فالتمس كل فريق قرينة رجح بها ما ذهب إليه (1).
وكان الصحابة رضي الله عنهم متجردين لطلب الحق لا يحيدون عنه، وربما تناظروا فإن اقتنع الواحد برأي الآخر أخذ به، وإلا عذر كل واحد أخاه في اجتهاده ووسع له فيه.
وهكذا استمر الحال في اجتهاد أئمة التابعين ومن بعدهم كالأئمة الأربعة وأمثالهم، لكن ازدادت الوقائع المستجدّة فازدادت المسائل التي تستنبط من القرآن الكريم وتوسعت الدراسات التفسيرية لآيات الأحكام.
ولما ظهرت مذاهب فقهاء الأمصار ببنيانها الضخم المؤصل على الأصول الاجتهادية ودوّنت ثم ذاعت في الناس تأثر بكل مذهب منها طوائف من العلماء، كما حصل من قبل أن تأثر بفقهاء الصحابة طوائف من الصحابة والتابعين، لكن العصور المتأخرة شهدت توسعا في المناقشات يؤيد كل فريق مذهبه الذي اعتقد أنه الحق، وربما جرّ ذلك إلى تشديد النقد على المذهب المخالف مما يخالف منهج البحث العلمي، لا سيما في القرن الرابع وما بعده حين انتشرت المناظرات الكلامية.
أشهر ما ألف في التفسير الفقهي:
وهكذا ظهرت التفاسير الفقهية للقرآن وكثرت وكان أكثرها يقتصر على تفسير آيات الأحكام، وفسّر بعضها القرآن كله.
ونعرف القارئ بأشهر تفسيرين فقهيين وهما: (أحكام القرآن) للرازي الجصّاص و (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي.
1 - أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (الجصّاص):
مؤلف الكتاب:
هو الإمام العلّامة المفتي المجتهد الحافظ عالم العراق أبو بكر أحمد بن--------------------------------------------
(1) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 3 ص 112، وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
علي الرازي المشهور بالجصّاص نسبة إلى العمل بالجصّ، ولد سنة 305 وتوفي سنة 370. أخذ الفقه عن أبي سهل الزجاج وأبي الحسن الكرخي وعن غيرهما من فقهاء عصره، وأخذ الحديث وتوسع فيه ورحل إلى الآفاق، فأخذ عن ابن قانع والطبراني وجماعة من الأئمة الحفّاظ.
استقر له التدريس ببغداد وانتهت إليه الرحلة، وكان على طريق شيخه الكرخي وبه انتفع، وكان الجصاص زاهدا ورعا متعبدا، عرض عليه منصب قضاء القضاة فامتنع منه، وعظم الانتفاع به وانتهت إليه رئاسة الحنفية وتخرّج به أصحاب المذهب، وكان له فضل كبير في إظهار حجج الحنفية وأدلتهم.
ويحتج في كتبه بالأحاديث المتصلة بأسانيده.
له كتب كثيرة، منها: أصول الفقه، وشرح مختصر الطحاوي، وأهمها كتاب (أحكام القرآن) (1).
طريقة المؤلف فيه:
هذا التفسير هو أول تفسير فقهي مطبوع، وأهم كتب التفسير الفقهي، لما فيه من عمق الاستنباط وفنون الاستدلالات، وقد شمل آيات الأحكام كلها على ترتيبها في المصحف، لكنه مع ذلك مبوّب على مثال ترتيب كتب الفقه، يضع لكل آية أو آيات عنوانا يدل على مضمون المسائل التي تستنبط منها أو تتفرع عليها، فكان بذلك أسبق من العصريين في اتباع هذه الطريقة.
ومن مزايا هذا التفسير أنه لا يقتصر على ذكر الأحكام التي تستنبط من الآيات، بل يستطرد إلى تفريع مسائل تتفرع منها، ويذكر فيها خلافيات بين الأئمة والأدلة بتوسع كثير.
ويعتني الإمام الجصاص في كل مسائل كتابه بتأييد مذهب الحنفية، بأن--------------------------------------------
(1) الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي ص 27 - 28 وسير أعلام النبلاء للذهبي ج 16 ص 340 - 341.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
يبين وجه استدلالهم بالآية، أو يدفع استدلال المخالفين بآية احتجوا بها على الحنفية.
ومن الأمثلة تفسيره لقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ فقد فسّر آتُوا بمعنى أعطوا والْيَتامى بما بعد البلوغ، مجازا باعتبار ما كان، وفائدة المجاز الإشارة إلى الإسراع بدفع ما لهم إليهم حتى كأنّ اسم اليتم لم يزل عنهم، لأنه لا يسمى يتيما بعد البلوغ. وهذا ظاهر لا تكلف فيه.
