حُسْنَ ذلك من الله تعالى، ويمنعون قُبحَه من الله تعالى.
والثاني: ممنوعٌ لأمورٍ:
أولها: أن من نسب إلى الله تعالى الحُسْنَ، وهو يعتقد أنه قبيح، كفر إجماعاً، لأنه قصد انتقاص الرب تعالى، فدل على أن الحكم للاعتقاد لا لمطابقته المعتقد، فيلزم في من اعتقد في أمرٍ قبيح أنه حَسَنٌ، ثم نسبه إلى الله تعالى، أنه لا يكفر، لأنه قصد مدح الرب عز وجل بكمال القدرة ونفوذ المشيئة، مع تصريحه بأن لله الحجة البالغة، عرفها أو لم يعرفها.
وكم يقع للمعتزلة مثل هذا كثيراً، فإنهم اختلفوا في آلام الأطفال والبهائم ومن لا ذنب له.
فمنهم من قال: يحسن مع العِوَضِ وحده.
ومنهم من قال: مع الاعتبار وحده.
ومنهم من قال: هي مع العوض وحده عَبَثٌ، لإمكان التفضل (1) بالعوض من دون ألمٍ، ومع الاعتبار وحده ظلم في حق الصغير والعَجْماوات، لأن المعتبر غير الأليم.
وهذا (2) هو المختار عندهم، فيجب في الألم أن يكون جامعاً بين العوض والاعتبار، ومع هذا فلم يُكَفِّروا من جوَّزه بأحدهما، ويجعلوه بمنزلة من أجاز العبث أو الظلم على الله تعالى.
وكذا تقدم أن قاضي القضاة منع من تكليف من عَلِمَ أن لُطْفَه في فعلٍ قبيحٌ، وقال: إنه غير مُزَاحِ العلة، ولم يُكَفِّرِ الشيوخ لتجويزهم على الله تعالى تكليف من هو كذلك، وأمثال هذا بينهم كثيرة، مثل قول أبي القاسم البَلْخِي والبغدادية: إن تكليف الكافر لمصلحة المؤمن تجوز على الله تعالى، وهذا ظلمٌ عند سائر المعتزلة.--------------------------------------------
(1) في (ش): الفضل.
(2) في (ش): فهذا.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 26)
وكذلك اختلافهم في بعض صفات الله تعالى، ثم لا يُكَفِّرُ بعضهم بعضاً بذلك، وإذا خالفهم السني في شيءٍ منها، تَمَحَّلوا تكفيره بأنه قد عبد غير الله.
والقصد بهذا تنبيه الغافل على ما بين الفِرَقِ من العصبية لعله يتقي الله تعالى في التقليد في التكفير والتفسيق، ويرجع إلى النظر الصحيح والتحقيق.
الوجه الثاني: -وهو المعتمد- أن التكفير سَمْعِيٌّ قطعي عند المعتزلة، والصحيح أن كل قطعي من الشرع فهو ضروري، والمعلوم ضرورةً أو قطعاً من السمع إنما كفر من اعتقد في أمرٍ أنه قبيح ثم نسبه إلى الله تعالى، ومن ادَّعى كُفْرَ من أخطأ في استحسان قبيحٍ وتجويزه على الله تعالى لحسنه عنده من الله تعالى، احتاج إلى دليلٍ قاطعٍ، بل ضروي من السمع، وهذا غير موجودٍ قطعاً.
الوجه الثالث: أن قدرة الله تعالى عند هؤلاء إنما أثَّرَتْ في مجرد الذات الحقيقية، وهي: الحركة والسكون، بل (1) المرجع بهما عند المعتزلة والأشعرية إلى مجرد اللبث في الجهة مع شروط عدميةٍ وإضافيةٍ مثل شرط النُّقلة في (2) الحركة، وشرط البقاء في السكون.
ولا شك أن لبث الجسم في حَيِّزٍ إما فعل الله، لأن العبد لا يقدر على الانفكاك من ذلك القدر الذي هو حقيقة الذات في الأفعال عندهم، وإنما يكون اختيار العبد في صفات ذلك اللبث وأحواله التي يقبح بسببها ولم تُعَلَّقْ قدرة الرب بها.
وأما الذات التي تعلقت قدرة الرب بها، فإنها لا تُوصَفُ بقُبْحٍ باتفاق الفريقين من المعتزلة والأشعرية، وإنما تَقْبُحُ عند الجميع لوقوعها على بعض--------------------------------------------
(1) في نسخة (ش) ضرب على لفظة " بل "، وكتب بدلاً منها بخط مغاير " اللذين " وأشير عليها برمز " صح ".
(2) في (أ) و (ف): والحركة، وكتب فوق الواو (ظ: في)، وهي كذلك في (ش).
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 27)
الوجوه والاعتبارات الإضافية، وهي لا تقع على تلك الوجوه بقدرة الرب عند الفريقين أيضاً، لأن تلك الوجوه ليست بأشياء حقيقيةٍ عند الجميع، والمضاف إلى قدرة الله تعالى في أفعال العباد إنما هو إخراج ذوات الأفعال التي هي أشياء حقيقيةٌ من العدم إلى الوجود، وقدرة العبد تؤثر في وقوع ذوات الأفعال على تلك الوجوه المختلفة، ولأجل وقوعها بقدرة العبد وحده على تلك الوجوه استحقت أسماءً لا يصح إطلاقها على الله تعالى مثل: العبادة والطاعة والمعصية، فلو وقعت تلك الوجوه بقدرة الله سبحانه لزم أن يُسَمَّى مطيعاً وعابداً وعاصياً ومُصَلِّياً وصائماً، ونحو ذلك.
فلما كانت هذه الأسماء لا تطلق عليه، إنما يطلق عليه أنه الخالق الموجد المبدع، دلَّ على أن متعلق قدرته سبحانه هو ما اشتق له منه الأسماء الحسنى، وأن الاشتقاق من الفعل الواحد يختلف بحسب اختلاف وجوهه.
