المسألة التاسعة:
أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ولا يطلق الجمع على الاثنين والواحد إلا مجازاً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " الراكب شيطان والراكبان شيطانان، والثلاثة رَكب "، ولقوله: " الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم "،، فقد فصل النبي صلى الله عليه وسلم بين التثنية والجمع، وجعل للاثنين اصطلاحاً دون الجمع، فعلم أن التثنية ليست بجمع حقيقة.
ولأن الثلاثة تنعت بالجمع، والجمع ينعت بالثلاثة فيقال: " ثلاثة رجال "، و " رجال ثلاثة " لكن التثنية لا تنعت بالجمع، ولا الجمع ينعت بالتثنية فلا يقال: " رجال اثنان " ولا " اثنان رجال "، فلو كان الاثنان أقل الجمع: لجاز نعت أحدهما بالآخر، لكن ذلك لا يجوز، فلا يكون الاثنان جمعاً.
ولأن أهل اللغة فرقوا بين التثنية والجمع بالضمير المتصل والمنفصل والتأكيد، فقالوا في الجمع: " فعلوا " و " هم " و " جاء الزيدون أنفسهم "، ولم يقولوا ذلك في التثنية.
وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " والله لا أكلم رجالاً "، فإنه يحنث إذا كلم ثلاثة رجال، ولا يحنث إذا كلَّم اثنين أو واحد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
وكذلك إذا نذر صوم أيام فإنه يلزمه ثلاثة أيام.
وكذلك لو قال لزوجته: " أنتِ طالق طلقات "، فإنه يلزمه ثلاث طلقات.
* * *
المسألة العاشرة:
العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، أي: أن اللفظ الوارد على سبب خاص لا يختص به، بل يكون عاماً لمن تسبب في نزول الحكم ولغيره؛ لأن الحجة في لفظ الشارع: فإن أورد الشارع الحكم، وهو مشتمل على صيغة من صيغ العموم: جعلنا الحكم عاماً سواء نزل ذلك الحكم بسبب أو بغير سبب، وإن أورد الشارع الحكم بلفظ خاص: خصصنا ذلك الحكم، فالمعتبر هو اللفظ.
ولإجماع الصحابة رضي الله عنهم على تعميم الأحكام الواردة على أسباب خاصة كآيات الظهار التي نزلت في شأن أوس بن الصامت وزوجته، وآيات اللعان النازلة في عويمر العجلاني وزوجته، وآية السرقة النازلة في سرقة رداء صفوان بن أمية، وآية القذف النازلة في شأن عائشة - رضي الله عن الجميع - فقد علم الصحابة تلك الأحكام بدون نكير، فكان إجماعاً.
وبناء على ذلك: فإن الأحكام الواردة على أسباب قد ثبتت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
لأوس، ولعويمر، ولصفوان، ولعائشة وللحوادث المشابهة لها عن طريق اللفظ والنص.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
قول الصحابي: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نهى، أو قضى، أو حكم، يقتضي العموم؛ لإجماع الصحابة والتابعين على ذلك؛ حيث كانوا يرجعون إلى هذه الألفاظ، ويحتجون بها في عموم الصور التي تحصل في أزمانهم.
فقد قال ابن عمر: كنا نخابر أربعين سنة حتى أخبرنا رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة، وإذا رأى أحد منهم شخصاً يبيع بالمزابنة أو المحاقلة منعوه استدلالاً بقول الصحابي: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمحاقلة "، وأخذوا بقول الصحابي: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح "، وبقوله: " رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في السَّلَم "، وبقوله: " رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرايا "، وبقوله: " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار "، وكانوا يفعلون ذلك، ويستدلون بتلك الألفاظ، دون نكير، فكان إجماعاً.
