Arabic source text

📘 উলূমুল কুরআনিল কারীম - নূরুদ্দীন ইতর (নূরুদ্দীন ইতর - মৃত্যু 1442 হিজরী)

📘 علوم القرآن الكريم - نور الدين عتر (نور الدين عتر - ت 1442 هـ)

📘 উলূমুল কুরআনিল কারীম - নূরুদ্দীন ইতর (নূরুদ্দীন ইতর - মৃত্যু 1442 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
كل فقيه، إنما يسجل من هؤلاء وهؤلاء الأفذاذ الذين بزّوا أقرانهم، وفاقوا أندادهم، حتى يكونوا كالمراجع لهم، وحتى لا يتبادر إلى الذهن لدى ذكر اختصاصهم غيرهم.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى كبار المقرئين ليأخذوا عنهم القرآن، كما أرشد وذكر مناقب اختص بها واحدا منهم أو اثنين بالذكر، ولم يفهم من ذلك أحد حصر القضية فيهم.
عن مسروق أنه قال: «ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود فقال:
لا أزال أحبّه، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبيّ بن كعب» أخرجه البخاري (1).
وعلى هذا النحو ورد الحديث عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال:
«أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت، وأبو زيد» أخرجه البخاري (2).
فقد ذكر أنس هؤلاء لمعنى خاص لاحظه، أو أنهم هم الذين حضروا لذهنه (3).--------------------------------------------
(1) في فضائل القرآن ج 6 ص 186.
(2) ج 6 ص 187.
(3) وأما رواية قول أنس: «مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة:
أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد»، أخرجها البخاري أيضا عقب الرواية السابقة، فليس يصلح أن نأخذ منها ما يخلّ بما قدمنا الدلالة القاطعة عليه.
أما السند: فقد انتقده العلماء بأنه خالف الرواية الأولى وهي الأصح عند البخاري كما أشار لذلك البخاري نفسه، والمخالفة جاءت من وجهين: أحدهما التصريح بالحصر، والآخر ذكر «أبي الدرداء» بدل «أبيّ بن كعب»، وقد استنكر جماعة من الأئمة الحصر في الأربعة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)

وقد تنوعت المواصفات التى سردت فيها قوائم القراء من الصحابة، فهناك الأئمة الذين اشتهروا أكثر، وكانوا مصادر تلقى عنهم المسلمون وهم سبعة: «عثمان بن عفّان، وعلي بن أبي طالب، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري» (1).
وهناك آخرون كثيرون ذكرهم العلماء.
وقد ذكر الإمام أبو عبيد القاسم بن سلّام- في كتاب القراءات الذي صنّفه (2) - القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعدّ من المهاجرين: الخلفاء الراشدين الأربعة، وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وسالما مولى أبي حذيفة، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة (وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير)، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة.
وحفظ القرآن من الأنصار في حياة النبي صلى الله عليه وسلم: عبادة ابن الصامت، ومعاذ أبو حليمة، ومجمّع بن جارية، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلّد.--------------------------------------------
واما المتن: فلا يصلح فهمه على معنى نفي الحفظ عن غير هؤلاء، وحسبنا حديث أنس الأول دليلا حاسما في المسألة، وغاية ما هنالك أن الراوي فهم الحصر من الحديث فرواه على المعنى الذي فهمه، فأخطأ فيه، وخالف الثقات، لذلك قال الإمام البيهقي في المدخل «الرواية الأولى أصح».
وأجيب عن المتن على تقدير صحته وسلامته من أي علة بأن المراد به الحصر الإضافي لا الحقيقي، والمعنى: لم يجمعه على جميع الأوجه والأحرف والقراءات التي نزل بها إلا أولئك النفر.
الإتقان ج 1 ص 70، ولا يشكل على ذلك ورود الرواية في البخاري لأن البخاري قد يورد الحديث من أكثر من وجه، لبيان قوة أصل الحديث، والتنبيه على ما في بعض الروايات فلا يقدح ذلك فيه لأن العمدة على الأصل.
(1) الإتقان ج 1 ص 72.
(2) كما نقل عنه السيوطي في الإتقان ج 1 ص 72 وقال إنه صرح بأن بعضهم كمله بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يخل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)