كما أن إيلام اليتيم ذاتٌ واحدة، وأسماؤه وصفاته تختلف، فحين يكون تأديباً له ممن له ذلك يُسَمَّى تأديباً وإحساناً وإصلاحاً وقربةً وطاعةً، وحين يكون على ضد ذلك يُسمى معصيةً وظلماً وعدواناً، وحين يكون من الله تعالى يستحيل فيه اسم المعصية والطاعة والظلم والقبح، ويبقى اسم الإحسان والإصلاح والتأديب.
فهذا شيء واحد اختلفت أسماؤه لوقوعه على الوجوه المختلفة، فكذلك سائر الذوات الموصوفة بالقبح، متى استحقت اسم القبح لوجهٍ وقعت عليه بقدرة العبد لا يستحقه لعدم ذلك الوجه حين تقع تلك الذات منسوبةً إلى قدرة الرب.
وبالجملة فإن المعتزلة والأشعرية اتفقوا على أن المعاصي والطاعات كلها ليست هي الذوات المُخْرَجة بالقدرة من العدم إلى الوجود، وإنما هي وجوهٌ تقع الذوات عليها، وجهاتٌ لاستحقاق الذمِّ والعقاب، والثناء والثواب، وتلك الوجوه لا نحتاج إلى قدرة الله لتُؤَثِّرَ فيها على انفرادها، لأنها ليست بأشياء.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 28)
مثالٌ لبعض (1) ذلك: التروك، فإنها توصف بالتحريم متى كانت تُروكاً للواجبات ويستحق عليها الذم والعقاب، وتوصف بالوجوب متى كانت تُروكاً للمحرمات ويستحق عليها الثناء والثواب، مع أن التروك عند جماهير المعتزلة عدمٌ محضٌ، وإنما هي جهةٌ لاستحقاق الذم والعقاب، أو الثناء (2) والثواب.
ومن قال منهم: إنها كفُّ النفس، وأن الكفَّ أمرٌ ثبوتي كالبَلْخِي والجُبَّائي، قال: إن الحُسْنَ والقبح الذي في التروك عَدَمِيٌّ إضافي، لأن الترك الواحد قد يكون كفّاً عن الواجب والحرام معاً، مثل من ترك الصلاة والظلم واشتغل بالمباح، فإن المباح عند هؤلاء واجب بالنظر إلى كفه عن الحرام، وحرام بالنظر إلى كفه عن الواجب.
فلو كان الوجوب والتحريم حقيقِيَّيْنِ كالسواد والبياض لم يجتمعا، فدل على أن الحسن والقبح ليسا بشيء حقيقي، وأن جميع الطاعات والمعاصي ليست بذواتٍ وأشياء تحتاج إلى قدرة الرب تعالى عند الجميع.
وقد يظن أن الجويني وأبا الحسين يخالفان في هذا، وليس كذلك، كما سيأتي مُحَقَّقاً إن شاء الله تعالى.
ومن أدَقِّ ذلك الكلام في الكذب، فإنه لا يجوز أن يضاف الكذب إلى الله تعالى عند أهل السنة، لأنه لم يكن كذباً لذاته التي أثَّرت فيها قدرة الله تعالى، بل الصحيح عند المعتزلة أيضاً أنه لا يكون كَذِباً إلَاّ كذلك بحيث إنه عندهم إذا جُرِّدَ عن نسبة بعضه إلى بعض بالقصد لم يُوصَفْ عندهم بانه صدق ولا كذب.
فإن قلت: وما ذاتُه الموجودة بقدره الله تعالى عند أهل السنة؟
قلت: أحد أمرين: إما مجرَّد الصوت، لأنه من المُتَولَّدات عن الاعتماد، والمتولدات عندهم كلها فعل الله لعدم اختيار العبد فيها بعد وجود سببها كسواد--------------------------------------------
(1) في (ش): بعض.
(2) في (ش): والثناء.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 29)
المِدَاد بعد خلط العَفْصِ (1) وماء الزاج (2) ونحو ذلك.
وإما الحروف مع الصوت (3) إن كانت أشياء زائدةً عليه، والموجود (4) منها بقدرة الله تعالى ليس إلَاّ حرفٌ واحد، وهو لا يوصف بالكذب ولا بالصدق قطعاً، فدل على أن الموصوف بالكذب جملة الحروف المعدوم منها والموجود (5)، وهو حرف واحد، وذلك أوضح دليلٍ على أن وصفها بالكذب وصفٌ عدمي إضافي، ونسبة مثل هذا الوصف العدمي إلى قدرة العبد وحدها من غير مشاركة الرب صحيحٌ عند جميع فرق أهل السنة، كما سيأتي بيانه عند الكلام على مذهبهم في الكسب وتحقيقه، إن شاء الله تعالى (6).
وقد تقدم أن هذه الوجوه والاعتبارات غير محتاجةٍ إلى قدره الرب، وإنما هي جهاتٌ لاستحقاق الذم والعقاب.
وقد قال الشيخ مختارٌ المعتزلي في كتابه " المُجْتَبى " في المسألة الحادية عشرة في كُفْرِ المُجْبِرَة ما لفظه: ولم يكفِّرْهُم صاحب " المعتمد "، وبه قال الرازي لِمَا مرَّ، يعني من تصديقهم جميع الأنبياء والكتب والقيام بأركان الإسلام المنصوصة.
قال: وأما نسبتهم القبائح إلى الله تعالى فيقولون: إنه لا يَكذِبُ في الشهادة--------------------------------------------
(1) العَفْص: هو من جنس الشجر العِظام ومن أنواع البلُّوط، له ثمر في قدر الجوز أو أقل. انظر " حديقة الأزهار " ص 210 لأبي القاسم الغساني، و" شرح القاموس " (عفص) للزبيدي.
(2) الزَّاج: ملح، وقال الليث: يقال له: الشب اليماني، وهو من الأدوية، وهو من أخلاط الحبر. " شرح القاموس " 2/ 55 (زوج).
(3) في (ش): ووضع الصوت.
(4) في (أ) و (ف) فوق الواو: فا.
