الشرط الخامس: أن يكون العرف غير مخالف لدليل معتمد.
الشرط السادس: أن يكون العرف غير معارض بعُرف آخر في نفس البلد.
فإذا توفرت هذه الشروط فإن العرف حجة، دل على ذلك: الاستقراء؛ حيث إنه بعد استقراء وتتبع أحكام الله تعالى وجدنا أنه سبحانه قد اعتبر العادات - التي هي: وقوع المسببات عن أسبابها العادية - ورتب عليها أحكاماً شرعية، فشرع القصاص لأنه سبب للانكفاف عن القتل عادة، وشرع النكاح لأنه عادة وعرفاً سبب لبقاء النسل عادة وعرفاً، وشرع التجارة: لأنها سبب لنماء المال عادة.
وبناء على حجية العُرف: فإنه صح بيع المعاطاة - كما سبق - وكذلك يعْطى الأجير الصانع أجرة المثل، وإن لم تذكر الأجرة قبل العمل إذا كان منتصباً للعمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
الدليل الثامن
الاستقراء
وفيه سائل:
المسألة الأولى:
الاستقراء هو: الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئيات على ثبوته في الأمر الكلي الجامع لتلك الجزئيات.
* * *
المسألة الثانية:
الاستقراء نوعان:
النوع الأول: استقراء تام، وهو ثبوت الحكم في كلية بواسطة إثباته بالتتبع والتصفح لجميع الجزئيات ما عدا صورة النزاع.
النوع الثاني: استقراء ناقص، وهو: ثبوت الحكم في كلية بواسطة إثبات بالتتبع والتصفح لأكثر الجزئيات ما عدا صورة النزاع.
* * *
المسألة الثالثة:
الاستقراء التام حجة اتفاقاً؛ لكونه يفيد القطع، حيث إنه ثبت عن طريق استقراء جميع الجزئيات.
أما الاستقراء الناقص فهو حجة على الصحيح؛ حيث إنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
يفيد الحكم ظناً؛ وذلك لأن تصفح وتتبع أكثر الجزئيات مع تماثلها في الأحكام يوجد ظناً غالباً بأن حكم ما بقي من الجزئيات - وهو قليل - كذلك؛ حيث إنه معلوم: أن القليل يلحق بالكثير الغالب، والعمل بالظن الغالب واجب.
وقلنا: إن الاستقراء الناقص يفيد الحكم ظناً، ولا يفيده قطعاً؛ لجواز أن يكون حكم ما لم يستقراً بخلاف حكم ما استقرئ، فنظراً إلى هذا الاحتمال الضعيف قلنا: إنه يفيد الحكم ظناً.
وبناء على حجية الاستقراء الناقص: نحكم بأن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، للاستقراء؛ حيث إنا نرجع فيما لم ينص على حكمه إلى الوجود، وقد وجد بعد استقراء الحمل لأربع سنوات كنساء بني عجلان.
وبناء عليه: حكم بعضهم بأن أكثر مدة النفاس ستون يوماً؛ للاستقراء، حيث إنه قد وجد بعد الاستقراء والتتبع: أن بعض النساء يرين النفاس هذه المدة، والاعتماد في هذا الباب على الوجود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
الفصل الرابع
في الاجتهاد
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الاجتهاد هو: بذل المجتهد ما في وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي عملي من دليل تفصيلي.
* * *
المسألة الثانية:
الاجتهاد يكون في الظنيات فقط وهو يشمل الأقسام التالية:
القسم الأول: النص قطعي الثبوت ظني الدلالة، وهذا يكون في الآية والحديث المتواتر اللذين قد دل لفظهما على الحكم دلالة ظنية.
القسم الثاني: النص ظني الثبوت قطعي الدلالة، وهذا يكون في خبر الواحد الذي دل على معناه دلالة قطعية.
القسم الثالث: النص ظني الثبوت والدلالة معاً، وهذا يكون في خبر الواحد الدال على معناه دلالة ظنية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
القسم الرابع: الاجتهاد فيما لا نص فيه ولا إجماع، وهذا يكون في حادثة لم يرد حكمها في نص ولا في إجماع، فيبذل المجتهد ما في وسعه في تحصيل حكم لتلك الحادثة، وذلك باستعمال أدلة أرشده إليها الشارع كالقياس، والاستصحاب، وقول الصحابي، والاستحسان، وشرع من قبلنا، والمصلحة المرسلة، والعرف، وسد الذرائع وغيرها.
