Arabic source text

📘 উলূমুল কুরআনিল কারীম - নূরুদ্দীন ইতর (নূরুদ্দীন ইতর - মৃত্যু 1442 হিজরী)

📘 علوم القرآن الكريم - نور الدين عتر (نور الدين عتر - ت 1442 هـ)

📘 উলূমুল কুরআনিল কারীম - নূরুদ্দীন ইতর (নূরুদ্দীন ইতর - মৃত্যু 1442 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌الفصل الحادي والعشرون التصوير في القرآن
بحث هذه الخاصة في أسلوب القرآن قديم وحديث، سابق ولا حق، يبرز الإعجاز عن إدراك إعجاز القرآن، وقد أشار القدماء لهذه الخاصة بما عبّروا عنه حسب
مصطلحاتهم كالتخييل والتجسيم، دون أن يغوصوا أعماقه الفنية، حتى إذا جاءت العصور الحديثة وفيها ارتقى التصوير، وأدوات العرض بالرؤية من أشرطة وأجهزة رائية جهد الأدب أن يلحق المصوّرة، ويحل بالكلمة والعبارة محل الصورة، وكان من البدهي أن يلتفت الدارسون إلى إعجاز القرآن يبحثون فيه عن الصورة وعن فن التصوير.
وكان أن وجدوا في أدب القرآن المعجز أنه معجز في تصويره بالمعنى العصري الحديث كما أنه معجز في نظمه في نظرية النظم في الاصطلاح القديم (1)، كيف لا وهو الذي تحدّى الله تعالى العالمين كلهم أن يأتوا بمثله، أو بمثل سورة منه، وأعلن لهم على رءوس الأشهاد أنهم لم يأتوا بمثله، ولن يأتوا بمثله، فكان إعجاز القرآن معجزا في كل عصر، وفي أي مقياس أدبي صحيح، وذوق فني سليم، لا ينحصر بعصر دون آخر، ولا يضيق على مقياس أدبي صحيح أو آخر، ولا يستطيع أن يدرك كنهه أو يحيط بأسراره عبقري بل ولا عصر من العصور أو جيل من الأجيال، إنها معجزة فوق الإعجاز، معجزة كل عصر وزمان.--------------------------------------------
(1) إشارة إلى نظرية «النظم» التي فسّر بها الجرجاني إعجاز القرآن.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)

يتجه القرآن لهذا الإنسان فيخاطبه بكليته، وذاته كلها عقله وفكره ونفسه ووجدانه، يخاطب كينونة الإنسان كلها، وذلك بأسلوبه العجيب أسلوب التصوير الحي.
لو استعرضت القرآن من بدايته إلى ختامه فستجد طريقة خاصة بالتعبير الفني تكسو أسلوب القرآن حتى يصطبغ بألوانها البرّاقة الزاهية فإنك لن تجد فيه بيانا مجردا لمعنى ذهني، أو حالة نفسية أو حادث مادي أو مشهد منظور، أو طبيعة آدمية، أو موقف من مواقف يوم الحساب، بل تجده عبّر عن كل منها بصورة محسوسة متخيلة، حاضرة شاخصة، صورها بالألوان أو الحركات أو الإيقاع، ومزج بها جرس الكلمات ونغم العبارات، حتى تسري في أوصالها الحياة وتدب في جنباتها الحركة فإذا خلع عليها الحوار فقد نفخ فيها الروح فاكتملت فيها كل عناصر التخييل الحسي والتشخيص الحي، حتى تريك ساحة الحوادث على بساط الطبيعة والواقع، وتنسى أن هذا كلاما يتلى، لأن القرآن قد أحالك من قارئ أو مستمع إلى مشاهد يتابع أحداث المنظر وتجدد الحركات، وفيض الانفعالات الدافقة والوجدانات المتجاوبة مع الحوادث الجارية … فتتبدى لك صورة حية بارعة خلّابة، تهيمن على مشاعرك وأحاسيسك حتى تجعلك أمام قبس من الحياة الحقيقية.
أما الحوادث والمشاهد والقصص والمناظر فيردها شاخصة حاضرة فيها الحياة وفيها الحركة فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر، وتتجدد الحركات وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض وحادث يقع أمامه، فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الحوادث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة فتنم عن الأحاسيس المضمرة».
«إنها الحياة هنا وليست حكاية الحياة».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)

«فإذا ذكرنا أن الأداة التي تصور المعنى الذهني، والحالة النفسية، تشخّص النموذج الإنساني، أو الحادث المرئي، إنما هي ألفاظ جامدة، لا ألوان تصور، ولا شخوص تعبر أدركنا موضع الإعجاز في تعبير القرآن» (1).
وبوسعنا أن نقول: إن هذه النتيجة التي انتهى إليها صاحب البحث في «التصوير الفني» لعلها كما قال الدكتور صبحي الصالح (2): «أن تكون أصدق ترجمة لمفهومنا الحديث لإعجاز القرآن، لأنها تساعد جيلنا الجديد على استرواح الجمال الفني الخالص في كتاب الله، وتمكّن الدارسين من استخلاص ذلك بأنفسهم، والاستمتاع به بوجدانهم وشعورهم، ولا ريب أن العرب المعاصرين للقرآن دهشوا قبل كل شيء بأسلوبه الذي حاولوا أن يعارضوه فما استطاعوا، حتى إذا فهموه أدركوا جماله، ومسّ قلوبهم بتأثيره … ».

