بسبب البعد عن العلم. وبسبب اتّباع الأهواء … قال تعالى: وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (1).
فبنى الأنبياء عليهم السلام دعوتهم على نبذ التقليد لكي يتحرر العقل ويعمل ببصيرته النافذة، فيتوصل إلى الحق ويعتصم به.
2 - إن الأنبياء- كما قصّ القرآن علينا- إنما دعوا قومهم إلى الله تعالى وتوحيده بالحجج القاطعة والأدلة الساطعة، وعلى أوجه متنوعة كثيرة يشغل استيفاؤها بحثا كبيرا.
هذا نبي الله نوح عليه السلام يقول لقومه: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً. وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً. وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً .. (2).
وإبراهيم عليه السلام يقول لمن حاجّه في ربه: قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ. قالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ. قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ .. (3).
وموسى عليه السلام يقول لفرعون عند ما سأله قالَ: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى؟ قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (4).
والقرآن حافل بالحجج، كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (5).
وقوله: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (6).--------------------------------------------
(1) سورة الزخرف، الآية 23.
(2) سورة نوح، الآية 15 - 18.
(3) سورة البقرة، الآية 258.
(4) سورة طه، الآية 50.
(5) سورة الأنبياء، الآية 22.
(6) سورة الطور، الآية 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
وغير ذلك كثير جدا، يحكم بالبطلان على من زعم تأثر العقيدة أو الدين في القرآن وفي دعوة الأنبياء بعادة أو عرف أو أثر من المجتمع … ويثبت أن القضية إنما هي قضية حجة وبرهان، فنقول لمن خالف القرآن في الإيمان بالله وتوحيده ما قاله القرآن وتحدّى به كل مخالف: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
قصص القرآن حقيقة تاريخية:
لقد صرح القرآن بأنه يقص القصص الحق أي الثابت الواقع، فكان ذلك دلالة على أن ما جاء في هذا الكتاب الكريم تبيان لوقائع حدثت في غيب الماضي الذي اندثر علمه عن الناس، وكان هذا القصص وجها من أوجه إعجاز القرآن الدالة على أنه من عند الله تعالى.
غير أن التحريف والدس في قصص الأنبياء الذي وقع في تراث الأمم السابقة عامة، وفي المرويات الإسرائيلية خاصة دفع الباحثين العلميين الأجانب إلى التشكك في هذه القصص بل إلى الغلو في التشكك، حتى في القضايا البدهية، مثل وجود بعض الأنبياء المتقدمين الذين تدل دلائل اليقين القاطع على وجودهم، بل من كان له الأثر الكبير في تحول الإنسانية مثل إبراهيم أبي الأنبياء أو موسى وعيسى عليهم السلام.
ثم جاء ببغاوات الثقافة الأجنبية من أبناء ملتنا ليرددوا بغير علم قالة أولئك، ويطبقوها على قصص القرآن، ويثيروا حوله الشك والريب، وكأنّ ثمة فئة من الناس تستكثر
على هذا الإنسان أن يبقى له مرجع واحد ثابت لا يتطرق إليه الظن، يرقى بهذا الإنسان مما آل إليه من الانحدار.
والعجيب أن القرآن الكريم أحال الناس من قديم على مخلّفات الأمم البائدة وآثارها، قبل أن يتقدم علم الآثار ليقرأ فيها الباحثون أخبار الأمم ويستنطقوها أحوالها، تأمل قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ .. ، وقال لفرعون: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً …
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
لقد أثيرت أسئلة حول موسى عليه السلام وعلاقة فرعون بقومه، وزعم بعض المبشرين أنه كان مجرد طاغية كافر، ليس بينه وبين قومه علاقة عبادة، وأطلق بعض المبشرين ألسنتهم بما شاء لهم أدبهم في حق القرآن. وأثيرت أيضا ريبة حول إبراهيم عليه السلام ووجوده، أثار المستشرق اليهودي جولد تسيهر هذه الريبة (1).
لكن تقدم علم الآثار وتفوق العلماء في قراءة الأحافير جاء ليسجل مصداق ما جاء به القرآن الكريم، وأنه صحح أخطاء في تراث الأمم السابقة، وتفرّد بمعلومات دقيقة لم تكن معروفة عند أحد من العالم.
أما بشأن فرعون فقد تبين من الآثار أنه كان يقيم نوعا من علاقة التأليه مع شعبه. كما اكتشفت جثته التي تفرد القرآن بالإخبار عن نجاتها: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً. وعقد الدكتور موريس بوكاي فصلا هاما (2) حول هذه القضية وهو قد شاهد «مومياء» فرعون هذا بنفسه في متاحف القاهرة واختتم الفصل بقوله: «أيّ بيان رائع لآيات القرآن ذلك الذي يخص بدن فرعون والذي تهبه قاعة الموميات الملكية بدار الآثار بالقاهرة لكل من يبحث في معطيات المكتشفات الحديثة عن أدلة على صحة الكتب المقدسة».
