الدليل الأول
الاستصحاب
ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى:
الاستصحاب هو: عبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول؛ لفقدان ما يصلح للتغيير.
أو تقول: هو: بقاء ما كان على ما كان نفياً وإثباتاً حتى يثبت دليل يغير الحالة.
* * *
المسألة الثانية:
أنواع الاستصحاب هي:
النوع الأول: استصحاب البراءة الأصلية، وهو: استصحاب العدم الأصلي المعلوم، وذلك كبراءة الذمة من التكاليف حتى يقوم الدليل على التكليف بأمر من الأمور، فإذا لم يقم دليل: بقي ما كان على ما كان وهو: أن كل شيء مباح للإنسان؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما سبق أن بيناه، وبعضهم يُسمي ذلك بـ " عدم الدليل ": دليل على البراءة، مثال ذلك: أن الوتر غير واجب؛ لأن طريق وجوبه الشرع وقد طلب الدليل فلم يوجد، فعدم وجود الدليل على الوجوب دليل على عدم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
الوجوب، وأن الذمة بريئة منه، فهو إذن مندوب.
وهذا النوع يستدل به الفقهاء كثيراً.
النوع الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه، مثل: استصحاب الطهارة إذا شك في الحدث، فإن وصف الطهارة إذا ثبت وتأكدنا منه أبيحت الصلاة، فإن هذا الحكم يستصحب حتى يثبت خلافه، وهو الحدث، ومثل: الكفالة فإنه وصف شرعي يستمر ثابتاً حتى يؤدي الدَّين، أو يؤديه الأصيل، أو يُبرئه المدين.
النوع الثالث: استصحاب ما دلَّ الشرع على ثبوته واستمراره، مثل: استمرار ملك الإنسان لهذه الأرض مثلاً بسبب الشراء؛ حتى يوجد ما يزيله ويغيره.
النوع الرابع: استصحاب حكم العموم والعمل به حتى يرد ما يُخصص ذلك العموم، واستصحاب العمل بالنص حتى يرد ما ينسخه.
* * *
المسألة الثالثة:
جميع أنواع الاستصحاب السابقة حجة في ثبوت الأحكام وعدمها؛ لأن استصحاب الحال يفيد بقاء الحكم إلى الزمن الثاني، وكل ما أفاد ظن الحكم وجب العمل به؛ لأن العمل بالظن الغالب متعين، فالاستصحاب يجب العمل به.
ولأن الإجماع منعقد على أنه لو شك في حصول الزوجية ابتداء حرم عليه الاستمتاع، ولو شك في حصول الطلاق مع سبق العقد جاز له الاستمتاع، ولا يوجد فرق بينهما إلا أن الأول قد استصحب فيه الحالة الموجودة قبل الشك - وهي: عدم الزوجية وحصول العقد، وأما الثاني فقد استصحب فيه الحالة الموجودة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
قبل الشك - وهي العقد عليها - فلو لم يعتبر الاستصحاب وكان غير مفيد لظن البقاء للزم استواء الحالين: التحريم والجواز، وهو: حرمة الوطء أو إباحته، وهو: باطل بالإجماع.
* * *
المسألة الرابعة:
النافي للحكم يلزمه الدليل ويطالب به؛ لقوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)).
فهنا قد نفى اليهود والنصارى وقالوا: لن يدخل الجنة إلا نحن ومع ذلك فقد أمر الله تعالى نبيه عز وجل بأن يطالبهم بالدليل على هذا النفي، وهذا يفيد أن النافي يلزمه الدليل.
ولأن نفي الحكم دعوى، والدعوى لا تثبت إلا بدليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
الدليل الثاني
شرع من قبلنا
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
المراد بشرع من قبلنا هو: ما نقل إلينا من أحكام تلك الشرائع التي كانت الأمم السابقة قد كلفت بها على أنها شرع لله تعالى.
* * *
المسألة الثانية:
ما أورده الله تعالى في كتابه، أو أورده رسول صلى الله عليه وسلم في سنته من القصص والأخبار والأحكام التي وردت في الشرائع السابقة من غير إنكار، ولم يدل دليل على أنها مشروعة في حقنا، ولم يدل دليل على أنها منسوخة عنا، فإن هذه الأحكام مشروعة لنا، وملزمون بها، أي: أن شرع من قبلنا شرع لنا، فتكون حجة؛ لقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، حيث إن الله تعالى قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم باتباع جميع الأنبياء السابقين، فيكون متعبداً بشرع من قبله.
ولقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا)، حيث إن هذا يدل على أن شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثل شرع غيره
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
من الأنبياء كنوح، وابراهيم، وموسى، وعيسى، ولا فرق بينهم في أخذ الأحكام من جميع الشرائع السابقة.
ولقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، حيث إن الله تعالى قد بين أن من لم يحكم بما أنزل فقد خرج عن الملة، والأحكام التي عمل بها النبيون السابقون هو مما أنزل الله، فيجب العمل بها.
وعلى هذا فإنه يستدل على قتل الرجل بالمرأة بقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، ويستدل على جواز الجُعالة بقوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
الدليل الثالث
قول الصحابي
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المراد بقول الصحابي: ما نقل إلينا عن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتوى، أو قضاء، أو عمل، أو رأي، أو مذهب في حادثة لم يرد حكمها في نص، ولم يحصل عليها إجماع.
* * *
المسألة الثانية:
إذا قال صحابي رأياً، ولم يرجع عنه ولم يخالف فيه قول صحابي آخر، ولم ينتشر: فإن هذا القول حجة مطلقاً، أي: سواء وافق القياس، أو لا، أو كان من الخلفاء، أو من غيرهم؛ لقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، حيث إن هذا خطاب مع الصحابة بأن كل ما يأمرون به معروف والمعروف يجب القول به.
ولأن قول الصحابي الصادر عن رأي واجتهاد فإنه يرجح على رأي التابعي ومن بعده؛ لأن رأي الصحابي أقرب إلى إصابة الحق، وأبعد عن الخطأ؛ حيث شاهد التنزيل، وعرف التأويل،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
ووقف من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومراده في كلامه على ما لم يقف عليه غيره مع اجتهاد وحرص على طلب الحق، وعرف مقاصد الشريعة، مع فضل درجة ليست لغيرهم كما وردت الأخبار بذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم: " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم "، فمَن هذا شأنه فإن قوله أولى بالاتباع من قول غيره.
وبناء على هذا: فإنه يستدل على عدم وجوب الزكاة في الحلي بمذهب ابن عمر حيث كان لا يخرج الزكاة على حلي بناته وجواريه، ويستدل على وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون بقول عمر رضي الله عنه: " اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة ".
* * *
المسألة الثالثة:
إذا قال صحابي قولاً في مسألة اجتهادية، ولم يخالف فيه قول صحابي آخر، ولم ينتشر في بقية الصحابة: فإن هذا القول حجة، وقد سبق، وعلى هذا: فإنه يجوز العمل به بدون دليل آخر يُعضده.
لكن إذا قال صحابي قولاً في مسألة، وخالفه صحابي آخر في نفس المسألة بقول آخر، فإنه لا يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل؛ لأن القولين لا يمكن أن يكونا خطأ، ولا يمكن أن يكونا صواباً، بل إن أحدهما صواب والآخر خطأ، ولا يمكن معرفة القول الصواب والقول الخطأ إلا بدليل خارجي، إذن: لا بد من الدليل لترجيح أحد القولين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
ولأنهما قولان قد تعارضا فلا بد من دليل آخر يرجح أحدهما مثل: الآيتين، أو الخبرين إذا تعارضا، فلا يمكن ترجيح أحدهما إلا بمرجح خارجي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
الدليل الرابع
الاستحسان
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الاستحسان هو: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص أقوى من الأول.
فالقياس يقتضي حكماً عاماً في جميع المسائل، لكن خُصِّصت مسألة وعُدل بها عن نظائرها، وصار لها حكم خاص بها نظراً لثبوت دليل قد خصَّصها وأخرجها عما يماثلها، وهذا الدليل هو أقوى من المقتضي العموم في نظر المجتهد.
* * *
المسألة الثانية:
أنواع الاستحسان هي:
النوع الأول: الاستحسان بالنص، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالكتاب أو السنة.
مثاله: أن القياس لا يجوِّز العرايا، لأنه يبع تمر برطب وهو داخل تحت النهي عن بيع المزابنة، ولكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو الجواز لدليل ثبت بالسنة وهو قول الراوي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
" ورخص بالعرايا "، فتركنا القياس لهذا الخبر استحساناً.
النوع الثاني: الاستحسان بالإجماع، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالإجماع.
مثاله: أن القياس لا يجوِّز عقد الاستصناع، وهو: أن يتعاقد شخص مع صانع على أن يصنع له كرسياً - مثلاً - بمبلغ وقدره مِائة ريال بشروط معينة -، فهذا لا يجوز؛ لأنه بيع معدوم، لكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز هذا العقد؛ نظراً لتعامل الأمة به من غير نكير، فصار إجماعاً.