ثم فرّع على هذا التفسير وجوب دفع مال اليتيم إليه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أخذا من قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ، لأن الآية الأولى لم تشترط إيناس الرشد لإيتاء المال إلى اليتيم، فجعلها فيما إذا بلغ خمسا وعشرين سنة، والثانية اشترطته فجعلها فيما دون ذلك، لانعقاد الإجماع على أن لا يدفع له المال قبل الخامسة والعشرين، يعني ولا إجماع بعد ذلك فاستعمل الآية فيه، وهو مذهب الحنفية (1).
وهو استدلال بعيد كتفسير للآية، وإن كان يمكن أن يقال: إن هذا السن مظنّة بلوغ الرّشد، فيعامل معاملة تحققه، دفعا لطمع الأوصياء في مال اليتيم.
وربما شدد الجصاص الهجوم على مخالفي الحنفية من الأئمة، وكانت أجواء المنافسات والمناظرات تهيّأ لذلك خصوصا في بغداد مما ينبهنا إلى أن لا نتأثر في عصرنا بمثل هذه المؤثرات، وقد كثرت ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا.--------------------------------------------
(1) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 54 - 59.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
فسر جمهور المفسرين أَلَّا تَعُولُوا أن لا تميلوا إلى إحدى الزوجات.
وفسرها الشافعي بألا تكثر عيالكم، فشنّع الجصاص تبعا للمبرد على الشافعي هذا التفسير بأنه يخالف اللغة، لأنه لو كان هذا هو المراد لقال «ألّا تعيلوا»، وشدّد في التشنيع
مما لا ينبغي أن يصدر عن مثله (1).
والحاصل أن هذا التفسير- على ما انتقدناه به- فإنه تفسير جليل وعميق، ومفيد جدا لطالب العلم في تعميق ملكة التفقه في كتاب الله تعالى.
2 - الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي:
مؤلف الكتاب:
هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، نشأ في قرطبة ثم رحل منها إلى المشرق واستقر بمنية ابن خصيب شمالي أسيوط، وتوفي فيها سنة 671 هـ.
كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين. الزاهدين في الدنيا، المشغولين بالآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف. وبلغ من زهده أنه اطّرح التكلف وصار يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية.
أخرج كتبا كثيرة انتفع الناس بها، منها كتابه التفسير الذي نتكلم عنه، والتذكار في أفضل الأذكار، والتذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، وهي مطبوعة، وله كتب غير ذلك مفيدة (2).
طريقة هذا التفسير:
اسم هذا التفسير هو (الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمّن من السنّة وآي الفرقان)، واشتهر بتفسير القرطبي، وهو من أجل كتب التفسير وأعظمها--------------------------------------------
(1) وتابعه على ذلك أبو بكر ابن العربي أيضا في كتابه «أحكام القرآن» ج 1 ص 131.
وقد انتقده القرطبي في تفسيره ببيان واسع ج 2 ص 322.
(2) نفح الطيب للمقري ج 1 ص 428 ومقدمة تفسير القرطبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
نفعا. بيّن مؤلفه في مقدمته طريقته فيه وتتخلص بما يلي:
العناية بالرواية وتخريج الأحاديث، وبيان جوانب اللغة والإعراب، وذكر القراءات، وبيان الناسخ والمنسوخ وإسقاط القصص والتواريخ، والتعويض عنها بالأحكام المستنبطة، وذكر أدلة الأئمة، ثم الإدلاء برأيه بغاية الهدوء والموضوعية.
ويمتاز هذا التفسير بمزايا هامة، منها: وضوح عبارته وسهولته، ومنها حسن ترتيبه، فهو يقسم الأفكار ويجعل كل فكرة مسألة، ويصدر تفسير الآية بهذه العبارة: قوله تعالى كذا … فيه سبع عشرة مسألة مثلا، المسألة الأولى .. وهكذا .. ما يساعد القارئ على ترتيب أفكاره وحسن الفهم.
ومنها اعتناؤه بعلوم اللغة في دلالة الكلمة واشتقاقها ووجوه الإعراب وفائدتها في المعنى. ومنها أنه عني بالاستنباط من كل القرآن فاستنبط أحكاما من آيات ليست مما يورده أصحاب تفسير أحكام القرآن.
ومن أمثلة طريقته في الجانب الفقهي الذي نتكلم عنه هنا:
قوله تعالى في آية الوضوء: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ: قال رحمه الله (1):
«ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه وإمرار اليد عليه، وهذه حقيقة الغسل عندنا وقد بيّناه في النساء. وقال غيرنا: إنما عليه إجراء الماء وليس عليه دلك بيده. ولا شك أنه إذا انغمس الرجل في الماء وغمس وجهه أو يده ولم يدلّك يقال: غسل وجهه ويده. ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول الإسم فإذا حصل كفى».