وأما بشأن إبراهيم الخليل عليه السلام فقد جاءت الحفريات لتثبت أخبار القرآن عنه وعن قومه تلك التي قام بدراستها «ليوناردو وولي» وألّف بناء عليها كتابه عن إبراهيم، وإذا به يخبر عن قوم بابل وعبادتهم للنجوم، وأن عبادة القمر سابقة على عبادة الشمس خلافا لما قد يتبادر للذهن، وأن رب الأرباب عند اليونان هو كوكب المشتري وليس الشمس أو القمر، ومن ذلك قدم القرآن--------------------------------------------
(1) في أوائل كتابه: «العقيدة والشريعة في الإسلام» ص 12 وما بعدها.
(2) في كتابه القيم «دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة» ص 149 - 271.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
ذكر الكوكب في قصة إبراهيم فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي … (1).
ونختم بهذه الكلمة التي يقولها الدكتور بوكاي عن جثة فرعون إذ يقول (2): «في عصر محمد صلى الله عليه وسلم كان كل شيء مجهولا عن هذا الأمر ولم تكتشف هذه الجثث إلا في نهاية القرن التاسع عشر، وكما يقول القرآن فقد أنقذ بدن هذا الفرعون، وأيا كان هذا الفرعون فهو الآن في قاعة المومياءات الملكية في المتحف المصري بالقاهرة، ويستطيع الزوّار أن يروه».
طريقة القصص في القرآن:
لما كانت القصة في القرآن تهدف إلى مقاصد دينية وإيمانية كانت طريقة القص في القرآن متميزة عن المألوف في هذا الفن، لكي يتلاءم أسلوب عرض القصة مع الوفاء بحق الغرض الذي سيقت لأجله، ومن أبرز سمات طريقة القرآن في القصص ما يلي:
أولا- القصة لا ترد في القرآن بتمامها دفعة واحدة
، بل يقتصر على الجزء الذي يناسب الغرض الذي تساق القصة لأجله، كما يكتفي بالجملة من الآية أو شطر البيت من الشعر للاستشهاد به. وهذا الجزء الذي يذكر إنما يذكر بالحدود الملائمة للغرض كذلك.
فقصة موسى مع فرعون في سورة غافر وردت في جو كأنه جو معركة، لأن فيها بيان الصراع بين الحق والباطل، والمعركة بين الإيمان والكفر، فتذكر السورة من القصة ما يلائم ذلك: محاولة قتل موسى، والتفكير بقتل «أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم». ثم ظهور الرجل المؤمن بين قوم فرعون--------------------------------------------
(1) انظر التفاصيل المثيرة في كتاب «إبراهيم أبو الأنبياء» لعباس محمود العقاد رحمه الله.
(2) دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ص 269.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
يكتم إيمانه فينصر موسى ويدافع عنه، واحتيال فرعون للتهرب من دلائل الحق وبراهينه إلى أن تأتي نهايته بالهلاك والعذاب الأليم. وبحفظ الله تعالى لهذا المؤمن الحكيم. فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ .. فكان الختام ملائما لجو السورة، كما أنه في الوقت نفسه ختام فنّيّ رائع ذلك المشهد الذي يبرز فيه فرعون وقومه قد أحاط بهم سُوءُ الْعَذابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا …
ثانيا- استخراج التوجيهات والعظات، والإعلان بها في ثنايا القصة وختامها
، مما توحي به القصة من العبر والدروس.
ففي قصة لقمان مثلا: وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. يأتي البيان القرآني بتعقيب على هذه الموعظة بقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا
الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ …
الآيات …
فهذا بعد وصية لقمان الأولى ليس من كلام لقمان، بل هو من كلام الله تعالى يوجهه سبحانه لعباده لمناسبة وعظ لقمان، يحقق غرضين كبيرين:
الأول: التأكيد على وصية لقمان لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ببيان أنه أعظم الحقوق، وأنه لا يجوز التساهل إزاء قضية الإيمان وتوحيد الله تعالى لأي اعتبار، ولو كان هو حق الوالدين البالغ غاية التقديس.
الثاني: تأكيد حق الوالدين، وبيان أنه أجلّ حقوق العباد على الإنسان، وأقدس واجبات الإنسان تجاه الإنسان، لكنه مع ذلك لا يقاوم حق الله تعالى. وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً …
ومن ذلك ما نقرؤه في ثنايا حوار موسى ومؤمن آل فرعون، فموسى يقول: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ.
وهذا يشير إلى فظاعة من اتصف بذلك، وفي ثنايا كلام مؤمن آل فرعون: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
ثالثا- التكرار:
والتكرار خاصة من خصائص أسلوب القرآن بصورة عامة، وهو في طريقة عرض القرآن للقصة جزء من تلك الطريقة. ولهذا نجمع بحث هذه السمة لنلخص بحثها في هذه المناسبة في فقرتين: تكرار القصة في القرآن، تكرار العبارات في القرآن.
