الذات المشتمل على جميع الأسماء والصفات، فأشارت بذلك إلى كمالاته التي لا تعدّ ولا تحصى، وهكذا إلى آخر السورة (1).
وهذه سورة البقرة افتتحت بالإشارة إلى إعجاز القرآن وغاية عظمته:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ، فرمز لإعجاز القرآن بهذه الحروف المقطعة، ثم أشار إلى غاية كماله وإعجازه باسم الإشارة: «ذلك»، مع أن الإشارة في الأصل تكون للماديات المحسوسة، لتفيد غاية وضوح أمر القرآن وتميّزه عن غيره كمال تميّز، وجاءت بلام البعد، لتفيد بعده أن تصل إليه طاقة البشر، وتأتي بمثله.
وزادت عظمة القرآن فعبّرت ب «الكتاب» معرفا بأل، فأفادت العبارة الحصر، أي أنه لغاية كماله وعظمته صار كأنه الكتاب الوحيد الذي يستحق أن يسمّى كتابا … وهكذا إلى آخر السورة، وإلى آخر القرآن. حتى صارت كل كلمة في القرآن فريدة، في مكانها (2).
3 - التناغم الموسيقى:
وفي ذلك يقول الرافعي (3): «لو تدبّرت ألفاظ القرآن في نظمها رأيت حركاتها الصرفية، واللغوية تجري في الوضع والتركيب على غاية التآلف الصوتي، فيهيّئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف مساوقة لها في النظم الموسيقى، حتى إنّ الحركة ربما كانت ثقيلة لسبب ما، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الحروف والحركات قد مهّدت لها طريقا في اللسان، فجاءت أعذب شيء، وكانت متمكّنة في موضعها غاية التمكن.
من ذلك لفظة: «النّذر» جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها، لتواليها على--------------------------------------------
(1) انظر كتابنا (تفسير سورة الفاتحة): 98 وما بعد و (في تفسير القرآن الكريم وأسلوبه المعجز):
23 - وما بعد.
(2) انظر كتابنا القرآن الكريم والدراسات الأدبية: 271 وما بعد، ومصادر التفسير البلاغي مثل الكشاف للزمخشري وإرشاد العقل السليم لأبي السعود العمادي وروح المعاني للآلوسي وغيرها.
(3) بتصرف واختصار من كتابه إعجاز القرآن: 257 - 258.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
النون والذال معا، لكنها جاءت في آية: وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ [القمر: 36] في غاية الفصاحة، وجمال الموقع في حسّ السمع، وذلك بما سبقها من القلقلة في دال «لقد» وطاء «بطشتنا»، والفتحات المتوالية في «فتماروا»، التي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمة خفيفا عليه. وتأتي اللفظة متمكنة في موضعها مستقرّة في قرارها إلى أقصى غاية، مع أدائها المعنى المراد غاية الأداء».
4 - إفادة التصوير:
وذلك أن الكلمة القرآنية تقدم للقارئ صورة فنية، وتستقل برسم مشهد، أو نقل حركة، أو تشخيص فكرة، بل إنها تقدّم لنا ما يسميه العصريون «التجسيم»، تجسيم المعنويات المجردة، وإبرازها أجساما أو محسوسات، لتزيد المعنى تمكنا من النفس وتأثيرا فيها (1).
ومن ذلك مثلا قوله تعالى في اليهود: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: 93] فلننظر «تلك الصورة الساخرة الهازلة: صورة العجل يدخل في القلوب إدخالا، ويحشر فيها حشرا، حتى ليكاد ينسى المعنى الذهني الذي جاءت به هذه الصورة المجسّمة لتؤدّيه، وهو حبّ اليهود الشديد لعبادة العجل» الذي صنع لهم من الذهب.
واقرأ كذلك قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ [الحج:
11]. تأمل كلمة «حرف» ومعناه الطرف من الشيء، «إنّ الخيال ليكاد يجسّم هذا الحرف الذي يعبد الله عليه هذا البعض من الناس، وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب المحسوس
في وقفتهم، وهم يتأرجحون بين الثبات والانقلاب».
5 - الإعجاز العلمي:
فقد جاءت عبارات القرآن الكريم عن القضايا الكونية بطريقة عجيبة--------------------------------------------
(1) انظر كتاب من بلاغة القرآن للدكتور أحمد بدوي: 65، وراجع أمثلته بتوسع. وانظر كتابنا علوم القرآن الكريم: 228 - 230 ففيه أمثلة مفيدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
تجعلها مفهومة عند العربي القديم، والعامي، لكنها تفيض بمعان يكشفها التأمل تتناسب مع تقدم العلم، وظهور مزيد من الحقائق التي كانت مجهولة، مما حفلت به دراسات إعجاز القرآن العلمي.
