بها.
وقوله: "من الذي نعده للبيع"، "الذي" اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم، وإن كان مفردًا، والدليل قوله تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} [الزمر: 33]. ولم يقل: هو المتقي، وهذا دليل على أن الاسم الموصول ولو مفردًا يفيد العموم، إذن الذي نعده للبيع عام لكل ما يعد للبيع، يعني: لا يتخذ لذاته وعينه، ولكنه متخذ للبيع، يعني: يراد به قيمته وربحه.
وهذا الحديث يدل على وجوب زكاة العروض، العروض: كل ما أعده الإنسان للبيع لا لذاته مثل سلع التجار التي في حوانيتهم هذا نسميه عروضًا؛ لأنه يعرض للناس يشترونه، أو لأنه يعرض ويزول ما يبقى عند صاحبه، إذا أعطيت السلعة ربحًا بعد شرائها بساعة أو ساعتين يبيعها والإنسان يجد فرقا بين ما يشتريه لعينه وما يشتريه لربحه، الذي يشتريه لعينه لا تبيعه، اللهم إلا أن يأتيك به [ربحًا] كبيرًا، والذي تشتريه للربح تبيعه إذا ربحت ولو بعد نصف ساعة أو أقل، لأنك لا تريده لذاته وإنما تريد ربحه، فكل ما قصد به الاتجار والربح فهو عروض تجارة تجب فيه الزكاة، هل هو خاص بمال معين؟ لا؛ لأنه قال: "من الذي نعده"، إذا كان العروض من الإبل فيه زكاة؟ نعم، رجل عنده بعير واحدة أعدها للتجارة تساوي خمسمائة درهم فيها زكاة؟ نعم، ولو جعلناها سائمة لم يكن فيها زكاة؛ لأن أقل نصاب للسائمة خمس، ولو بقر عروض فيها زكاة، حمير عروض فيها زكاة، لو كلاب عروض ليس فيها؛ لأن الكلاب لا يجوز بيعها ولا حتى المعلمة منها للصيد، أمّا غير ذلك كالدجاج والحمام، والثياب والسيارات، والعقارات كالأراضي، فإنها إذا أعدّت للبيع وجب فيها الزكاة.
وهذا الحديث- كما تشاهدون- أشار المؤلف إلى ضعفه؛ لقوله: "وفيه لين"؛ ولذلك اختلف أهل العلم- رحمهم الله في وجوب زكاة العروض، لكن جماهير أهل العلم على الوجوب حتى حكاه بعض العلماء إجماعًا، والذين حكوه إجماعًا من طريقتهم أنهم لا يعتدون

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 79)

بخلاف الظاهرية، يرون أن خلاف أهل الظاهر ليس له قيمة ولا يعتبر كما أن بعض أهل العلم على العكس من هؤلاء لا يعتدون بخلاف أهل الرأي، والصواب أن نعتد بخلاف كل واحد من المسلمين؛ لأن الله يقول يخاطب المؤمنين: {وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59]. لكن لا ريب أن جماهير أهل العلم يرون وجوب الزكاة في عروض التجارة وهو الصواب قطعا، وله أدلة عامة وخاصة. فمن أدلته العامة:
أولًا قوله تعالى: {يأيها الذين امنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجناكم من الأرض} [البقرة: 267]. وهذا هو الزكاة تجب في الخارج من الأرض وتجب في طيبات ما كسبنا.
ومنها أيضًا: قوله تعالى: {خذ من أموالهم} [التوبة: 103]. وهذا عام، والأصل فيه أنه يشمل كل شيء حتى العروض، لأنها من أموالنا.
والدليل الثالث: قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم".
والدليل الرابع: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وصاحب العروض لو سألناه ما نيتك بهذه العروض؟ لقال: نيتي الدراهم، أي: ليس بنيتي السلعة، ولهذا أشتري في أول النهار برا، وأشتري في آخر النهار شعيرا، وأشتري في أول النهار بقرًا، وأشتري في آخره غنمًا؛ لأنه ليس عندي إرادة لعين المال، وإنما قصدي الربح الذي هو القيمة فيكون قوله- عليه الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيات" دالًا على وجوب الزكاة في عروض التجارة؛ لأن نية المتجر هي الأثمان- النقود- فوجبت الزكاة عليه.
فيه أيضًا: دليل معنوي نظري، وهو أننا لو نفينا الزكاة في عروض التجارة لكانت أكثر أموال الأغنياء لا زكاة فيها؛ لأن أكثر أموال الأغنياء هي العروض، ولولا أنهم يتعاملون بالعروض ما نمت أموالهم، لو كان عندهم الدراهم فقط أو الدنانير ما نمت الأموال، ما تنمو أموال التجارة غالبًا إلا بعروض التجارة.
فإذا قلنا: إن هؤلاء الذين عندهم ملايين يبيعون بها ويشترون للتكسب لا زكاة عليهم، انتفت الزكاة في أكثر أموال الأغنياء، وهذا يخالف قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" أرأيت لو أن إنسانا عنده أراض، وعقارات ومواش، وأوان، وسيارات، ومعدات تبلغ ملايين للتجارة، وإنسان عنده مائتا درهم. قلنا للأول: لا زكاة عليك. وللثاني: عليك زكاة، هل هذا معقول؟ لا، ذاك الأول عنده ملايين الملايين من العقارات، ولا يمشي إلا بالسيارات الفخمة، وعنده من الخدم والحشم ما لا يحصيهم إلا الله، والمسكين هذا الذي ليس عنده إلا (200) درهمًا قلنا: زكي، أخرج منها

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 80)

خمسة دراهم، والأول نقول: سلام عليك ليس عليك شيء، فهذا ليس بمعقول، والشريعة لا تأتي بأمر يخالف المعقول، ولذلك أنا عندي أن وجوب زكاة العروض من الأمور اليقينية ليست من الأمور الظنية، وإن كان من أهل العلم يقولون: إن من أنكر وجوب الزكاة فيها لا يكفر للاختلاف فيها، وهذا صحيح، لو أن أحدا قال: أنا لا أرى وجوب زكاة العروض، لا نقول: إنك كافر، لكن لو قال: أنا لا أرى وجوب زكاة الذهب والفضة، قلنا: إنك كافر، فالمسائل الخلافية من فروع الزكاة لا نكفر الإنسان المخالف كما لا تكفر من قال إنه لا زكاة في الحلي.
المهم: أن القول الراجح المقطوع به عندي هو وجوب الزكاة في العروض للأدلة الأثرية التي ذكرناها، وللدليل النظري الذي يعارضه شبه مكابر.