النوع الثالث: الاستحسان بالعرف والعادة، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر يخالفه؛ نظراً لجريان العرف بذلك، وعملاً بما اعتاده الناس.
مثاله: لو حلف شخص وقال: " والله لا أدخل بيتاً "، فالقياس يقتضي: أنه يحنث إذا دخل المسجد؛ لأنه يسمى بيتاً لغة، ولكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: عدم حنثه إذا دخل المسجد؛ لتعارف الناس على عدم إطلاق هذا اللفظ على المسجد.
النوع الرابع: الاستحسان بالضرورة، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر مخالف له ضرورة.
مثاله: جواز الشهادة في النكاح والدخول، فالقياس يقتضي عدم جواز الشهادة في النكاح والدخول؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة وذلك بالعلم، ولم يحصل في هذه الأمور، لكن عُدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز الشهادة في النكاح والدخول ضرورة؛ لأنه لو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامح لأدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
النوع الخامس: الاستحسان بالقياس الخفي، وهو: العدول عن حكم القياس الظاهر المتبادر فيها إلى حكم آخر بقياس آخر، وهو: أدق وأخفى من الأول، لكنه أقوى حجة، وأسدّ نظراً، وأصح استنتاجاً منه.
مثاله: أن من له على آخر دين حال من دراهم فسرق منه مثلها قبل أن يستوفيها فلا تقطع يده.
لكن إذا كان الذين مؤجلاً، فالقياس يقتضي قطع يده إذا سرق مثلها قبل حلول الأجل؛ لأنه لا يباح له أخذه قبل الأجل، لكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: أن يده لا تقطع؛ لأن ثبوت الحق - وإن تأخرت المطالبة - يصير شبهة دارئة، وإن كان لا يلزمه الإعطاء الان، فعدم قطع اليد هنا ثبت استحساناً.
* * *
المسألة الثالثة:
الاستحسان بذلك التعريف حجة باتفاق العلماء؛ حيث لم ينكره أحد، وإن اختلف في تسميته استحساناً، فبعضهم سماه بهذا الاسم، وبعضهم لم يسمه بذلك، وهو في الجملة راجع إلى العمل بالدليل القوي الذي ترجح بذلك على ما هو أضعف منه، وهذا لا نزاع فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
الدليل الخامس
المصلحة المرسلة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المصلحة المرسلة هي: كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع الخمسة - وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل - دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء.
فتكون المصالح المرسلة هي التي لم يقم دليل من الشارع على اعتبارها ولا على إلغائها، فإذا حدثت حادثة لم نجد حكمها في نص ولا في إجماع ووجدنا فيها أمراً مناسباً لتشريع الحكم، أي: أن تشريع الحكم فيها من شأنه أن يدفع ضرراً، أو يحقق نفعاً، فهذا الأمر المناسب في هذه الحادثة يُسمى المصلحة المرسلة.
* * *
المسألة الثانية:
أقسام المصالح باعتبار أهميتها هي:
القسم الأول: الضروريات، وهي: المصالح التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وصيانة مقاصد الشريعة، بحيث إذا فقدت أو فقد بعضها: فإن الحياة تختل أو تفسد، وللمحافظة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
على المصالح الضرورية شرع الله حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال.
فشرع لحفظ الدين: قتل الكافر المضل، وقتل المرتد الداع إلى ردته، وشرع الجهاد، وشرع لحفظ النفس: عقوبة القصاص، وعقوبة الدية، ووجوب الأكل والشرب عند الضرورة في حالة صوم المسلم، وشرع لحفظ العقل: عقوبة شرب الخمر، وشرع لحفظ النسل والنسب: عقوبة الزنا، وشرع لحفظ المال: عقوبة قطع يد السارق.
القسم الثاني: الحاجيات وهي: المصالح والأعمال والتصرفات التي لا تتوقف عليها الحياة واستمرارها، بل إن الحياة تستمر بدونها ولكن مع الضيق والحرج والمشقة، مثل: التوسع في بعض المعاملات كالمساقاة، والقصر في السفر، والإجارة، ونحو ذلك في الأمور العامة.
ومثال ذلك في الأمور الخاصة: تسليط الشارع الأب في تزويج ابنته الصغيرة من الكفء، فإن هذا لا ضرورة إليه؛ حيث إنه يمكن استمرار الحياة بدون ذلك، ولكنه محتاج إليه في اقتناء المصالح لتحصيل هذا الكفء؛ خوفاً من فواته؛ لأنه يحصل بحصوله نفع في المستقبل، ويحصل بفواته بعض الضرر.