وللمفردة القرآنية دور كبير في هذا الباب العظيم، يطول استقصاؤه جدا، نكتفي ببعض الأمثلة منه:
فمن ذلك: قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً.
فقوله: لَواقِحَ فهمه المفسّر القديم مجازا عن تلقيح الرياح الأزهار أو جمع السّحب اجتماع الذكر بالأنثى. لكنّ العلم الحديث قرر أنّ السحاب يحمل شحنة كهربائية، بعضه سالب الشحنة وبعضه موجب، وأن الرياح تلقح السحب السالبة بالموجبة فينزل المطر. وهذا التفسير في غاية الدقة، وهو أليق بتناسب الجملة مع قوله بعدها: فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً لا سيما مع هذا العطف بحرف الفاء، التي تفيد الترابط.
وهكذا آيات القرآن المتعلقة بالكون، كلها شاهد أنه تنزيل من يعلم «السّرّ في السموات والأرض»، تبارك وتعالى.
وغير ذلك كثير من دور غريب القرآن، وكلماته، يزيد المتأملين فيه إيمانا، وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً.
ويرحم الله ابن عطية (1) إذ قال: «وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد».--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز: 60 - 61.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
الفصل الخامس والعشرون فضائل القرآن وآداب حملته
فضائل القرآن في القرآن
فضائل القرآن ووجوه عظمته كثيرة، تعز على الاستقصاء والإحاطة، وقد عرض لها القرآن نفسه في آيات كثيرة جدا، نشير إلى أصول مهمة من مقاصدها فيما يأتي:
1 - إن القرآن آية الله الكبرى، والمعجزة الإلهية الخالدة، الدالة على حقّيّة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد تحدّى الله به الإنس والجن، فقال عزّ من قائل: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً. بل تحداهم بمثل سورة منه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
2 - أنه كتاب هداية العالم كله إلى الطريق الأقوم، والمرشد لسعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وقال عز وجل: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.
3 - إن القرآن علاج آفات الأفراد والمجتمعات قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقال أيضا: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ.
4 - القرآن حجة الله على العباد، لإظهار الحق وإزهاق الباطل، وبه يجاهد الباطل ويقاوم، وذلك لغاية ما اشتمل عليه من الحجج الدامغة والبراهين القاطعة، قال تعالى: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
5 - القرآن حاكم على الكتب السابقة ومهيمن عليها. قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ.
فالقرآن مهيمن على ما سبقه يقرّ من أحكامها ما كان صالحا للبقاء، وينسخ ما كان خاصا بتلك الأمة لا يصلح للبقاء، ويبين الحق فيما دخل على الكتب السابقة من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، فهو مهيمن عليها. وهو المرجع في مضامينها.
وفي الحق أن بحث فضائل القرآن في القرآن يشغل مؤلفا كبيرا، نبهنا هنا على عناوين مهمة جدا، يحتاج شرح كل منها إلى بحث، تذكرة للطالب، وإثارة لرغبة المؤمن الراغب، ليقبل على كتاب ربه بكليته، ويجعله نبراس حياته.
فدونك كتاب الله تعالى، أقبل عليه، متأملا آياته، من هذه الزاوية، متعمقا في معانيه وخصائصها، تجد العجب العجاب، الذي تسجد له أولو الألباب.
فضائل القرآن في الحديث الشريف
إن الأحاديث الدالة على فضل القرآن وعظمته كثيرة جدا، جمعت فيها مؤلفات بهذا الاسم «فضائل القرآن» منها، لابن الضّريس، ولابن أبي شيبة، والنسائي، وأبي عبيد
القاسم بن سلام، وابن كثير، والسيوطي وسماه «خمائل الزّهر في فضائل السور» وغيرهم. ومن الأحاديث ما يدل على فضائل القرآن كله عامة، ومنها ما يدل على فضل سور أو آيات.
ونذكر من أمهات مقاصد الأحاديث الواردة في فضل القرآن عامة ما يأتي:
1 - أنه خير الحديث والكلام قاطبة:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم» أخرجه مسلم (1).
وهو مأخوذ من القرآن الكريم. قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ.