1 - تكرار القصة في القرآن:
إن إطلاق كلمة تكرار هنا فيها كثير من التسامح والتساهل، فإن تعرض القرآن لما حدث مع نبي من الأنبياء مع قومه في أكثر من موضع ليس هو تكرارا بالمعنى الحقيقي، إنما هو استشهاد بالقصة لأغراض متعددة، لذلك لا نجد القصة تعاد كما هي، وإنما يذكر الجزء المناسب للغرض والمقصد الذي اقتضى الاستشهاد بالقصة باستعراض سريع. أما جسم القصة فلا يكرر إلا نادرا، ولاستنباط دروس وعبر جديدة منه مما يجعله على الحقيقة غير مكرر.
وهكذا وردت قصة آدم في ست مواضع من القرآن تثير العبر حول خطر اتباع الهوى ومخالفة أمر الله، وضعف الإنسان أو توبته وقبول توبته وهكذا.
كذلك وردت قصة إبراهيم في نحو عشرين موضعا، تثير في كل موضع عبرة ودرسا، في التوحيد، أو الإنابة، أو تأسيس البيت العتيق، أو الأذان في الحج .. إلى آخر ما هنالك ..
وهكذا تكررت قصة موسى، مع فرعون، ومع قومه، ومع نبيّ الله شعيب في مدين: … وفي كل موضع عبرة وعظة وحكمة ودروس.
2 - تكرار العبارات في القرآن:
هذا القسم من التكرار يبرز بعض خصائص أسلوب القرآن، وأسرار بلاغته المعجزة، فتارة يكرر الجملة أو العبارة بنصها دون تغيير فيها، لما في ذلك من التأكيد، أو التهويل، أو التصوير، وكل ذلك له أثر عظيم في تعميق المعنى في النفس وصدعها عما تصر عليه. ويظهر ذلك بوضوح بالمثال الذي يتبادر للذهن أول شيء لدى ذكر التكرار، وهو سورة الرحمن التي تكرر فيها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
كثيرا قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. فإن هذه السورة تعدد للمنكرين نعم الله عليهم ودلالة كل نعمة على وجوب الانقياد لله تعالى شكرا له، وخضوعا لعظمته، لكنهم كفروا هذه النعم فوضعوها في غير موضعها، وكفروا بالمنعم وأشركوا به غيره فعبدوا الأوثان والشركاء، فجاءت سورة الرحمن تحاجّهم وتحاقّهم بإيقافهم على كل واحدة منها بالحجة الملزمة، وهكذا بالتعداد المفصل لتلك النعم والدلائل حتى تزحزح المعاند عن عناده، وترسّخ في أعماق النفس الشعور بوجوب شكره تعالى، فعقّب ذكر كل واحدة من النعم والدلائل بهذه الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.
وتارة يكون التكرار مع اختلاف في نظم الجملة، أو إيجاز أو إطناب أو نحو ذلك. وذلك يبرز سرا من أسرار إعجاز القرآن، وهو التعبير عن المعنى الواحد بأكثر من أسلوب دون أن ينال تكرار المعنى من سموّ الأسلوب وإعجازه، بينما لا يخلو كلام البشر في مثل هذا الحال من تفاوت بين الأسلوبين واختلاف مستوى الأداءين. وذلك من جملة تصريف البيان في القرآن الذي ذكره القرآن في مناسبات متعددة، كقوله تعالى: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ .. (1) وقوله: وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (2).
وحقيقة التصريف: «إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى، خشية تناسي الأول لطول العهد به» (3).
وبهذا التصريف المعجز حقق القرآن هدفا عظيما هو خطاب الناس كافة، من تكفيه الإشارة والموجز من القول، ومن لا يسد خلل فهمه إلا التفصيل وهكذا تنوع أسلوب القرآن.
وقد لفت هذا التصريف المعجز أنظار البلغاء وراحوا يكشفون ما في كل--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام، الآية 100.
(2) سورة طه، الآية 113.
(3) كما قال الزركشي في البرهان ج 3 ص 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
موقع من سرّ بلاغي، وإعجاز بياني، حتى في الكلمة الواحدة تختلف بها العبارة من موقع إلى موقع، ونشأ عن هذا الغرض الأخير فنّ جليل دقيق هو «متشابه القرآن اللفظي»، صنّف فيه العلماء عدة كتب، أذكر منها كتاب «درة التنزيل وغرة التأويل» للراغب الأصفهاني.
ومن أمثلة ذلك هذا التحليل نسوقه من الكتاب:
قال تعالى في سورة الأنعام (1): وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.
وقال في سورة الإسراء (2): وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ.
فالسؤال هنا: لم قدم في الأول: ضمير المخاطب نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وفي الثاني ضمير الغائب: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ ....