‌‌وسائل التصوير الفني في القرآن:
ليست أدوات التصوير الفني قاصرة كما قد يتوهمه بعض الناس على أدوات معينة، من تشبيه مركب أو بسيط، أو من استعارة تخييلية أو غير تخييلية، أو مجاز أو نحوه مما قد يقع في خاطر الدارس قبل التمعن والتروي، هذا ظن الذين يغلطون فيحسبون الأدب صناعة كصناعات الحرف والحديد والخشب، وهم بذلك يفقدون الأدب حيويته ويحنطونه جثمانا فاقدا روحه، فالأدب والفن أوسع من أن تحيط به القوالب، أو تحده الحدود، فكيف بمعجزة الأدب وفن التصوير فيها.
إن وسائل التصوير في القرآن هي كل وسيلة من وسائل التعبير تثير المخيلة وتستدعي الصورة إلى الفكر، وتسيّر الحركة، وتلمس مشاعر الوجدان والقلب.--------------------------------------------
(1) التصوير الفني في القرآن ص 33.
(2) في كتابه «مباحث في علوم القرآن» ص 320.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)

فالحروف في القرآن تصوّر، والكلمة تصور، والجملة، وفنون البلاغة كذلك تصور، وهناك من وراء ذلك أدوات وأدوات، فهناك «تصوير باللون وتصوير بالحركة وتصوير بالإيقاع … وكثيرا ما يشترك الوصف والحوار وجرس الكلمات، ونغم العبارات وموسيقى السياق في إبراز صورة من الصور تتملاها العين والأذن، والحسّ والخيال، والفكر والوجدان … ».
أما المادة التي تستخدم من المعاني والأشياء فهي مادة «تصوير حي منتزع من عالم الأحياء، لا ألوان مجردة وخطوط جامدة، تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات بالمشاعر والوجدانات، فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة» (1).
ولسنا هنا أمام ظاهرة ضيقة لكي نلتمس لها الأمثلة، ونتكلف لها الاختيار، بل إنك حيثما قلبت الطرف في هذا القرآن وجدت فيه خصائص الإعجاز الأسلوبي عامة، والتصوير منها خاصة.

‌‌فمن التصوير بالحرف:
هذه الآية الوجيزة الجامعة من سورة القلم:
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
هذه الآية أمدح قول يقال، جمعت في وجازة عبارتها الفضائل العلمية والعملية، لأن الخلق الكريم لا يتحقق في الإنسان إلا بعد معرفته ما يحسن من الأمور وما يقبح، وما هو الأحسن، ثم يختار الأحسن والأفضل في كل موقف، وأمام كل مسألة، وينفذه، فذلك ما يقتضيه الوصف بالخلق العظيم.
لكن حرف الجر «على» نقل هذا المعنى المجرد إلى صورة حسية يتخيلها المرء، لأن هذا الحرف معناه الاستعلاء، والاستعلاء إنما يكون على شيء مادي، فكأن مكارم الأخلاق قد ذلّلت وانقادت للنبي صلى الله عليه وسلم يتصرف فيها تصرف المستعلي على الشيء المتمكن منه، كما أنها أفادت رفعة مقام النبي صلى الله عليه وسلم لأنه في قمة المكارم والفضائل،--------------------------------------------
(1) التصوير الفني في القرآن ص 32.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)

فلا يمكن أن يدانيه أحد أو يساويه لأنه علا فأصبح لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
وهكذا ارتقى المعنى بهذا التصوير ليبلغ غاية لا تساميها غاية، حيث أصبح النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى المكارم والفضائل، ثم هي فوق ذلك لا تصدر عنه بتكلف أو مشقة بل بغاية اليسر، لأنها منقادة له، وتلك نهاية في الكمال لا تدرك، ولا يبلغها إلا من قال الله تعالى له: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
ومن ثم قال المادح المتذوق عظم هذه الآية وجلالها:
إذا الله أثنى بالذي هو أهله … عليه فما مقدار ما يمدح الورى
ومن التصوير بالحرف: هذه الجملة من مطلع سورة البقرة: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ.
فقوله: ذلِكَ الْكِتابُ أفاد غاية كمال القرآن، حتى كأنه لا كتاب سواه، وذلك لأن هذه العبارة جملة اسمية معرّفة الطرفين، وتعريف طرفي الجملة الاسمية يفيد الحصر، فأفادت الجملة حصر صفة الكتاب في القرآن، والمراد بيان غاية كماله حتى كأنه لا كتاب سواه، كما تقول: لا شجاع إلا علي.
لكن حرف اللام في ذلِكَ وهو لام البعد أضفى على المعنى خيالا مصورا فإنه أفاد أن هذا الكتاب لفرط كماله بعيد عن أن تناله أطماع الطامعين بانتقاص شيء منه أو الإتيان بمثله، فصوّر تعاليه المعنوي بالبعد الحسي، فاستعمل اسم الإشارة، وهي تستعمل حقيقة في الحسيات، وأدخل لام البعد، يصوره لنا في بعده المعنوي عن أن يتوصل إليه بالبعد المكاني الذي لا تبلغه وسائل التوصيل.