وبناء على ذلك: فإن النهي عن بيع المزابنة، والمنابذة، والملامسة، والمحاقلة، والغرر، والأمر بوضع الجوائح، والقضاء بالشفعة للجار، وفيما لم يقسم: عام وشامل للأشخاص الذين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
نُهوا وأمروا وقضي في حقهم، ولمن جاء بعدهم ممن شابههم، وذلك عن طريق لفظ الصحابي ونصه.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
إذا قال الصحابي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا فإن هذا يفيد العموم؛ لأن الراوي إنما يحكي الفعل والحادثة بلفظ: " كان "، إذا ثبت عنده تكرار ذلك الفعل؛ حيث لا يُفهم من لفظ: " كان " إلا التكرار في مخاطباتنا العادية، فمثلاً يقول القائل: " كان زيد يأتي هذه المكتبة "، فإنا لا نفهم من ذلك عادة إلا أن زيداً يتردد عليها أكثر من مرة.
وبناء على ذلك: فإن تعبير الصحابي بلفظ " كان " يدل على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي أداه هذا الصحابي بلفظ " كان " متكرر، ومعلوم أن ما تكرر وقوعه من فعله صلى الله عليه وسلم أقوى مما وقع مرة واحدة، وهذا يفيد عند التعارض.
* * *
المسألة الثالثة عشرة:
العبد يدخل تحت خطاب التكليف بالألفاظ العامة المطلقة، كلفظ: " الناس " و " المؤمنين " و " المسلمين " و " الأمة "، فهو كالحر، ولا فرق، ولا يخرج منها إلا بقرينة، لأن العبد من جملة من يتناوله اللفظ، فهو من الناس، ومن المؤمنين، ومن المسلمين،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
ومن الأمة؛ حيث إن العبد يوصف بذلك فيقال: هذا العبد مسلم، ومؤمن، ومن الناس، ومن الأمة، ولا يوجد مانع من دخوله، لا شرعي، ولا عقلي.
وبناء على ذلك: فإن العبد يدخل ضمن الخطابات الموجهة إلى الناس، والأمة، والمؤمنين والمسلمين، دخولاً أصلياً، ولا يخرج عن ذلك الخطاب إلا بدليل وسبب، كسقوط صلاة الجمعة والحج والجماعة بسبب اشتغاله بخدمة سيده، ولو أذن له سيده لوجبت عليه.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
النساء يدخلن ضمن الجمع الذي تبيَّنت فيه علامة التذكير، كالمسلمين، والمؤمنين، وفعل: " اشربوا وكلوا " و " قاموا " ولا يخرجن إلا بدليل؛ لأن العرب اعتادوا أنه إذا اجتمع الذكور والإناث فإنهم يغلبون جانب التذكير في ألفاظهم وخطاباتهم، ولو كان الذكر واحداً، فإذا كان أمامك عدد من الرجال والنساء فإن الصحيح عند أهل اللغة هو قولك: " قوموا "، ولو قلت للرجال: " قوموا " وللنساء " قمن "، لعده أهل اللغة لكنة وعيَّاً.
وقد وقع ذلك في قوله تعالى - وهو يخاطب آدم، وحواء، وإبليس - (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) فقال: (اهْبِطُوا) مع وجود حواء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
ولأن أكثر أوامر الشرع ونواهيه وخطاباته العامة وردت بلفظ التذكير كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) ونحو ذلك، وانعقد الإجماع على أن النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر والنواهي.
وبناء على ذلك: فإنه لو قال رجل لجمع من الرجال والنساء ومعهم زوجته - وهو يعلم بوجودها -: " طلقتكم " فإنها تطلق؛ لأنها تدخل في خطاب الرجال.
ولو قال لمن أمامه من الرجال والنساء: " ملكتكم هذه الدار "، فإن النساء يشاركن في ملكية هذه الدار.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
العام إذا أدخله التخصيص فإنه حقيقة فيما بقي بعد التخصيص مطلقاً؛ لأن المخصِّص قد أثر في المخصوص والمخرج - فقط -، ولم يؤثر في الباقي بعد التخصيص، فيبقى على ما هو عليه.