لكن هذا التعداد ليس للحصر قطعا، فهناك أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك.
وقد أضاف الإمام الذهبي (1) جملة من القراء إلى ما ذكره أبو عبيد وهناك غيرهم كثير يستخرجهم القارئ من دراسة الكتب المؤلفة في الصحابة، ومما تتوارد به الروايات في المراجع (2).
وهكذا ثبت حفظ الصحابة للقرآن في صدورهم بما يبلغ رتبة التواتر بل يزيد عليها أضعافا، تجعلنا تتيقن ما قاله الإمام أبو الخير بن الجزري: «إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة».
وذلك مصداق البشارة التي وردت عن الأنبياء السابقين في وصف هذه الأمة: «أناجيلهم في صدورهم»، وهو تحقيق للحديث القدسي: «إني مبتليك ومبتل بك، ومنزّل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان … » (3)، كما أن هذا من تحقيق الإعلان القرآن الذي كرره القرآن وأكده:
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.--------------------------------------------
(1) في كتابه طبقات القراء كما نقل عنه الزركشي في البرهان ج 1 ص 242 - 243.
(2) ومن ذلك: أبو زيد الذي ورد اسمه في الصحيح. وكمثل هذه الصحابية التي وجدها السيوطي ولم يعدها أحد وهي أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، أنظر الإتقان ج 1 ص 72، وكذلك أبو أمامة، وكان يقرئ في مسجد دمشق مع أبي الدرداء.
(3) أخرجه مسلم في الجنة ج 8 ص 158 - 159 في حديث طويل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)

‌‌جمع القرآن الكريم تدوينا في السطور
هذا الجمع هو لون من الحفظ يدوم مع الزمان، ولا يذهب بذهاب الإنسان، فلا غرو أن يتحقق أكمل تحقق لهذا الكتاب الذي تكفل الله تعالى بحفظه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.
وقد رافق الجمع بالكتابة كل نجم من نجوم هذا القرآن منذ أن تنزّل هذا النجم بالوحي، إلى أن تكامل العمل بجمعه في المصحف جمعا محوطا بأشد أنواع العناية والحفاظ، حتى انتشر بين أمة الإسلام وهو في كل ذلك بإجماعها واطلاعها.
وتقتضي الدراسة الدقيقة تقسيم البحث في جمع القرآن إلى ثلاثة مراحل، كما قسمها المحققون من قبل.

‌‌جمع القرآن تدوينا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم:
لقد عني النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن عناية بالغة جدا، فكان كلما نزل عليه نجم دعا الكتاب فأملاه عليهم، فكتبوه على ما يجدونه من أدوات الكتابة حينئذ مثل الرّقاع، واللّخاف، والأكتاف، والعسب (1). وقد اشتهر أن عدد كتّاب الوحي خمس وعشرون كاتبا، لكنه فيما يبدو أكثر من ذلك بكثير. فقد بلغ عدد الكتّاب فوق الأربعين، حسبما أفاده الإحصاء المستقصي لبعض المحققين (2)، وقد حصر النبي الكريم جهد هؤلاء الكتّاب في كتابة القرآن فمنع من كتابة غيره إلا في ظروف خاصة أو لبعض أناس مخصوصين، كما في الحديث الصحيح: «لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه» أخرجه مسلم (3).--------------------------------------------
(1) الرقعة: القطعة من الأديم أي الجلد ونحوه، واللحاف الحجارة الرقيقة، والعسب:
سعف النخل يكشط طرفه العريض ويكتب عليه.
(2) ابن حديدة الأنصاري في كتابه «المصباح المضيّ في كتّاب النبي العربي» وقد بلغ عدد الكتّاب عنده أربعة وأربعين.
(3) مسلم في الزهد ج 8 ص 229 وأحمد ج 3 ص 21 بلفظه، وانظر في المسألة كتابنا منهج النقد ص 39 وما بعد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)

فتحقق بذلك توفر طاقة كبيرة لكتابة القرآن وترتيبه، كما أخرج الحاكم (1) بسند على شرط الشيخين عن أنس رضي الله عنه قال: «كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع .. »، ومقصود هذا الحديث فيما نرى هو أن «المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه
وسلم».
ومن هنا كان لا بد أن تتوفر نسخ كثيرة من القرآن مدونة عند عدد من الصحابة مثل «أبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، فبغير شك جمعوا القرآن، والدلائل عليه متظاهرة».
وكذلك السيدة عائشة رضي الله عنها.
وثمة نصوص تثبت كثرة كتابة القرآن وانتشاره مكتوبا، تؤكد ما ذهبنا إليه، نذكر منها، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو»، متفق عليه (2).
وفي لفظ لمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو».
وهذا ظاهر في وجود المصاحف عندهم مكتوبة كما أشار البخاري في صحيحه.
وكذلك كتابه صلى الله عليه وسلم المشهور إلى عمرو بن حزم: «أن لا يمسّ القرآن إلا طاهر» أخرجه مالك والنسائي وابن حبان (3).
وقد تظاهرت الأخبار أن سبب إسلام عمر بن الخطاب هو سماعه القرآن يقرأ في المصحف من سورة طه.
وغير ذلك من الأخبار في هذا الباب يثبت وجود القرآن عندهم مكتوبا في نسخ عديدة لديهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وبذلك تحقق للقرآن--------------------------------------------
(1) ج 2 ص 229 وانظر المرشد الوجيز لأبي شامة ص 44 - 45.
(2) البخاري ج 4 ص 56 ومسلم ج 6 ص 30.
(3) الموطأ ج 1 ص 157 والنسائي ج 8 ص 57 وموارد الظمآن ص 203.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)

على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الحفظ التام بنوعيه: حفظ الصدور وحفظ السطور.