* * *
المسألة الثالثة:
شروط المجتهد هي:
الشرط الأول: أن يكون عارفاً بكتاب الله تعالى وما يتعلَّق به، فإذا أراد المجتهد الاستدلال بآية على حكم حادثة فلا بد أن يعرف: هل هي ناسخة أو منسوخة؛ وسبب نزولها، وأقوال الصحابة في تفسيرها، وأقوال كبار التابعين فيها وتفاسير علماء الشريعة لها، وأن يعرف ما يعارضها من آيات أخر أو أحاديث، وأن يعرف نوع دلالتها على الحكم، وإعرابها.
ولا يشترط حفظ القرآن، بل المشترط تذكر آيات الأحكام، فمثلاً لو نزلت حادثة تخص الأطعمة فإنه يعرف مواقع آيات الأطعمة، وكذلك مواضع آيات الحدود، وآيات النكاح والطلاق والرضاع والنفقات ونحو ذلك.
الشرط الثاني: أن يكون عارفاً بالسنة، فإذا أراد الاستدلال بحديث على حكم حادثة، فإنه لا بد أن يعرف عنه مثل معرفته عن الآية كما قلنا سابقاً.
ويزاد في الحديث: معرفة سند الحديث، وطريق وصوله إلينا، وحال رواته من العدالة والضبط ونحو ذلك.
الشرط الثالث: أن يكون عالماً بالمجمع عليه من الأحكام،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
وذلك لئلا يجتهد في مسألة قد أجمع العلماء على حكمها. الشرط الرابع: أن يكون عالماً بالمختلف فيه من الأحكام، فيعرف المسألة وأدلة كل فريق، لذا حرص الأئمة الأربعة ومن تبعهم على معرفة الاختلافات والمناظرات والمحاورات في المسائل التي اختلف فيها بين الصحابة.
الشرط الخامس: أن يكون عالماً بعلم أصول الفقه؛ فمن جهله لا يمكنه ترتيب الأدلة، ومعرفة الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها، فلا بد من معرفته؛ ليعرف تلك الأدلة وشروطها، وأدلة ثبوتها، وفك التعارض بينها.
الشرط السادس: أن يكون عالماً بالقياس؛ حيث إن أكثر من نصف الفقه مبني عليه، فيعرف أركانه، وشروطه وتفاصيل مسائله. قال الإمام الشافعي: " من لم يعرف القياس فليس بفقيه "، وقال الإمام أحمد: " لا يستغني أحد عن القياس ".
الشرط السابع: أن يكون عالماً باللغة العربية وقواعدها من لغة ونحو وبلاغة وبديع، وأن يعرف كل ما يتوقف عليه فهم الألفاظ؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، والرسول صلى الله عليه وسلم من أفصح العرب، فلا يمكن لأي شخص أن يعرف ما تدل عليه ألفاظهما إلا بمعرفة اللغة العربية، فبسبب معرفته لذلك يستطيع أن يفرق بين صريح الكلام، وظاهره، ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه، وخاصه، ومحكمه، ومتشابهه، ومطلقه، ومقيده، ونصه، وفحواه، ولحنه، ومنطوقه، ومفهومه.
الشرط الثامن: أن يكون عارفاً بمقاصد الشريعة، فيعرف المجتهد مقاصد الشارع العامة من تشريع الأحكام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
الشرط التاسع: أن يكون خبيراً بمصالح الناس، وأحوالهم، وأعرافهم، وعاداتهم.
الشرط العاشر: أن يكون عدلاً مجتنباً للمعاصي القادحة في العدالة، وهذا الشرط يشترط لجواز الاعتماد على فتواه، فمن ليس بعدل وتوفرت فيه شروط المجتهد السابقة، فإنه لا تقبل فتواه ولا اجتهاده، ولا يعمل بها الآخرون، أما هو فيجب عليه أن يعمل باجتهاده.
* * *
المسألة الرابعة:
الاجتهاد يكون فرض عين، ويكون فرض كفاية، ويكون مندوباً، ويكون محرماً، وإليك بيان ذلك:
أولاً: يكون الاجتهاد فرض عين في حالتين:
الحالة الأولى: اجتهاد المجتهد في حق نفسه فيما نزل به؛ لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلِّد غيره في حق نفسه.