‌‌كيف نؤدي زكاة عروض التجارة؟
لكن كيف تؤدي هذه الزكاة هل نعتبر ما اشتريناها به، أو نعتبر ما تساويه عند تمام الحول؛ أو نعتبر المتوسط بين هذا وهذا، أو نعتبر قيمتها في موسم من المواسم مر بها في أثناء العام؟
نقول: المعتبر قيمتها وقت وجوب الزكاة سواء كانت أكثر مما اشتراها به أو أقل أو مثل ما اشتراها به، فإن لم يعلم ما تساوي رجعنا إلى الأصل وهو ما اشتراها به؛ لأننا لو قلنا: إنها تقدر بأكثر، قلنا: الأصل عدم الزيادة، وبأنقص قلنا: الأصل عدم النقص، فيزكي ما اشتراها به.
مثال ذلك: اشترى أرضًا بعشرة آلاف ريال لما جاء عند تمام الحول يرى أن العقارات في فتور، فقال: لا أبيع، هل تساوي عشرة آلاف، أو اثني عشرة، أو ثمانية ماذا نقول؟ نقول: عشرة؛ لأن الأصل أن هذه السلعة حافظة لقيمتها إلا إذا علمنا الزيادة أو النقص، وإلا فالأصل أن قيمتها محفوظة فيها، إذا كان هذا العرض الذي اشتراه كان في آخر الحول وزادت قيمته إلى الضعف هل يزكي القيمة الزائدة؟
مثال ذلك: تجب زكاته في رمضان واشترى أرضًا في رجب بمائة ألف وصارت في رمضان تساوي مائتي ألف، المائة الربح هذه لم يمض عليها إلا شهران هل يزكي الربح، أو نقول: يصير إلى أن يتم عليه الحول؟ يزكي الربح.
- هل عند كساد العروض وعدم بيعها يخرج من نفس العروض؟ الجواب: نعم.
- هل يخرج زكاة العروض منها في غير هذه الصورة؟ قال بعض العلماء نعم له أن يخرج زكاة العروض منها لعموم قوله تعالى: {والذين في أموالهم حق معلوم} [المعراج: 24]. ولكن الصحيح أنه لا يجب؛ لأن المال في العروض ليس هو عين عن المال، بل القيمة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن صاحب العروض الدارجة الرائجة لا تبقى عنده العروض من أول الحول إلى

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 81)

آخره لأنه يبادلها يبيع هذا ويشتري هذا يمكن أن تتبدل عنده بالحول نحو (20) صنفًا، فإذا أخرج من الصنف الذي كان عنده وقت وجوب الزكاة فهو في الحقيقة لم يخرج عن جميع الأصناف السابقة، لكن إذا أخرج من القيمة فهي الأصل، وهي الركيزة، فالراجح أنه لا يجوز أن يخرج قيمة العروض منها، اللهم إلا رجل كانت عروض تجارته من جنس واحد كل الحول كما لو كان عياشًا، أو إن شئت قلنا: كما لو كان قماحًا يبيع القمح؛ فهذا له أن يخرج من العروض؛ لأنه من أول الوقت إلى آخره هي من جنس واحد.
من فوائد الحديث: وجوب الزكاة في عروض التجارة.
الفائدة الثانية: أن الإنسان لو عدل عن نية العروض إلى القنية سقطت الزكاة لقوله: "فيما نعده".
الثالثة: أنه لو جدد نية العروض، فإنه يكون للعروض بالنية؛ يعنى: بأن يكون الإنسان اشترى هذا الشيء ليقتنيه ثم بدا له أن يجعله تجارة فإنه يكون تجارة.
مثال ذلك: رجل اشترى لبيته سكرًا، ورزًا، وشايًا، وقهوة، ودله، وإبريقًا يريد أن تكون لبيته ففتح جزءًا من بيته، دكان وبسط هذه الأشياء للبيع صار الآن تجارة أعدها للبيع فأصبحت عروضًا لعموم قوله: "فيما نعده للبيع"، وسبق أن أهل المذهب- رحمهم الله يقولون: إنه لا يكون للعروض بالنية حتى يملكها بفعله بنية التجارة، وقلنا: إن هذا خلاف ظاهر الحديث.

‌‌زكاة الركاز:
593 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وفي الرِّكاز: الخمس". متفقٌ عليه.
"ركاز" فعال بمعنى: مفعول، من ركز الشيء إذا أثبته، ومنه ركزت العنزة بين يدي النبي 4 صلى الله عليه وسلم، فالركاز يدور على هذه المادة تدل على مادة الثبوت والاستقرار. هذا في اللغة.
والركاز في الشرع: هو ما وجد من دفن الجاهلية فهو فعال بمعنى: مفعول؛ أي: مركوز من دفن الجاهلية، أي: من مدفونها بحيث يكون عليه علامة الكفار، مثل تاجر وجد في الأرض مدفونا حليًا عليه علامة الكفار كله صلبان، هذا نعرف أنه من مال الكفار؛ لأن المسلمين ليس هذا شعارهم فيكون هذا ركاز كذلك إنسان وجد دراهم ما تستعمل إلا في بلاد الكفر فهذا أيضًا ركاز أوان ما تستعمل إلا في الخمر فهذا أيضًا ركاز لأن الذين يشربون الخمر هم الكفار.
المهم إذ وجد شينا مدفونا عليه علامة الكفر بأي علامة تكون، فهذا يسمى ركازا، فإن لم يكن كذلك فهو لقطة إن كان ليس عليه علامة الكفر فإنه لقطة.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 82)