‌‌جمع القرآن على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
ثم لاحت في الأفق إشارات تحذّر من الخطر، وذلك نتيجة القتل الكثير الذي وقع في صفوف الصحابة في حروب الردة، وكان قرّاؤهم أكثر إقداما بين مقاتليهم، فكثر فيهم القتل حتى دعا ذلك للتدبر في المستقبل الذي سيواجه فيه المسلمون الدولتين الأعظم في العالم آنذاك، كما فصلت لنا الروايات الصحيحة القطعية الثبوت، نسوق منها هنا رواية الإمام البخاري:
أخرج البخاري (1) عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:
«أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد استحرّ يوم القيامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبّع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه--------------------------------------------
(1) في فضائل القرآن (باب جمع القرآن) ج 1 ص 183.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)

الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم».
وهذا النص يفيد تخوّف الصحابة وحسابهم للمستقبل الذي يوجب الحذر والاستعداد لما يطرأ للقراء في مجتمع فرض عليه الجهاد وأحدقت به الأعداء.
ويذكر الحديث ما اقتضاه العمل من الجهد في قول زيد: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرجال».
إن هذا يعني في ضوء المعلومات الثابتة التي قدمناها معنى جليلا هو أنه «طلب القرآن متفرقا ليعارض (1) بالمجتمع عند من بقي ممن جمع القرآن، ليشترك الجميع في علم ما جمع، فلا يغيب عن جمع القرآن أحد عنده منه شيء، ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف، ولا يشكّوا في أنه جمع عن ملأ منهم» (2).
وفي ضوء هذا نفهم قوله: «وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره».
وروى البخاري عن ابن شهاب قال: «وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت سمع زيد بن ثابت قال: «فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، فقد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فألحقناها في سورتها في المصحف» (3).
فقد ورد من أكثر من طريق (4) أن زيدا وعمر بن الخطاب قاما بعمل جمع--------------------------------------------
(1) أي يقابل وتدقق نسخته.
(2) البرهان ج 1 ص 238 - 239.
(3) أخرجه البخاري في فضائل القرآن ج 6 ص 184.
وقد اخترنا أن قصة هذه الآية وقعت في جمع القرآن على عهد أبي بكر لاتحاد مخرج القصتين فإنهما ترويان عن زيد بن ثابت، أما الجمع على عهد عثمان فمن رواية أنس بن مالك، كما أنه من المستبعد جدا فقد شيء من مصحف أبي بكر، وعمل الصحابة في عهد عثمان إنما كان نشرا للمصاحف عن مصحف أبي بكر، وهو الذي جزم به الإمامان ابن كثير والزركشي.
(4) كما أخرجها ابن أبي داود في المصاحف ص 12 و 17 وانظر الإتقان ص 58.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)

القرآن هذا «وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان».
وقد فسر هذا القول بتفاسير متعددة كلها تشير إلى غاية التثبت، ولعل أولاها عندنا هو الاستشهاد على أن ذلك كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فسره أبو شامة المقدسي، وعلم الدين السخاوي. «ولذلك قال في آخر سورة التوبة: لم أجدها مع غيره، أي لم أجدها مكتوبة على الشرط المذكور مع غيره».
وإلا فإن خاتمة براءة محفوظة عنده وعند غيره من الصحابة، مشهورة قد وردت أحاديث في فضلها.
وبهذا جمعت نسخة المصحف بأدق توثق ومحافظة، واستغرق هذا الجمع زهاء سنة، هي مدة ما بين واقعة اليمامة ووفاة الصديق رضي الله عنه، وأودعت نسخة المصحف لدى الخليفة لتكون إماما تواجه الأمة به ما قد يحدث في المستقبل ولم يبق الأمر موكولا إلى النسخ التي بين أيدي كتّاب الوحي، أو إلى حفظ الحفّاظ وحدهم.
ويعجبنا في هذا ما قاله الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب «فهم السنن»: «كتابة القرآن ليست محدثة، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب، وإنما أمر الصدّيق بنسخها من مكان إلى مكان، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها القرآن منتشر، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء (1).
وما كان أقواه وأمتنه من خيط ذاك الذي جمع به الصحابة رضي الله عنهم كتاب الله تعالى.
وقد اعتمد الصحابة كلهم وبالإجماع القطعي هذا العمل وهذا المصحف الذي جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وتتابع عليه الخلفاء الراشدون كلهم والمسلمون كلهم من بعده، وسجلوها لأبي بكر الصديق منقبة فاضلة--------------------------------------------
(1) البرهان ج 1 ص 238 والإتقان ج 1 ص 58.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)