الحالة الثانية: اجتهاد المجتهد في حق غيره إذا تعين عليه الحكم فيه بأن لا يوجد في العصر إلا هو، أو ضاق الوقت فإنه يجب عليه الاجتهاد على الفور، لأن عدم الاجتهاد يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا لا يجوز.
ثانياً: يكون الاجتهاد فرض كفاية عندما تنزل حادثة بأحد، فاستفتى العلماء، أو عين واحداً أو طائفة، فإن الوجوب هنا يكون فرضاً عليهم جميعاً، فإن أجاب واحد منهم عنها سقط الفرض عن الجميع، وإن أمسكوا مع ظهور الصواب أثموا، وإن أمسكوا مع التباسه عليهم عُذروا.
ثالثاً: يكون الاجتهاد مندوباً إليه في حالتين هما:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
الحالة الأولى: أن يجتهد العالم قبل نزول الحادثة ليسبق إلى معرفة حكمها قبل وقوعها.
الحالة الثانية: أن يستفتيه سائل عن حكم حادثة قبل وقوعها.
رابعاً: يكون الاجتهاد محرماً في حالتين هي:
الحالة الأولى: أن يقع الاجتهاد في مقابلة دليل قاطع من نص أو إجماع.
الحالة الثانية: أن يقع الاجتهاد ممن لم تتوفر فيه شروط المجتهد فيما يجتهد فيه.
* * *
المسألة الخامسة:
يجوز تجزؤ الاجتهاد، أي: يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرف دقائقها دون المسائل الأخرى في نفس الباب، فالشخص العارف لمسألة المشركة - وهي: زوج وذات سدس، وإخوة لأم وإخوة أشقاء - يجوز له أن يجتهد فيها بشرط: إحاطته بعلم الفرائض إجمالاً وأركانه وشروطه، وإن كان جاهلاً بأي مسألة أخرى من باب الفرائض.
وقلنا ذلك: لأنه لو كان العمل في جميع مسائل الفقه شرطاً لبلوغ درجة الاجتهاد وشرطاً لقبوله منه: لكان توقف بعض الصحابة رضي الله عنهم وبعض الفقهاء في بعض المسائل وعدم قدرتهم على ذلك مخرجاً لهم عن الاجتهاد، ولكن الأمر ليس كذلك؛ حيث إن توقف بعض الصحابة وبعض الفقهاء لم يخرجهم عن زمرة المجتهدين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
المسألة السادسة:
يجوز الاجتهاد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم -؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن بذلك لبعض الصحابة؛ حيث إنه قد جاءه خصمان يختصمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص: " أقض بينهما يا عمرو "، فقال عمرو: أنت أولى مني يا رسول الله، قال: " وإن كان "، قال عمرو: فإن قضيت بينهما فما لي؟ قال: " إن أنت قضيت بينهما فأصبت القضاء فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة ".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعقبة بن عامر ولرجل من الأنصار: " اجتهد فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة ".
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ، حيث رضوا بحكمه، فحكم سعد فيهم باجتهاده، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم له: " لقد حكمت بحكم الله فوق سبعة أرقعة ".
وبناء على ذلك: فإنه يجوز الاجتهاد بين مياه تنجس بعضها وهو على شاطئ البحر، ويجوز الاجتهاد في أوقات الصلاة مع إمكان الصبر إلى اليقين.
* * *
المسألة السابعة:
يجوز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم - وهو واقع منه؛ لعموم قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، والرسول صلى الله عليه وسلم أعلى أهل البصائر وأرفعهم منزلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
ولقياسه على داود وسليمان عليهما السلام.
ولوقوعه منه صلى الله عليه وسلم؛ حيث اجتهد في أسرى بدر، واجتهد في نزوله ببدر دون الماء فقال له الحباب بن المنذر: إن كان هذا بوحي فنعم، وإن كان الرأي والمكيدة فأنزل بالناس دون الماء لنحول بينه وبين العدو، فقال لهم: " ليس بوحي، وإنما هو رأي واجتهاد " ورجع إلى قوله.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز للمجتهد أن يكتفي بالاستدلال على حكم مسألة بدليل ظني مع أنه قادر على الاستدلال عليه بدليل قطعي، فيجوز - مثلاً - الاجتهاد فى أوقات الصلاة والقبلة مع إمكان الصبر إلى اليقين.