فقد رجح مذهب غير المالكية أنه لا يجب الدلك في الغسل، واستدل بأن الغمس في الماء يسمى غسلا، وبالتالي فإن المطلوب حصول ما يسمى غسلا، وهو معنى قوله: «لا يعتبر في ذلك غير حصول الإسم» أي لا يجب إلا--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 83. وانظر تفسيره آية النساء ج 5 ص 209.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
حصول ما يسمى في اللغة غسلا، فإذا حصل- أي ما يسمى غسلا- كفى لأداء الواجب. وهو إنصاف واضح واعتماد دقيق على أصول فن التفسير وتطبيقها.
ولاعتناء القرطبي بالاستنباط نجده يلتفت لفوائد لا يذكرها غيره، ومن ذلك قوله تعالى فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً … قال القرطبي في الآية (1) «دليل على أنه- أي المهر- في مقابلة البضع، لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرا. وقد اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو؟ بدن المرأة أو منفعة البضع أو الحلّ- أي حلّ الاستمتاع- ثلاثة أقوال، والظاهر المجموع، فإن العقد يقتضي كل ذلك».
ومن غاية إنصاف القرطبي وسموّه رفضه النيل من أئمة الإسلام وإن وقع ذلك من بعض أعلام مذهبه، مما يعطي أهل العلم درسا في ذلك (2).
وهكذا جاء تفسير «الجامع لأحكام القرآن» جامعا كاسمه لفنون اللغة والعلوم التي يحتاج إليها المفسر مسبوكة بأسلوب واضح وترتيب جميل وتقسيم ميسر، مما جعل هذا التفسير من أجلّ كتب التفسير وأعظمها نفعا وأكثرها تداولا في هذا العصر.--------------------------------------------
(1) ج 5 ص 129. لكن قوله «إن المهر في مقابلة البضع … » غير مسلّم، لأن الاستمتاع مشترك بين الزوجين، وسمي المهر أجرا لتأكيد لزومه وإلا فهو عطية مبتدأه للمرأة، قال تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أي عطية مبتدأة ليست في مقابل شيء.
(2) انظر ما سبق ص 107 تعليقا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
الفصل الحادي عشر التفسير في العصر الحديث
في مطالع القرن الرابع عشر الهجري المنصرم وفي ظل الاحتلال الأجنبي لكثير من البلاد الإسلامية أو أكثرها احتدم الصراع الفكري في البلاد الإسلامية وأثيرت شبهات وإشكالات حول مفاهيم القرآن الأساسية والعلوم التي اشتمل عليها، وكانت النزعة المادية الصرفة الملحدة متسلطة على المفكرين في أوربة مما جعل جملة هذه العوامل وغيرها يثير الجدل والشبهات، التي أثارت رجال العلم والفكر المسلمين للاضطلاع بمهمتهم تجاه هذا الواجب.
وكان من الطبيعي أن تتجه أنظار الجميع إلى القرآن: توجه المنحرفون إلحادا وتشكيكا، وتوجه العلماء إظهارا للحق وهداية القرآن، وتفسيرا صحيحا لآياته ولإعجازه (1).
لكن في ظل الانبهار والدهشة لتفوق الأجنبي جاءت بحوث عدد من العلماء والمفكرين الإسلاميين متأثرة بمناهج الأجانب ومفاهيمهم المادية البحتة، وظهر أثر ذلك واضحا في تفاسير عدد منهم مما يتعارض مع الأدلة ومناهج التفسير.
ومن ذلك إنكار بعضهم المعجزات الحسية وتأويل الآيات الواردة فيها تأويلا بعيدا متكلفا، مثل تأويل الإسراء على أنه كان بالمنام أو بالروح فقط،--------------------------------------------
(1) كما هو صريح مقصد الشيخ محمد عبده في «تفسير القرآن الحكيم» المشهور بتفسير المنار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
مصادما صريح الآية والأحاديث المتواترة.
كذلك إنكار خلق آدم وتأويل قصته، حتى فسّر بعضهم قوله تعالى:
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أن المراد خلق العرب من إسماعيل عليه السلام (1)، جاهلا أو متجاهلا إجماع المفسّرين، وأن العرب ليسوا كلهم من إسماعيل .. ؟!
ومن ذلك تأويل الملائكة بالخاصة في المخلوق «وهو- كما قال الشيخ محمد عبده- أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان».
وفسّر الناس كلامه ذلك بأنه أراد قوى الطبيعة، وانتشر في أوساط كثيرة آنذاك، وهو خطأ في العلم وفي الفهم أيضا، ولا ينسجم مع الإيمان بالوحي والنبوات (2).
وراح بعضهم يفسر الآيات القرآنية على أي شيء يسمعه من المكتشفات العلمية دون تثبت من صحة الاكتشاف فضلا عن فهم حقيقته وطبيعته، ودون تقيد بأصول علم التفسير التي لا يجوز الإخلال بها، حتى ظهر تفسير ضخم للقرآن كله هو: «الجواهر في تفسير القرآن»، للشيخ طنطاوي جوهري يعجّ بالطامات في أمور العلم والجموح العجيب في تفسير القرآن، حتى نجده يفسر الآيات التي تذكر إحياء الموتى في سورة البقرة فيجعلها أصلا في علم تحضير الأرواح وأنه استخرج منها بزعمه، حتى يقول: «والمسلمون يؤمنون بها، حتى ظهر علم الأرواح بأمريكا أولا، ثم بسائر أوربة ثانيا … » (3)؟!!--------------------------------------------
(1) انظر ذلك في تفسير المراغي. في مطلع سورة النساء؟!