عظيمة من مناقبه وفضائله الجمة رضي الله عنه، أثنوا عليها وأشادوا بها، لكونه أول من جمع القرآن، أي هذا الجمع العظيم الموثق، وحسبنا في ذلك ما ثبت عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله» (1).

‌‌جمع القرآن بنسخ المصاحف على عهد عثمان رضي الله عنه:
إن ما يميز السياسة الراشدية نظرها الثاقب الذي يتدبر الأمور، بل الذي يسبق الحوادث قبل وقوعها، كما سجلها المؤرخون قديما وحديثا، وهكذا كان عمل أبي بكر والصحابة في جمع المصحف عدة ماضية آتت أعظم النتائج في مواجهة ما تطويه الأيام من تغيرات ومفاجآت (2)، فقد استجد في عهد الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه ما يوجب نشر هذا المصحف وتعميمه على الآفاق ليحقق الغاية التي جمع لأجلها واستغرق تلك الجهود والأوقات.
أخرج البخاري (3) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وآذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف. والمراد أنه أول من جمع كتاب الله الجمع الموثّق باطلاع جميع المسلمين عليه، لما علمنا بالأدلة القاطعة الثبوت أن الصحابة كان عندهم القرآن مكتوبا.
(2) نذكر هنا بمواقف الصحابة من رواية الحديث لما برز قرن الفتنة وظهر الكذب وكيف واجهوا الموقف بأحكم الوسائل العلمية في المحافظة على الحديث النبوي، كما فصلناه في كتابنا منهج النقد في علوم الحديث ص 55 - 57 محققا بالأدلة الثابتة.
(3) ج 6 ص 183 - 184.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)

الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا،
وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرّق».
فقد أفادت هذه الرواية فوائد لها أهميتها في فهم العمل الذي قام به عثمان بن عفان رضي الله عنه، عني العلماء ببحثها ودراستها:
وأول ذلك: السبب الدافع للعمل الذي قام به عثمان وهو اختلاف الناس في وجوه قراءة القرآن، حتى قرءوه بلغاتهم- كما قال ابن التين (1) - على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخت تلك الصحف في مصحف واحد مرتّبا لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش … ».
وهذا يوضح لنا فرقا جوهريا بين عمل أبي بكر وعمل عثمان، وهو أن عمل أبي بكر كان جمع القرآن كله في نسخة معتمدة يشترك فيها الجميع لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعا في نسخة واحدة موثقة ذلك التوثيق، بل كان ما وجد من نسخ المصحف عند كتّاب الوحي على مسئوليتهم الخاصة.
وأما نوع الاختلاف الذي حدث بين الناس في القراءة فيلخصه لنا الإمام أبو بكر الباقلاني في الانتصار بأن عثمان «إنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل …
خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد» (2).--------------------------------------------
(1) الإتقان ج 1 ص 60، وقارن بفتح الباري ج 9 ص 19.
(2) البرهان ج 1 ص 235 - 236، والإتقان الموضع السابق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)

ثم إنا نجد ما يدل على أن العمل في نسخ المصاحف ساهم فيه غير هؤلاء الأربعة المذكورين هنا، وقد أخرج ابن أبي داود من أربعة طرق عن محمد بن سيرين قال: «جمع عثمان اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، منهم أبيّ بن كعب … » (1).
وتوافينا روايات تفصيلية بأسماء صحابة آخرين سوى أعضاء اللجنة الرباعية ساهموا في نسخ المصاحف، حتى اجتمع من التتبع إحصاء أسماء تسعة نفر منهم، مما يقوي رواية الاثني عشر، ويشير إلى أن اللجنة الرباعية كانت هي الرئيسية، ورفدها في العمل خبراء، عملوا معها لكتابة المصاحف التي تكفي لحاجة المسلمين» (2).