2 - القرآن يشفع لصاحبه:
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» أخرجه أحمد ومسلم وابن حبان وابن الضّريس (2).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إن القرآن شافع مشفّع، وماحل مصدّق، فمن جعله بين يديه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار» أخرجه الطبراني وابن الضّريس وصححه ابن حبان من حديث جابر مرفوعا (3).
أي من عمل به قاده إلى الجنة، ومن لم يعمل به ساقه إلى النار، وصار في حقه ماحلا مصدقا أو خصما مجادلا ضدّه، لأن القرآن هو مقياس العمل الصالح وغير الصالح، ومقياس الفلاح والخسار.
وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والقرآن حجة لك أو عليك» أخرجه مسلم (4).--------------------------------------------
(1). 3/ 11.
(2) المسند: 5/ 249 ومسلم في صلاة المسافرين (فضل قراءة القرآن): 2/ 197، وابن حبان بنحوه: 1/ 322 وابن الضّريس في فضائل القرآن: 59.
(3) فضائل القرآن لابن الضّريس: 58 و 57 و 63 - 64 من ثلاثة طرق وابن حبان: 1/ 331 - 332 والطبراني في المعجم الكبير رقم 10450 وانظر مجمع الزوائد: 1/ 171 ففيه فوائد.
و7/ 164 والترغيب: 2/ 349 وخرجه في الإتقان: 4/ 104 عن أنس مرفوعا من فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلّام. وحديث ابن مسعود له حكم المرفوع وقد أيده حديثا جابر وأنس فثبت أنه قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(4) في فضل الوضوء: 1/ 140 في ضمن حديث طويل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
3 - القرآن يرفع صاحبه مع السفرة البررة:
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاقّ له أجران» متفق عليه (1).
4 - القرآن يؤنس صاحبه في الحشر:
عن بريدة الأسلميّ رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول:
«إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشقّ عنه قبره، فيقول له: هل تعرفني؟
فيقول ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن، أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وأنا لك اليوم وراء كل تجارة. قال:
فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلّتين لا يقوم لهما أهل الدنيا. فيقولان: بم كسينا هذه؟ فيقال لهما:
بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنّة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقول، هذّا كان، أو ترتيلا» أخرجه أحمد وابن ماجة وابن الضّريس والحاكم وصححه على شرط مسلم. وقال الهيثمي في رجال أحمد: «رجال الصحيح» (2).
وله شواهد بطوله عن أبي أمامة الباهلي (3) وأبي هريرة (4) ومجاهد مرسلا (5) وعن شمر بن عطية (6) وفيه عند قوله: «حين ينشق قبره»: «فيقول:--------------------------------------------
(1) البخاري في التفسير (سورة عبس): 6/ 166 ومسلم في صلاة المسافرين (فضل الماهر بالقرآن): 2/ 195 واللفظ لمسلم.
(2) المسند: 5/ 348، وابن الضّريس: 60 والمستدرك: 1/ 556 مختصرا ووافقه الذهبي وكذا ابن ماجة: 2/ 1242. وقال في الزوائد: «إسناده صحيح» وانظر مجمع الزوائد: 7/ 159 ومصباح الزجاجة: 2/ 258.
(3) ابن الضريس: 56 ومجمع الزوائد: 7/ 159 خرجه من الطبراني في الأوسط.
(4) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد: 7/ 160، وفيه يحيى الحمّاني: ضعيف.
(5) ابن الضريس: 57.
(6) المرجع السابق: 58 - 59.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
أبشر بكرامة الله، أبشر برضوان الله. فيقول: مثلك يبشّر بالخير، فمن أنت؟
فيقول: أنا القرآن .. ».
خطورة الغفلة عن القرآن:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» أخرجه الترمذي وصححه (1).
وعن عائشة رضي الله عنها قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بئس ما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسّى» متفق عليه (2).
أي أنه نسّاه عقوبة له على ذنوب، لأن نسيان القرآن من أعظم المصائب، فلا يكون إلا من ذنب عظيم.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها» أخرجه أبو داود والترمذي (3).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن البيت إذا قرئ فيه القرآن حضرته الملائكة، وتنكّبت عنه الشياطين. واتّسع على أهله، وكثر خيره وقلّ شرّه. وإنّ البيت إذا لم يقرأ فيه القرآن حضرته الشياطين، وتنكبت عنه الملائكة، وضاق على أهله، وقلّ خيره وكثر شرّه» أخرجه الإمام محمد بن نصر المروزي.