‌‌ومن التصوير بالكلمة:
قوله تعالى (1): الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.--------------------------------------------
(1) في مطلع سورة الملك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)

فقوله تعالى هنا: لِيَبْلُوَكُمْ المراد منه يختبركم، وأصل المقصود ليظهر أيكم أحسن عملا، ولما أن الاختبار يكشف هذه الحقائق ويظهرها فقد عبّر به عن ذلك، لكن الآية القرآنية نقلتنا من هذا المعنى المجرد إلى صورة فيها المعاناة المستمرة باستعمال كلمة لِيَبْلُوَكُمْ وأصل الكلمة من (البلى)، فصورت هذه الكلمة الإنسان بتعرضه للامتحانات واحتكاكها به في كل شئونه وكأنه قد بلي منها، وجاءت الصيغة لِيَبْلُوَكُمْ بالفعل المضارع الدال على التجدد والاستمرار لكي تحضر لك صورة هذا الإنسان وأنواع الاختبارات تتوالى عليه في عباداته ومعاملاته، وماله وبدنه، ونفسه ومجتمعه، ودنياه وآخرته هل يستقيم فيها جميعها على أمر الله أو لا يستقيم، فتتابع عليه الابتلاء حتى بلي، فأثرت الكلمة في إيجاد الصورة كما لعبت الصيغة دورا أعطى الصورة حركة وحسا، لو عبّرت بكلمة أخرى أو صيغة أخرى غير المضارع من المادة نفسها لفات من غرض الكلام ونقص مغزاه.
ولصيغة الكلمة الصرفية دورها الهام جدا في أسلوب القرآن الكريم، ينطوي على لون من قمة الإعجاز البياني، بل وجدناه ينطوي على إعجاز علمي عظيم.
ومن أمثلة ذلك هذه الآية (1): أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ.
تصوّر كل من الكلمتين صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ طيران الطيور في الهواء، في حال بسط أجنحتها، وفي حال ضربها بأجنحتها على جنوبها صافَّاتٍ:
أي باسطات أجنحتها وَيَقْبِضْنَ أي يضربن بأجنحتهن على جنوبهن، والصورة واضحة من التعبير، وجاءت كلمة فوقهم لتستكمل صورة الطيران فهو محلق في الهواء فَوْقَهُمْ.
لكن التأمل الدقيق يوقفنا على سر في التعبير غاية في العجب، ذلك أنه--------------------------------------------
(1) سورة الملك أيضا، الآية 19.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)

اختار في المعنى الأول صيغة اسم الفاعل صافَّاتٍ، وفي المعنى الثاني الفعل المضارع يَقْبِضْنَ.
ولو أنه قال: «قابضات ويصففن» لما فات التناغم الموسيقى الذي يتوهم بعض الناس فيه ما لا يجوز من الأوهام، فما السر في هذا الاختيار للصيغة المختلفة في كل معنى من المعنيين؟
إن الإعجاز العلمي الكامن وراء هذا التصوير هو الذي يكشف لنا سر هذا الاختيار.
لقد عبّر القرآن عن بسط جناح الطائر في طيرانه باسم الفاعل صافَّاتٍ، وعبّر عن قبض الطائر جناحه وضربه جنوبه بجناحيه بصيغة الفعل يَقْبِضْنَ، ليأتي التصوير الفني في القرآن على غاية الدقة في موافقة قانون الطيران، وذلك لأن الأصل في قاعدة الطيران هو بسط أطراف الجسم الطائر في الهواء، وهو القانون الذي بنيت عليه الطائرات الحديثة بأنواعها، ووجدت به رياضة الطيران الشراعي، فجاء القرآن في تصويره للطيران بالتعبير عما هو طارئ بلفظ الفعل، لأنه يفيد الحدوث وعبّر عما هو الأصل بصيغة اسم الفاعل، أي أنهن في جو السماء صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة (1).

‌‌ومن التصوير بالجملة:
قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ.
وقد جاء التصوير في الجمل هنا بواسطة الاستعارة، وهي استعارة قرآنية تعلو إلى أسمى مراتب البلاغة، لا يصل إليها بيان إنساني قط، إنما هو بيان القرآن فقط.--------------------------------------------
(1) باختصار وتصرف عن تفسيري الكشاف والنسفي وكتابنا محاضرات في تفسير القرآن ص 127 - 128.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)