(5) في هامش (ف): لأن المعدوم لا يصح وصفه بصفة حقيقية.
(6) عبارة: " إن شاء الله تعالى " لما ترد في (أ).
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 30)
على الأنبياء، فتقبُحُ طريق معرفة النبي لهم، نعم إنهم جاؤوا خطأً فاحشاً، وتخبَّطُوا تخبُّطاً عظيماً، لكن لما أقروا بذات الله وصفاته الذاتية، فيجوز أن لا يبلغ عقابهم عقاب الكفرة.
فإن قيل: إنهم كعبدة الأصنام، لأنهم يعبدون إلهاً فاعلاً للمعاصي والمنكرات، مُرِيداً للقبائح والسيئات، ومثله غير الله، وعبادة (1) غير الله كفرٌ.
قلنا: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنهم اعتقدوا صانِعاً للعالم غير جسمٍ واجب الوجود لذاته، قادراً عالماً حيّاً، لم يزل ولا يزال سميعاً بصيراً، وأقرُّوا به، فجاز أن يَنقُصَ عقابهم عن عقاب الكَفَرة.
والثاني: أن هذه الاختلافات ثابتةٌ في صفاته وصفات أفعاله بين أئمة العدل والتوحيد، وبين السنية وبين الأشعرية، وبين المرجئة وبين الخوارج وبين الشيعة، وكل واحدٍ من أرباب هذه المذاهب يعتقد أن ما يعتقده مخالفه غير الله تعالى.
فلو لزم من هذا تكفيرهم لزم تكفير هذه الطوائف الإسلامية بأسرها، وأنه شنيع وممتنع عقلاً وسمعاً وإجماعاً.
ألا ترى إمام المعتزلة أبا عليٍّ ينفي الأحوال، وابنه أبو هاشم يُثْبِتُها، والبغدادية ينفون الصفات والأحوال وقالوا بالأحكام، وكل واحدٍ يعتقد أن ما يعتقده مخالفه غير الله، أيحسُنُ تكفير أولئك الأئمة أو واحدٌ منهم.
فثبت أنه لا يجوز تكفير أحد (2) من أهل القبلة إلَاّ من ثبت (3) بالتواتر والإجماع كفره والله أعلم. انتهى ذلك (4) بحروفه.--------------------------------------------
(1) في (أ): عباد، وهو خطأ، والمثبت من (ش) وهامش (أ).
(2) في (ش): واحد.
(3) في (ش): يثبت.
(4) " ذلك " لم ترد في (ش).
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 31)
وقد مرَّ للمؤيد بالله عليه السلام نحو ذلك في " الزيادات "، وللإمام يحيى بن حمزة عليه السلام نحوه في كتبه منها " التمهيد " ومنها " التحقيق " وغيرهما.
فهذه الفرقة الأولى، وقد شاركها أهل الكسب في تأثير قدرة العبد في وجوه القبح والحسن، فلو لم تؤثر قدرة العبد في ذلك عندهم، بطل التكليف قطعاً، بل هي مؤثرة فيها عند الجميع، ولكن زاد هؤلاء على أهل الكسب أمرين:
أحدهما: جواز (1) تأثير قدرة العبد في وجود الذات مع الله تعالى لا على جهة الاستقلال.
وثانيهما: تسمية ما أثَّرت فيه قدرة العبد مخلوقاً، وهو بعينه من غير تأويلٍ بخلاف أهل الكسب، فإن المخلوق متميز (2) عندهم عن فعل العبد عند التحقيق كما (3) يأتي.
وقد صرح الشهرستاني بما ذكرته من اتفاقهم على تأثير قدرة العبد في وجوه القبح والحسن، كما تقدم ذكره من نصِّه، على أن المرجع بقول الأستاذ أبي بكر وأبي إسحاق إلى قول القاضي أبي بكر الباقِلَاّني بعينه، إلَاّ أن ما سمياه (4) وجهاً واعتباراً أسماه القاضي صفةً وحالاً. ولا شك أن الأستاذ وأبا إسحاق هما صاحِبَا هذه المقالة، وإماماً أهلها.
فإن قلت: فهلَاّ كان تأثير قدرة العبد في وجوه الحسن والقبح مشروطاً بمشاركة قدرة الله تعالى في ذلك كالذوات، فإنه يلزم من استقلال العبد بالتأثير في ذلك أن يستقل دون الله تعالى بشيء من الأشياء، وهذا لا يجوز بإجماع أهل السنة.
فالجواب: أن وجوه الحسن والقبح عندهم ليست بشيء البتَّة، حتى يكون--------------------------------------------
(1) " جواز " ليست في (ش).
(2) في (ش): مميز.
(3) في (أ): وكما.
(4) في (أ) و (ش): سميناه.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 32)
العبد متى استقل بها، كان مستقلاًّ (1) بشيء، وإنما هي جهاتٌ للاستحقاق مثل تروك الواجبات، وتروك المحرمات عند المعتزلة، وما لم يكن شيئاً لم يحتج إلى ذلك.
فإن قيل: وهل يصح التكليف وتوابعه بغير شيء؟
قلنا: إن أردت بغير شيء لُغَويٍّ، أو بغير شيء شرعي، أو بغير شيء معقولٍ أنه يُطلب ويُستحق عليه الجزاء فلا يصح التكليف بغير شيء.
وإن أردت بغير شيء اصطلاحي، وهو الذات الذي يصح تصورها، ويعلق العلم بها منفردةً، فلا يصح بإجماع المعتزلة أيضاً.
فإن قلت: فإن الاختيار شيء، وقدرة العبد لا تؤثر فيه إلَاّ مع قدرة الرب.
قلت: السؤال مردود، فإن الاختيار ليس بشيء حقيقي، وإلا لزم المعتزلة ثبوته في العدم وهو محال، بل هو عدميٌّ إضافي.
ولا يُعلَمُ أحدٌ (2) من المعتزلة -دع عنك أهل السنة- نص على أنه شيءٌ وجودي نصّاً، بل عند المعتزلة بأسرهم إلَاّ أبا الحسين أن الأشياء كلها ثابتة في الأزل، وأنه يستحيل تأثير قدرة الله تعالى فيها كيف إلَاّ قدرة العبد.