والجواب عن هذا من أكثر من وجه نذكر منها ما يختص بالمعنى:
إن الآية الأولى تحرّم قتل الأولاد الذي يدفع إليه الفقر النازل فعلا بالآباء كما قال مِنْ إِمْلاقٍ. فناسب لذلك تقديم ذكر الآباء لأنهم هم الذين يعانون الفقر فعلا، وهو يدفع بعضهم للتخلص من أعز شيء عليه، فكان الملائم للمقام هنا تقديم ذكر الآباء.
أما الآية الثانية: فتحرم قتل الأولاد الذي يدفع إليه خوف الفقر في المستقبل خَشْيَةَ إِمْلاقٍ لتضاعف مسئوليات النفقة بسبب الأولاد. فناسب لذلك تقديم ذكر الأبناء نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ لضمان مستقبلهم من الله وإزاحة هذا التخوف والوسواس الذي تحرك في القلب بسببهم» (3).--------------------------------------------
(1) الآية 152.
(2) الآية 32.
(3) درة التنزيل وغرة التأويل ص 339. وقد طبع هذا الكتاب منسوبا للخطيب الاسكافي، وذلك خطأ، إنما هو للراغب، كما وجدناه في مخطوطاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
ولذلك أمثلة كثيرة أتى في دراستها العلماء بروائع الإعجاز القرآني.
أسلوب القصة الفني في القرآن:
وأسلوب القصة في القرآن جزء من أسلوبه المعجز بخصائصه العامة.
لكنا هنا نقف على جديد في الأسلوب هو تجاوب أسلوب القص الفني في القرآن مع أحدث فنون القصة، فأنت واجد في قصص القرآن مقومات القصة الفنية من تمهيد وعرض أحداث وعقدة وحل للعقدة، ثم خاتمة ونهاية للقصة.
بل تجد في قصص القرآن ما لا يخطر على بالك، ذلك هو خصوصية المسرحية وما يسمى بالأسلوب التمثيلي، حتى إن القصة في القرآن ليمكن أن تعرض مسرحيا دون أي تعديل فيها. وذلك ما لا يتأتى في غيره من القصص إلا أن تكون قد كتبت وأعدت إعدادا خاصا لهذا الغرض.
ومن يتأمل ما ورد في سورة غافر من قصة موسى مع فرعون وجد مصداق ذلك في تلك الآيات (1):
فقد ذكر في هذه السورة من قصة موسى مع فرعون ما يلائم غرض السورة العام وهو معالجة قضية الحق والباطل، وبدأت أولا بهذا التمهيد:
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ … فتهيأت الأذهان بهذا التمهيد للقصة التي جاءت بمثابة المثال التطبيقي لهذه القاعدة الكلية التي مهدت بها السورة.
ثم جاءت العقدة مبكرة- وقد تأتي في مواضع أخرى متأخرة عن مثل هذا الموقع- والعقدة: وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ … وهنا يأتي دور مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه من قبل، لكنه الآن يرى الواجب يدعوه لقولة الحق، فتصرف بما يوجبه عليه الموقف بحكمة وتبصر. ودار الحوار وسط تشوق العقل لمعرفة النتيجة وكيف حل العقدة التي لم تتأثر بهذا المنطق السديد الحكيم، فكان الحل أخيرا بهذا الأخذ الإلهي:--------------------------------------------
(1) الآيات 23 - 47 من سورة غافر وعلى القارئ استحضارها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ .... وكان بعد حل العقدة انتهاء القصة بمشهد ختامي رائع، هو مشهد أولئك الطغاة الجبارين يذوقون أليم العذاب: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا … إلى آخر السورة وما فيها من اختصامهم في النار …
ونلمح في القصة خصوصيتين من خصائص فن القصص المسرحي:
الأولى: الاعتناء بفن التصوير، ويظهر هنا واضحا في رسم الشخصيات، فشخصية موسى هي شخصية ذلك النبي الواثق بقضيته فهو يواجه تهديد فرعون باللجوء إلى الله تعالى، وشخصية الرجل المؤمن تبدو من خلال الحوار شخصية الرجل الحكيم الذي يتبع المنطق المعقول، مع إثارة عواطف قومه بالنداء المتكرر «يا قوم .. يا قوم .. »
وشخصية فرعون تبدو بجبروتها وخبثها وإصرارها على الباطل، يقابل دعوة الحق بسفك الدماء، ويواجه المنطق المفحم بالحيلة والدهاء: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ …
الخصوصية الثانية: حذف الثغرات بين الوقائع مما لا حاجة إليه لفهم القصة، بطريقة فنية عجيبة اخترق بها قصص القرآن أستار القرون ليأتي متلائما مع ما يسمونه «العرض التمثيلي» الذي نما في هذا العصر إلى أبدع أسلوب وصل إليه الأدب. فتجدنا مع قصص القرآن ننتقل من مشهد إلى مشهد، كما لو كنا أمام القضية تعرض علينا صورا. فمن مشهد إرسال موسى ودعوته فرعون، وتهديد فرعون بالقتل، إلى مشهد مجلس خاص بين فرعون وحاشيته يبرز فيه مؤمن آل فرعون حيث يدور الحوار الذي يشغل القسم الأكبر من القصة، إلى مشهد آل فرعون، وقد حاق بهم سوء العذاب في ختام القصة.