ففي هذه الآية الكريمة استعارات متعددة تبلغ أعلى درجات البيان:
أنظر قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ وتأمل ما فيه من اجتذاب النفوس والعقول والمشاعر، فقد أضاف اللباس إلى الجوع، وفي ذلك تشبيه الجوع باللباس، على سبيل الاستعارة، فالجوع القائم المستمكن الذي يعدم فيه القل، ويكثر العدم، والخوف الذي يفزع النفوس، ويذهب بالاطمئنان، ويلقي بالاضطراب، شبه باللباس السابغ، لأن اللباس يعم ويكسو الجسم كله، وكذلك الجوع إذا عم، والخوف إذا طم، فإنه لا يبقى في الجماعة أحد لم ينله، لأن الأزمات الجانحة، والخوف من عدوّ داهم لا ينجو منه أحد، فكان التعبير عن هذه الحال باللباس، وفوق ذلك فإن اللباس يلتصق بالجسم ويلازمه ولا يفارقه، وكذلك الجوع، والهم والغم والخوف، وفي ذلك تصوير للأمة أو المدينة إذا عمّها البؤس والشقاء وداهمها الخوف من كل ما يحيط بها.
وهناك استعارة أخرى وهي قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ، فإن اللباس يلبس ولا يذاق، ولكن لباس الجوع والخوف لأنه يتصل بالنفس، وبالنعمة تزول بعد أن كفروا بها، عبّر عنه بالذوق، فشبّه حال النزول بحال الإذاقة، للنزول الذي ترتب عليه أنهم أحسوا بمرارة المذاق بعد أن كانوا في بحبوحة العيش فكان التعبير بأذاق أنسب لهذا المعنى.
وهناك استعارة تمثيلية ثبتت من مجموع العبارات، وهو تشبيه حال جماعة من الناس كانت مؤمنة مرزوقة فلما كفرت بالنعم فلم تقم بحقها، ولم تؤد الطاعات ولم تنته عن المنهيات بحال قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها واسعا من كل مكان فجحدت نعمة الله تعالى فضاق رزقها، وبدلت من الأمن خوفا، ومن الرغد جوعا (1).
ومن الأمثلة للتصوير بالجملة قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (2).--------------------------------------------
(1) المعجزة الكبرى لمحمد أبو زهرة ص 278 - 280.
(2) سورة مريم، الآية 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)

قال الرماني (1) يوضح بلاغة هذه الآية وما بها من الاستعارة:
«أصل الاشتعال للنار، وهو في هذا النص أبلغ، وحقيقته كثرة شيب الرأس، إلا أن الكثرة لما كانت تتزايد تزايدا سريعا صارت في الانتشار والإسراع كاشتعال النار، وله موقع في البلاغة عجيب، وذلك أنه انتشر في الرأس انتشارا لا يتلافى، كاشتعال النار».
وهذا التعبير لم يكن معروفا عند العرب، وذلك أنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار للسرعة وللبياض وللملازمة، ولأنه ينتهي بتدمير ما تتصل به، وتجعل حطامه ترابا (2).
هذا عرض سريع لفن التصوير في القرآن، يبرز إعجاز القرآن وفق منظور معاصر، ومقياس فني حديث، سبق فيه القرآن تقدم العصور والقرون، بل تفنن في هذا التصوير بما تعجز عنه آلات التصوير الحسية، وفنون التصوير الأدبية، وقد شمل في تصويره أنواع الظواهر الطبيعية في الإنسان والكون، وتوغل في المشاعر الداخلية، وعرض للمعاني الدقيقة في صور من السمع والبصر والذوق والوجدان واللون والزمان والمكان … وجعل من هذا الجمال الفني المعجز قالبا يحمل جمال الفكرة والدعوة، والحجج والبراهين، والحكم والتشريع، لكي يعتصم الإنسان بحبل القرآن في كل مكان وكل زمان.--------------------------------------------
(1) في رسالته النكت في إعجاز القرآن 81 - 82.
(2) انظر المعجزة الكبرى لمحمد أبو زهرة ص 280 - 281. وللجرجاني تفصيل قيم حول بلاغة الآية لم نطول به.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)

‌‌الفصل الثاني والعشرون الكون في القرآن
هذا البحث من الدراسات التي أجداها تقدم العلم في إبراز وجه عظيم من أوجه إعجاز القرآن وهو إعجازه العلمي، ولا يزال الدارسون يفيضون فيه مع ظهور الجديد في العلم ووسائله، وكلما استقر قرار العلم في مسألة ما بإعطاء الحكم الجازم أو استخلاص النتيجة النهائية فيها.
وعلى الرغم من بدائية الإنسان العلمية لدى نزول القرآن وانتشار التسليم بالأفكار التي هي اليوم خرافة، وعلى الرغم أيضا من أن القرآن لم يقصد فيما عرض له من شئون الكون تقرير علم كوني، فإنا نجد القرآن يسبق القرن العشرين وعصور الكهرباء والذرة وغزو الفضاء.
ونستطيع أن نوجز إعجاز القرآن العلمي في ركنين أساسيين:
الأول: ما احتواه القرآن من المعارف عن الكون وأصناف المخلوقات.
وفي هذا يقول الدكتور موريس بوكاي (1): «إن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه مثل هذا النص (يعني القرآن) لأول مرة هو ثراء الموضوعات المعالجة، فهناك الخلق، وعلم الفلك، وعرض لبعض الموضوعات الخاصة بالأرض، وعالم الحيوان، وعالم النبات، والتناسل الإنساني، وعلى حين نجد في التوراة أخطاء علمية ضخمة لا نكتشف في القرآن أي خطأ. يعني فضلا عن أن--------------------------------------------
(1) دراسة الكتب المقدسة، ص 145.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)