‌‌شروط الكتابة في المصاحف العثمانية:
وأما القواعد التي اتبعوها في كتابة المصاحف، فكانت أصولا هامة سارت عليها الأمة من بعد، وقد صرّح الحديث بقاعدة هامة منها، وحدثتنا الروايات عن غيرها، فمن مهمات ذلك:
1 - اختيار حرف قريش: لما جاء في الحديث: «وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا».
وهذا لا يدل على إبطال بقية الأحرف السبعة، لما هو معلوم من قواعد رسم الصحف أنه غير مشكول ولا منقوط، وأنه لم تثبت فيه ألفات المد حسب قواعد في رسم الألف وعدمها، فمثلا «مالك» تكتب «ملك» و «الكتاب» تكتب «الكتب».
ومن هنا كان لقراءة رسم المصحف طريقان: الموافقة للرسم المكتوب تحقيقا، والموافقة احتمالا وتقديرا.--------------------------------------------
(1) المصاحف ص 33 - 34 وانظر فتح الباري ج 9 ص 16.
(2) قارن رأينا هذا بفتح الباري ج 9 ص 16 - 17، وفيه التتبع للزيادة على الأربعة.
وراجع للتوسع نكت الانتصار لنقل القرآن للصيرفي ص 367 وما بعد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)

فقراءة «ملك يوم الدين» موافقة للرسم تحقيقا. وقراءة «مالك يوم الدين» موافقة له تقديرا.
لكن لا تجوز أي قراءة يحتملها الرسم إلا إذا ورد بها النقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو مقرر في ضابط القراءة الصحيحة، غاية الأمر هنا أن يكون الرسم موافقا للسان قريش تحقيقا، ولغيرهم تقديرا (1).
2 - إذا لم يمكن استيعاب كل الأوجه كتب بعض المصاحف ببعض الأوجه، وكتب بعض آخر بأوجه أخرى مثل «ووصّى»، «وأوصى».
3 - تجريد المصحف عن كل ما ليس قرآنا، حتى سرت هذه العبارة المأثورة التي تناقلها التابعون: «جرّدوا المصاحف».
4 - التثبت البالغ في الرسم، كما قال كثير بن أفلح أحد الكاتبين مع اللجنة الرباعية: «فكانوا إذا اختلفوا في الشيء أخروه»، قال ابن سيرين:
«أظنه ليكتبوه على العرضة الأخيرة» (2).
وقد ورد نحو ذلك بأكثر من وجه.
وبهذا كان عمل عثمان بن عفان متكاملا في غاية الضبط والإتقان وقد حقق الهدف الذي قصد إليه من وراء هذا العمل من وجهين هما بيت القصيد:
آ- المحافظة على نص القرآن أن يدخل فيه ما ليس منه، أو أن يتعرض لأي تحريف، بسبب العوامل التي سبق ذكرها.
ب- اعتماد القراءات المتعددة المتواترة التي يمكن أن يقرأ بها القرآن، كما ذكرنا في قاعدة الرسم، وبذلك قضى عثمان رضي الله عنه على الخصام--------------------------------------------
(1) وأما رواية أنهم اختلفوا في التابوت فقال القرشيون: التابوت، وقال زيد: التابوة، فرفع إلى عثمان فقال اكتبوه «التابوت» فإنه نزل بلسان قريش، فهذه الرواية في إسنادها كلام، رواها الزهري مرسلة، وتفرد بوصلها من هو ضعيف، وانظر فتح الباري ج 9 ص 17.
(2) فتح الباري ج 9 ص 16.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)

بسبب القراءات بين المسلمين، لأن الجميع علموا شرعية ما يقرأ به القرآن، لاعتماده على الأصل المجمع عليه من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يشير إلى هذا الهدف قول عثمان يرد على الخارجين عليه اعتراضهم لحرقه المصاحف: «إنما منعتكم من الاختلاف … ».

‌‌نشر عثمان المصاحف في الأمصار:
تم العمل الضخم الذي قام به عثمان وهو نسخ المصاحف بما لا يتجاوز كثيرا (سنة 25 هـ) التي هي سنة غزو المسلمين إرمينية كما يثبته التاريخ (1)، فأعاد عثمان الصحف إلى حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، ووزع المصاحف على وجه يحقق المقصود، ويزيل الإشكال فأرسل إلى كل مصر من الأمصار الإسلامية بمصحف من المصاحف التي نسخت، واحتفظ عنده بمصحف سمي «المصحف الإمام»، وقد وقع الاختلاف في عدد هذه المصاحف، والمشهور أنها خمس على ما قرره السيوطي، لكن إذا أضفنا إليها المصحف الإمام كان المجموع ستة مصاحف.
ولاحظ عثمان في هذا التوزيع إرداف الكتابة بالقراءة، وهي العمدة بالنسبة لقراءة القرآن التي تحتاج إلى التلقي من الأفواه، فأرسل إلى كل بلد قارئا يرافق المصحف ويقرأ بالقراءة الموافقة لرسم المصحف، على التوزيع التالي: زيد بن ثابت مقرئ المصحف المدني، وعبد الله بن السائب مقرئ المصحف المكي، والمغيرة بن شهاب مقرئ المصحف الشامي، وأبو عبد الرحمن السّلمي مقرئ المصحف الكوفي، وعامر بن عبد القيس مقرئ المصحف البصري (2).
وفي مقابل ذلك أمر عثمان بما سوى ذلك من المصاحف أن يحرّق،--------------------------------------------
(1) خلافا لما توهمه بعض السابقين ممن لم يحقق فزعم أنه كان سنة 30، ومن ثم جاء بعض الأجانب ليبني على هذا القول الساقط خيالات باطلة، وانظر تحقيق الترجيح في فتح الباري للحافظ ابن حجر.
(2) بتصرف يسير عن مناهل العرفان ج 1 ص 396 - 397.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)