(2) انظر كلام الشيخ محمد عبده مطولا بتمامه في تفسيره ج 1 ص 267 - 268. لكنه نفى أن يكون هذا هو مراده ص 270 - 273 وبيّن أن مراده هو «أنها قوى أو أرواح منبثة فيما حولك وما بين يديك وما خلفك وأن الله ذكرها لك بما يعرفها سلفك .. ؟!».
لكن يظل هذا التأويل غير مقبول، لمخالفته أوصاف الملائكة وأعمالهم الواردة في الكتاب والسنّة.
(3) تفسير الجواهر ج 1 ص 71 وما بعده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
وفي الحروف المقطعة أول سورة آل عمران الم يعقد بحثا طويلا عنوانه «الأسرار الكيميائية في الحروف الهجائية .. » أتى فيه بما يبعد عن العلم وعن فطرة العقل كذلك (1).
ولا نزال نوافى بمثل تكلفاته هذه في عصرنا هذا!!.
نحن نقدر حرص الكاتبين على إظهار إعجاز القرآن والنهوض بالمسلمين في مدارج الرقي لكنهم أخطئوا الطريق، فليس الطريق إلى ذلك بمخالفة العلم في درسه ولا القرآن في أصول بحثه.
وقد ظهرت ردود ومناقشات حول هذه القضايا كلها، لكن لم يظهر تفسير كامل ملتزم بمنهج التفسير في ذلك الوقت، يتضمن التفسير الصحيح في هذه الآيات الكثيرة.
حتى إذا كان الربع الأخير من القرن الرابع عشر نشطت الدراسات القرآنية نشاطا عظيما، وظهرت دراسات تفسيرية لبعض السور أو الجوانب، كما ظهرت تفاسير متنوعة، ذات مناهج مبتكرة متعددة، فيها تجديد في عرض معاني كتاب الله، يعتمد أصول التفسير، ويعوّل على المصادر القديمة، ويلائم حاجة القارئ المعاصر في ضوء استقرار الحقائق العلمية، وانجلاء الغبار عن أخطاء السابقين، وإن كان بعضهم تأثر بأخطاء السابقين لكن الجملة يعتمد عليها.
وأهم أنواع التفسير المعاصرة ما يلي:
الأول: التفسير المنهجي (2):
ومن أشهر كتبه المتداولة: «التفسير الواضح» للدكتور الشيخ محمد محمود حجازي.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق ج 2 ص 10 - 11.
(2) هكذا اخترنا تسميته، لما بينا من طريقته، وهي طريقة عامة في هذا العصر. أما التفسير التحليلي فيتميز بمزيد الدقة والعمق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
وطريقة هذا التفسير أنه يتبع أصول التفسير وخطواته عند العلماء، لكنه ينظم هذه الخطوات في فقرات منفصلة هكذا: أسباب النزول، مناسبة الآية لما قبلها، المفردات اللغوية، الإعراب وأثره في المعنى، البلاغة، المعنى العام، ثم ما يستنبط من النص من الفوائد، مع مراعاة سلاسة الأسلوب ووضوحه، ومزج فيه التفسير بالمعاني العلمية والتوجيهات الاجتماعية والاستنباطات.
لكن المؤلف كثيرا ما يخالف ما عليه الجمهور، دون أن يظهر مبرّر لعمله ذلك (1).
وعلى كل فالكتاب هام وسهل لعامة القراء، ومفيد، يلائم بث روح النهوض في المسلم، وإيقاظ وعيه للعلوم والثقافات.
الثاني: التفسير الأدبي الاجتماعي:
وهو تفسير يبرز إعجاز القرآن ويعتمد في عرض معانيه على الأسلوب الأدبي الجذّاب ليصل إلى القارئ بما يريد من التأثير والتوجيه.
وقد لفت هذا التفسير الوحيد إليه الأنظار، لأنه استطاع أن يملك ناصية البيان الأدبي في عرض المعاني، وناصية الذوق الأدبي في فهم أسرار إعجاز القرآن، ثم في المنطلق المعاصر الذي عني به وهو إبراز إعجاز القرآن في فن التصوير حتى استطاع أن ينال الاعتراف به والإعجاب، إذ سبق وبادر لإثبات إعجاز القرآن وفق مقياس أدبي فنّي حديث: هو فن التصوير، وأن يقدم تفسيرا--------------------------------------------
(1) مثل تفسيره النَّازِعاتِ … بالكواكب، خلافا للجمهور، وخلافا لظاهر قوله تعالى فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً.