القرآن أتى بثقافة علمية سبقت بحوالي عشرة قرون ثقافتنا العلمية فيما يخص بعض الموضوعات».
الركن الثاني: وقد يستغربه القارئ: وهو أن ما لا يحتويه القرآن هام أيضا، فإن القرآن «لا يحتوي في الواقع على ذكر النظريات السائدة في عصر تنزيله، عن تنظيم العالم السماوي مثلا، تلك النظريات التي أثبت العلم فيما بعد عدم صحتها … ولا بد من التنويه بهذا الطابع السلبي، كما يقول الدكتور موريس بوكاي (1).
والسبب في ذلك أنه لو كان مصدر القرآن غير سماوي لكان لازما قطعا أن تتسرب إليه نظريات ذلك العصر، كما حدث لبعض مفسري القرآن أن فسر بعض الآيات خطأ متأثرا بمعارف عصره. كما فسر بعضهم قوله: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ … فسر الصخرة بأنها صخرة عظيمة تستقر عليها الأرض (2).
وتؤكد المقابلة بين القرآن والتوراة والإنجيل دلالة هذين الركنين: فإن القرآن- كما يقول الدكتور بوكاي: «يثير وقائع ذات صفة علمية، وهي وقائع كثيرة جدا خلافا لقلتها في التوراة، إذ ليس هناك وجه للمقارنة بين القليل جدا لما أثارته التوراة من الأمور ذات الصفة العلمية وبين تعدد وكثرة الموضوعات ذات السمة العلمية في القرآن، وأنه لا يتناقض موضوع ما من مواضيع القرآن العلمية مع وجهة النظر العلمية .. ».
ومن هنا كانت النتائج خطيرة ومتباينة جدا لدى الدراسة المقارنة، والتي توصل إليها عالم كبير لم يكن لدى تصديه للدراسة مسلما، هو الدكتور موريس بوكاي نفسه، فاستمع إليه يحدثك عن النتائج (3):--------------------------------------------
(1) المرجع السابق، ص 175.
(2) انظر ذلك في تفسير النسفي للآية 16 من سورة لقمان وكذا وقع نحوه لغيره وانظر تفسير الآية في كتابنا في التفسير ص 71.
(3) دراسة الكتب المقدسة، ص 13 - 14.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)

«لقد قمت أولا بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أي فكر مسبق، وبموضوعية تامة باحثا عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث، وكنت أعرف قبل هذه الدراسة وعن طريق الترجمات أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة. وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي (1) استطعت
أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث.
وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل:
أما بالنسبة للعهد القديم: فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول، أي سفر التكوين، فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخا في عصرنا.
وأما بالنسبة للأناجيل فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة ونعني بها شجرة أنساب المسيح. وذلك أن نص إنجيل متى يناقض بشكل جليّ إنجيل لوقا، وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمرا لا يتفق مع المعارف الحديثة بقدم الإنسان على الأرض .. ».
«وسيجد القارئ في الجزءين الأول والثاني في هذا الكتاب (2) أمثلة صحيحة في ذلك. أما الجزء الثالث فسيجد فيه القارئ أمثلة توضيحية لتطبيق العلم على دراسة أحد الكتب المقدسة (يعني القرآن)، وهو تطبيق لم يكن ليتوقعه الإنسان، كما سيجد القارئ في ذلك بيانا لما قد جاء به العلم الحديث الذي هو في متناول كل يد من أجل فهم أكمل لبعض الآيات القرآنية التي ظلت حتى الآن مستغلقة أو غير مفهومة، ولا عجب في هذا إذا عرفنا أن الإسلام قد اعتبر دائما أن الدين والعلم توأمان متلازمان.--------------------------------------------
(1) تعلّم الدكتور موريس بوكاي اللغة العربية بإتقان حتى يتمكن من دراسة القرآن بنفسه، فليعتبر بذلك شبابنا.
(2) أي كتاب «دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)

فمنذ البداية كانت العناية بالعلم جزءا لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام، وإن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الإسلامية، تلك التي اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوربا. وإن التقدم الذي تمّ اليوم بفضل المعارف العلمية في شرح بعض ما لم يكن مفهوما أو في شرح بعض ما قد أسيء تفسيره حتى الآن من آيات القرآن، ليشكّل قمّة المواجهة بين العلم والكتب المقدسة».