فاستجاب الصحابة كلهم لذلك، وحمدوا صنيعه، حتى عبد الله بن مسعود نفسه، فإنه بعد أن امتنع قليلا وافق طواعية، كما ثبت ذلك بالأدلة القاطعة الثابتة عنه (1).
وإنما صنع عثمان ذلك بهذه المصاحف الفردية لإزالة جذور الخلاف ومنابته.
وقد انعقد إجماع الأمة عبر كل العصور منذ عهد الصحابة على التزام المصحف الذي أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم، وعملت بذلك جميع الفرق الإسلامية، لا يسمح أحد بمخالفة المصحف لا في رسمه ولا ترتيبه.
وهذه المصاحف في مختلف البلاد الإسلامية ولدى مختلف الفرق المسلمة لا تختلف في شيء عن مصاحف أهل السنّة، حتى في طريقة تقسيم السور وترقيمها، الأمر الذي أثبت بالدلالة القاطعة لكل العقلاء المنصفين على اختلاف أديانهم «أن المصحف الذي نسخه عثمان قد تواتر إلينا بدون أي تحريف على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها المتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الإجماعي من الجميع للنص المقبول نفسه حتى اليوم يعدّ أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا» (2).

‌‌فضيلة عمل عثمان:
وقد حمد المسلمون سلفا فخلفا لعثمان رضي الله عنه صنيعه، حتى لقبوه جامع القرآن، لما «وفّق له من هذا الأمر العظيم، ورفع الاختلاف، وجمع الكلمة، وأراح الأمة» (3).--------------------------------------------
(1) انظر الآثار عنه في المصاحف لابن أبي داود تحت عنوان «رضا عبد الله بن مسعود لجمع عثمان … ».
(2) باختصار عن المستشرق (و. موير).
(3) البرهان ج 1 ص 239 و 240.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)

وقد ثبت عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: «يا معشر الناس، اتقوا الله، وإياكم والغلو في عثمان وقولكم حراق المصاحف، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملإ منا» (1).
وقال علي رضي الله عنه أيضا: «لو وليت ما ولي عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل» (2).
وقد عنيت الأمة الإسلامية بهذه المصاحف العثمانية أكبر عناية، فاتخذت هذه المصاحف أصولا يؤخذ منها، وأئمة يقتدى في كتابة المصاحف بها، حتى حدثنا الرحالون المسلمون العلماء، والأئمة الكبار عن نسخ من هذه المصاحف أو قطع منها شاهدوها في بلاد الإسلام، ولا تزال أجزاء هامة من بعض هذه المصاحف حتى عصرنا هذا تحتفظ بها بعض دور الآثار الضخمة وتزهو بها على العالم.
ويحدثنا الإمام ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة (774 هـ) عن المصحف الشامي فيقول (3): «أما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن، شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديما بمدينة طبرية، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود سنة 518، وقد رأيته كتابا عزيزا، جليلا، عظيما، ضخما، بخط حسن مبين، قوي، بحبر محكم، في رقّ أظنه من جلود الإبل».
وقد ظل هذا المصحف مفخرة تزهو بها دمشق، ويحتضنها جامعها الأموي الكبير، حتى كان الحريق الكبير الذي أصاب المسجد الأموي سنة--------------------------------------------
(1) فتح الباري ج 9 ص 15 والنص أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص 30 وابن الأنباري والسياق لابن أبي داود لكن الجملة الأولى من سياق ابن الأنباري، وانظر الإتقان ج 1 ص 59 ومقدمتان في علوم القرآن ص 46 ومناهل العرفان للزرقاني ج 1 ص 155.
(2) المصاحف من أكثر من طريق ص 19 و 30 وانظر البرهان ج 1 ص 240.
(3) في كتابه فضائل القرآن المطبوع في آخر تفسير ابن كثير ج 4 ص 15.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)