ومثل تفسيره الْعِشارُ عُطِّلَتْ السحاب. وتعطيلها منعها من حمل الماء، وقيل: «هي النياق أتى على حملها عشرة أشهر … ». فعبر بقيل عن التفسير الذي هو ظاهر اللغة ورأي أكثر الناس، ولم يبين سبب اختياره؟! مع أنه لا إشكال على المعنى الظاهر، لأنه يشير إلى اشتغال الناس بداهية القيامة عن أنفس أموالهم، وكانت العشار أعزّ أموال العرب عليهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
كاملا للقرآن يبرز فيه مصداق هذه النظرية (1).
الثالث: التفسير العلمي:
هو التفسير الذي يجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية من القرآن الكريم (2).
وقد أخذ هذا النوع من التفسير اهتماما عظيما لدى المثقفين في الآونة الأخيرة، وذلك لما كشف عنه تقدم العلم من إعجاز القرآن، وتصديقه الحقائق العلمية، على حين قضى تقدم العلم بالبطلان على التراث الديني لدى الأمم الأخرى. وزاد ذلك الاهتمام ضعف ملكة الدارسين الأدبية، فضلا عن أن القسم الأعظم من المسلمين ليسوا من العرب.
لكن وقع من بعض الكاتبين غلو وجنوح في هذا التفسير مما سبق أن حذرنا منه، وأوضحناه بالأمثلة. وأتينا في بحث الكون في القرآن على تفاصيل وشروط يجب أن تتبع في هذا التفسير.
ومما يذكر من المؤلفات في هذا الباب: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة. للدكتور موريس بوكاي (3). وآيات الله في الآفاق.
للأستاذ الشيخ محمد وفا أميري.
الرابع: التفسير العام:
هو تفسير يعرض مقاصد الآيات ومعانيها، دون دخول في تفاصيل المفردات وجزئيات المعنى.
وقد احتل هذا التفسير مكانة كبيرة في الأوساط العامة، وأصبح عمدة في الخطب والمقالات، والأحاديث والبحوث الإسلامية الثقافية.--------------------------------------------
(1) انظر ما سيأتي في الفصل الخاص بالتصوير في القرآن.
(2) بتصرف عن التفسير والمفسرون ج 3 ص 140.
(3) على تحفظ من آرائه في الحديث النبوي تعرضنا لها في كتابنا: «السنّة المطهرة والتحديات» فارجع إليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
لكن كثر دخول من ليس من أهل التفسير فيه، وكثر الخطأ فيه، حتى ربما أدخل كثيرون في تفسير الآية أشياء لا علاقة لها بالآية، فضلا عما هو أشد من ذلك.
والذي يجب أن يتنبّه له كلّ باحث أو محاضر أو خطيب أو داعية أن يعلم أنه مطالب بمراعاة أصول التفسير وقواعده، ليكون ما يعرضه على الناس من التفسير العام حصيلة دراسة مبنية على المنهج السليم، فيحوز أجر المبلّغين لكتاب الله وعلومه، وينجو من الوعيد الشديد الذي عرفناه فيمن تكلم في القرآن برأيه.
ولعل أهم ما صنّف كتفسير في هذا النوع: تفسير القرآن الكريم، لفضيلة أستاذنا الشيخ محمود شلتوت رحمه الله شيخ الأزهر الأسبق، وشمل فيه الأجزاء العشر الأولى فقط.
الخامس: التفسير الموضوعي:
وهو تفسير يدرس القضايا بحسب دلالة الآيات القرآنية في القرآن كله.
أو بحسب مقصد سورة منه (1).
وقد عني المعاصرون بالتفسير الموضوعي، لملاءمته حاجة العصر ودراسة القضايا الحديثة. ومن الكتب الهامة المفيدة فيه كتابا «هدي القرآن إلى الحجة والبرهان» و «هدي القرآن إلى معرفة العوالم والتفكر في الأكوان» كلاهما لفضيلة أستاذنا الشيخ عبد الله سراج الدين. وكتاب «نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن» للدكتور حسن ضياء الدين عتر.
وهكذا جاءت جهود المعاصرين بأساليب مبتكرة في التفسير، تلبي حاجة العصر، وتبرز إعجاز القرآن في أسلوبه ومضمونه وفي هدايته، وخصوصا تلك التي التزمت منهج التفسير الذي قرره العلماء.--------------------------------------------
(1) قارن تعريفنا هذا بالتعاريف الواردة في كتاب «مباحث في التفسير الموضوعي» للدكتور مصطفى مسلم ص 16. وانظر الكتاب كله لفائدته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الفصل الثاني عشر ترجمة القرآن الكريم وحكمها
هذا موضوع حاق، والحاجة لبحثه ضرورية. فقد انتفع بفهم معاني القرآن أقوام فآمنوا، وازداد آخرون إيمانا، وضلّ قوم بسوء ما فسّر لهم القرآن بغير لغته، وصدهم ذلك التحريف لمعانيه عن الإيمان.