فمثلاً: لفظ " السارق " قد وضع لجميع السارقين، وأنها تقطع يد كل واحد منهم، ولما جاء المخصص - وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق " - صرف دلالة لفظ: " السارق " عن بعض السارقين وبين أن هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
البعض - وهما: المجنون والصبي - لا تقطع أيديهما إذا سرقا، وإذا صرفت دلالته عن هذين الشخصين فإن دلالة اللفظ - وهو السارق - على الأفراد غير المخصوصين باقية لم تتغير، ومستمرة على ما هي حقيقة، إذن المخصص لم يؤثر في الباقين، بل أثر في المخصص والمخرج، فتبقى دلالة اللفظ العام المخصوص حقيقة فيما بقي.
وبناء على ذلك: فإن الأفراد الذين بقوا بعد التخصيص قد دل عليهم اللفظ العام وتناولهم حقيقة، أي: دخلوا في عمومه بدون قرينة، وأي لفظ دل على ما بقي بدون قرينة فإنه يكون أقوى من اللفظ الذي لا يدل إلا بقرينة، وهذا يفيد عند تعارض اللفظين.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
يجوز أن يخص العام إلى أن يبقى واحد؛ لوقوعه في القرآن؛ حيث قال تعالى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) وأراد بذلك عائشة رضي الله عنها وقال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) والمراد بالناس واحد وهو: نعيم بن مسعود الأشجعي كما ذكره المفسرون.
ولوقوعه عند أهل اللغة؛ حيث كتب عمر إلى سعد بن أبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
وقاص رضي الله عنهما قائلًا: " قد انفذت إليك ألفي رجل "، وكان قد أرسل إليه ألفاً من الرجال والقعقاع بن عمرو، ولم ينكر عليه أحد.
وبناء على ذلك: فإنه إذا كان للرجل أربع نساء وقال: " نسائي طوالق "، ثم قال: كنت قد أخرجت ثلاثاً: فإنه يقبل، حيث إن الباقية واحدة ويجوز تخصيص إلى أن يبقى واحد.
* * *
المسألة السابعة عشرة:
المخاطِب - بكسر الطاء - والمتكلم يدخل في عموم خطابه مطلقاً؛ لأن السيد لو قال لعبده: " من أحسن إليك فأكرمه "، ثم أحسن إليه السيد، فإن أكرمه فإنه يستحق المدح والثناء، وإن لم يكرمه فإنه يستحق اللوم، وهذا باتفاق العقلاء من أهل اللغة، فاستحقاقه للمدح في الحالة الأولى وللذم في الحالة الثانية دليل على أن السيد داخل في عموم خطابه ومتناول له.
وبناء على ذلك: فإن المخاطب يدخل في عموم خطابه ولا يخرج إلا بقرينة، فلو قال: " نساء المسلمين طوالق " فإن زوجته تطلق، لأن المخاطب والمتكلم يدخل في عموم كلامه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
ولو قال: " عندي لورثة أبي ألف ريال " فإنه يدخل معهم، ويكون له نصيب من هذه الألف.
* * *
المسألة الثامنة عشرة:
يجب اعتقاد عموم اللفظ في حال علمنا به، وإذا اعتقد عمومه وجب العمل بذلك إذا جاء وقت العمل به قبل البحث عن المخصص، فإن وجدنا مخصصاً تركنا العام وعملنا بالمخصص وما بقي بعد التخصيص، وإن لم نجد مخصصاً له نستمر في العمل بالمخصص؛ لأن ترك التمسك بالعام لاحتمال وجود مخصص له يلزم منه ترك العمل بالدليل الثابت يقيناً من أجل دليل قد شك في ثبوته وهذا لا يجوز.
ولأن الأصل عدم التخصيص، وذلك يوجب ظن عدم التخصيص، وهو: يكفي في ظن إثبات الحكم باللفظ العام والعمل به فور علمنا به.