"في الركاز الخمسة" على من؟ على من وجده، وإذا أوجب الشارع فيه الخمس دل ذلك على أن أربعة الأخماس لواجده، وهو كذلك إلا من استأجر لإخراجه، فإنه يكون لمن آجره يعني: مثلًا رجل استأجر عملًا يحفرون له هذه الأرض؛ لأن فيها كنزًا، فحفروه فوجدوه، فهل له ولهم، أو لمن استأجرهم؟ الثاني، لأنهم حفروه بالوكالة عنه.
وظاهر الحديث أنه لا يكون للمالك الأول، تفرض هذه الأرض منتقلة من زيد إلى عمر إلى خالد ووجده خالد فهو لخالد.
العلماء متفقون على أن الواجب الخمس كما في الحديث، لكن أين يصرف؟ قالوا: إن كانت له لبيان الحقيقة التي يراد بها بيان مقدار الواجب فمصرفه لأهل الزكاة، ومن ثم أدخله المؤلف في باب الزكاة فصرف مصرف الزكاة وينبني على ذلك أنه لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة وهو المسلم الحر، ولا يجب الخمس إلا إذا بلغ النصاب، وإلا إذا كان مما تجب في عينه، أو ملكة الإنسان بنية التجارة، فتجب الزكاة في قيمته أما على قول من يقول: إن "أل" هنا للعهد، والمراد به: "الخمس" الذي يصرف مصرف الفيء، فقالوا: إن الخمس هذا لا يعطى أهل الزكاة، ولكن يعطى بيت المال.
وقالوا: ولا يشترط أن تكون مما تجب الزكاة فيه حتى لو وجد ركازا من خزف أو من زجاج أو من حديد أو من أي شيء وجب فيه الخمس، قالوا: ولا يشترط أن يبلغ النصاب؛ لأن هذا ما هو خمس زكاة ولكن خمس فيء فيجب في الكثير والقليل.
قالوا: ولا يجب أن يكون واجده من أهل الزكاة فيجب الخمس، ولو كان الواجد كافرًا أو كان عبدا لكن تجب على سيده لماذا؟ لأن هذا ليس من باب الزكاة.
قالوا: ولا يشترط أن يتم عليه الحول فيجب الخمس بمجرد ما يجده في ذلك الوقت، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله على أن هذا الخمس فيء يصرف لبيت المال ويجب في قليل المال وكثيره، وسواء كان المال مما تجب الزكاة في عينه أم لا، وسواء بلغ النصاب أم لا، وسواء كان واجده ممن تجب عليه الزكاة أم لا حتى إذا لم يجد إلا خمسة ريالات وجب عليه ريال، واستدل هؤلاء بعموم قوله: "في الركاز" عام، وبأن الأمور المطلقة في لسان الشارع تحمل على المعهود الشرعي، والخمس عند الإطلاق يراد به: ما يصرف في بيت المال وهو الفيء، وهذا أحوط، لأنك إذا تأملت هذا وجدته أحوط، إذ إنه يوجب الخمس في القليل والكثير وفي أي نوع من المال وأيا كان الواجد.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 83)

من فوائد هذا الحديث: وجوب الخمس في الركاز لقوله: "وفي الركاز الخمس".
ثانيًا: أن الركاز لواجده وهو الباقي بعد الخمس وهو أربعة أخماس.
ثالثا: أنه لا يشترط فيه بلوغ النصاب لإطلاق الحديث، ولإتمام الحول لإطلاق الحديث، ولا نوعية المال لإطلاق الحديث.
ومن فوائده أيضًا على القول الراجح: أن مصرف هذا الواجب مصرف الفيء وهو بيت المال.

‌‌زكاة الكنز والمعادن:
594 - وعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه- رضي الله عنهم: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في كنزٍ وجده رجل في خربةٍ: إن وجدته في قريةٍ مسكونةٍ، فعرِّفه، وإن وجدته في قريةٍ غير مسكونةٍ ففيه وفى الرِّكاة: الخمس". أخرجه ابن ماجه بإسنادٍ حسنٍ.
"الخربة": الحلة الخربة المتهدمة وليست صالحة للسكنى يقول: "إن وجدته في قرية مسكونة فعرف" يعني: اطلب من يعرفه، وهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتبره لقطة؛ لأن اللقطة هي التي يجب على صاحبها أن يعرفها، وكيف التعريف؟ يقول مثلًا: من ضاع له. الشيء الفلاني يعرفه في مجامع الناس، عند أبواب المساجد، لكن في المساجد لا للنهي عن ذلك، كيف يعرفه؟ نقول أولًا: متى تجده عرفه كل يوم، كلما اجتمع الناس عرفه: من ضاع له كذا وكذا، وهل أخصص وأقول: من ضاع له المال الفلاني الذي صفته كذا وكذا؟ لا، لماذا؟ لأنك لو عينته بوصفه كل واحد يطلبه يقول: هذا لي، ولكن أقول: من ضاع له الشيء الفلاني؟
إذا قال قائل: هل أقول الشيء الفلاني، أو أقول الدراهم أو قوارير أو الأواني إذا كان أواني؟ نعم، لا بد أن يبين الجنس.
قال العلماء: يعرفه أول أسبوع كل يوم، ثم كل أسبوع لمدة شهر، ثم شهر، ثم كل شهر مرة.
وبعض العلماء يقول: إن هذا التحديد يحتاج إلى دليل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "عرّفها"، فما دام الرسول أطلق فيرجع إلى العرف فتعرف في أقرب وسيلة يحصل بها معرفة صاحبها، فلو عرفها في الراديو، أو الصحف فهو أبلغ، لا سيما إذا وجدتها في طريق بين قريتين فلا تدري أين تعرفها، فأحسن لهذه أن تعرف في الصحف، أو في الإذاعة.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 84)