وإنما تؤثر عندهم قدرة الله وقدرة العبد في الأحوال التي ليست بأشياء، فكيف ينكرون على أهل السنة قولهم: إن الذي أثرت فيه قدرة العبد وحدها هو الاختيار وحده، وليس بشيء.
وقد احتج الرازي في " النهاية " -على أن الاختيار ليس بشيء حقيقي- أنه لو كان كذلك، لكان من جملة أفعال العبد المحتاجة في ثبوتها إلى الاختيار، فيحتاج كلُّ اختيارٍ يفعله العبد إلى اختيار آخر يختاره به، ويتسلسل إلى ما لا--------------------------------------------
(1) من قوله " فالجواب " إلى هنا، سقط من (ش).
(2) في (أ): ولا نعلم أحداً.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 33)
نهاية له، وذلك محال، وكذلك ما أدى إليه وهو القول بأن الاختيار شيء ثُبوتيٌّ.
ثم ذكر الرازي أن العبد يفعل الاختيار عند الداعي الراجح من غير جبرٍ كما يفعل الله تعالى الواجب في حكمته عند المعتزلة وجوباً من غير جبرٍ.
قال: ولا يصح للمعتزلة أن تلزم الجبر بذلك لوجهين:
أحدهما: أن الداعي عند المعتزلة غير موجب.
قلت: بل هو كذلك عند الجميع، فهذا الرازي من الغُلاة فيه قد نص في " النهاية " على بقاء الاختيار مع الداعي الموجب كما يأتي.
قال الرازي: وثانيهما: أنهم يقولون بمثل ذلك في حق الله تعالى، ولم يقتض أنه عندهم غير مختار.
وبهذا يعرف خطأُ الغزالي على أهل السنة حيث نسب خلق الاختيار إلى من يقول بالكسب، وينفي الجبر في الرسالة القدسية في أوائل كتاب " إحياء علوم الدين " (1)، إلَاّ أن يكون أراد بالاختيار التمكن، كما قال الجويني في مقدمات " البرهان " (2): لا يُكلف إلَاّ المتمكِّن، ولا يصح التكليف إلَاّ بالممكن. فلا شكَّ أنا خُلِقنا متمكِّنين مختارين بغير اختيارنا، كما تقدم في المرتبة الأولى من هذه المسألة.
فهذا الرازي والبيضاوي والشهرستاني المقدمون في هذا الفن، المعوِّلون عليه في جميع أعمارهم لم يَنْسِبوا إلى أحدٍ من فرق السنة شيئاً من ذلك، وقرروا القول بأن الاختبار أثرُ قدرة العبد لا أثر قدرة الله تعالى.
وحقق ذلك الرازي بأنه ليس بشيء حقيقي، واحتج على ذلك موضحاً أن--------------------------------------------
(1) 1/ 111.
(2) 1/ 105 بتحقيق الدكتور عبد العظيم الديب.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 34)
ما كان شيئاً حقيقياً، فهو الذي يختص بقدرة الله تعالى وحدها على قولٍ، أو بالإعانة منه تعالى على القول الآخر.
وأما قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68] فذكر الواحدي في " أسباب النزول " (1) أنها نزلت جواباً للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله عنه: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] أخبر تعالى أنه لا يبعث الرسل على اختيارهم، رواه الواحدي في " أسباب النزول " ونسبه إلى أهل التفسير ولم يَسْتَثْنِ منهم أحداً، فصار هذا راجحاً، ولو لم يكن إلَاّ مُحتملاً مرجوحاً، لكان القاطع مقدماً عليه كيف الضروري. وكذا قال البغوي (2)، وقال: هو كقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ تَكونَ (3) لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [الأحزاب: 36]. انتهى.
وقد ظهر أن هذا من الاختيار الذي هو الاصطفاء والاجتباء والانتقاء، لا من (4) الاختيار الذي هو نقيض الاضطرار وليس فيه تأويل، بل هو من المشترك،--------------------------------------------
(1) ص 229، والواحدي: هو العلامة الأستاذ أبو الحسن، علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري الشافعي، إمام علماء التأويل، توفي سنة (468 هـ). مترجم في " سير أعلام النبلاء " 18/ 339 - 342.
(2) هو في تفسيره المسمى " معالم التنزيل " 3/ 452 - 453، والبغوي: هو الشيخ الإمام العلامة القدوة الحافظ، شيخ الإسلام محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي المفسِّر، صاحب كتاب " شرح السنة "، المطبوع بتحقيقي في خمسة عشر مجلداً، توفي سنة (516 هـ). مترجم في " سير أعلام النبلاء " 19/ 439 - 443.
(3) هكذا قرأ هذا الحرف غيرُ الكوفيين: بالتاء المثناة من فوق لتأنيث " الخيرة "، وأما الكوفيون فقد قرؤوها بالياء، لأن تأنيث " الخيرة " غير حقيقي وهي معنى الخيار، وحجتهم إجماع الجميع على قوله (ما كان لهم الخِيَرة) ولم يثبتوا علامة التأنيث في " كان ". انظر " حجة القراءات " ص 578، و" النشر في القراءات العشر " 2/ 348.
(4) في (ش): لأثر، وهو تحريف.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 35)
ومادة هذا من علم الغيوب، لقوله تعالى: {وكُنَّا به عالِمينَ} [الأنبياء: 51]، {وأضَلَّهُ الله على عِلْمٍ} [الجاثية: 23]، " وأستخيرك بعلمك " رواه البخاري (1)، ومادة الثاني من القدرة.
فإن قيل: قد أجمعوا على أن الإراده أمر ثُبوتي وجودي، والاختيار هو الإرادة.
قلنا: هذا ممنوع باتفاقهم، أما الأشعرية فظاهرٌ كما نص عليه الرازي، واحتج عليه في " نهاية العقول " كما ذكرته أول هذا الكلام.