وفي معنى الحديث أحاديث كثيرة (4).--------------------------------------------
(1) البخاري: 6/ 194 و 193 ومسلم: 2/ 191.
(2) في فضائل القرآن (باب 18): 5/ 177 وقال: «هذا حديث حسن صحيح».
(3) أبو داود في الصلاة (كنس المسجد): 1/ 126 والترمذي في ثواب القرآن: 5/ 178 - 179 وقال: «حديث غريب». قلت: لكن يشهد له أحاديث مرفوعة وموقوفة تقويه، كما نبه الحافظ ابن حجر في الفتح: 9/ 70 فكن على حذر.
(4) انظر نحو العشرة منها في كتاب تلاوة القرآن المجيد: 40 - 41 و 53 - 54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
آداب حملة القرآن وتلاوته
ليذكر قارئ القرآن فضائل القرآن وجلالة شأنه، وأنه حجة له أو عليه، فليعتبر بذلك كلّه، وليستحضر أيضا تكريم الله إياه أن جعله يقرأ هذا القرآن ويناجي به ربّه، فإذا وفّق لذلك انكفّت نفسه عن الرذائل، وأقبلت على العمل الصالح الكامل، ونبعت آداب التلاوة وصدرت من النفس متأثرة بهذه المشاعر، وزادت بالتالي توفيق القارئ فقطف ثمار قراءته، وتنوّر بأنوار تلاوته.
ومراعات لحسن تقسيم الدراسة نقسمها ستة أقسام:
1 - آداب معلم القرآن وحامله.
2 - آداب متعلم القرآن.
3 - آداب التأهب لقراءة القرآن 4 - آداب تلاوة القرآن.
5 - آداب الاستماع للقرآن.
6 - آداب ختم القرآن.
آداب معلم القرآن وحامله:
وهي آداب كل معلم علما شرعيا، أو عالم بعلم من هذه العلوم الشريفة، لأن علوم الشرع مشتملة على العلم بالقرآن كليا أو جزئيا، وهي مستمدة منه وخادمة له.
1 - أول هذه الآداب (الإخلاص)
واجب أساسي وهو روح كل عمل- لا سيما هذه العلوم، التي هي أفضل ما عبد الله به بعد أركان الإسلام- وذلك هو الإخلاص، قال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنّيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه، وهذا الحديث من أصول الإسلام، بل هو نصف الإسلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
ويساعد على ذلك سؤال الله تعالى الإخلاص، ودعاء التوجه في افتتاح الصلاة بحضور قلب وضراعة، والتعوذ من دخول الدنيا في قصده بأي صورة، أو شكل.
2 - أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل
، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى الله عنه، إجلالا للقرآن، وأن يكون مترفعا على الجبابرة والمستكبرين من أهل الدنيا، اعتزازا بما آتاه الله تعالى من كنز القرآن أو علم الشرع، فإنه أنفس شيء عند العقلاء، لا تقوم به الدنيا، قال تعالى ممتنّا على رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ* لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
فجعل سبحانه إيتاء القرآن موجبا للترفع على الدنيا وأهلها، وللتواضع للمؤمنين المتقين.
3 - ليحذر عالم القرآن أو أي علم شرعي أن يتخذ القرآن أو العلم أداة لكسب المال
، يقصد به الدنيا. لما سبق من وجوب الإخلاص، والبعد عن الرياء، ولما ورد في الكتاب والسنة من التهديد والوعيد على كتمان العلم. ومنه تعليم القرآن فإنه واجب على الكفاية، كما أن تعلمه واجب على كل مسلم.
وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن- لمن خصلت نيته عن قصد الدنيا وأكل المال بالقرآن أو العلم فهذا الأخذ للأجرة بهذا الشرط قد اختلف العلماء فيه، وكثير من السلف كانوا على المنع ومنهم الحنفية والمالكية.
ثم اتفق المتأخرون على جواز أخذ الأجرة على ما ذكرنا، لما رأوا ضرورة انتظام تعليم القرآن، ونشر العلم توجب ذلك (1).
ويشهد لذلك حديث عبد الله بن عباس في اللديغ، لما رقاه بعض الصحابة وجعلوا له جعلا، أي عطية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» أخرجه البخاري (2).--------------------------------------------
(1) انظر التفصيل في التبيان: 48، 58، 60، والبرهان: 1: 457 - 458 وغيرهما.