وبناء على ذلك: فإن اللفظ العام يجب أن يعمل به حال سماعنا به بدون قرائن.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع يقتضي العموم في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
كل من المضاف والمضاف إليه فقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك، فلا تكفي صدقة من نوع واحد من الأموال.
وقلنا ذلك لأن الجمع المضاف من صيغ العموم، وضمير الجمع من صيغ العموم - أيضاً، فإذاً يكون العموم في كل من المضاف والمضاف إليه؛ عملاً بالظاهر.
وتطبيق ذلك كما قلنا بالمثال.
* * *
المسألة العشرون:
المفهوم له عموم، أي: يثبت الحكم في جميع صور المسكوت عنه إما على موافقة المنطوق به، أو على مخالفته، قياساً على اللفظ، فكما أن اللفظ يثبت الحكم في جميع صور مسمياته فكذلك مفهومه يثبت الحكم في جميع صور مسمياته، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: " في سائمة الغنم الزكاة "، فقد تضمن ذلك القول قولاً آخر، وهو: أنه لا زكاة في المعلوفة، ولو صرح بذلك: لكان عاماً.
وبناء على ذلك: فإن قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا بلغ الماء قُلتين لم ينجس "، قد دل بمفهومه على أن ما دونهما ينجس بملاقاه النجاسة، وهذا عام لجميع صوره، أي: سواء تغير أو لا، كوثر بماء طاهر ولم يبلغ قلتين أو لم يُكاثر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
المسألة الواحدة والعشرون:
ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فقوله صلى الله عليه وسلم لغيلان الثقفي - الذي أسلم وتحته عشرة نسوة -: " أمسك أربعاً وفارق سائرهن "، وهو لم يستفسر منه هل عقد على هذه النسوة بعقد واحد في زمن واحد، أو عقد عليهن بعقود متعددة في أزمان مختلفة؛ هذا يفيد العموم في جميع الأحوال؛ لأن ترك الرسول صلى الله عليه وسلم الاستفصال من الحاكي في حكايته مع قيام الاحتمال الذي من شأنه أن يؤثر في الحكم، ينزل منزلة العموم في المقال، أي: أن الحكم - وهو: إمساك أربع ومفارقة الباقي عام في الحالتين المذكورتين سابقاً، وهذا يتبين فيه سماحة الإسلام ويسره.
* * *
المسألة الثانية والعشرون:
المقتضَى لا عموم له، أي: أن الشيء الذي اقتضاه اللفظ لصدق الكلام، أو لصحته العقلية، أو لصحته الشرعية، يكون واحداً فقط؛ لأن ثبوت المقتضَى كان للضرورة حتى إذا كان الكلام مفيداً للحكم بدونه لم يصح إثباته لغة ولا شرعاً، وإذا كان للضرورة فإن الضرورة تقدّر بقدرها، ولا حاجة لإثبات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
العموم فيه ما دام الكلام مفيداً بدونه، ويبقى فيما وراء موضع الضرورة - وهو استقامة الكلام - فلا يثبت العموم فيه؛ قياساً على أكل الميتة فإنه لما أبيح للضرورة قدِّر بقدرها، وهو: سدُّ الرَمَق - فقط - فكذلك هنا.
وبناء على ذلك: فإن من تكلَّم في صلاته ناسياً، أو مخطئاً، بطلت صلاته ولا إثم عليه، وعليه الإعادة، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " لا عموم له، فيكون المرفوع حكماً واحداً وهو: " الإثم " المقتضي للعقوبة في الآخرة، ولم يرفع الحكم الدنيوي وهو: الإعادة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
المطلب الثامن عشر
في التخصيص
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
التخصيص هو: قصر العام على بعض أفراده.
مثاله: قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، هذا عام لجميع المطلقات الحوامل وغيرهن، ولكن هذا خُصص بقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، فأخرجت الحوامل من عموم اللفظ - وهو: المطلقات - وجعل عدتها وضع الحمل، فلم يبقى لفظ العموم - وهو المطلقات - على عمومه، بل قصره على بعض أفراده.