القسم الثالث: التحسينيات، وهي: المصالح والأعمال والتصرفات التي لا تتوقف الحياة عليها، ولا تفسد ولا تختل، فالحياة تتحقق بدون تلك التحسينيات وبدون أي ضيق، فهي من قبيل التزيين والتجميل، ورعاية أحسن المناهج وأحسن الطرق للحياة، فتكون من قبيل استكمال ما يليق، والتنزه عما لا يليق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
من المدنسات التي لا تألفها العقول الراجحة.
ومن أمثلة ذلك العامة: المنع من بيع الماء، والكلأ، والمنع من الإسراف والتقتير، وآداب الأكل والشرب.
ومن أمثلتها الخاصة: اشتراط الولي في النكاح، صيانة للمرأة عن مباشرة عقد النكاح بنفسها؛ لأن المرأة لو باشرت عقد نكاحها لكان ذلك مشعراً بتوقانها إلى الرجال، ومشعراً بقلة حيائها، وهذا يقلل من قيمتها عند الخاطب.
* * *
المسألة الثالثة:
أقسام المصالح من حيث اعتبار الشارع لها وعدم ذلك هي:
القسم الأول: المصالح المعتبرة، وهي المصالح التي اعتبرها الشارع وأثبتها وأقام دليلاً على رعايتها، فهذه المصالح حجة لا إشكال في صحتها وأمثلتها ما سبق.
القسم الثاني: المصالح الملغاة، وهي: المصالح التي ألغاها الشارع ولم يعتبرها، فلو نص الشارع على حكم في واقعة لمصلحة قد استأثر الله بعلمها، وبدا لبعض الناس حكم فيها مغاير لحكم الشارع لمصلحة توهمها هذا البعض، فتخيل أن ربط الحكم بذلك يحقق نفعاً أو يدفع ضرراً، فإن هذا الحكم مردود على من توهمه؛ لأن هذه المصلحة التي توهمها قد ألغها الشارع، ولم يلتفت إليها.
مثاله: أن الملك عبد الرحمن بن الحكم قد جامع جارية في نهار رمضان وكرر ذلك في عدد من الأيام، وكان يكرر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
الإعتاق مطبقاً بذلك حديث الأعرابي، ولكن جاء الفقيه: يحيى بن يحيى الليثي المالكي فأفتى بأن عليه صوم ستين يوماً كفارة له، وعلل ذلك بأن الكفارة قد وضعت للزجر والردع، فلو أوجبنا عليه العتق لسهل عليه الجماع في نهار رمضان مرة بعد الأخرى؛ نظراً لكثرة ماله، لذلك نوجب عليه الصيام زجراً له، وظن هذا الفقيه أن في ذلك مصلحة، ولكن هذه المصلحة ملغاة؛ لأنها معارضة للنص الشرعي، وهو: حديث الأعرابي.
القسم الثالث: المصالح المرسلة، وهي: المطلقة التي لم يقيدها الشارع باعتبار، ولا بإلغاء، وهذا القسم هو المراد بالمصلحة المرسلة.
* * *
المسألة الرابعة:
المصلحة المعتبرة حجة بالاتفاق، والمصالح الملغاة ليست بحجة بالاتفاق.
أما المصالح المرسلة فهي حجة بشروط هي كما يلي:
الشرط الأول: أن تكون المصلحة المرسلة ضرورية، وهو ما يكون من الضروريات الخمس التي يجزم بحصول المنفعة منها.
الشرط الثاني: أن تكون المصلحة عامة كلية؛ لتعم الفائدة جميع المسلمين.
الشرط الثالث: أن تلاءم تلك المصلحة مقاصد الشرع في الجملة فلا تكون غريبة.
الشرط الرابع: أن تكون المصلحة قطعية، أو يغلب على الظن وجودها ولم يختلف في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
ودل على حجيتها: إجماع الصحابة؛ حيث إن من تتبع الفتاوى الصادرة عنهم، ونظر إلى طرق اجتهاداتهم، علم أنهم كانوا يراعون المصالح، وينظرون إلى المعاني التي علموا أن القصد من الشريعة رعايتها، دون نكير من أحد، فكان إجماعاً.
وأيضاً: لو لم نجعل المصلحة المرسلة دليلاً من الأدلة، للزم من ذلك خلو كثير من الحوادث من أحكام، ولضاقت الشريعة عن مصالح الناس، وقصرت عن حاجاتهم، ولم تصلح لمسايرة مختلف المجتمعات والأزمان والأحوال، وهذا خلاف القاعدة الشرعية وهي: " إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان "، فلا بد من جعلها دليلاً من الأدلة الشرعية؛ لهذه القاعدة، ولأن النصوص قليلة، والحوادث كثيرة.