(2) في الطب (الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب): 7/ 131.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
وإن بذل التعليم بلا مقابل طلبا للثواب مرتبة عليا، هي عمل الأنبياء والمرسلين.
4 - أن يبذل المعلم النصيحة لطلبته:
فإن «الدين النصيحة» كما ثبت الحديث الشريف وصح (1)، ومن النصيحة لله ولكتابه ولرسوله إكرام قارئ القرآن، وطالب العلم وإرشاده إلى مصلحته، وأن يحرضه على الطلب، ويذكر له فضيلة ذلك، ليكون سببا في نشاطه.
5 - اتخاذ حال المهابة والوقار:
ليكن معلم القرآن أو أي علم وقورا، أي ساكنا، لا يكثر من الحركات بغير حاجة. ولذلك ينبغي أن يصون يديه عن العبث، وعينيه عن تفريق نظرهما من غير حاجة، ويقبل على كل طلابه، ويقعد على طهارة مستقبل القبلة، ويستعين بالإشارة بيده لتفهيم المعنى من غير إكثار أو زيادة، وتكون ثيابه وسائر هندامه نظيفة، وشعر لحيته ورأسه مرجّلا مرتّبا.
وينبغي ألّا يذلّ العلم، فلا يذهب إلى مكان من يتعلم منه ليعلمه فيه، بل يصون العلم عن ذلك. كما صانه السلف، وحكاياتهم في ذلك كثيرة مشهورة، وقد تهاون بعض أهل العلم في زمننا بهذا، وقصدوا أهل الدنيا لطباعة كتبهم على نفقتهم، بزعم توزيعها، وجرّ ذلك إلى إشكالات، وسوء سمعة، يجب أن يصان العلم والعالم عنها (2).
آداب متعلم القرآن:
وتشترك مع المعلم في أمور متعددة، وينفرد الطالب بآداب نذكر منها:
1 - التواضع مع المعلم والتأدب مع الرفقة:
لينظر المتعلم إلى معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته، فإنه أقرب لانتفاعه به، وعلى الأهل والأصدقاء تقرير ذلك، ودفع سوى ذلك مما قد يجرؤ عليه بعض الطلبة.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في الإيمان: 1/ 531 والبخاري معلقا في الإيمان: 1/ 17.
(2) اقتبسنا هذه الآداب بتصرف واختصار عن التّبيان ض: 39 - 50، 57 - 60.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
ومن جوامع ذلك قول سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «من حقّ العالم عليك أن تسلّم على الناس عامة وتخصّه دونهم بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرنّ عنده بيدك، ولا تغمزن بعينك، ولا تقولن: فلان قال …
خلافا لقوله، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا تسارر في مجلسه .. » (1). وهذه مأخوذة من آداب الصحابة في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم.
2 - مذاكرة الحفظ والعلم:
يجب على طالب القرآن مذاكرة حفظه، بنظام مستمر، امتثالا لأمره صلى الله عليه وسلم «تعاهدوا القرآن … » وتحاشيا لنسيانه الذي هو من الكبائر كما تقدم (2). ودرج الحفاظ على قراءة خمسة أجزاء يوميا، وقالوا: «من قرأ الخمس لم ينس»، كذلك يجب على طالب العلم مذاكرة علمه، ولا يكتفي بنجاحه في الامتحان.
فذلك غلط عظيم يقع فيه أكثر الطلبة، فلا تمر عليهم فترة إلا وقد عادوا جاهلين كأنهم لم يتعلموا.
آداب التأهب لتلاوة القرآن:
إن قراءة القرآن من أجلّ أمر يشتغل به الإنسان، وهي لمن قصد بها التقرّب إلى الله تعالى والتفكر بآيات الله من أعظم الطاعات، لذلك شرع لها التأهب والاستعداد بما يعدّ النفس لحسن الانتفاع بالقراءة أو التأهل لها، وبعضها شرط وهو أولها، ونبينها فيما يأتي:
1 - الطهارة:
الطهارة من الجنابة ومن الحيض والنفاس شرط لجواز قراءة القرآن، سواء كانت عن ظهر قلب أو من المصحف بمسه أو من غير مسه، باتفاق الأئمة الأربعة.
وعليه فالجنب والحائض والنفساء، يحرم عليهم قراءة القرآن، ويجوز لهم إجراء القرآن على قلوبهم، كما يجوز لهم النظر في المصحف من غير مسّ--------------------------------------------
(1) التبيان: 51.