ونرى لزاما علينا لبحث الموضوع بحثا علميا منهجيا أن نقسم الترجمة إلى قسمين:
القسم الأول: الترجمة الحرفية.
القسم الثاني: الترجمة التفسيرية.
القسم الأول: الترجمة الحرفية
الترجمة الحرفية: هي أن يترجم نظم القرآن بلغة أخرى، ترجمة تحاكيه حذوا بحذو، بحيث تحلّ مفردات الترجمة محل مفرداته، وأسلوبها محل أسلوبه.
وهذه الترجمة مستحيلة في حق القرآن العظيم وذلك لسببين أساسيين:
أولهما: كونه معجزة للبشر لا يقدرون على الإتيان بسورة مثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
الثاني: إنه هداية تؤخذ منه الأحكام، وتستنبط الفوائد والتوجيهات، وهذا الاستنباط لا يؤخذ فقط من المعاني الأصلية التي يسهل فهمها والتعبير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
عنها بلغات أخرى، بل إن كثيرا من الاستنباطات إنما يستفاد من المعاني الثانوية، مثل إشارة النص، ودلالة النص، إلى آخر ما هنالك، ومن غير الممكن أن يحافظ في الترجمة على المعاني الثانوية هذه، لأنها لازمة للقرآن لا تنتقل إلى اللغات الأخرى.
القسم الثاني: الترجمة التفسيرية
الترجمة التفسيرية أو المعنوية: هي شرح الكلام بلغة أخرى على قدر طاقة الإنسان. فهي في الواقع تفسير لمعاني القرآن لكنه مكتوب بلغة غير لغة القرآن. بأن نفهم المعنى المراد من النص قدر طاقتنا ثم نعبر عنه باللغة المترجم إليها على وفق الغرض الذي سيق له.
وهذه ولا شك ممكنة، لا يماري فيها أحد.
ويمكن أن نتبين الفرق بين الترجمة الحرفية والترجمة المعنوية التفسيرية بالتطبيق العلمي على مثال هو هذه الآية: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (1).
لو أراد المترجم أن يترجم هذه الآية الكريمة ترجمة حرفية، لقال بلغة أخرى: «لا تربط يدك إلى عنقك ولا تمدها غاية المد .. ». وهذا تعبير بعيد عن المقصود الحقيقي للآية، يثير استنكار القارئ غير العربي، لأنه مثير للاستغراب، ولا يفهم منه المعنى الذي قصده القرآن وما فيه من التشبيه البليغ.
أما إذا أراد ترجمتها ترجمة تفسيرية فإنه يبين نهي القرآن عن الضدين:
التقتير والتبذير، وقد عرضهما القرآن مصوّرين صورة شنيعة ينفر منها الإنسان، فإن الكلام الذي فسّر به معنى الآية باللغة الأخرى يكون مفهوما للقارئ الأعجمي، ومقبولا عنده ومؤثرا فيه. وشتان ما بين العملين، وما أبعد ما بينهما.--------------------------------------------
(1) سورة الإسراء، الآية 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
وهذه شهادة منصفة من رجل متمكن من اللغة العربية ولغته الفرنسية، هو المستشرق الفرنسي الدكتور ماردريس، فقد كلفته وزارة الخارجية والمعارف الفرنسيتان بترجمة 62 سورة من السور الطوال، فحاول جهده، وقال في مقدمة ترجمته هذه (1):
«أما أسلوب القرآن فهو أسلوب الخالق جلّ وعلا، فإن الأسلوب الذي ينطوي على كنه الكائن الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهيا ..
لذلك كان من الجهد الضائع غير المثمر أن يحاول الإنسان أداء تأثير هذا النثر البديع الذي لم يسمع بمثله بلغة أخرى، وخاصة الفرنسية القاسية الضيقة التي لا تتسع للتعبير عن الشعور .. زد على ذلك أن اللغة الفرنسية ومثلها جميع اللغات العصرية ليست لغة دينية، وما استعملت قط للتعبير عن الألوهية» (2).
حكم الترجمة التفسيرية:
إن تفسير القرآن الكريم علم جليل، وهو من العلوم التي فرض الله على الأمة تعلمها وتعليمها، والترجمة التفسيرية هي تفسير للقرآن الكريم بلغة أخرى غير اللغة العربية، فكانت هذه الترجمة فرضا مما فرضه الله تعالى على الأمة، بل هي الآن أكثر فرضية لما يترتب عليها من الواجبات المحتمة، مثل تبليغ معاني القرآن على وجه صحيح إلى المسلمين غير العرب، وكذلك إلى غير المسلمين أيضا، ومثل المحافظة على العقيدة الإسلامية من التحريف الخاطئ أو المعتمد الذي كثر فيما يسمى ترجمات القرآن، مما يشوّش عقيدة قارئها المسلم، ويصد غير المسلم عن دين الله تعالى، وكذلك الدفاع عن القرآن بكشف أضاليل المبشرين والمستشرقين الذين تعالت أصوات الشكايات من دسهم وتزييفهم.--------------------------------------------
(1) الصادرة سنة 1926. كما في المعجزة الخالدة ص 186 - 187 عن الوحي المحمدي ص 21 - 22.