لعل قائلًا يقول: على من تكون أجرة التعريف؟ فيها ثلاثة أقوال: المذهب أنها على الواجد؛ لأن الرسول قال: "عرّفها" فوجّه الخطاب إليه، فأنت المسئول عن تعريفها.
وقال بعض العلماء: يكون على بيت المال؛ لأن هذا لمصلحة عامة.
وقال بعض العلماء: يكون على صاحبها إن وجد، فإن لم يوجد أخذه الواجد من قيمة اللقطة والباقي له؛ هذا القول أصح؛ لأن تعريفي إياه وإن كان امتثالًا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن لمصلحة صاحبها فيكون عليه.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وإن وجدته في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمسة" "فيه" أي: في هذا الكنز، "وفي الركاز الخمس" والباقي لواجده، وفي هذا دليل على أن الركاز غير الكنز، فإن الكنز قد يكون ظاهر، والركاز غالبا يكون مدفونا.
595 - وعن بلال بن الحارث رضي الله عنه: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القبليَّة الصَّدقة". رواه أبو داود.
"المعادن" جمع معدن، وهو ما يستخرج من الأرض لا من جنسها، ولا من النبات، فقولنا هذا: "لا من جنسها" خرج به ما يستخرج من الأرض من جنسها مثل: الحجارة وما أشبه ذلك، مما هو من جنس الأرض فليس هذا من المعدن، "ولا من النبات" خرج به النبات فليس بمعدن، فالذهب معدن، والحديد، والفضة، والرصاص، والنحاس، والزئبق، الآن نقول: المعادن الرسول أخذ منها الصدقة ففيها إذن الصدقة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ منها، ولكن هل تجب في كل المعادن، أو نقول: إن كان المعدن مما تجب الزكاة في عينه كالذهب والفضة ففيه الصدقة، وإن كان مما لا تجب في عينه كالنحاس والرصاص وما أشبهه فإن قصد به التجارة فهو عروض تجارة وإلا فلا شيء فيه؟
اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من قال: إن الزكاة واجبة فيه بكل حال، لأنه خارج من الأرض بدون مؤنة شاقة فيشبه الزرع.
ومنهم من قال: إن المعدن جوهر مستقل ليس من جنس الأرض، فيرجع فيه إلى الأصل، والأصل عدم وجوب الزكاة إلا بدليل، ولا يوجد دليل على وجوب الزكاة في غير الذهب والفضة إلا إذا كان عروضًا، وهذا ليس عروضًا، والاحتياط أن يخرج الإنسان زكاة المعدن مطلقًا لأن هذا هو ظاهر الحديث، ولأنه يشبه الحبوب والثمار تجب فيها الزكاة، وإن لم تكن ذهبا ولا فضة ولا تجارة.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 85)

من فوائد حديث عمرو بن شعيب: أن ما وجد في القرى الخربة إن كانت مسكونة فهو لقطة وإن لم تكن مسكونة فهو كالركاز حكمه حكم الركاز فيه الخمس.
ومن فوائده: تفريق الشرع بين المختلفين حقيقة فيفرق بينهما في الحكم، فإن هناك فرقًا بين الأرض المسكونة والأرض غير المسكونة فاختلف الحكم.
ومن فوائده: حكمة الشرع في التفريق في الحكم بين المختلفين في الحقيقة.
ومن فوائده: أن هناك فرقا بين اللقطة وبين الركاز، فالركاز لواجده وعليه فيه الخمس، واللقطة تعرف فإن جاء صاحبها فهي له، وإن لم يأت صاحبها فهي لواجدها
مسألة
لو تلفت اللقطة في أثناء الحول فعلى من يكون الضمان؟ فيه تفصيل: إن كان مفرطا أو متعديّا فعليه الضمان وإلا فلا، وإن تلفت بعد الحول فعليه الضمان مطلقا؛ لأنه لما تم الحول دخلت في ملكه فكانت مضمونة عليه، يعني: إذا جاء صاحبها وقال: هذه اللقطة ووصفها كذا وكذا، وانطبق الوصف، فإنه يجب أن تردها بكل حال، وأظنها فيها قولًا آخر، لكن لا أتيقنه أنها بعد تمام الحول كما قبله، بمعنى: أنه إن تعدى أو فرط فعليه الضمان وإلا فلا، ولكن الفرق بين ما قبله وبعده أن تصرفه فيها بعد الحول جائز وقبله لا يجوز إلا إذا كان من مصلحة اللقطة، كما لو وجد مثلًا زنبيلًا من البطيخ إذا عرفه سنة هلك فيبيعه بعد حفظ صفاته، ويحفظ الثمن هذا تصرف، ولكن لمصلحة اللقطة، وكذلك لو وجد شاة تحتاج إلى الأكل إن جعل ينفق عليها، أكلت دراهم كثيرة، إذن يبيعها بعد حفظ صفاتها ويحتفظ بثمنها.
أما الحديث الثاني: ففيه دليل على أن المعدن يملك بالأخذ كيف ذلك؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منه الصدقة، ولازم ذلك أن يكون ما عدا الصدقة لواجد هذا المعدن ومستخرجه، و"القبلية" نقول: إنها جمع "قبل" وهي ناحية من نواحي الفرع بين مكة والمدينة، وقيل: إنها بلدة من ساحل البحر، ونحن لا يهمنا مكانها المهم أخذ الزكاة من المعدن.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 86)

‌‌1 - باب صدقة الفطر
كلمة "صدقة" تقدم أنها تطلق على الواجب والمستحب، ومن إطلاقها على الواجب قوله تعالى: {* إنما الصدقات للفقراء ..... } [التوبة: 60]. ومن إطلاقها على العموم قوله صلى الله عليه وسلم: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار".
وقوله: "صدقة الفطر" هل هي من باب إضافة الشيء إلى سببه، أو من باب إضافة الشيء إلى زمنه؟ الظاهر إلى زمنه؛ لماذا؟ لأنها تجب على الإنسان وإن لم يصم؛ فإن كان الإنسان مريضًا مثلا وجبت عليه صدقة الفطر مع أنه لم يصم رمضان، إلا أن يقول قائل: إنها من باب إضافة الشيء إلى سببه باعتبار الأعم الأغلب فهذا له وجه، لكن إذا قلنا: من باب إضافة الشيء إلى وقته، فإنه يبقى الكلام على ظاهره والمراد بـ"الفطر" أي: الفطر من رمضان.