وأما المعتزلة فقد ذكر ابن متَّوَيه في " تذكرته ": قد ثبتت حيث ينتفي الاختيار، والاختيار قد يثبت حيث تنتفي الإرادة.
مثال الأول: إرادة المُلْجَأِ إلى فعل ما يدعوه الداعي إليه كالهارب من السبع، فإنه يضطر إلى الهرب ويريده ولفعله وليس بمختارٍ فيه.
ومثال الثاني: أنه متى حصلت القدرة والداعي وقع الفعل بهما وإن منع الله تعالى الإرادة، بل وإن خلق الكراهة. انتهى كلامه.
وذكر في موضعٍ آخر منها، وذلك في أواخر فصول الإرادة: أن الإرادة إذا قارنت الفعل ووقع بها على وجهٍ سُمِّيَتْ نِيَّةً، ودلَّت على ما في الضمير، وذلك لا يوصف بها الله تعالى. وأما ما يتعلق منها بالحدوث فلا يُسمى نية، قال: وكذا ما يتعلق منها بالكلام يُسَمَّى قصداً، حتى قال: ويشبه بالقصد قولنا: إيثارٌ واختيارٌ.
فدل على أن هذه الأسماء قد تُطلق على الإرادة عند تعلُّقاتٍ مخصوصةٍ، ووجوهٍ مختلفةٍ، تقع عليها الإرادة فتميز تلك الوجوه بعضها من بعض باختلاف--------------------------------------------
(1) هو قطعة من حديث الاستخارة، وقد تقدم تخريجه، وانظر " البخاري " (1166)، و" صحيح ابن حبان " (886) و (887).
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 36)
هذه الأسماء، فخالفوا بين هذه العبارات لتدل على تلك المعاني المختلفات.
فدلَّ على أن الاختيار غير الإرادة، وعلى أن الاختيار قد يُطلق عليها (1) عند وقوعها على وجهٍ مخصوص، فهو في بعض اعتباراته وصفٌ من أوصافها، أو حالٌ من أحوالها.
فالإرادة بنفسها من غير نظرٍ إلى تعلقها بشيء، هي ذاتٌ حقيقية، ووجودها غير متعلقةٍ صحيحٌ عند المعتزلة، والعبد مكلف بتعليقها بوجوه الحسن دون القبح، وتخصيص الفعل بوقتٍ دون وقت، وقدرٍ دون قدر، وهذا التعليق والتخصيص هو بالاختيار لا بالإرادة، بل الإرادة فعلٌ للعبد يقع بالاختيار (2) فَافْتَرقا.
ولا يُنْقَضُ هذا بقول البيهقي في " الأسماء والصفات " (3): وأما الاختيار، فقد قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] وهو عند الأشعري يرجع إلى إرادته إكرام من يشاء [من عبيده بما يشاءُ من لطائِفِه]، وهو عند غيره من صفات الفعل، فلا يكون معناه راجعاً إلى الإرادة بمعنى، بل يكونُ راجعاً إلى فعل الإكرام. انتهى بحروفه.
والجواب: أنه لا يُنَاقِضُ ذكرنا عن الأشعرية، فإن الاختيار غير الإرادة على الحقيقة، ولكن الأشعري تأول الاختيار في حق الله تعالى بالإرادة على سبيل المجاز، كما تأول الغضب والسُّخط في حقه تعالى بإرادته الذم والعقاب، وتأول المحبة والرضا بإرادة الثناء والثواب، وهذا عنده في حق الله تعالى.
وأما في حق المخلوقين فلا يجب تأويل شيء من ذلك، بل تُستَعْمَلُ الإرادة، والاختيار، والغضب، والبُغْضُ، والمقت، والسخط، والمحبة،--------------------------------------------
(1) " عليها " لم ترد في (ش).
(2) في (ش): بالإحسان، وهو تحريف.
(3) ص 504.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 37)
والرضا (1)، كل واحدٍ في مدلوله الحقيقي اللغوي، لأنه لا مانِعَ عنده من استعمالها في حقائقها في المخلوقين.
وهذا التأويل الذي ذكره البيهقي عن الأشعري هو مذهب المعتزلة أجمعين في حق الله تعالى.
واعلم أنه لا يُفَرِّقُ بين هذه الأمور ويميزها (2) إلَاّ من عرف علم اللطيف، وهو فنٌّ مستَقِلٌّ من فنون الكلام، وللمعتزلة فيه " تذكرة " ابن متويه، وللأشعرية فيه " الملخص " للرازي.
وقد ذكر الغزالي في " المنقذ من الضلال " (3) تقصير المتكلمين فيه، لأنه ليس من مقصودهم الأول، وإنما عنى أن مقصودهم الذب عن الإسلام، ثم اضطروا إلى الكلام في بعضه، وإنما هو من مقصود علوم (4) الفلاسفة. فإذا كان المتكلمون قد قصروا فيه، فما ظنُّك بمن ليس من النظر في شيء إذا تعرض للخوض فيه، وإنما حملني على التنبيه على هذه الجمل (5) اليسيرة قَرْعُ أسماع الغافلين الخائضين في التضليل والتكفير بغير هُدَىً ولا كِتابٍ مُنِيرٍ.
فيا عَجَبَاهُ ممن يُكفر طوائف من المسلمين ولم يعرف ما قالوا، ولا هو أهلٌ لفهم ما قصدوا، ولا فهم ما خافوا وحَذِرُوا
ومن البَلِيَّةِ عَذْلُ من لا يَرْعَوِي … عَن غَيِّهِ وخِطابُ مَنْ لا يَفْهَمُ (6)--------------------------------------------
(1) من قوله " الإرادة والاختيار " إلى هنا، سقط من (ش).
(2) في (ش): وغيرها.
(3) انظر ص 92 - 93 منه.
(4) في (ش): علم.
(5) في (ش): الجملة.