(2) الصفحة السابقة وانظر هذه الآداب في التبيان ص: 50 - 54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
ولا تلفظ، بل بإمراره على القلب. وأجمع المسلمون على جواز سائر الأذكار سوى القرآن لهم، كالتوحيد والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك.
وأما مسّ المصحف فالطهارة الكاملة واجبة له باتفاق الجمهور والأئمة الأربعة ولو لم يقصد القراءة، وأجاز الحنفية مسّه بحائل غير متصل به، وأجاز المالكية قراء القرآن ومسّ المصحف للحائض والنفساء للتعليم أو التعلم أو الحفظ تيسيرا عليهم.
ويستحب لمن قرأ من غير مسّ المصحف أن يكون على طهارة كاملة، فإن قرأ محدثا حدثا أصغر من غير لمس المصحف جاز بإجماع المسلمين بلا كراهة.
2 - استحسان المكان والزمان:
أما المكان: فتسنّ القراءة في مكان نظيف، وأفضله المسجد، لا سيما إذا نوى الاعتكاف فيه مدة مكثه، وتصح القراءة في أي مكان كان، لكن تكره في الأماكن المستخبثة، مثل الحمام وغيرها.
وأما الزمان: فكلّ الأوقات تباح القراءة فيها، ولا تكره في شيء منها.
وثمة أوقات لها أولوية، أفضلها ما كان في الصلاة، ثم الليل، ثم نصفه الأخير، وهي ما بين المغرب والعشاء محبوبة، كذا بعد الصبح (1)، لكن لا تترك القراءة في نشاطك لأجل وقت أولى، فربما لا تنشط.
3 - السواك:
يسنّ الاستياك لقراءة القرآن، تعظيما له، وتطهيرا، وقد ثبت الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» (2).
فحسّن السواك لأجل هذه القربة الجليلة.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق: 128 والمجموع: 2: 182 - 183.
(2) أخرجه النسائي: 1/ 10، وابن خزيمة رقم 135 وابن حبان: 3/ 348 ورواه البخاري معلقا بصيغة الجزم: 3/ 31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
الاستعاذة والبسملة:
أما الاستعاذة: فهي التحصّن والاحتماء بالله تعالى، لحماية العمل وهو هنا القراءة أن تشوبها شائبة نقص، أو ما يبعدها عن القبول عند الله، ولحماية الإنسان نفسه من كل مكروه. احتاج القارئ إليها، لأن قراءة القرآن من أعظم الطاعات، ووسائل التقرب إلى الله تعالى، والترقي في منازل القرب (1).
وأما البسملة: فهي شعار يعني الاستمداد من الله تعالى للإعانة على فعل الأمر الذي ذكرت عليه، وأن ذاكرها يتقرب به إلى الله، أي بك يا الله أقرأ، وإليك بالقراءة أتقرب، لذلك جعلها الله عنوانا لكتابه، وافتتاحا لقراءة القرآن، وابتداء لكل عمل مهم (2).
أما النية: فليست شرطا للقراءة، أو للإثابة عليها، لأن قراءة القرآن شرعت عبادة بنفسها، فمجرد القراءة عبادة يثاب القارئ عليها الحرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.
آداب تلاوة القرآن:
تقوم آداب تلاوة القرآن على أساسين هما أصل لغيرهما، وهما: التدبر والترتيل:
1 - التدبر والخشوع:
هذا يسنّ متأكدا على القارئ، فإن التّدبّر وهو التفهم وكذا الخشوع هما المقصود الأعظم، والمطلوب الأهم، وبذلك تنشرح الصدور وتستنير القلوب، والآيات والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر.
قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ص: 29].
والتدبر والخشوع دواء القلب من أمراضه والنفس من عللها، قال السيد الجليل إبراهيم الخوّاص رضي الله عنه: «دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن--------------------------------------------
(1) انظر تفسير الاستعاذة وأحكامها ومواضعها في كتابنا «في تفسير القرآن الكريم واسلوبه المعجز» 7 - 9. وانظر دراستها مفصّلة جدا في كتابنا تفسير سورة الفاتحة: 11 - 40.
(2) انظر تفسير البسملة في تفسير القرآن وأسلوبه المعجز: 11 - 15 وتفسير الفاتحة 43 - 75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السّحر، ومجالسة الصالحين» (1).
وقد قسم بعض العلماء الناس في تلاوة التدبر على ثلاثة مقامات:
الأول: من يشهد أوصاف المتكلّم سبحانه في كلامه، ولهذا قال جعفر الصادق رضي الله عنه: «إن الله تجلى لخلقه بكلامه، ولكن لا يبصرون».