وعلى هذا: يستدل بالمصلحة على أن المرأة البكر لا تغرَّب إذا زنت لأن في تغريبها تعريضاً لها للفساد، وُيستدل بها على قتل الجماعة بالواحد؛ لأنه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى ذلك إلى اتساع القتل به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
الدليل السادس
سد الذرائع
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
الذرائع: جمع ذريعة، وهي: كل وسيلة مباحة قصد بها التوصل بها إلى المفسدة، أو لم يقصد بها التوصل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالباً، ومفسدتها أرجح من مصلحتها.
فسد الذرائع هو: حسم مادة وسائل الفساد بمنع هذه الوسائل ودفعها.
* * *
المسألة الثانية:
سد الذرائع حجة يُعمل به، وُيستدل به على إثبات بعض الأحكام الشرعية، أو نفيها؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ).
فالله سبحانه هنا قد حرَّم سبَّ الأصنام التي يعبدها المشركون، لكون هذا السب ذريعة إلى أن يسبوا الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبِّنا لأصنامهم، فلذلك أمرنا بترك سبِّ أصنامهم؛ لأنه يؤدي إلى سبًّا الله تعالى، وهذا هو سد الذرائع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل من ظهر نفاقه وقال: " أخاف أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه " وذلك سداً للذرائع؛ حيث إن ذلك سيؤدي إلى نفور بعض الناس من الإسلام، ومفسدة التنفير أعظم من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل.
والأخذ بدليل سد الذرائع راجع إلى الأخذ بدليل المصلحة.
وبناء على حجية سد الذرائع: فإن الشخص لو مات وعليه زكاة لم يؤدها: فإنه لا يلزم الورثة إخراجها عنه من تركته؛ لأنه لو ألزمنا الورثة بذلك لأدى ذلك بأن يترك الإنسان أداء زكاته طول عمره اعتماداً على أن الورثة سيخرجونها بعد موته، وربما يتخذ ذلك ذريعة للإضرار بهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
الدليل السابع
العُرف
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
العُرف هو: ما يتعارفه أكثر الناس، ويجري بينهم من وسائل التعبير، وأساليب الخطاب والكلام، وما يتواضعون عليه من الأعمال، ويعتادونه من شؤون المعاملات مما لم يوجد في نفيه ولا إثباته دليل شرعي.
* * *
المسألة الثانية:
العرف من حيث مصدره ثلاثة أقسام هي:
القسم الأول: العُرف العام، وهو: ما تعارف عليه أكثر الناس في جميع البلدان مثل عقد الاستصناع في الأحذية أو الألبسة أو نحو ذلك.
القسم الثاني: العُرف الخاص، وهو: ما تعارف عليه أكثر الناس في بعض البلدان، مثل: إطلاق لفظ " الدابة " على الفرس عند أهل العراق بينما ذلك يختلف في مصر.
القسم الثالث: العُرف الشرعي، وهو: اللفظ الذي استعمله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
الشارع مريداً منه معنى خاصاً مثل: " الصلاة " فإنها في الأصل: الدعاء، ولكن الشارع أراد بها شيئاً مخصوصاً.
* * *
المسألة الثالثة:
العُرف من حيث سببه ومتعلَّقه قسمان هما:
القسم الأول: العرف القولي واللفظي، وهو: أن يتعارف أكثر الناس على إطلاق لفظ على معنى ليس موضوعاً له، بحيث يتبادر إلى الذهن عند سماعه بدون قرينة ولا علاقة عقلية، كلفظ " الدابة "، فإنه لغة يطلق على كل ما يدبُّ على الأرض، وقد خصَّصه بعضهم بالفرس، وآخرون خصَّصوه بالحمار.
القسم الثاني: العرف الفعلي، وهو: ما كان موضوعه بعض الأعمال التي اعتادها الناس في أفعالهم العادية، أو معاملاتهم، كبيع المعاطاة وهي: أن يقول: أعطني بهذا الريال خبزاً فيعطيه ما يرضيه، أو أن يدفع الثمن ويأخذ السلعة بدون لفظ عن تراض بينهما، فهذا بيع صحيح ثبت عن طريق العرف.
* * *
المسألة الرابعة:
العُرف حجة، ودليل شرعي تثبت به الأحكام الشرعية بشروط هي:
الشرط الأول: أن يكون العرف عاماً أو غالباً.
الشرط الثاني: أن يكون العرف مطرداً أو أكثرياً.
الشرط الثالث: أن يكون العرف موجوداً عند إنشاء التصرف.
الشرط الرابع: أن يكون العرف ملزماً، أي: يتحتم العمل بمقتضاه في نظر الناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)