* * *
المسألة الثانية:
تخصيص العموم يجوز مطلقاً، أي: سواء كان اللفظ العام أمراً، أو نهياً، أو خبراً؛ لوقوعه في الكتاب والسنة، والوقوع دليل الجواز، ومن أمثلة وقوعه في الأمر قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقطَعُوَا) مع أن الصبي والمجنون لا تنقطع أيديهما إذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
سرقا، ومن أمثلته في النهي قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) مع أن بعض القربان غير منهي عنه، ومن أمثلته في الخبر قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مع أنها لم تؤت السموات والأرض وملك سليمان.
* * *
المسألة الثالثة:
التخصيص بالحسِّ - وهو: الدليل المأخوذ من أحد الحواس الخمس وهي: البصر، والسمع، واللمس، والذوق، والشم - هذا جائز، لوقوعه، والوقوع دليل الجواز، مثل قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)، ونحن نشاهد أشياء لم تدمرها الريح كالجبال والسماء والأرض.
* * *
المسألة الرابعة:
التخصيص بالعقل جائز؛ لوقوعه في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، فالعقل اقتضى بنظره عدم دخول الصبي والمجنون بالتكليف بالحج، لعدم فهمهما، والوقوع دليل الجواز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
المسألة الخامسة:
تخصيص الكتاب بالكتاب جائز؛ لوقوعه في قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) حيث ورد مخصصاً لقوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، أي: لا يجوز نكاح المشركات إلا نساء أهل الكتاب المحصنات، والوقوع دليل الجواز.
ولأن العام والخاص من الكتاب دليلان قد ثبتا فيجب العمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين على حسب القدرة، وهذا أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
* * *
المسألة السادسة:
يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة سواء كانت السنة قولية أو فعلية، لوقوعه في قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يرث القاتل "، وقوله: " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم "، حيث وردا مخصِّصين لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ).
ووقوعه في رجم ماعز بن مالك فإنه خصص قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) فأصبحت الآية قاصرة على الزاني البكر، والزانية البكر.
والوقوع دليل الجواز.
ولأن العام من الكتاب والخاص من السنة المتواترة دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهذا أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
المسألة السابعة:
يجوز تخصيص السنة المتواترة بمثلها، وتخصيص السنة الأحادية بمثلها؛ لوقوعه في قوله صلى الله عليه وسلم: " لا زكاة فيما دون خمسة أوسق "، حيث ورد مخصصاً لقوله صلى الله عليه وسلم: " فيما سَقَت السماء العشر "، والوقوع دليل الجواز.
ولأن العام من السنة المتواترة، والخاص منها دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهذا أولى من إلغاء أحدهما بالكلية، وكذلك في العام من الآحاد والخاص منها.
* * *
المسألة الثامنة:
يجوز تخصيص السنة المتواترة والآحادية بالكتاب؛ لقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) حيث إن السنة شيء من الأشياء، والتخصيص بيان، فيكون الكتاب مخصصاً لها.
ولأن العام من السنة المتواترة والآحاد، والخاص من الكتاب دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهو أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
* * *
المسألة التاسعة:
يجوز تخصيص الكتاب والسنة والمتواترة بخبر الواحد؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
لإجماع الصحابة رضي الله عنهم حيث كان البعض منهم يخصص العام من الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد بدون نكير، فكان إجماعاً.
من ذلك: أنهم خصصوا قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) بقوله صلى الله عليه وسلم: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة " وهو خبر واحد وهو أبو بكر رضي الله عنه.
وخصصوا عموم قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: " لا تنكح المرأة على عمَّتها ولا على خالتها ".
ولأن العام في الكتاب والسنة المتواترة والخاص من خبر الواحد دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهو أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
وبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) مخصص بقوله صلى الله عليه وسلم: " ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر "، ولذلك فإن متروك التسمية، حلال أكله.