(6) البيت للمتنبي وهو من قصيدة يهجو بها إسحاق بن إبراهيم الأعور ابن كيغَلَغ، وهي في " ديوانه " 4/ 121 - 132 بشرح أبي البقاء العكبري، ومطلعها:
لِهَوى النفوس سريرةٌ لا تُعْلَمُ … عَرَضاً نَظَرتُ وخِلتُ أني أسلمُ
قال الصفدي في " الوافي بالوفيات " 8/ 401: وكان إسحاق هذا قد ولاّه المقتدر ساحل الشام، وكان جواداً ممدَّحاً شاعراً محسناً، توفي في حدود العشرين وثلاث مئة.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 38)
فإن قيل: فكيف يصح من العبد أن يختار أمراً وذلك الأمر مخلوقٌ لله عز وجل، والمخلوق لله تعالى كائن قطعاً.
والجواب من وجهين: معارضة وتحقيق (1):
الوجه الأول: وهو المعارضة بالعلم الذي تُقِرُّ به المعتزلة، فإنه يقال لهم: كيف يصح اختيار العبد في معلوم الله تعالى؟ فما أجابوا به، فهو جواب أهل السنة.
الوجه الثاني: وهو التحقيقُ أن اختيار العبد سابقٌ لخلق الرب سبحانه سَبْقَ الشرط للعلة المؤثِّرَة كما سيأتي.
وهذا السؤال قد تكرَّر وتكرَّر جوابه، فلا يُضْجَرُ منه، فإنه لا يخلو من فائدة أو زيادة وضوحٍ وبيان، وذلك وإن تكرر وطال خيرٌ من الجهل بمذاهب الرجال.
وقد ذكر الرازي هنا معارضاتٍ للمعتزلة، قصد بها بيان أن مذهب المعتزلة ليس بأوضح من مذهبهم لاستلزام كل مذهبٍ في هذه المسألة للجبر ونفي الاختيار، لولا انفصال كل فِرقةٍ عن ذلك بالأنظار الدقيقة والاعتبارات اللطيفة، وقد مضى شيءٌ من ذلك عند ذكر مذهب المعتزلة أول المسألة.
فإن قيل: إن المؤثِّر في قبح القبائح هو الإرادة، يوضحه الحديث المتفق عليه وعلى حُكْمِه " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىءٍ ما نوى " (2) والنية:--------------------------------------------
(1) عبارة " معارضة وتحقيق " سقطت من (ش).
(2) أخرجه البخاري (1) و (54) و (2529) و (3898) و (5070) و (6689) و (6953)، ومسلم (1907)، وأخرجه أيضاً مالك في " الموطأ " ص 401 برواية محمد بن الحسن، والطيالسي في " مسنده " ص 9، وأحمد 1/ 25 و43، وأبو داود (2201)، والترمذي (1647)، والنسائي 1/ 58 - 60 و6/ 158 - 159 و7/ 13، وابن ماجه (2427)، وابن منده في " الإيمان " (17) و (201)، وأبو نعيم في " الحلية " 8/ 42، وفي " أخبار أصبهان " 2/ 115 و222، والبغوي في " شرح السنة " (1).
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 39)
هي الإرادة بعينها، وإذا كانت الإرادة (1) هي المؤثِّرة، لزم (2) نسبة القبيح إلى الله لأنها أثَرُ قدرته.
فالجواب من وجوه:
الوجه الأول: أنه لا يصح عند الجميع تأثير الإرادة في ذلك، بل ولا الاختيار، لأنهما يوصفان بالقبح، فلو كان القبح يستلزم ذلك احتاج قبح الإرادة وقبح الاختيار إلى إرادةٍ واختيارٍ سابقين، ويتسلسل إلى ما لا نهاية له.
ذكر ذلك ابن متَّويه في " تذكرته " في " الإرادة " دون الاختيار، وذكر وُجُوهاً أُخَر في الإرادة غير مؤثرة في ذلك.
منها: أن المُرِيد لو مُنِعَ من القصد، وهو عالمٌ بقبح القبيح يتمكن من التحرُّز منه، لكان إذا فعله يقبُحُ ذلك منه، ويستحق به الذم ولا إرادة هناك.
فإن قلت: فما المؤثِّر في ذلك، فإنه لا بد من مؤثرٍ معقول (3)؟ قلت: هذه غفلةٌ عظيمة، فإنا قد (4) قررنا أن الحسن والقبح ليسا بشيء البتَّة، فكيف يحتاج ما ليس بشيء حقيقي إلى مؤثِّرٍ حقيقي، وقد بينا أنهما يتعلقان بالتروك العدمية المحضة، والعدم يستحيل التأثير فيه، وإنما سُمِّيَ الوجه الذي نشأ منه الحسن والقبح مؤثِّراً فيهما على سبيل المجاز، وذلك الوجه هو الحال الذي وقع الفعل عليه فاستحق به اسم الحسن والقبح ولوازمهما، وهو أمرٌ دقيق.
وقد اشتد اختلاف المتكلمين في الأحوال: منهم من أثبتها كأبي عليٍّ الجُبَّائي من المعتزلة، والباقِلَاّني من الأشعرية.
ومنهم من نفاها. وقد طوَّل الشهرستاني في ذلك، وأَفْرَدَ الكلام فيه في--------------------------------------------
(1) لفظ " الإرادة " سقط من (ش).
(2) " لزم " سقطت من (ش).
(3) " معقول " سقطت من (ش).
(4) " قد " لم ترد في (أ).
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 40)
مسألةٍ مستقلةٍ جعلها من مهمات كتابه، ويأتي في بيان الكسب إشارة يسيرة إلى معناها.
ومنهم من نفاها وجعلها مجرد عبارة، فإن صح ثبوت الأحوال وأنها أمور معقولة، فهو منشأ الحسن والقبح في الأفعال، وهي تُسمى موثرة فيهما مجازاً، وإن لم يصح ذلك كان الحسن والقبح معلومين بالإجماع، بل من ضرورة الدين وضرورة العقل عند المعتزلة وبعض أهل السنة، ولم يكونا مُعَلَّلَيْنِ، فليس كل معلوم معلَّلاً بمؤثرٍ متصورٍ في الذهن بالاتفاق كالتُّروك.