(2) هذا هو حال اللغة العربية قبل نزول القرآن، كما يلاحظ من دراسة الأدب الجاهلي، لكن إعجاز القرآن هو الذي جعلها لغة دين وإيمان بأقصى تفاصيل إيمانية وإلهية لا توجد في دين آخر، كما جعلها لغة العلوم والمعارف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
شروط الترجمة التفسيرية:
ولتكون الترجمة التفسيرية ترجمة صحيحة ومؤدية للغرض المطلوب، وبعيدة عن أي ضرر فقد اشترط العلماء المعاصرون في إعدادها وطبعها الشروط التالية:
1 - أن تكون مستوفية شروط التفسير التي سبقت. وذلك يوجب على المترجم استحضار معنى الأصل من تفسير عربي مستوف لتلك الشروط. أما إذا استقل برأيه ولم يكن أهلا لذلك، أو اعتمد على تفسير غير مستوف للشروط فلا تكون هذه الترجمة صحيحة ولا جائزة. وينطبق عليها الوعيد الشديد والإثم الأكيد فيمن قال في القرآن برأيه المجرد.
2 - أن يكون المترجم بعيدا عن الميل إلى أي عقيدة زائغة تخالف عقيدة القرآن، وهذا شرط في الأصل التفسيري أيضا كما هو معلوم.
3 - أن يكون المترجم عالما باللغتين: المترجم منها والمترجم إليها معرفة خبرة بأسرارهما، وعلم دقيق بوجوه وضع اللغة، وطرق الأساليب، واختلاف الدلالة بحسب الأسلوب في كل من اللغتين.
4 - أن يراعى في طباعة الترجمة التفسيرية اشتمال الطبعة على القرآن أولا، ثم تفسيره العربي ثانيا، ثم يتبع ذلك بترجمته التفسيرية، حتى لا يتوهم متوهم أن هذه ترجمة حرفية للقرآن.
والجدير بالذكر أن بعض البلاد الإسلامية طبعت المصاحف محاطة بتفسير باللغة المحلية في هامش المصحف، كما فعل الإيرانيون والباكستانيون، وليت هذا التفسير يكتبه أولا فريق من العلماء أهل الاختصاص إذن لكان العمل أسلم وأجدى (1).--------------------------------------------
(1) انظر التوسع في الموضوع: في منهج الفرقان في علوم القرآن لمحمد علي سلامة ج 2 ص 71 - 90 ومناهل العرفان ج 2 ص 6 - 25 وديباجة ابن قتيبة لكتابه تأويل مشكل القرآن، والتفسير والمفسرون ج 1 ص 23 - 30 والمعجزة الكبرى ص 611 - 619 وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
الفصل الثالث عشر المحكم والمتشابه
الاحكام لغة:
الإتقان البالغ، ومنه البناء المحكم الذي أتقن فلا يتطرق إليه الخلل أو الفساد.
وأما المتشابه: فهو في أصل اللغة:
من الشبه وهو التماثل بين شيئين أو أشياء. ولما كان التماثل بين الأشياء يؤدي إلى الشك والحيرة، ويوقع في الالتباس توسعوا في اللفظ، وأطلقوا «متشابه» و «مشتبه» على كل ما غمض ودقّ.
وكما توسعوا في المتشابه توسعوا في «المشكل» فصار كما قال ابن قتيبة «يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل».
ويمكن أن نلحق بهذين النوعين نوعا ثالثا هو المبهم، وهو مأخوذ من الإبهام، والمراد به ما أغفل ولم يعيّن فيه الفرد أو الشخص مع فهم المعنى، مثل: «رجل»، «امرأة».
وبناء على الإطلاق اللغوي للمحكم والمتشابه وهو إطلاق شامل واسع فإن بوسعنا أن نفهم استعمال القرآن هذين اللفظين بإطلاقات متعددة ولمعان متنوعة، وصف فيها القرآن بالإحكام ووصف بالتشابه:
لقد جاء وصف القرآن كله بالإحكام في أكثر من موضع من القرآن، كما وصف بالحكمة أيضا:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
قال تعالى في أول سورة هود: الر. كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ.
فوصف الله تعالى القرآن بأنه كِتابٌ عظيم الشأن جليل القدر، وعبر بالإحكام في قوله: أُحْكِمَتْ عن الإتقان للإشارة إلى أنه متكامل العظمة من الناحية الإيجابية بإتقانه البالغ، نظما ومعنى ومن الناحية السلبية فلا يتطرق إليه دخل ولا خلل لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ.