‌‌صدقة الفطر من تجب؟
596 - عن ابن عمر رضي الله عنه قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعيرٍ على العبد والحرِّ، والذَّكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج النَّاس إلى الصَّلاة". متَّفقٌ عليه.
"الفرض" في اللغة سبق أنه بمعنى القطع والتقدير، وله معانٍ متعددة بحسب السياق، لكنه يدل على الوجوب. "فرض" بمعنى: أوجب وألزم، ولا فرق بينه وبين الواجب على القول الراجح، فإن الواجب والمفروض بمعنى واحد.
وقيل: إن الفرض: ما ثبت بدليل قطعي. والواجب: ما ثبت بدليل ظني. والصواب: أنه لا فرق بينهما.
"فرض زكاة الفطر"، هناك سماها زكاة، والزكاة في اللغة: النماء والزيادة. وفي الشرع: ما تزكو به النفوس من مال أو عمل؛ ولهذا تسمى الأعمال الصالحة زكاة، قال الله تعالى: {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} [الشمس: 9، 10]. فكل ما تزكو به النفوس من مال أو عمل فهو زكاة شرعا لكن تطلق على المعنى الخاص، أي: أنه يراد بها بعض معانيها كما في قولنا: زكاة المال.
"زكاة الفطر صاعًا" ما إعراب "صاعا"؟ حال على سبيل التأويل كما قال ابن مالك:
*كبعه مدا بكذا يدًا بيد*
فهو على سبيل التأويل بالمشتق، ويجوز أن تكون "فرض" بمعنى: قدر، وتكون "صاعًا"

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 87)

مفعولًا ثانيًا لـ "فرض" والمراد بالصاع: الصاع النبوي الذي زنته- حسب تحريري له- كيلوان وأربعون غرامًا وهو الذي يقدّر به، جميع ما يقدر بالمكيال يقدر بالصاع النبوي وهو أربعة أمداد.
يقول: "صاعًا من تمر أو صاعا من شعير" التمر معروف، والشعير معروف، و"أو" هنا للتنويع يعني: صاعًا من هذا أو هذا، وإنما نص عليهما، لأنهما القوتان الغالبان لأهل المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقوله: "على العبد" متعلق بـ "فرض"، و"على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين".
قوله: "على العبد". إذا قال قائل: كيف تفرض على العبد، والعبد هو وما تحت يده مملوك لسيده، كما قال الله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم} [النور: 33]. فهم ملك لأسيادهم فليس لهم مال؟ قلنا: تجب عليه أصالة، ويتحملها عنه السيد، وقوله: "الحر" معروف، و"المبعض" كذلك واجبة عليه؛ لأنها لا تختلف الحرية والعبودية هنا، فالحر والعبد والمبعض كلهم تجب عليهم الزكاة، ولكن نريد مثالًا يكون فيه الإنسان مبعضًا؟ إذا كان المعتق الذي أعتق نصيبه إذا كان فقيرًا فإنه يعتق نصيبه والباقي يبقى على العبودية، هذا هو المشهور من المذهب، ولكن فيه قول آخر: وهو أنه يستسعى العبد- وهو الصحيح إذا أمكن- معنى يستسعى: يعني: يطلب منه السعي، ونفس العبد يعطي أسياده الذين لم يعتقوا، فإذا لم يمكن للعبد أن يستسعى فحينئذ يكون العبد مبعضًا. إذن نقول: يمكن التبعيض إذا اعتق إنسان فقير نصيبه من عبد مشترك ولم يمكن استسعاء العبد فهذا على كل الأقوال يصح.
قوله: "الذكر والأنثى" معروف، و"الخنثى" يدخل، والصغير والكبير، والعاقل والمجنون يدخل في عموم قوله: "الذكر والأنثى" فيشمل كل من كان من المسلمين.
وقوله: "من المسلمين" بيان لما سبق، وهو قوله: "على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين"، وإنما خص المسلمين؛ لأن غير المسلمين لا تجب عليهم فروع الإسلام إلا بعد أن يقروا بالإسلام، أما أن توجب عليه أن يؤدي زكاة الفطر وهو ليس بمسلم كيف ذلك؟
قال: "وأمر أن تؤدى قبل خروج" "أمَر" هل هذا تفنن في العبارة، أو هناك فرق بين أصل الزكاة ووصف الزكاة؟ هنا قال: "وأمر أن تؤدى" ولم يقال: "وفرض أن تؤدى" فهل نقول: إن هذا من باب التفنن في العبارة، وأنه تحاشيا لتكرار "فرض" جعل بدلها "أمر"، أو نقول: لما كان إخراجها قبل الصلاة وصفا فيها جعل الأصل مفروضًا، والوصف مأمورا به، ولعل هذا أقرب؛ لأنه على القول الأول تكون الكلمتان مترادفتين، وعلى هذا الاحتمال تكون الكلمتان

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 88)