الثاني: من يشهد بقلبه كأنّ الله تعالى يخاطبه ويناجيه بألطافه، ويتحبب إليه بإنعامه، فمقام هذا الحياء من الله وتعظيم الله تعالى.
الثالث: من يرى أنه يناجي ربّه سبحانه، فهذا مقامه السؤال والتمسكن لله تعالى» وحاله الطلب، وهو وصف عامة المتقين (2).
وكل مقام من هذه سبيل لفهم عال من كتاب الله تعالى، يتذوقه القارئ، فالحظ هذا، واستفد منه.
ويستحب: للتدبر والتخشع:
ترديد الآية أي تكرارها وإعادتها مع التأمل وزيادة التفهم لها، وقد ثبت حديث أبي ذرّ رضي الله عنه قال: «قام النبيّ صلى الله عليه وسلم بآية يردّدها حتى أصبح». والآية: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أخرجه النسائي وابن ماجة (3).
وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كرر هذه الآية حتى أصبح: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (4).
وعن عبّاد بن حمزة قال: دخلت على أسماء رضي الله عنها وهي تقرأ: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو. فطال--------------------------------------------
(1) التبيان: 79.
(2) باختصار عن البرهان: 1: 452 - 453. وارجع إليه للتوسع فإن مهم.
(3) النسائي في الافتتاح (ترديد الآية): 2: 177 وابن ماجة في إقامة الصلاة (القرآن في صلاة الليل): 1: 429. والآية من سورة المائدة رقم 78.
(4) التبيان: 80، والآية من سورة الجاثية تمامها: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
عليّ ذلك، فذهبت إلى السوق، فقضيت حاجتي، ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو» (1).
والآثار في ذلك عن السلف كثيرة، تكفي الإشارة إليها للذكرى والعبرة.
قراءة النظر وقراءة الحفظ:
القراءة من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر القلب، لأن النظر في المصحف عبادة مطلوبة، قال النووي: لم أر فيه خلافا.
لكن اختار الإمام عز الدين بن عبد السلام، أن القراءة عن ظهر قلب أفضل، لأن المقصود التدبر، والنظر في المصحف يخل بهذا المقصود.
ولما أن التدبر هو المقصود، فينظر القارئ الحال الذي يلائمه فيأخذ به، وقد يكون تغيير إلى من قراءة نظر إلى قراءة حفظ أوفق له، ولو بعض جمل إن كان غير حافظ، فيفعل ذلك.
وهذا هو اختيار النووي: إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبّر والتفكر وجمع القلب أكثر فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن كانا متساويين فمن المصحف أفضل: قال: «وهو مراد السلف» (2).
2 - ترتيل التلاوة:
وهذا مطلب جليل: أمر الله تعالى به، قال تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا.
والترتيل: التنضيد وحسن تناسق الشيء وانتظامه، تقول العرب: ثغر رتل ورتل إذا كان حسن التنضيد (3).
وقد أمر الله تعالى به وَرَتِّلِ وأكده بقوله: تَرْتِيلًا وهو مفعول مطلق مؤكّد، فدل على الوجوب، قال الفخر الرازي: «قوله تعالى: تَرْتِيلًا تأكيد--------------------------------------------
(1) المرجع السابق: والآية من سورة الطور: 27.
(2) الأذكار: 182 وانظر التبيان: 90، والمجموع: 2: 180، والبرهان: 1: 461 - 463، وفيه توسع والإتقان: 1: 304 - 305.
(3) لسان العرب مادة (رتل): 13: 281، وتفسير القرطبي: 19: 36 ومدارك التنزيل للنسفي:
4: 303، وهذا هو مراد من فسر الآية: بين وفصل أي بين الحروف وفصلها عن بعضها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
في إيجاب الأمر به، وأنه مما لا بد منه للقارئ» (1).
واختار غير الرازي أن الأمر للندب، ويؤيده أن الخطاب وقع للنبي صلى الله عليه وسلم لكن يجب الترتيل بمعنى أدائه بمخارجه لقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وغير ذلك من الآيات. وقواعد التجويد هي كلام العرب، فللترتيل حدّ أدنى واجب، وحدّ كمال مستحب.
وحده الأدنى: تبيين الحروف
، وألا يقع فيها تداخل، ولا إخلال بمخارج الحروف أو بواجب التلاوة من إظهار وإدغام ومدّ وغير ذلك، وهذا واجب.