ومن تأمل سائر قصص القرآن تبين له ما عرضناه هنا، وتذوق إعجاز أسلوب القرآن في القصة، وزاد إحساسه بذلك إذا لاحظ البون الهائل بين القصة في الأدب العربي وآداب العالم في عصر نزول القرآن وما تطور إليه فنها في العصر الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
وأخيرا صدق الله العظيم: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
الفصل الرابع والعشرون علم غريب القرآن وأثره في التفسير وكشف الإعجاز
الغريب لغة: هو البعيد عن أقاربه. أو المنفرد.
واصطلاحا: ما وقع في القرآن من الألفاظ البعيدة عن الفهم.
سمي بذلك لبعده عن ظاهر الفهم، أو لأنه كالمنفرد عن الألفاظ الأخرى القريبة للفهم.
وسبب الغرابة قد يكون لقلة استعمال الكلمة، أو لاستعمالها في كناية أو استعارة أو مجاز، أو لقلة علم القارئ والسامع باللغة، وهو كثير جدا، وازداد كثرة باختلاط العرب بالعجم، وبعد العهد عن عصر الصحابة رضي الله عنهم.
أثر علم الغريب في التفسير:
ومعرفة هذا الفن أمر ضروري للمفسر. وإلا فلا يحل له الإقدام على تفسير كتاب الله تعالى (1).
لكنا لم نقتصر في هذا الفصل على تفسير المعنى بالغريب، وفهم المفردات، بل وجدنا له فائدة أخرى جليلة، هي أثر هذا العلم في إبراز ثروة القرآن البلاغية، وأسرار إعجازه.
ومصدر هذا العلم الأساسيّ هو لغة العرب، لذلك قرروا: «أنه ليس لغير العالم بحقائق اللغة العربية وموضوعاتها، تفسير شيء من كلام الله،- لأن الله تعالى أنزله، قرآنا عربيا- ولا يكفي في حقه تعلّم اليسير منها، فقد يكون اللفظ--------------------------------------------
(1) البرهان: 1/ 292، والإتقان: 2/ 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين، والمراد المعنى الآخر .. » (1).
ومن هنا توقف بعض الصحابة في تفسير بعض الكلمات، مثل توقف عمر بن الخطاب في معنى «الأبّ» من قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا.
قال الإمام مالك بن أنس: «لا أوتى برجل يفسّر كتاب الله غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا».
وقال مجاهد بن جبر الإمام التابعيّ المفسّر: «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب» (2).
ومن خير ما يستعان به في تفسير الغريب أشعار العرب وكلامهم:
قال ابن عباس: «ما كنت أدري ما قوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ [الأعراف: 89] حتى سمعت ابنة ذي يزن الحميري وهي تقول: «تعال أفاتحك» يعني أقاضيك».
وقال أيضا: «ما كنت أدري ما «فاطر السّماوات والأرض» حتى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يعني ابتدأتها» (3).
ولأشعار العرب أهمية خاصة في هذا الفن، قال أبو بكر بن الأنباري (4):
«قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر».
ولحبر المفسرين ابن عباس اعتناء كثير بالشعر في تفسير القرآن، نقلت عنه ثروة كبيرة في ذلك في مصادر التفسير، وأجمع ما روي عنه في ذلك مسائل نافع بن الأزرق زعيم الأزارقة من الخوارج، أخرج بعضها ابن الأنباري في كتاب--------------------------------------------
(1) البرهان: 1/ 292.
(2) البرهان: 1/ 292.
(3) المرجع السابق 293، والإتقان: 2/ 4 و 5.
(4) كما نقل عنه في الإتقان: 2/ 55.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
الوقف والابتداء، والطبراني في المعجم الكبير، وساقها السيوطي بتمامها في كتاب الإتقان (1).
ومن أمثلة استشهاده بالشعر:
تفسيره قول الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ [المعارج: 37] قال: العزون: الحلق الرّقاق، واستشهد ببيت عبيد بن الأبرص:
فجاءوا يهرعون إليه حتى … يكونوا حول منبره عزينا
وفسّر قوله تعالى: شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: 48]: «الشّرعة: الدين، والمنهاج: الطريق». واستشهد بقول أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
لقد نطق المأمون بالصدق والهدى … وبيّن للإسلام دينا ومنهاجا (2)
ونبه أئمة العلم على أمر ذي خطر، هو أنه: ينبغي العناية بتدبّر الألفاظ كي لا يقع الخطأ، كما وقع لجماعة من الكبار.
روى الخطّابي عن أبي العالية أنه سئل عن معنى قوله: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [الماعون: 5]، فقال: هو الذي ينصرف عن صلاته ولا يدري عن شفع أو وتر. قال الحسن: مه يا أبا العالية. ليس هكذا، بل الذين سهوا عن ميقاتها حتى تفوتهم، ألا ترى قوله: «عن صلاتهم»!.