مختلفتين، "أمر أن تؤدى"، أي: توصل إلى مستحقها، وقبل خروج الناس إلى الصلاة، أي: صلاة العيد فـ"أل" هنا للعهد الذهني: لماذا؟ لأنه لم يسبق لها ذكر هنا.
من فوائد الحديث، أولًا: أن زكاة الفطر فرض واجب لقوله: "فرض رسول الله".
ثانيًا: أن هذه الزكاة لا تصح إلاّ في آخر الشهرة لأنه هو وقت الفطر، فلا تصح في أول الشهر خلافا لمّا ذهب إليه بعض أهل العلم، وقال: إنها لا تصح معللًا ذلك بأن الصيام سبب، والفطر شرط، والقاعدة أنه: "يجوز تقديم الشيء بعد وجود سببه قبل وجود شرط"، مثل: يجوز تقديم الكفارة بعد اليمين، وقبل الحنث، لكن الصحيح أن الفطر سبب، وليس بشرط.
ومن فوائد الحديث: أن مقدارها صاع لقوله: "فرضها صاعًا"، فلو نقصت عن الصاع لم تجزى، وهذا للقادر، معلوم أن القادر على دفع الصاع لو لم يدفع إلا نصف صاع لم يجزئ، ولكن إذا كان عاجزًا عن دفع الصاع فهل يدفع ما قدّر عليه منه؟ في هذا خلاف بين أهل العلم- رحمهم الله:
فمنهم من قال: إذا لم يستطع الصاع دفع ما قدر عليه لقوله الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]. ولأن بعض الصاع ينتفع به الفقير، فكان دفع بعضه له معنى.
ومنهم من قال: إن هذه عبادة مقدرة بقدر معين إذا عجز عن هذا القدر سقطت عنه، لأنها إذا لم تتم على الوصف المطلوب شرعًا فإنها لا تصح، ولكن الصحيح الأول، لعموم قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}، ولأننا نقول: لو عجز عن الوضوء كاملًا في كل أعضائه لتوضأ بما يقدر عليه؛ ولأننا نقول أيضًا: لو عجز عن الركوع والسجود صلى الصلاة وأومأ بالركوع والسجود- هذه هي القاعدة الشرعية-؛ ولأننا نقول: إن دفع البعض فيه منفعة فإذا جاء الفقير بنصف صاع من هذا ونصف صاع من آخر لكان عنده صاع.
ومن فوائد الحديث: أنه يدفع- أي الصاع- من التمر والشعير لقوله: "صاعًا من تمر أو شعيره" وهل هذا التعيين من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه هو الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد عينه؟ المشهور من المذهب الثاني، وأن الشارع قصد عين هذا الجنس من الطعام، وعلى هذا فيدفع هذا الجنس من الطعام، وإن لم يكن طعامًا للناس وقت الدفع، "التمر" عند الناس الآن طعام، "الشعير" ليس طعامًا للآدمي، فهل نقول: إن تعيين الرسول صلى الله عليه وسلم يقتضي أنه مجزئ مطلقًا، أو نقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم عينه كمثال للطعام؟ لأن هذا. هو الأغلب، والمعروف عند الأصوليين أن القيد الأغلب لا مفهوم له، كما في قوله تعالى: {وربابكم التي في حجوركم} [النساء: 23]. فإن الربيبة وإن لم تكن في الحجر فإنها محرمة على زوج أمها، الظاهر المعنى الثاني؛ أي: أن هذا على سبيل المثال؛ لأنه الغالب،

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 89)

بدليل ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد قال: "كنا نؤديها صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذٍ التمر، والشعير، والزبيب، والأقط"، وعليه فيكون الأمر مقيدًا بما يكون طعمة للمساكين ومصلحة لهم؛ فإذا جاء وقت من الأوقات بحيث لا يكون التمر طعامًا ولا قوتًا، ولا الشعير كذلك فإنا نقول: أخرج من قوت بلدك.
ومن فوائد الحديث: أن القيمة لا تجزئ في زكاة الفطر، وجه ذلك: أنه قال: "صاعًا من تمر أو شعير"، والتمر والشعير غالبًا تختلف أقيامهما، ولو كانت القيمة معتبرة لقال: صاعًا من تمر وما يعادله من الشعير، فلما فرضها من أجناس مختلفة النوع مختلفة القيمة مع الاتحاد بالمقدار علم أن القيمة هنا غير معتبرة، وهذا القول هو الراجح، وإن كان في زكاة المال قد تجزئ القيمة عن عين المال، لكن هنا لا يصح إلا صاعًا من تمر أو شعير أو من طعام.
ومن فوائد الحديث: أن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم، وما ذكر في الحديث فهو من باب تعداد الأنواع: الحر والعبد، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، فهي واجبة على كل مسلم.

‌‌فائدة: الواجبات تسقط بالعجز:
وهل تجب صدقة الفطر على العاجز الذي لا يقدر، مثل إنسان ليس عنده صاع؟ لا تجب، فهل تبقى في ذمته؟ لا؛ لأن القاعدة عندنا أن الواجبات تسقط بالعجز عنها حين وجوبها؛ ولهذا مر علينا في قصة المجّامع في رمضان حين كان فقيرًا وأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ التمر، هل قال: فإذا قدرت فأده؟ لا، فالواجبات المقيدة بزمن إذا جاء ذلك الزمن ولم يكن الإنسان قادرًا عليها فإنها تسقط عنه، وإلا لألزمنا المسلمين بأمور كثيرة يعجزون عنها، كأن نقول: الصلاة إذا كنت غير قادر عليها ثم قدرت فيما بعد تؤديها، وكذلك أيضًا نقول في الكفارات، ونقول أيضًا في الواجبات المالية، فكل واجب إذا كان معينا بزمن وجاء ذلك الزمن وأنت غير قادر عليه فإنه يسقط.
ومن فوائد الحديث: شرط الإسلام لوجوب الواجبات لقوله: "من المسلمين"، ولكن هل فقدان هذا الشرط يسقط المطالبة في الآخرة أو لا؟ الصحيح أنه لا يسقط المطالبة في الآخرة، بمعنى: أن الكفار لا نطالبهم بفعل شرائع الإسلام حال كفرهم، ولا نطالبهم بقضائها بعد إسلامهم، لكن لو ماتوا على الكفر فإنهم يعاقبون عليها هذا هو القول الصحيح.
ومن فوائد الحديث: تأديتها قبل الصلاة لقوله: "وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة"، لكن ماذا تفهمون من قوله: "قبل خروج الناس إلى الصلاة"؟ هل تفهمون أنها تؤدى في نفس اليوم قبل الخروج؟ هذا هو الظاهر، وإلا لقال: وأمر أن تؤدى قبل ليلة العيد؛ لما قال: "قبل خروج الناس إلى الصلاة" كان ظاهره أنها تؤدى في صباح العيد، ولكن قبل الصلاة.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 90)