* * *
المسألة الثامنة:
يجوز الخطأ فى اجتهاده صلى الله عليه وسلم -، لقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43))، وقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ)، فقد بين الله تعالى خطأ اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم لما أذن للذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك، ولما أخذ المال عوضاً عن أسرى بدر.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: " إنما أحكم بالظاهر وإنكم لتختصمون إلي ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
من حق أخيه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ".
* * *
المسألة التاسعة:
المصيب واحد من المجتهدين في الفروع، أي: إذا حدثت حادثة في الفروع، ولم يوجد دليل قاطع في حكمها من نص أو إجماع، فإنا نعلم أن لله تعالى فيها حكماً شرعياً معيناً، فيطلب المجتهدون ذلك الحكم بشتى أنواع الاجتهاد، فمن أدركه كان مصيباً، ومن لم يدركه كان مخطئاً لا إثم عليه، ولا يقطع بخطأ واحد من المجتهدين، ولا يقطع بإصابة واحد بعينه.
وقلنا ذلك؛ لإجماع الصحابة السكوتي، حيث إنه قد انتشرت عن الصحابة رضي الله عنهم وقائع ومسائل خطأ بعضهم بعضاً فيها، وصرَّحوا بلفظ الخطأ والإنكار كقول ابن عباس - يعني زيد بن ثابت في مسألة الجد والإخوة -: " ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً ".
وقال علي رضي الله عنه يعني عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف -: " إن كانا قد اجتهدا فقد أخطئا، وإن لم يجتهدا فقد غشاك عليك الدية، قاله لعمر بن الخطاب لما أرسل إلى امرأة فأفزعها فأجهضت فسأل عثمان وعبد الرحمن فقالا: " لا شيء عليك إنما أنت مؤدب "، وغير ذلك.
فلو كان كل مجتهد في ذلك مصيباً لما خطأ بعضهم بعضاً، بل كان يقول بعضهم لبعض: " أنا مصيب وأنت مصيب ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
ولقوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)، حيث إن الله قد بين أن المصيب واحد.
وبناء على ذلك: فإن من صلَّى خلف من توضأ وهو تارك للنية، أو الترتيب، أو أي شيء مما اختلف فيه فإنه تجب الإعادة على من يرى وجوب النية في الوضوء أو الترتيب.
* * *
المسألة العاشرة:
إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجز عن الترجيح: فإن عليه أن يتوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من الآخر بأي أمارة، فإن لم يعلم: فإنه يسقطهما، ويعمل بالبراءة الأصلية، ولا يجوز التخيير بينهما، ولا العمل بأحدهما؛ لأن تخيير المجتهد في الأخذ بأحد الدليلين المتعارضين عنده يؤدي إلى باطل، وما يؤدي إلى باطل فهو باطل؛ لأنه يلزم من التخيير الجمع بين النقيضين؛ حيث إنه لو تعارض دليل مبيح مع دليل محرم، فخيَّرنا المجتهد بين كونه محرماً يأثم بفعله، وبين كونه مباحاً لا إثم على فعله: كان ذلك جمعاً بين هذين المتناقضين وهو باطل كما قلنا.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز الاستدلال بالبراءة الأصلية على حكم حادثة قد ورد فيها دليلان متعارضان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
المسألة الحادية عشرة:
لا يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة قولين متضادين كالتحريم والتحليل في وقت واحد؛ لأنه بعد استقراء وتتبع ما روي عن الصحابة من الفروع الفقهية الكثيرة: لم يرو عن واحد منهم أنه قال في مسألة واحدة قولين متضادين في وقت واحد، وهذا يدل على عدم الجواز.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، ولكن العلوم كلها حاصلة عنده، وعنده القدرة على الاجتهاد: فإنه لا يجوز أن يقلِّد غيره من المجتهدين مطلقاً، أي: سواء مع ضيق الوقت أو سعته، وسواء فيما يخصه، أو فيما يخص غيره ويفتي به، وسواء كان المجتهد الآخر مثله في العلم، أو أقوى منه؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم قد سوَّغوا الخلاف لصغار الصحابة كابن عباس وابن عمر، وابن الزبير، وزيد، وعائشة، وغيرهم من أحداث الصحابة، حيث كانوا يخالفون كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي وعثمان.
ولقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)؛ حيث إن المجتهد من أولي الأبصار الذين أمرهم الله تعالى بالاعتبار والاجتهاد، فلو جاز له تقليد غيره لكان تاركاً ما وجب عليه، وترك الواجب حرام. فكان تقليده لمجتهد آخر حراماً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
المسألة الثالثة عشرة:
إذا نص المجتهد في مسألة على حكم، وعلل هذا الحكم بعلة توجد في مسائل أخرى - سوى المنصوص عليها - فإن مذهبه في تلك المسائل هو مذهبه في المسألة المعللة؛ لأن المجتهد جعل الحكم تابعاً للعلة، أي: يوجد الحكم حيث وجدت العلة.
فمثلاً: المجتهد اعتقد أن وجوب النية لعلة هي: " الطهارة عن الحدث "، فكل ما وجدت هذه العلة فيه يجب أن يكون الحكم موجوداً فيه، وهو: وجوب النية، فالوضوء طهارة عن حدث، والغسل عن الحيض طهارة عن حدث، فيجب أن يوجد الحكم، وهو: وجوب النية وهكذا.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
إذا نص المجتهد على حكم في مسألة معينة، ولم يذكر علة ذلك الحكم، ووجد مسألة أخرى تشبهها شبهاً يجوز أن يخفى على بعض المجتهدين فإنه لا يجوز أن يجعل ذلك الحكم مذهبه في المسألة الأخرى، أي: لا يجوز أن يحكم بحكم تلك المسألة المنصوص عليه، ويجعل في المسألة الأخرى المشابهة؛ لأن تلك المسألة المشابهة الأخرى لم يتناولها لفظ المجتهد في المسألة الأولى، ولا أشار إليها لا من قريب ولا من بعيد، ولم تخطر على بال ذلك المجتهد، ويمكن لو خطرت على باله، أو عرضت عليه: لصار فيها إلى حكم آخر غير حكم المسألة التي نص على حكمها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
المسألة الخامسة عشرة:
إذا نص المجتهد في مسألة على حكم ونص في مسألة أخرى تشبهها على حكم آخر: فإنه لا يجوز نقل حكم المسألة الأولى، وجعله في الثانية، ولا يجوز العكس؛ لأن المذهب إنما يضاف إلى المجتهد إذا قاله ونص عليه، أو دل عليه بدلالة تجري مجرى نصه من تنبيه وغيره، فإذا عدم شيء من ذلك لم يجز إضافته إليه، وقد تكون تلك المشابهة نوعاً من الدلالة من المجتهد على حكم المسألة الأخرى لكن المجتهد نفسه قد نص على خلاف تلك الدلالة، وإذا تعارضت الدلالة مع النص الصريح: فإنه يقدم النص الصريح.
وبناء على ذلك: فإنه لا يجوز أن يكون للمجتهد في كل مسألة منهما قولان.
ولا يكون هذا طريقاً لمعرفة مذهب المجتهد.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة حكمان مختلفان كالتحريم والإباحة، وصح هذا النقل عنه: فإنه لا يجوز أن يقول كل واحد منهما في وقت واحد وفي حالة واحدة - كما سبق.
إذن: لا بد أن يقول هذين الحكمين المختلفين في وقتين مختلفين، وهذا لا يخلو: إما أن لا نعلم الرواية الأخيرة، أو نعلمها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
فإن لم نعلم الرواية الأخيرة عن هذا المجتهد: أي: لم نعلم تقدم إحداهما على الأخرى: فإنا ننظر في هذين الحكمين: فإن كان أحدهما أشبه من الآخر بأصول ذلك المجتهد: فإنا نجعله مذهبه، ويكون الآخر مشكوكاً فيه ولا يعمل بالشك.
وإن علمنا الرواية الأخيرة: فإنا نجعل الرواية الأخيرة عنه هي مذهبه في المسألة، وتكون الرواية الأولى قد رجع عنها، فلا تضاف إليه، لأنها تكون كالمنسوخ، والرواية الأخيرة كالناسخ.
وبناء على هذا: فإنه يُنسب إلى المجتهد الرواية الأخيرة، وتكون مذهباً له، والرواية الأولى تكون باطلة ومنسوخة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
الفصل الخامس
في التقليد
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
التقليد هو: قبول مذهب الغير من غير حجة.