* * *
المسألة العاشرة:
يجوز تخصيص الكتاب والسنة بتقرير النبي صلى الله عليه وسلم، لأن تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الواحد على ذلك الفعل وسكوته عن الإنكار عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
دليل على جواز ذلك الفعل - مثلاً -، وهو مقابل بالنص العام من الكتاب أو السنة، فهما دليلان قد ثبتا، فيجب في هذه الحالة العمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهو أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
وبناء على ذلك: فإنه لو وجد عام من النص، وأقر النبي صلى الله عليه وسلم على فعل يخالف دلالة ذلك النص، فإن العام لا يكون حكمه متناولاً لهذا الفعل، بل يكون مراداً به غيره.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
الإجماع يُخصص العام من الكتاب والسنة؛ لأن الإجماع أولى من عام الكتاب والسنة؛ لأنه نص، والنص قابل للتأويل، والإجماع غير قابل له، فيكون الإجماع أقوى والقوي يخصِّص الضعيف.
ولوقوعه؛ حيث إن العلماء قد أجمعوا على أن قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) مخصص بالإجماع على أن العبد يجلد خمسين جلدة على النصف من الحر، ومستند هذا الإجماع هو: القياس على الأمة؛ حيث ورد النص على أنها تجلد نصف ما على الحرة، فقال تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، فقاس العلماء العبد على الأمة، وأجمعوا على هذا القياس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
المسألة الثانية عشرة:
مفهوم الموافقة والمخالفة يخصصان العام من الكتاب والسنة؛ لأن الخاص من مفهوم الموافقة والمخالفة، والعام من الكتاب والسنة، دليلان قد ثبتا وتعارضا ظاهراً، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهذا أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
ومثال التخصيص بمفهوم الموافقة: لو قال شخص: " كل من دخل داري فاضربه "، ثم قال: " إن دخل زيد فلا تقل له أف "، فإن مفهوم ذلك يدل على تحريم ضرب زيد، وإخراجه من العموم.
ومثال التخصيص بمفهوم المخالفة قوله صلى الله عليه وسلم: " في أربعين شاة شاة "، قد خصص بمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: " في سائمة الغنم الزكاة "، فتكون الزكاة واجبة في الغنم السائمة فقط، أما المعلوفة فتخرج عن الوجوب، والذي أخرجها المفهوم.
* * *
المسألة الثالثة عشرة:
القياس يخصص العام من الكتاب والسنة؛ لأن الخاص من القياس، والعام من الكتاب والسنة دليلان قد ثبتا، ولا يمكن أن نقدم العام على الخاص؛ لأنه يلزم منه إلغاء الخاص بالكلية وهذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
لا يجوز، أما تقديم الخاص فلا يوجب ذلك، بل فيه عمل بالخاص وعمل بما بقي بعد التخصيص، وهذا فيه جمع بين الدليلين.
وبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) لم يبق على عمومه؛ حيث إن من وجب عليه حد في النفس ثم لجأ إلى الحرم فإنه يقتص منه ولو كان داخل الحرم، وخصصنا ذلك من عموم الآية السابقة بالقياس؛ حيث قسناه على من جنى داخل الحرم، فإن قتله جائز أخذاً من قوله تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ).
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
إذا تعارض الخاص مع العام كأن يقول السيد لعبده: " أكرم الطلاب " وروي عنه أنه قال: " لا تكرم زيدا " وهو من الطلاب فإن النص الخاص يخصص اللفظ العام، فيكرم جميع الطلاب إلا زيداً، وهذا يكون مطلقاً، أي: سواء علمنا تاريخ نزول كل واحد منهما، أو لم نعلم، وسواء تقدم العام على الخاص، أو العكس، أو جهل التاريخ فلم نعلم أيهما المتقدم والمتأخر، أو كانا مقترنين في النزول؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يفعلون ذلك.
فمثلاً قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) نص عام يدل على أن جميع الأولاد يرثون من آبائهم، ولكن الصحابة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)