1310 هـ، واحترق فيه هذا المصحف الجليل (1).
وهكذا سجلت الأمة الإسلامية بحفظها القرآن في الصدور والسطور منذ عهد الرسالة، ثم بصنيع أبي بكر وصنيع عثمان بن عفان والصحابة في نسخ المصاحف مزية ليست لأمة غيرها، هي اعتماد المسلمين على نسخ من كتاب ربهم، منقولة على غاية الدقة والتحري عن الأصل المكتوب عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، مع مقابلة ذلك كله بحفظه في صدور المسلمين كلهم، ثم نقله كذلك عبر أجيالهم، ليعترف لهم التاريخ على لسان الموالي لهم والمخالف لدينهم بأنه أدق وأكمل مما يتوقعه أو يمكن أن يفعله أي إنسان، تحقيقا لقول الله تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.--------------------------------------------
(1) قال الأستاذ العلّامة الدكتور صبحي الصالح في كتابه مباحث في علوم القرآن ص 89:
«وقد ذكر لي الزميل الأستاذ الدكتور يوسف العش أن القاضي عبد المحسن الأسطواني أخبره بأنه قد رأى المصحف الشامي قبل احتراقه، وكان محفوظا في المقصورة، وله بيت خشب» انتهى بحروفه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)

‌‌حفظ الله تعالى القرآن العظيم من التحريف والتبديل فيه والزيادة والنقصان أبد الآبدين
لقد أثبت البحث العلمي في حفظ القرآن على عهد الصحابة الكرام أنه قد ثبت قطعا ويقينا حفظ الصحابة للقرآن الكريم بعدد يفوق التواتر حفظا في الصدور، كما أنه حفظ تسجيلا في السطور في الصحف حتى بلغ عدد النسخ جملة كثيرة عند كتّاب الوحي الذين زاد عددهم على الأربعين.
وهذا يدل قطعا على أن الله تعالى قد حفظ القرآن الكريم من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان. ويدل على ذلك أيضا أدلة أخرى كثيرة قطعية يقينية، نذكر نبذة منها فيما يلي:
أولا: قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (1). فقد دل على أنه سبحانه هو الذي أنزل هذا القرآن وهو تكفل أن يحفظه من التلاعب والزيادة والنقصان، فكما يجب الإيمان قطعا بأن هذا القرآن أنزله الله تعالى، يجب الإيمان قطعا بأن الله هو حافظ لهذا القرآن قطعا. وذلك يوجب ألا يدخل عليه أي تحريف أو تبديل أو زيادة أو نقصان.
فلو جرى على هذا القرآن تبديل أو تغيير أو زيادة أو نقص: لما صحّ الخبر في قوله تعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ولما صدق الله تعالى وعده بالحفظ لهذا القرآن العظيم، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فإن الله تعالى لا يخلف--------------------------------------------
(1) سورة الحجر، الآية 9.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)

وعده، وإن خبره صادق محتم الوقوع. ومن أصدق من الله قيلا! ومن أوفى بعهده من الله!! فإنه سبحانه لا يكذب خبره ولا يتخلّف وعده ولا تنقض كفالته.
ثانيا: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (1).
فإنه لو جرى على هذا القرآن الكريم تبديل أو زيادة أو نقص: لكان ذلك منافيا ومعارضا لقوله لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فإن الله تعالى أخبر أن الباطل لا يأتي هذا القرآن ولا يتسرب إليه لا في نصوصه ولا في معانيه، فهو لا يعارض ولا يناقض، ولا يزاد فيه ولا ينقص منه، لأن الزيادة فيه باطلة ليست منه، والنقص منه هو إبطال لما هو منه حقا دالا على حق. فقوله تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ دليل صيانته وحفظه من التلاعب والزيادة والنقص. وهذا الخبر القرآني لا يتخلف ولا يتبدل. إذن فالباطل لا يمكن أن يتسرب إلى هذا القرآن قطعا، لا في نصوص كلماته بزيادة أو نقص، ولا في معانيه بتكذيب أو نقض.
ثالثا: لو جرى على هذا القرآن الكريم تحريف أو زيادة أو نقص: لكان ذلك منافيا ومخالفا لقوله تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ الآية. وذلك أن الله
تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر به أول هذه الأمة وأوسطها وآخرها على حد سواء، وجعل الله تعالى القرآن الكريم حجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على جميع العباد، وبلاغا عنه لكافة العباد إلى يوم المعاد، فإنه صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة العامة للثقلين إلى يوم القيامة، ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يبقى كتابه الذي أنزله الله عليه، يبقى محفوظا إلى يوم الدين، لتقوم الحجة على العباد، وليهتدوا به إلى سبيل--------------------------------------------
(1) سورة فصلت، الآية 41.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)