‌‌الأصول العامة لحديث القرآن عن الكون:
فإذا أردنا بعد هذا أن نزداد فهما للقرآن في حديثه عن الكون فتأملنا حديثه هذا وما اشتمل عليه من المعلومات والمعارف فإننا نجد أن هناك أصولا عامة يجب أن تكون نصب أعيننا لدى دراسة الآيات القرآنية التي تتحدث عن الكون، وهذه الأصول هي:
1 - إن القرآن الكريم لم يتخذ العلوم الكونية موضوعا من موضوعاته الأساسية، بل كان غرضه الأكبر هو هداية الناس. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. فهو لم يضع نظريات في العلوم، وليس يرفع من قدره أن يفعل ذلك، لأن هذه العلوم إذا خلت من الهداية تحولت إلى نقمة تحقيق بالإنسانية.
كما هو مشاهد لنا على مستوى الأفراد والجماعات والدول، فحسب القرآن أن ينشئ المجتمع الفاضل، لكنه في الوقت نفسه قد أرسى أسس تقدم العلم بما رسخ من مفاهيم صحيحة، وأبطل من أفكار زائغة.
2 - إن العلوم الطبيعية خاضعة للتدرج يوما بعد يوم فترك القرآن بحث النظريات العلمية ابتلاء للناس كما ترك غيرها من الوسائل الحيوية والمهن والصناعات والحرف ليترك المجال مفتوحا وليستحق كل بما يقدمه. وقد وقف القرآن من هذه العلوم موقف المؤيد الموافق لها فأمر بها وحض الناس على النظر في مظاهر الكون وما تكنه من أسرار ودلائل مما أودعه الخبير القدير من أعاجيب الخلق والتكوين، وبيّن القرآن أن حقائق هذا الكون فيها عبرة للعقلاء

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)

من الناس: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ.
3 - قرر القرآن أن الكون خادم الإنسان مسخّر له، وأثبتت العلوم الحديثة ما قرره القرآن، والتاريخ الإسلامي لم يعرف الانفصال بين عالم الدين وعالم الطبيعيات، فابن النفيس مثلا عالم الضوء كان إماما في الفقه الشافعي يقتدى به، وغيره كثيرون، فليس هناك تباين بين الدين والعلم، بل كثيرا ما قد نجد عالم الدين عالما كونيا وعالم الكون عالما دينيا، فلا عداء بين الإسلام والعلوم الكونية قديمها وحديثها لأن الكون في مفهوم القرآن مسخّر كما بينا للإنسان، بخلاف ما ساد في أوربة حتى عهد قريب من أن الإنسان وجد في جو معاد له وأن الكون يصارع الإنسان.
وقد أثبتت الأبحاث العلمية المتقدمة أن هذا الكون خادم للإنسان، وأن مجال انتفاع الإنسان منه لا يمكن أن يحيط به الحصر، بل يخضع لمدى قدرة الإنسان على الانتفاع منه، وذلك ما أشار إليه القرآن في مواطن كثيرة كقوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وقوله: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ …
وقوله: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
فقد عبّر القرآن تعبيرا دقيقا عن العلاقة بين الكون والإنسان في هذه الكلمة سَخَّرَ بكل ما فيها من معاني استمرار الخدمة، فكان هذا الموقف من القرآن الكريم تقريرا لقاعدة العلم الأساسية ومنطلقا للعلماء في أبحاثهم.
4 - إن القرآن تكلم عن حقائق الكون ولم يتبنّ نظريات علمية، لكنه تكلم ولفت النظر إلى ما في الكون من عجيب الصنع وكان هدفه الاستنباط والاستدلال على المكون
الخالق والامتنان على الناس بما أنعم الله عليهم.
وهذان الغرضان متلازمان مع الهدف الذي من أجله جاء القرآن، فالمنّة والإنعام تستدعي الشكر والطاعة والتقرب إلى الله تعالى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)

ومن ثمّ جاء موقف هام آخر للقرآن، وهو أن القرآن في حديثه عن الكون جاء من حيث طريقته جامعا بين الإجمال والتفصيل، وفي هذا الحديث نجد التوافق بين القرآن والعلم قرنا فقرنا، وهنا يظهر عنصر معجز عظيم لأن القرآن في حديثه عن الكون انعتق من التأثر بما كان عليه أمر الناس من علوم ونظريات سائدة في ذلك العصر، فقد كان في عصر القرآن الكريم من يعبد الفلك ومظاهر الطبيعة مثلا، فجاء القرآن وتكلم عن الكون وعن الأفلاك كلاما علميا يتفق مع أحدث النظريات القائمة المعتمدة اليوم، ولا مصدر لهذا العلم في ذلك الوقت القصي إلا التنزيل عمن خلق الكون، ولذلك نجد أن كثيرا من مواقف القرآن الكريم يزداد على مدى الزمن وضوحا ودقة، بعد أن كان يفهم فهما إجماليا.
خذ مثلا قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ في معرض الحديث عن المطر والسحاب، وقد تبين ذلك في العلم الحديث، فالرياح التي تمطر تلقح السحاب ببعضه، إذ تتفاعل القوة الموجبة في السحاب مع القوة السالبة فيكون البرق والرعد والمطر ..
وخذ مثلا قوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وقد فهم المتقدمون من زوجين الأمرين المتقابلين كالليل والنهار والظلمة والضياء، ولكن المعنى الأوسع هو السالب والموجب، فإن أصغر خلية في الذرة وهي الجوهر تتألف من السالب والموجب وقد جاء العلم الحديث يقرر أن مادة الكون ترجع إلى عنصر واحد هو (الطاقة) ومن الطاقة الموجبة والطاقة السالبة تتكوّن الذرة، ثم المادة.
وهكذا توصّل التقدم العلمي الحديث إلى ما سبق أن قرره القرآن منذ أربعة عشر قرنا. وهذا الموقف للقرآن من العلوم كان له أثر في تحرر الناس من الخرافة والأوهام وفي تقدم العلوم على أيدي المسلمين بعد أن كان العالم في الظلمات حتى تتلمذ العالم قرونا على يد المسلمين الذين منهم انبثقت الشعلة، وإنا لنرجو أن تحقق هذه الأمة بتقدمها الخلقي الديني وما ينبثق عنه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)

من تقدم علمي مجدا يسابق مجدها القديم برسالتها الخالدة في إنقاذ الإنسانية وهداية بني الإنسان.