وقد دقَّ الأمر في هذا على المعتزلة كما دق على الأشعرية، ونُسِبَ إلى بعض أوائل المعتزلة أن القبيح قبيحٌ لذاته (1) والحسن كذلك، وهو قولٌ مرذولٌ عند المعتزلة، وللأشعرية عليه ردود ضرورية ذكروها في الكلام على التحسين والتقبيح العقليين.
ولذلك عوَّلت الأشعرية في هذه المسألة على السمع دون العقل، إلَاّ في صفة النقص كالجهل والكذب، وصفة الكمال كالعلم والصدق، واعترفوا بدَرْكِ العقل لها من دون أن يُدْرِك استحقاق الذم والعقاب على صفة النقص، ولا الثناء والثواب على صفة الكمال، فلا يعرف ذلك إلَاّ بالسمع عندهم، خلافاً للمعتزلة فإنهم جعلوا ذلك من المدارك العقلية، وليس اختلافهم إلَاّ في هذه النكتة على ما حققه الرازي.
الوجه الثاني: أن ابن متويه ذكر في " تذكرته " أن الإرادة إذا قارنت الفعل، ووقع الفعل بها على وجهٍ سُمِّيت نية، فأما تعلق الإرادة بمجرد (2) الحدوث فلا يسمى نية، لأن النية مفيدةٌ للضمير، فلهذا لا يصح استعمال هذه اللفظة في الله تعالى.--------------------------------------------
(1) كتبت في (أ): لذلك، وفوقها: لذاته، وهي كذلك في (ش): لذاته، وهو الصواب.
(2) في (ش): فأما ما تعلق بمجرد.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 41)
قال: وأما القصدُ، فيجب أن يكون مقارِناً للمراد، وأن يكونا معاً من فعل فاعلٍ واحدٍ، فلا يقع من أحدنا قصدٌ إلى فعل الغير، ولهذه (1) الطريقة تُسَمَّى الإرادة التي يقع بها الكلام خبراً قصداً، ولا يُسَمَّى ما يؤثر في كونه أمراً لمن هو أمر له مُسَمَّاه بأنها قصد هذا (2) التفصيل، ويشبه القصد من هذا الوجه قولنا: إيثارٌ واختيارٌ، لأن حكمهما حكمه (3) سواء. انتهى بحروفه.
واشتراطه في القصد (4) أن يكون فاعله فاعل المقصود، إن أردنا بالقصد الإرادة نفسها، فهي مسألة خلافٍ بين المعتزلة يأتي بيانها في الوجه الثالث إن شاء الله تعالى.
فإن أراد بالقصد وجهاً من وجوه تعلق الإرادة، فمُسَلَّمٌ وهو ظاهر مراده، وهذا الكلام يدل على أن للإرادة (5) تعلُّقاتٍ مختلفةً، بعضها: يتعلق بالحدوث، يتخصص الحدوث لأجله بوقتٍ دون وقت، وقَدْرٍ دون قدرٍ، فيسمى إرادةً ولا يُسمى نيةً، وبعضها: يتخصَّص بالوجوه المختلفة المُقتضية للحسن أو القبح، فتميز من بين سائر أقسام الإرادة بهذا المعنى، ويختص لأجل تميزه بهذا باسمٍ مُفرَدٍ: وهو النية التي توثر (6) في الأعمال، وهذا مطابِقٌ لما ورد به النص المتفق على صحته نقلاً ومعنىً وعملاً.
وهذا التعلق المخصوص الذي ميز هذا النوع من الإرادات هو أثر قدرة العبد وحدها، فلذلك نُسَمِّيه ناوياً وليس بمتعلِّقٍ بقدرة الله تعالى، ولذلك لم يصح إطلاق الناوي على الله تعالى، كما اعترف بذلك ابن متويه، وكما سيأتي تقريره في كلام الباقِلَاّني في تعريف معنى الأحوال.
وفي هذا جواب قول السائل: إن النية هي الإرادة، وبيانُ غَلَطِه في ذلك بإجماع المعتزلة والأشعرية بسبب افتراق العبد والرب في وجوه تعلق الإرادة.--------------------------------------------
(1) في (ش): وبهذه.
(2) في (ش): ففيه هذا.
(3) " حكمه " لم ترد في (ش).
(4) في (أ): القصر، وهو تحريف.
(5) في (أ): الإرادة.
(6) في (ش): لا تؤثر، وهو خطأ.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 42)
صح أن يُشتق للعبد ما لا يشتق للرب من اسم المُطيع والعابد والعاصي والكافر والمؤمن والمتقرِّب وما لا يُحصى، فكذلك الظالم وفاعل الظلم والقبيحِ ونحو ذلك.
وقول ابن متويه: ويشبه القصد في هذا الوجه قولنا: إيثارٌ واختيارٌ يعني أنهما من أسماء الإرادة عند تعلقها ببعض الوجوه المخصوصة، وأنهما لا يتعلقان بفعل الغير كالقصد، فيجب أن يكونا وما تعلقا به من فعل فاعلٍ واحدٍ، كما هو قول الأشعرية في الإرادة، فالإيثار اسم لإرادة الإحسان إلى الغير ممن ليس له غيرُ ما أعطى، والاختيار هنا هو في معنى النية بزيادة شرط المقارنة والقدرة، فهو اسمٌ للإرادة على هذه الشروط المخصوصة.
الوجهُ الثالث: أن الشيخ أبا هاشمٍ، وهو شيخ الاعتزال، قد جوَّر أن تؤثِّر الإرادة في الخطاب، وإن كانت من فعل الله تعالى والخطاب من فعلنا، فيكون خبراً أو إنشاءً بها، ويُنْسَبُ كونه خبراً أو إنشاءً إلينا، كما أن العلم الضروري بالصناعات المحكمة التي هي فِعْلُنا تؤثِّر في أحكامها، وتنسب الأحكام إلينا، مع أن العلم الضروري المؤثر في صحة الأحكام من فعل الله تعالى، وهذا كلامٌ صحيحٌ.