فلما لم يتدبّر أبو العالية حرف «في» و «عن» تنبّه له الحسن، إذ لو كان المراد ما فهم أبو العالية لقال: «في صلاتهم»، فلما قال: «عن صلاتهم» دل على أن المراد به الذّهاب عن الوقت (3).
وكذلك قال ابن قتيبة (4) في قوله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ [الزخرف: 36]: إنه من عشوت أعشو عشوا، إذا نظرت. وهو قول--------------------------------------------
(1). 2/ 55 - 88. قال في آخرها: «حذفت منها يسيرا نحو بضعة عشر سؤالا».
قلت: وقد قام بإخراجها كاملة بعض أصدقائنا ووثقها بأصول تحقيق المخطوطات. أثابه الله.
(2) الإتقان: 2/ 56 - 57.
(3) البرهان: 1/ 294 - 295.
(4) لتفسير غريب القرآن: 397 - 398. وانظر معاني القرآن للفراء وللأخفش.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
أبي عبيدة معمر بن المثنّى والأخفش. ونقل قول الفرّاء: «يعرض عنه» ثم نقده، فقال: «ولا أرى القول إلا قول أبي عبيدة، ولم أر أحدا يجيز، «عشوت عن الشيء»: أعرضت عنه، إنما يقال: «تعاشيت عن كذا»، أي تغافلت عنه كأني لم أره، ومثله تعاميت، والعرب تقول: «عشوت إلى النار» إذا استدللت إليها ببصر ضعيف» … إلخ.
قال الزركشي: «وغلّطوه في ذلك، وإنما معناه يعرض، وإنما غلط لأنه لم يفرق بين عشوت إلى الشيء وعشوت عنه».
لذلك يجب على دارس التفسير ألا يكتفي بظاهر اللغة، حتى ينظر إلى التركيب، ومقصد السياق، حتى لا يقع في الخطأ.
المؤلفات في غريب القرآن:
ولأهمية هذا العلم كثرت المؤلفات فيه، حتى جاوزت المائة (1)، ومعظمها يحمل في عنوانه عبارة «غريب القرآن».
وكانت في بادئ الأمر تكتفي بشرح الكلمات الغامضة، ثم أدخلوا عليها شيئا من الإعراب، ونحوه، في كتب حملت اسم: معاني القرآن، ثم توسعوا وشرحوا كل مفردات القرآن تقريبا، لعموم الحاجة واتساعها، وأكثرها مرتب على ترتيب ورودها في السور، وبعضها مرتب على نظام المعاجم، مثل كتاب:
المفردات للراغب الأصفهاني.
ومن أهم هذه الكتب المطبوعة:
1 - مسائل نافع ابن الأزرق لابن عباس وإجاباته عنها.
2 - معاني القرآن، للفراء، يحيى بن زياد (ت 207).
3 - غريب القرآن، لابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدّينوري (ت 276).
4 - كتاب الغريبين: غريب القرآن وغريب الحديث، للهروي: حمد بن محمد أبو عبيد (ت 401). وهو من أنفعها.--------------------------------------------
(1) انظر إحصاءها مفصلا في التعليق على البرهان للزركشي تحقيق الدكتور يوسف المرعشلي وزميليه. ط. دار المعرفة- بيروت (ص 388 - 393). وقد فاته أشياء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
5 - المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني: الحسين بن محمد (ت 502)، وهو من أحسن ما ألفوا في هذا الباب، وهو يتصيد المعاني من السياق.
ومن مراجع هذا العلم الأساسية كتب اللغة، اسما، وفعلا، وحرفا.
المعرّب في القرآن:
يتصل هذا بغريب القرآن، لأنه لا بد من معرفته لتفسير القرآن الكريم فهو نوع من غريب القرآن.
وهو الألفاظ التي وقعت في القرآن من غير لغة العرب.
وهذا موضوع خطير كثر فيه الكلام منذ القديم، وتعرض له العلماء كثيرا في كتب علوم القرآن (1)، وكتب التفسير (2)، وكتب اللغة (3)، وغيرها (4).
وألّفت فيه كتب وبحوث مفردة (5).
وقد جمعت هذه الألفاظ فبلغت (115) نحو خمس عشرة ومائة كلمة، أحصاها السيوطي وتكلم عليها بإيجاز في كتابه: الإتقان في علوم القرآن (6).
نذكر منها هذه الأمثلة:
أرائك: السّرر بالحبشية.--------------------------------------------
(1) انظر فنون الأفنان لابن الجوزي: 341 تحقيق الدكتور حسن ضياء الدين عتر والبرهان:
1/ 287 والإتقان: 2/ 105.
(2) انظر مقدمة الطبري لتفسيره: 1/ 6 ومقدمة ابن عطية لتفسيره المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز: 57، وتفسير القرطبي: 1/ 68.