* * *
المسألة الثانية:
لا يجوز التقليد في أصول الدين، وهي: المسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد كمعرفة الله تعالى، ووحدانيته، وصحة الرسالة، والأسماء والصفات، ووجود الله تعالى، وما يجب له، وما يجوز عليه، وما يستحيل عليه، فيجب على العالم والعامي معرفة ذلك بغير تقليد، لأن أدلة أصول الدين قليلة وواضحة، وأكثرها قد أخذ من الواقع، فيعرفها العامي كما يعرفها العالم، وإن كان العامي لا يقدر على أن يعبر عنها بالألفاظ الكلامية فإن ذلك لا يضره، لأن ذلك عجز عن العبارة، لا عن المعنى المحصِّل للمعرفة، بخلاف أدلة الفروع فإنها كثيرة ومتنوعة، وتحتاج إلى دقة في النظر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
ولأنه لا خطر ولا محذور في تقليد العامي للمجتهد في الفروع؛ حيث إن الإثم محطوط عن المجتهد إذا أخطأ، وهذا بخلاف أصول الدين.
* * *
المسألة الثالثة:
لا يجوز التقليد في أركان الإسلام إجمالاً - وهي: الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج -؛ لأنها ثبتت بالتواتر، ونقلتها الأمة خلفاً عن سلف، وتفقتها الأمة بالقَبول، فمعرفة العامي فيها توافق معرفة العالم فيها، كما تتفق معرفة الجميع فيما يحصل بأخبار التواتر عن البلدان كالصين والهند.
* * *
المسألة الرابعة:
يجوز تقليد العامي للعالم في فروع الدين - كتفصيلات مسائل الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، والمعاملات، والعقوبات ونحو ذلك - لإجماع الصحابة رضي الله عنهم والتابعين؛ حيث إن هؤلاء كانوا يُسألون عن الأحكام فيفتون، ولم يقل أحد منهم: اذهب أيها السائل واعرف الحكم بنفسك، وكان السائل يتبع المجتهد فيما يقول، وكان العلماء يبادرون إلى الإجابة من غير إشارة إلى ذكر الدليل، أو طريق الحكم، ولم ينكر أحد ذلك، فكان ذلك إجماعاً منهم على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقاً.
ولقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، حيث إن هذا دلَّ على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط وهم المجتهدون.
* * *
المسألة الخامسة:
طرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه.
الطريق الأول: انتصاب ذلك الشخص للفتيا بمشهد من أعيان العلماء، دون أن ينكروا عليه ذلك.
الطريق الثاني: أخذ الناس عنه، واجتماعهم على سؤاله والعمل بما يقول، دون منكر.
الطريق الثالث: ما يظهر على ذلك الشخص المفتي من علامات وصفات الدِّين والتقوى والعدالة والورع.
الطريق الرابع: أن يخبره عدل ثقة عنده بأن هذا عالم عدل.
* * *
المسألة السادسة:
مجهول الحال في العلم لا يجوز تقليده، ولا العمل بفتواه؛ لأنا لا نأمن أن يكون حال المسؤول كحال السائل في العامية المانعة من قبول القول، بل قد يكون أجهل من السائل، وهذا الاحتمال قوي؛ لأن الأصل عدم العلم؛ حيث إن الغالب إنما هم العوام، لذلك لا بد أن يُسأل عنه فإن كان عالماً قلده وإلا فلا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
ولعدم قبول رواية مجهول الحال في الخبر، فكذلك لا يجوز قبول فتوى مجهول الحال في العلم ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما متبع فيما يقول.
* * *
المسألة السابعة:
إذا كان في البلد مجتهدان فأكثر فللعامي أن يسأل من شاء ممن غلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد، ويتخيَّر، ولا يلزمه أن يسأل الأعلم والأفضل لأن الصحابة رضي الله عنهم كان فيهم الفاضل والمفضول؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ. . . ". وكان فيهم العوام، ومن فرض ذلك اتباع الفاضلين، والأخذ بقولهم لا غير، ولكن الواقع خلاف ذلك؛ حيث إن العوام منهم كانوا يسألون المفضول مع وجود الفاضل، بدون نكير من أحد، فهذا واضح الدلالة على أن العامي والمستفتي له أن يتخير بين الفاضل والمفضول.
* * *
المسألة الثامنة:
إذا سأل العامي مجتهدَين عن حكم حادثة، فحكم أحدهما بالتحريم، وحكم الآخر بالإباحة، وأحدهما أفضل من الآخر من حيث العلم: فإن هذا العامي يأخذ بقول وحكم الأفضل، ويترك قول وحكم المفضول، ولا يتخير؛ قياساً على المجتهد؛ حيث إنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)