الرشاد، ويبلّغه آخر هذه الأمة كما بلغه صلى الله عليه وسلم لأولها.
فلو جاز أن يجري عليه تحريف أو زيادة أو نقص لما تحقق إنذاره صلى الله عليه وسلم بالقرآن لمن يأتي من بعده، كما أنذر الذين في عصره، في حين أن الآية تخبر بإنذاره صلى الله عليه وسلم لمن في عصره ومن بعده على حد سواء.
رابعا: لو جرى على هذا القرآن الكريم تحريف أو زيادة أو نقص:
لأدّى ذلك إلى ذهاب الثقة به، ولأدّى ذلك إلى عدم الإيمان الجازم بما جاء به، وكيف لا يوثق به ولا يقطع جزما بما جاء به، مع أن الله تعالى بيّن لعباده أن هذا الكتاب الذي هو بجميع آياته موثوق به ومقطوع بحقيقته لا يتطرق الباطل ولا الخلل إلى جانب من جوانبه. قال تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فإن فحوى هذه الآية ونصها يناديان العباد ويخبرانهم أن الثقة كل الثقة، واليقين كل اليقين، والحق كل الحق، في هذا الكتاب العزيز الذي لا يجد الباطل والوهم والكذب والافتراء والتلاعب وما شابه ذلك- لا يجد ذلك إلى الكتاب سبيلا أصلا.
فلو جرى عليه تحريف أو زيادة أو نقص لذهبت الثقة واليقين به.
أما ذهاب الثقة بالمزيد فالأمر بيّن. وأما ذهاب الثقة بالمزيد عليه فإن العاقل يقول: لعل في هذا الأصل زيادة أيضا، فما يدرينا أنها كلّها أصل؟! وأما ذهاب الثقة به حالة النقص: فذلك لأن بين الأصل المنقوص عنه والشيء الناقص منه ارتباطا في المعاني والأحكام والأخبار وغير ذلك، ولو جرى عليه النقص لأدى ذلك إلى عدم الثقة بالناقص والمنقوص منه. فلا يكون أحد من المسلمين على ثقة بدينه، لاحتمال نسخ بعض الصلوات أو تغيير أوقاتها أو الزيادة عليها، أو نسخ الزكاة أو مقاديرها، أو نسخ الصيام أو الزيادة فيه أو بتبديله بغيره، أو نسخ الحج، أو تحليل الخمر والميسر ونحوهما من المحرمات، أو تحريم بعض أنواع من الحلال، وبذلك لا يكون أحد من الناس على عبادة إلا وهو على شك منها، ولا يقدم على حلال ولا يحجم عن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)

حرام إلا وهو متشكّك، فأين الإيمان والجزم بشرع الله تعالى! نعوذ بالله تعالى! إن ذلك يخل بوجوب امتثال الإسلام، الذي كلف الله تعالى به جميع الأنام، في كل الأزمان، وذلك الإخلال ضد نصوص القرآن القطعية التي تطالب الناس بالإسلام في كل عصر وآن. قال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً. وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً الآية. وقال تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فلذلك كان أيضا حفظ كتابه النازل عليه صلى الله عليه وسلم ثابت بالأدلة القطعية المفحمة للعقول، كما تقدم.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً فقد بيّن سبحانه في هذه الآية أن وظيفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله أن ينذر العالمين إلى يوم الدين، دون أن يقتصر على أهل زمانه فحسب. ولا بد لهذا الخبر أن يتحقق وقوعه، لأنه من الله تعالى وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا فكيف كان ذلك؟ هل تحقق أم لا؟.
نعم كان ذلك حقا، كما بيّن الله تعالى في قوله وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أي وأنذر القرآن كل من بلغه هذا القرآن إلى يوم الدين، لأن هذا القرآن باق كما هو، إلى يوم الدين بحفظ رب العالمين (1).
خامسا: إن من المعلوم قطعا أن القرآن الكريم كان في حياة الصحابة والسلف الصالح بمنزلة الروح من الجسد، به آمنوا بالإسلام، وبه جاهدوا، وبه جادلوا وقارعوا أهل الملل، ولأجله عاشوا، وبذلوا أرواحهم رخيصة من أجل القرآن ودعوته، واستحفظوه حوافظهم الفذة، يتلونه آناء الليل وأطراف النهار. فمن المحال أن يحصل في كتاب الله تعالى خلل أو زيادة أو نقص من أي شخص كان مهما عظم شأنه سهوا أو عمدا إلا وينهض القوم بأجمعهم--------------------------------------------
(1) تلاوة القرآن المجيد ص 11 وما بعد، وهدي القرآن الكريم إلى الحجة والبرهان ص 216 وما بعد، كلاهما لفضيلة أستاذنا الشيخ عبد الله سراج الدين حفظه الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)