ومن فوائد الحديث: أن أداءها بعد الصلاة غير مجزئ، لأنه خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". وبهذا نعرف ضعف قول من يقول من أهل العلم: إنه إذا أداها بعد صلاة العيد في يوم العيد أجزأت مع الكراهة، فنقول له: أين دليلك على الإجزاء، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، وهو إذا أدّاها بعد الخروج للصلاة فقد فعل ما لم يأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم، بل فعل ما يخالف أمر الرسول، وإذا فعل ما يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مردود، وأيضًا سيأتيننا في حديث ابن عباس قال: "من أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" وهذا نص صريح في موضع النزاع فيجب المصير إليه؛ لأن النص سواء كان من القرآن أو السنة إذا كان صريحا في موضع النزاع وجب المصير إليه، ولا يمكن أن يكون مقبولًا رفضه.
ومن فوائد الحديث: بيان حكمة الشرع في تسوية الناس في مقدار الزكاة وإن اختلفت أجناسها، أو في التسوية في الواجب للزكاة وإن اختلفت أجناسها؛ لأنه قال: "صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير"، حتى لا يختلف الناس في ذلك فيقول هذا: أنا أخرج من جنس جيد نصف صاع. ويقول الثاني: أنا أخرج من جنس رديء صاعين مثلًا، نقول: لا، الشارع قدرها صاعًا لا زيادة فيه ولا نقص، وبهذا نعرف ضعف قول من ذهب إلى أنه إذا كانت الزكاة- زكاة الفطر- من نوع جيد فإنه يجزئ نصف الصاع بدلًا عن الصاع، وممن ذهب إلى ذلك معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، واختار هذا أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: إن صدقة الفطر من البر يجزئ فيها نصف الصاع، وقاس ذلك على الكفارات، فإن الكفارات تجدون في كتب الفقهاء يقولون: الواجب مد بر أو نصف صاع من غيره، والصواب في هذه المسألة- أعني: زكاة الفطر- أنه لا بد فيها من الصاع ولو كان النوع جيدًا؛ لقول أبى سعيد رضي الله عنه: "أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لو أدّاها من اللباس يصح؟ لا يصح؛ لأن الشارع فرضها من الطعام.

‌‌الحكمة من صدقة الفطر
597 - ولابن عديٍّ والدَّارقطنيِّ بإسنادٍ ضعيفٍ: "أغنوهم عن الطَّواف في هذا اليوم".
"الطواف" معناه: التردد على الشيء، "أغنوهم" الضمير يعود على الفقراء، الهاء والواو تعود على الأغنياء الذين يدفعونها، وهذا فيه إشارة إلى الحكمة من وجوب الزكاة، وكونها في يوم

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 91)

العيد؛ لأن الفقراء إذا أتاهم ما يكفيهم يوم عيدهم استغنوا عن الطواف وشاركوا الأغنياء في الفرحة بالعيد، وهذا من حكمة الشارع.

‌‌مقدار صدقة الفطر ومما تكون؟
598 - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: "كنَّا نعطيها في زمان النَّبيِِّ صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعامٍ أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من زبيبٍ". متفقٌ عليه.
- وفى روايةٍ "أو صاعًا من أقطٍ"
- قال أبو سعيدٍ: "أمَّا أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
- ولأبي داود: "لا أخرج أبدًا إلا صاعًا".
هذا الحديث فيه إشكال من حيث ترتيب اللفظ: "كنا نعطيها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم"، من تعطيها؟ الفقراء، وعلى هذا فالمفعول الثاني محذوف الدلالة السياق عليه، فالمفعول الأول محذوف وهو الفقراء، والثاني "هاء"، نعطيها ويعود على زكاة الفطر.
وقوله: "في زمن النبي صلى الله عليه وسلم"، أضافها إلى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن زمنه وقت الحجة حيث فيه إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم، أما ما بعد زمن الرسول صلى الله عليه وسلم مما فعله الصحابة فهل هو حجة أم لا؟ نقول: إن أجمعوا عليه فهو حجة لإجماعهم، وإن اختلفوا رجعنا إلى ما يرجحه الدليل.
وقوله: "صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر" في هذا إشكال؛ لأن قوله: "أو صاعًا من تمر" هذا بعض من قوله: "أو صاعًا من طعام" فكيف أتى بـ "أو"؟ قال بعض العلماء: إن المراد بقوله: "صاعًا من طعام" الذرة أو الحنطة، ولكن هذا القول ليس بصحيح، والصحيح أن "أو" هنا للتفسير يعني: صاعًا من طعام، وهذا الطعام هو التمر، والشعير، والزبيب، والأقط كما تفسره الرواية الأخرى، وقد جاء مثل هذا الترتيب في حديث مرّ علينا في دعاء الهم والعم وهو قوله: "أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك"، فإن "أو" هنا لا تدل على التقسيم؛ لأن ما بعدها داخل في قوله: "سميت به نفسك"؛ لأن ما سمّى به نفسه إما أنه أنزله في كتابه، أو علمه أحدا من خلقه، أو استأثر به في علم الغيب عنده، فيكون ما بعد "أو" كالتفسير لمّا أجمل فيما سبق هنا.
زاد على حديث ابن عمر: الزبيب، والأقط، الزبيب: هو العنب المجفف، والأقط: اللبن المجفف سواء رصع أو لم يرصع، هل ذكر البر؟ البر ما ذكر، ولم يثبت فيه حديث عن الرسول

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 92)