كذلك وصف القرآن كله بأنه متشابه، في قوله تعالى في سورة الزمر (1):
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ. ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ.
فقد جاء مدح القرآن هنا بأنه متشابه أي يشبه بعضه بعضا في الحسن والإعجاز، ويصدق بعضه بعضا مَثانِيَ يردد فيه القول، أو يذكر الشيء وضده، كذكر المؤمنين ثم الكافرين، وكصفة الجنة ثم صفة النار، وهكذا …
المحكم والمتشابه اصطلاحا:
وليس موضوع هذا البحث تفصيل أوجه الإحكام والتشابه اللذين وردا فيما سبق، وإنما موضوع البحث وصف القرآن حسبما ورد النص فيه صراحة في سورة آل عمران في هذه الآية من مطلعها:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.--------------------------------------------
(1) الآية 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
فقد دلّت الآية على أنّ من القرآن ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، فما هو المراد بهما هاهنا؟
لقد تعددت الآراء في تعريف المحكم والمتشابه المذكورين في هذه الآية وكان السبب في ذلك اختلاف الوجهة التي ينظر منها صاحب كل رأي.
ولعلنا إذا نظرنا إلى سياق الآية نخلص إلى ترجيح رأي الإمام الطيبي.
المحكم: هو الواضح المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال.
والمتشابه: هو الذي طرأ عليه خفاء في المعنى المراد منه (1).
فإن سياق الآية يؤيد هذا، لأنه تعالى جعل المحكم مقابلا للمتشابه، فينبغي أن يفسّر بما يقابله، وأشار إلى أن المتشابه يحتاج إلى تأويل، الأمّ فيه أي المرجع والأصل الذي يجب التعويل عليه هو المحكم.
هل يمكن تفسير المتشابه:
وبالنظر لغموض المتشابه وخطورة البحث فيه لكونه بحثا في كلام الله تعالى اختلفت الآراء فيه، هل هو مما يمكن الاطلاع على علمه، أو لا يمكن الاطلاع على علمه، ولا يعلمه إلّا الله.
وقد أرجعوا السبب في هذا الاختلاف إلى الاختلاف في آية آل عمران السابقة وقوله تعالى فيها: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ....
فذهب بعض أهل العلم إلى أن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه، وفسروا الآية على أن قوله وَالرَّاسِخُونَ معطوف على قوله إِلَّا اللَّهُ وقوله يَقُولُونَ في محل نصب حال، ولا يقف هؤلاء على لفظ الجلالة اللَّهُ، بل على قوله رَبِّنا. والمعنى أن الله هو الذي يعلم تأويله وكذا الراسخون في العلم حال كونهم قائلين آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، وتكون الآية دالة--------------------------------------------
(1) انظر رأي الطيبي في الإتقان ج 2 ص 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
على أن الراسخين في العلم أي الثابتين المتمكنين فيه يعلمون تأويله.
وذهب كثير من أئمة العلماء المتقدمين والمتأخرين إلى أن المتشابه لا يطلع على علمه إلا الله تعالى، واستدلوا بالآية نفسها كذلك وقالوا: إن قوله تعالى: إِلَّا اللَّهُ نهاية الكلام السابق والوقوف في القراءة عليه، وقوله:
وَالرَّاسِخُونَ مبتدأ، وجملة يَقُولُونَ في محلّ رفع خبر، والمعنى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ثم استأنف ويقول الراسخون في العلم آمنا به كل من عند ربنا، أي كل من المحكم والمتشابه من عند ربنا تبارك وتعالى، لا نفرق بينهما في الإيمان والخضوع، وكل واحد منهما يصدق الآخر، وليس شيء من عند الله بمختلف ولا بمتناقض.
وقد وردت آثار تشهد لهذا الرأي، منها ما أخرجه عبد الرزاق والحاكم في المستدرك عن ابن عباس أنه كان يقرأ: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ … (1).
فهذا خبر بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن يدل على أنه يفسر الآية هكذا، وهو دليل على أن الواو في قوله: وَالرَّاسِخُونَ للاستئناف.
ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذمّ متبعي المتشابه، وعلى مدح الذين فوّضوا العلم إلى الله وسلّموا إليه، كما مدح المؤمنين في مواضع كثيرة بأنهم يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.
التحقيق في المسألة:
ونحن إذا أمعنا النظر في الموضوع من أصله، وبحثنا منطلقات الفريقين نجد أنهما متقاربان، وأن الخلاف ليس جوهريا، وإنما هو خلاف فرعي ناشئ عن اختلافهم في حقيقة المتشابه.
وذلك أن الذين قالوا لا يعلم المتشابه إلا الله أدخلوا في المتشابه قضايا من الغيب مثل قيام الساعة، وخروج الدجال، وحقائق العوالم الأخرى. بل--------------------------------------------
(1) الإتقان ج 2 ص 3 وانظر الطبري ج 6 ص 202 وابن كثير ج 2 ص 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)