‌‌شروط تفسير الآيات الكونية:
يحاول كثير من العلماء المخلصين تفسير الآيات القرآنية التي تتحدث عن الكون، وإبراز ما في تضاعيفها من موافقة مكتشفات العلم، وكثيرا ما أوغل بعضهم وتكلف. مما لا يتفق مع أصول علم التفسير، ونقتبس على هذا الصنيع ملاحظتين من فضيلة الأستاذ العلّامة الشيخ محمد أبو زهرة (1) تشملان شروط قبول هذا التفسير:

‌‌الملاحظة الأولى:
أنهم يحاولون أن يحمّلوا القرآن نظرياتهم، وعليهم أن يفهموه كما تبين ألفاظه وكما تومي إشاراته، وذلك لأنهم أحيانا يحمّلون القرآن ما لا يحتمل، ويرهقون ألفاظه بالتأويل، وأحيانا يأتون بنظريات لم تكن حررت بعد من الشكّ والنظر، وقد تتغير.
ولا يصح أن يبقى القرآن تتردد معانيه باختلاف النظريات، بل إن الواجب أن ندرس ما في القرآن على أنه حقائق، فما وافقه من العلوم قبلناه.

‌‌الملاحظة الثانية:
أن يدرس الكون في القرآن على أنه (يعني القرآن) حقائق ثابتة، وأنه هو موضع التسليم من المؤمن بالله تعالى وبالقرآن، فلا تجعل حقائقه (القرآن) موضع نظر، بل إن الإيمان بالقرآن يوجب الإيمان بكل ما اشتمل عليه، ولا يصح لنا أن نترك ظاهر القرآن ونتجه إلى تأويله، إلا أن يكون الظاهر يقبل التأويل وتكون حقائق العلم الثابتة تقتضي الأخذ بالتأويل الذي يحتمله القرآن من غير تعسف، ولا خروج بالألفاظ إلى غير معانيها.
وإنا بهذه الدراسة وبما قررناه من شروط تفسير الآيات الكونية نؤكّد الحقيقة المسلمة أن كتاب الله تعالى هو كتاب الحق، والصدق والعلم، لأنه من عند الله تعالى الذي لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض،--------------------------------------------
(1) في كتابه «المعجزة الكبرى» ص 552.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)

‌‌الفصل الثالث والعشرون القصّة في القرآن
لا يخفى ما تدل عليه أخبار الأمم السابقة مع أنبيائها، ووقائع الماضي البعيد الذي عفت عليه الأيام، وذهبت بعلمه ومعرفته، فالقصص عن الأمم السابقة معجزة بينة، وحجة حاسمة من دلائل علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، كما أنه دروس وعبر، وحكم ومواعظ يفهمها العامة من مؤمن ومنكر، والخاصة من متعمق ومتمعن، لذلك عني القرآن الكريم بأنباء السابقين أيما عناية، وبث هذه الأخبار في ثنايا دعوته، لتأييد حججه وبيناته.

‌‌أهداف القصة في القرآن:
لا بد أن يلاحظ المتأمل لكتاب الله تعالى عنايته بالقصص حتى انها قد بثّت في ثنايا الكتاب الكريم بشكل بارز ملحوظ، وذلك لما يهدف إليه إيرادها من الحكم والأسرار الجليلة، نلخص جملة من أهمها فيما يلي:
أولا: الهدف الأكبر والأعظم للقصص في القرآن هو إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن وحي يوحى من الله تعالى، وذلك لأن علم الماضي قد ذهب واندثر، والنبي صلى الله عليه وسلم أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، وقومه كذلك أميون، لم ينشأ بين أهل الكتاب ولا كان ثمة مدرسة يتعلم منها هو أو أحد من قومه، ولا خالط أحدا من أهل العلم بالكتاب السابق ولا تلقى عن أحد منهم شيئا قط، فلما جاء بهذه الأخبار ينبئ بها نبأ الأنبياء مع أممهم، فيطابق ما كان عند أهل الكتاب صوابا لم يدخله خطأ، ويصحح ما كان عندهم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)