صلى الله عليه وسلم مع أن الفقهاء- رحمهم الله يكادون يجمعون على أن البرّ من الأصناف التي جاءت بها السنة، ولكن الظاهر أنها لم تأت بها السنة بدليل أن معاوية رضي الله عنه لما قدم المدينة وقد كثر فيها البر قال: أري صاعًا من هذا يعدل صاعين- يعني: من الشعير، يعني: أن البر نصف الشعير، قال: فعدل للناس بذلك، وصار الناس في عهد معاوية يخرجون زكاة الفطر من البر نصف صاع، لكن أبو سعيد رضي الله عنه قال: "أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
ولأبي داود: "لا أخرجه أبدًا إلا صاعًا" فخالف معاوية في اجتهاده، أيهما أصوب؟ أبو سعيد أصوب بلا شك، لأننا نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فرضها صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير مع أنها مختلفة في الغالب.
فيستفاد من هذا الحديث: أن إعطاء صدقة الفطر صاعًا من الطعام ثابت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو من السنة حسب حديث أبي سعيد من السنة التقريرية، وحديث أبن عمر من السنة القولية.
وفيه أيضًا من فوائد حديث أبي سعيد: أن اختلاف الأنواع لا يستلزم اختلاف التقدير كيف ذلك؟ لأنه قال: "صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير"، ولم يختلف المقدار مع اختلاف الأنواع.
ومن فوائد الحديث: أن الأولى بالمؤمن أن يأخذ بظاهر النص لفعل أبي سعيد رضي الله عنه، لأنك إذا أخذت بظاهر النص صار ذلك حجة لك عند الله، لكن إذا خالفت ظاهر النصر لمعقول رأيته فإن ذلك قد يكون حجّة عليك، فيقال لك: ما الذي أعلمك أن الله أراد كذا أو الرسول أراد كذا، الآن نقول: يجوز أن يقدمها قبل العيد بيوم أو يومين متى؟ أي: يوم سبعة وعشرين، ثمانية وعشرين على خطر؛ لأنه إن وفى الشهر صارت قبله بثلاثة أيام وعلى هذا فهو خطر فيخرج في اليوم التاسع والعشرين.
ومن الفوائد التي لا بد أن نذكرها: هل زكاة الفطر واجبة على الأعيان أو هي كالنفقة تجب على من تجب عليه نفقة الإنسان؟ الصحيح أنها واجبة على الأعيان وأن الإنسان يجب أن يؤدي زكاة الفطر عن نفسه، فمثلًا إذا كان ولد في بيت ويستطيع أن يؤدي زكاة الفطر بنفسه، فإن أباه لا يتحمل عنه هذه الزكاة، بل يجب عليه أن يخرج، المرأة الزوجة تستطيع أن تدفع صاعًا عن نفسها لا يلزم زوجها أن يخرج عنها؛ لأن ابن عمر يقول: "فرضها على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير". فهي فرض على الإنسان نفسه، لكن لو تبرع صاحب البيت، أو رب البيت بإخراجها عمن في بيته فهذا جائز؛ لأن ابن عمر رضي الله عنه كان يفعل ذلك كان يخرج زكاة الفطر عمن في بيته.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 93)

ومن فوائد حديث أبي سعيد: أن الصحابة كانوا يخرجون زكاة الفطر من هذه الأجناس الأربعة من غير نظر للفرق بينها في القيمة، فقد يكون صاع التمر بالقيمة يساوي قيمة صاعين من الشعير فيخرج صاعًا، وكذلك نقول في الزبيب والأقط فلا عبرة بالقيمة، العبرة بهذا القدر.
ومن فوائده: البقاء على ظاهر اللفظ دون تدخل العقل لقول أبي سعيد: "أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم"، لأننا لو أن العقل تدخل في هذا الأمر، لقلنا: إذا كان الزبيب أغلى من الشعير لوجب إخراج نصف صاع مثلًا، يعني: إذا كان قيمة الشعير أنقص من قيمة الزبيب بالنصف، لقلنا: إنه يجزئ أن يخرج من الزبيب نصف صاع، وإذا كانت أدنى منها بثلاثة أرباع يخرج ربع صاع وهكذا، ولكن نقول: إنه لا مدخل للعقل وللتفكير في هذا الباب.

‌‌وقت صدقة الفطر وفائدتها:
599 - وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر؛ طهرةً للصَّائم من اللَّغو والرَّفث، وطعمةً للمساكين، فمن أدَّاها قبل الصَّلاة فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أدَّاها بعد الصَّلاة فهي صدقةٌ من الصدقات". رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم.
نقول في "فرض" كما قلنا في حديث ابن عمر، أي: أوجب على سبيل الإلزام، "طهرة" هذه مفعول من أجله؛ أي: لأجل تطهير الصائم من اللغو والرفث، "اللغو": الكلام الذي لا فائدة منه، والرفث الكلام والفعل الذي يأثم به الإنسان.
* والصائم لا يخلو من إحدى ثلاث حالات:
- إما أن يحفظ صومه فلا يتكلم إلا بما فيه خير ولا يفعل إلا ما فيه خير وهذا أعلى الأقسام.
- وإما أن يهمل صومه يشتغل بالرفث والفسوق والعصيان فهذا شر الأقسام.
- وإما أن يأتي بصومه بلغو لا فائدة فيه ولا مضرة فهذا لا إثم عليه لكنه حرم نفسه خيرًا كثيرًا لماذا؟ لأنه كان بإمكانه أن يشغل هذا الشيء الذي جعله لغوًا بما هو خير ومصلحة، فالإنسان الصائم لا يخلو من اللغو والرفث غالبًا هذه الصدقة- صدقة الفطر- طهرة له؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، فتكون هذه الصدقة كفارة لما حصل للصائم من اللغو والرفث وتطهيرًا له.
الفائدة الثانية. "وطعمة للمساكين" يعني: يطعمونها يوم العيد ويأكلون ويشربون مع الناس، ويكون العيد عيدًا للجميع، ولهذا قال العلماء: إن الأفضل من أصناف زكاة الفطر ما كان أسهل مؤنة مثل التمر، التمر إذا أعطيته الفقير أكله مباشرة، ولكن إذا كان التمر ليس بالشيء المفضل عند الفقير، ويفضل عليه الرز مثلًا فإن الرز يكون أولّى.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 94)