(3) الصاحبي في فقه اللغة لأحمد بن فارس: 28 - 30 ط. السلفية. وفقه اللغة للثعالبي:
197 ط. البابي الحلبي. والمزهر في علوم اللغة العربية للسيوطي: 1/ 268.
(4) مثل الرسالة للإمام الشافعي: 41 - 42.
(5) منها المعرّب للجواليقي وهو عام في القرآن وغيره، والمهذب فيما وقع في القرآن من المعرّب للسيوطي. وبحث نقاء القرآن الكريم من العجمية للدكتور حسن ضياء الدين عتر. بحث جامعي محكّم.
(6). 2/ 108 - 119. لكن في عده لجملة منها في المعرب نظر، مثل طه، يس، ن وغيرها مثل:
ابلعي، تتبيرا، الرحمن، شطر، القيوم، منفطر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
استبرق: الديباج الغليظ بلغة العجم.
الجبت: الشيطان، بلغة الحبشة، أو الساحر.
جهنم: قيل: فارسية وعبرانية، وقيل: أعجمية.
سجّيل: بالفارسية، أوّلها حجارة وآخرها طين.
سندس: رقيق الديباج بالفارسية.
فردوس: بستان، الكرم، بالرومية.
قسورة: الأسد، بالحبشية.
وقد اختلف في هذه القضية اختلافا كثيرا، فأنكر جمهور العلماء أن يكون في القرآن شيء غير عربي، لأن الله تعالى أنزله بلغة العرب، وقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: 2]. وقال: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: 195].
واستدلوا بأن الله تعالى جعله معجزة شاهدة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وتحدى به العرب العرباء، وأفحم الفصحاء والبلغاء بآياته، فلو اشتمل على غير لغة العرب لاحتجوا عليه، واعترضوا (1).
واستدل من قال بوقوع المعرّب في القرآن بوجود ألفاظ فيه هي في لغات غير العرب، كالشواهد التي ذكرناها.
قالوا: إن القرآن حوى علوم الأولين والآخرين، ونبأ كلّ شيء، فلا بدّ أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن، ليتمّ إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها، وأخفّها، وأكثرها استعمالا للعرب» (2).
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى كل أمة، فلا بدّ وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو.
وقد ذهب المحققون إلى التوفيق بين الرأيين، وسبق لذلك الإمام أبو عبيد القاسم بن سلّام، وذلك أن هذه الألفاظ أصولها أعجمية، لكنها وقعت للعرب،--------------------------------------------
(1) فنون الأفنان: 342 والبرهان: 1/ 287، والإتقان: 2/ 105 وغيرها مما ذكرنا.
(2) الإتقان: 2/ 106 - 107.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
فعرّبتها بألسنتها، وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فخاطبهم بها، لأنها صارت من لسانهم (1).
أثر علم الغريب والمفردات في كشف الإعجاز:
يحتاج المفسر إلى علم غريب القرآن كركن من عمله في التفسير، وكذلك يحتاج إلى التأمل في سائر مفردات القرآن أي ألفاظه وإن لم تكن غريبة بحسب الظاهر، لما عسى أن يكون قد ارتبط بها من مجاز أو ترجيح معنى على معنى أو غير ذلك، مما سبقت الإشارة إليه.
وإذا نظر المفسر البارع في فنون البلاغة المتذوق لجمال الكلام وأساليبه إلى غريب القرآن وسائر كلماته وألفاظه، بمنظار البلاغة وجمال الكلام، وجد فيها جمالا وفصاحة، يصل بمداومة النظر فيهما إلى كشف إعجاز القرآن في كلماته ومفرداته، كما هو معجز في جمله وآياته.
وقد وقع لبعض الناس من قدامى ومحدثين خطأ في هذه المسألة، فزعموا أن الألفاظ متساوية كلّها في الفصاحة، لأن العرب قد استعملتها جميعا.
وقد خالف جمهور علماء البلاغة والنقد الأدبي هذه النظرة، ووسموها بالسّقم والسطحية، حتى قال العلامة اللغوي الأديب ضياء الدين بن الأثير (2):
«وقد رأيت جماعة من الجهّال إذا قيل لأحدهم: هذه اللفظة حسنة، وهذه قبيحة أنكر ذلك، وقال: كلّ الألفاظ حسن، والواضع لم يضع إلا حسنا.
ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة: «الغصن» ولفظة «العسلوج»، وبين لفظة «المدامة» ولفظة «الإسفنط»، وبين لفظة «السيف» ولفظة «الخنشليل»، وبين لفظة «الأسد» ولفظة «الفدوكس»، فلا ينبغي أن يخاطب--------------------------------------------
(1) البرهان: 1/ 290 والإتقان: 2/ 108 وانظر فنون الأفنان: 343 - 344. أورده مختصرا.
وفيه قوله: «فهذا القول يصدّق الفريقين جميعا».