دخله تغيير أو تبديل، ويخبر بوقائع لا يعلمها أهل الكتاب ولا ذكرت في تراثهم فكان كما قال تعالى في وصف القرآن: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ. وهذا مع أن علماء أهل الكتاب كانوا يخفون تلك العلوم التي عندهم ولا يطلعون أحدا عليها، فدل ذلك القصص على أنه لا يمكن إلا أن يكون تلقيا من عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم السر في السموات والأرض.
وقد ذكر القرآن الكريم هذا الوجه من الإعجاز، وصرح به في مواضع متعددة، تأكيدا لإعجازه، وتأكيدا لتحدي المرتاب الشاك، والمنكر المعاند.
فنجده- مثلا- عقب ذكر قصة مريم وكفالة نبي الله زكريا لها يقول:
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (1).
ويقول في سورة هود: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (2).
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا لم يقرأ كتابا قط، ولا تعلم من عالم قط، وقومه كذلك أميون، وهو لم يشاهد تلك الحوادث ولا التقى بشخصيات تلك الوقائع التي قصها القرآن، بل قد تعرض للامتحان فيما يأتي به من قصص الغيب الماضي، فطرح عليه أهل الكتاب أسئلة مما يعلمونه مغيبا عنه فسألوه بواسطة أهل مكة عن أهل الكهف والروح وذي القرنين فأجابهم عن ذلك كله بدقة وتفصيل، فآمنا من ذلك « .. إنه ما علم إلا بوحي الله واطلاعه عليه، وهي أخبار كثيرة، لا يقع الصدق فيها إلا بالوحي من الله عز وجل» (3).--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران، الآية 44.
(2) سورة هود، الآية 49.
(3) تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار الهمذاني ص 86 - 87. وفي هذه العبارة إشارة هامة إلى حكمة من حكم كثرة القصص واتساع المساحة التي يحتلها من القرآن، وهي تأكيد هذا الإعجاز.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)

ثانيا: بيان أن الله تعالى ينصر أنبياءه ورسله في النهاية، ويهلك الكافرين المكذبين، ولا يخفى ما في ذلك من تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتقوية نفوس المؤمنين وزجر الضالين المعاندين وزحزحتهم عن مواقفهم، فتتأثر النفوس كل نفس بحسب ما تحتاج إليه، إذ يتوالى عليها بيان نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين، وإحقاق الحق وإزهاق الباطل ويتكرر رفع راية العدل، ومحق قوة الظلم من خلال وقائع القصص التي يذكرها القرآن، بل بما يقع فيه من التصريح بهذا التنبيه، وإثارة هذه القضية، في كثير من مناسبات القصص.
تأمل هذه الآيات تعقيبا على قصص الأنبياء في سورة هود: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ. وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ، وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (1).
وفي سورة غافر يقول تعالى عقب قصة موسى وفرعون ومؤمن آل فرعون وإنجاء الله موسى والمؤمن وإهلاك فرعون: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (2).
ثالثا: بث المعاني الدينية الواضحة وترسيخ قواعد الدين، بما يقع في ثنايا القصص من حوار، ومواعظ وحجاج، يصغي إليها السامع، ويتابعها القارئ، سواء كان موافقا أو مخالفا مؤمنا أو كافرا، لما في طبيعة القصص من التشويق والإثارة. تأمل ما يلقيه مؤمن آل فرعون لما خشي على موسى من طغيان فرعون وبطشه:--------------------------------------------
(1) سورة هود، الآيات 100 - 103.
(2) سورة غافر، الآيتان 51 - 52.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)

وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ … الآيات إلى آخر القصة في سورة غافر .. (1).
ففي قصة موسى مع فرعون هنا برزت التوجيهات على لسان الرجل المؤمن يقرر أمورا على غاية من الأهمية وهي جميعها معان دينية، وتوجيهات صريحة تضمنها الحوار القصصي، مما يجعل وقعها في النفوس أبلغ وأعمق.
رابعا: في قصص القرآن دحض ادعاءات تزعم في نشأة الأديان أن الإنسان الأول كان في ظروف الطبيعة القاسية والغابات ورءوس الجبال، فجره الخوف من مظاهر
الطبيعة وعجزه عن تفسيرها إلى أن يتصور لكل منها إلها، فجعل للريح إلها، وللمطر إلها، وللخصب إلها … وصنع التماثيل لهذه الآلهة وعبدها. وكان ذلك برأيهم قبل ظهور الأديان السماوية، ثم تطور الحال إلى الأديان السماوية وإلى توحيد الله تعالى ..
إن القرآن الكريم الذي وصفه الحديث: «فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم … » (2) ليعطينا الأجوبة الكثيرة لإبطال هذا الزعم الوهمي، نقتصر منها هنا على ما يلي (3):
1 - إن الدين السماوي المبني على توحيد الله قد وجد مع وجود الإنسان، فحين أهبط الله آدم وزوجته وإبليس إلى الأرض قال لهم: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ …
ثم كان موقف الأنبياء جميعهم على ضد ما توهمه هؤلاء، فقد قاموا كلهم بإبطال العادات الفاسدة، والعقائد الزائغة التي تفشّت في المجتمع--------------------------------------------
(1) على القارئ استحضار الآيات وتأملها.
(2) أخرجه الترمذي في فضائل القرآن ج 5 ص 172.
(3) انظر التوسع في كتابنا «الفكر المسلم».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)