وقد اعترضه ابن متويه بأنها لو أثرت، وهي من فعل الغير، لكان أحدنا إذا أوجد (1) الكلام ووجدت هذه الإرادة خرج عن الاختيار في جعل كلامه خبراً، ومعلومٌ أن كونه خبراً مضافٌ إلى الفاعل، ولا يمكن التسوية بينها وبين العلم، لأن مع وجود العلم تصح أحكام الفعل، ويبقى الاختيار له فيه، سواء كان العلمُ من فعله أو من فعل غيره.
والجواب على ابن متويه: أنه قد اعترف في " تذكرته " أنه يصح وجود الإرادة غير متعلقةٍ، وهو مذهب أبي هاشم وغيره، فيمكن أن يقول: إن الله تعالى--------------------------------------------
(1) في (ش): وجد.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 43)
يُوجِدُها في المتكلم غير متعلقةٍ بكون كلامه خبراً أو إنشاءً، ثم يُعَلِّقُها المتكلم بأحدهما باختياره.
بيانه: أنه قد ثبت أن للإرادة بالمراد تعلُّقاتٍ شتى، فبالنظر إلى حدوثه يسمى إرادةً، وبالنظر إلى كونه خبراً وصدقاً وكذباً يُسَمَّى قصداً، فلأبي هاشمٍ أن يجعل هذا التعلق المختص باسم القصد من فعلنا واختيارنا، وإن كانت الإرادةُ في ذاتها من فعل الله، وهي تسمى مؤثرة في الخطاب في الحقيقة العُرفية. وإن كان التأثير على التحقيق لهذا التعلق الخاص، لا سيما، وقد نصَّ ابن متويه في الكلام الذي مضى في الوجه الثاني على هذا المعنى، وهو أن المؤثر في الكلام هو نوع من الإرادة يختصُّ باسم القصد، فإنه إنما اختص بذلك الاسم لوقوع الكلام به على وجهٍ.
وذكر في فصل آخر أن القبيح لا يقبُحُ بالإرادة في وجه القبح مثل كون الخبر كَذِباً، لأنه إنما يصير خبراً بالإرادة.
قلت: ومعنى هذا أنها مُصَحِّحَةٌ لوقوع الكلام خبراً كاذباً، والمؤثِّر في قبحه وقوعه (1) كذلك لا بالإرادة، فليست هي المؤثرة، ولكنها مصححةٌ للوجه المؤثر.
وكلامه ها هنا (2) لا يناقض ما قدمه من أن الكلام لا يصير خبراً إلَاّ بالقصد، لأن القصد نوعٌ من الإرادة، كما أن النية نوعٌ منها، والأنواع لا يتميز بعضها من بعض، ولا تتميز هي من أجناسها إلَاّ لوقوعها على الوجوه المختلفة، كما ذكر في تقاسيم الإرادة، حتى قسمها إلى: عَزْمٍ ونية وقَصْدٍ وإيثارٍ واختيارٍ ومحبةٍ وحَسَدٍ وغِبْطَةٍ ومُوالاةٍ ومُعاداةٍ، وكل هذه الأقسام يتميَّز بعضها من بعض بوجه مفهوم يقع الفعل عليه باختيار المختار، فيتغير اسم الإرادة ليدل تغييره وتبديله على المعاني المختلفة، وهذا التفصيل بمنزلة التقييد.
وقوله في غير هذا الفصل: إن الكلام يصير خبراً بالإرادة بمنزلة المطلق--------------------------------------------
(1) في (ش): هو وقوعه.
(2) في (ش): فكلامه هذا.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 44)
المُتَجوَّز فيه، وإنما عنى بالإرادة حيث أطلق تأثيرها في الكلام، فعلى هذا القصد الذي بُيِّن في هذا التفصيل أن الإرادة (1) تسمى به حين تختص بالتأثير في الكلام.
فعلى هذا لو سلَّم أهل السنة أن الإرادة فعل الله وحده في العبد والاختيار إلى العبد، جاز أن يوقع الفعل به على الوجه القبيح، ويكون القبيح منسوباً إلى العبد دون الله تعالى، كما أن الله لما أوجد فيه العلم والقدرة المؤثرين في الإحكام، ووقع الإحكام باختياره، كان الإحكامُ منسوباً إلى العبد.
على أنا لو سلمنا ضعف كلام أبي هاشم في ذلك، فقد عرفت مما ذكرته أن الأمر قد انتهى في هذه المسائل على الدقة الكبيرة (2)، فمن بنى مذهبه على مثل هذا وشاركه في أساس مذهبه مثل أبي هاشم وأتباعه كان خليقاً عند المعتزلة بعدم التكفير، بل بعدم التشنيع والتحقير، وكل ما بُنِي على التدقيق، فهو دقيقٌ بلا خلاف بين أهل التحقيق، فيرتفع بذلك التكفير والتفسيق، وتَنسَدُّ إليه عند الإنصاف الطريق.
فإن قيل: فكلام هذه الفرقة ينبني على صحة القول بمقدورٍ بين قادرين، وتجويز فعلٍ واحدٍ لفاعلين، فما الذي ألجأهم إلى هذا؟
قلت: أمران عقلي وسمعي:
أما العقلي: فالفِرار من تعجيز الله عز وجل، فإن من قال بإحالة ذلك استلزم القول بأن الله عز وجل لا يقدر على أعيان مقدوراتِ العباد، حتى أفعال ما ضربه الله تعالى مثلاً في الضعف والحقارة من البعوضة والذباب والعنكبوت، وقد التزمت هذا المعتزلة إلَاّ أبا الحسين، حتى قالت البهاشمة من المعتزلة: إن في العدم ذواتٍ مُمكِنَة الوجود، وهي غير مقدورةٍ لله تعالى، وهي جميع مقدورات العوالم والحيوانات.--------------------------------------------
(1) في (ش): فعلى هذا القصد بين في هذا التفصيل لأن الإرادة.
(2) في (أ): الكثيرة.
(খণ্ড: 7) (পৃষ্ঠা: 45)