(2) في كتابه المثل السائر في أدب الكاتب الشاعر ط. مصطفى الحلبي، تطرق لهذه المسألة في مواضع متعددة، وانظر تفصيلا لذلك في كتاب المعجزة الخالدة لأخي الشقيق الدكتور حسن ضياء الدين عتر ص 201 - 203.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
بخطاب، ولا يجاوب بجواب، بل يترك وشأنه، كما قيل: «اتركوا الجاهل بجهله، ولو ألقى الجعفر في رحله» (1).
وقد شهد أئمة العربية الأجلاء، أن ألفاظ القرآن هي أفصح كلام العرب، وأعلاها جمالا، وأنسا، وبعدا عن وحشيّ الكلام، وحسبنا في هذا قول الإمام أبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصبهاني، وقد مخر عباب ألفاظ القرآن في كتابه «المفردات في غريب القرآن» فقال في مقدمته (2):
«فألفاظ القرآن هي لبّ كلام العرب وزبدته» وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم، وحكمهم، وإليها مفزع حذّاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم، وما عداها وعدا الألفاظ المتفرّعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، وكالحثالة والتّبن بالإضافة إلى لبوب الحنطة».
وقد عني العلماء النّقاد المتذوقون جمال الكلام بدراسة أثر الكلمة في جمال الأسلوب، وأثرها في إعجاز القرآن، في قديم الزمان وحديثه، وأثبتوا إعجاز الكلمة القرآنية في موقعها (3).
نذكر مهمات من ذلك على سبيل الإيجاز الشديد، فمن ذلك.
1 - حسن اختيار ألفاظه ودقة أدائها:
واللغة العربية واسعة الثروة اللفظية، حتى لا يحيط بها إلا نبيّ، فاستحضار أحسن لفظ وأنسبه يحتاج إلى اطلاع على جميع ثروتها، ثم استحضار جميع ما يلائم الموقع من الألفاظ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها،--------------------------------------------
(1) الجعر: القذر. رحله: بيته.
(2) ص 6. قوله: «واسطته» أي كواسطة العقد، أنفس شيء فيه. بالإضافة: أي بالنسبة والقياس إليها.
(3) نذكر من هذه الدراسات: المثل السائر لابن الأثير، وإعجاز القرآن للرافعي، والمعجزة الخالدة للدكتور حسن ضياء الدين عتر، أتى فيه بفصول قيمة، فانظره، وجماليات المفردة القرآنية، وهو أوفى ما كتب، قد جمع بين نظريات القدامى والمحدثين، ألّفه بإشرافنا الدكتور أحمد ياسوف، فجاء كتابا فريدا في بابه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
واستحضار ذلك متعذر على البشر في أكثر الأحوال، وذلك عتيد حاصل في علم الله، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث.
ومن أمثلة ذلك:
قوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ أحسن هنا من التعبير ب «تقرأ»، لثقله بالهمزة، ولا رَيْبَ فِيهِ أحسن من لا شك فيه، لثقل الإدغام، ولهذا كثر ذكر الريب، ومنها وَلا تَهِنُوا أحسن من: ولا تضعفوا، لخفّته (1).
2 - تآلف الألفاظ مع المعاني:
وهو من أوجه إعجاز القرآن العامة، عني به الباقلاني والجاحظ (2) وغيرهما. وهو كما قال الباقلاني: «علم شريف المحل، عظيم المكان، .. ،
وهو أدقّ من السّحر، وأهول من البحر، وأنت تحسب أنّ وضع الصّبح في موضع الفجر، يحسن في كل كلام، إلا أن يكون شعرا أو سجعا، وليس كذلك، فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع وتزلّ عن مكان لا تزلّ فيه اللفظة الأخرى، بل تتمكن فيه، وتضرب بجرانها … ».
وهذا الوجه مستوفى في كل القرآن، وفي كل آية منه، لا تحتاج إلى اختيار وانتقاء.
هذه سورة الفاتحة مثلا: افتتحت بأفضل وأكمل الثناء الحسن الجميل على الله وأبلغه: الْحَمْدُ لِلَّهِ. ولم تقل الشكر، ولا المدح، لأن الشكر يختص بجميل الفعال، والمدح يختص بجميل الخصال أي الصفات، فعبرت ب «الحمد» فشملت معنى كل من المدح والشكر. ثم جاءت كلمة «الحمد» معرفة بأل، وهي هنا للاستغراق، فأفادت شمول كل حمد وكل شكر وكل مدح.
ثم أسندت الحمد لله تعالى بهذا الاسم «الله»، وهو الاسم الدال على--------------------------------------------
(1) الإتقان من أواخر النوع الرابع والستون: 4/ 22. وانظره للاستزادة، وانظر المعجزة الخالدة:
210 - 211.
(2) إعجاز القرآن للباقلاني: 280 والبيان والتبيين للجاحظ: 1/ 40. وانظر كتابنا القرآن الكريم والدراسات الأدبية: 178 - 179.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)