وتمرين المسلم لسانه على ذلك واجب، وله فيه أجران، كما ثبت الحديث الصحيح، وأقل ما في التقصير في ذلك أن يسقط من حسناته بعضها، وينبغي للناس أن يرغبوا في تكثير حسناتهم.
وكمال الترتيل: أن يعطي الأداء حقه التام
، فيمد المدود بكمالها، ويتأنى في القراءة، ويسكت بين النفس والنّفَس، ويراعي الوقوف وهكذا.
وأكمل الترتيل: أن يتوقف على الحروف والمدود
ما لم يخرج إلى التمطيط، ويقرأ القرآن على منازله: فإن كان يقرءا تهديدا لفظ به لفظ المتهدّد، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ على التعظيم، وهكذا (2).
قال الإمام النووي في المجموع شرح المهذب: (3) «واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع ويسمى الهذّ. قالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزءين في قدر ذلك الزمن بلا ترتيل، قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيرا في القلب، ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم معناه.
رفع الصوت بالقراءة:
أما القراءة في الصلاة:
فقد أجمع المسلمون على مشروعية الجهر بالقراءة--------------------------------------------
(1) مفاتيح الغيب: 30: 173.
(2) بتصرف عن البرهان: 1: 449، 450، وفي كلامه تداخل بين المراتب.
(3): 2: 179 وانظر الإتقان: 1: 299، وقارن بالتبيان: 82 - 84.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
في صلاة الصبح والجمعة والعيدين والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، وهو مستحب عندهم فيها للمنفرد، وكذا للإمام عند الجمهور ومنهم الشافعية، وقال الحنفية جهر الإمام بالقراءة فيها واجب، وأما المقتدي: فلا يجهر بالإجماع، بل يسرّ.
ويسرّ الإمام والمنفرد في بقية الصلوات الخمس ونوافل النهار والليل، وقيل: ويجهر في نافلة الليل.
ومعنى الإسرار في القراءات والتكبيرات والأذكار وغير ذلك هو أن يقوله بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السّمع، فإن لم يسمع نفسه لم تصح قراءته ولا غيرها من الأذكار، بلا خلاف (1).
وأما القراءة في غير الصلاة:
فالجهر فيها مستحب، والأحاديث في ذلك كثيرة جدا منها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنّى بالقرآن، يجهر به» متفق عليه (2).
قال الإمام النووي: (3) «وفي إثبات الجهر أحاديث كثيرة. وأما الآثار عن الصحابة والتابعين فأكثر من أن تحصر، وأشهر من ان تذكر».
لكن خالف بعض السلف وفضّلوا الإخفاء على الجهر، ويدل لهم حديث عقبة، به عامر، رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرّ بالقرآن، كالمسرّ بالصدقة» أخرجه الثلاثة وحسّنه الترمذي (4).--------------------------------------------
(1) التبيان: 111 - 112.
(2) البخاري في التوحيد (الماهر بالقرآن): 9: 157، ومسلم (استحباب تحسين الصوت بالقرآن): 2: 192.
(3) التبيان: 96.
(4) أبو داود في الصلاة (رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل): 2: 38، والترمذي في ثواب القرآن: 5: 180، وقال: «حسن غريب» والنسائي: 5: 80.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
فدل على تفضيل الإخفات بالقراءة، لأنه شبهها بصدقة السّرّ، والسّرّ بها أفضل من الإعلان.
لكن يجاب عن هذا بأنه لا إشكال، ولا خلاف في الحقيقة، لأن المراد تفضيل قراءة السرّ لمن خاف على نفسه العجب أو الرياء، أو نحو ذلك، وتفضيل قراءة الجهر لمن أمن
ذلك.
تحسين الصوت بالقرآن:
وهذه سنة، أجمع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على سنية تحسين الصوت بالقرآن (1)، وأدلة ذلك من الأحاديث السابقة ظاهرة، وغيرها كثير، منها: عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» أخرجه الأربعة إلا الترمذي وصححه البخاري (2).
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة، وأخرجه البخاري عن أبي هريرة (3).
والمعنى تحسين الصوت عند القراءة، فإن الكلام الحسن يزيد حسنا وزينة بالصوت الحسن، وبالتالي يزداد نفعه للقلوب لدى القارئ والسامع (4): كما هو معلوم مشاهد.
تلحين قراءة القرآن:
ذهب جمهور من الصحابة ومن بعدهم إلى استحباب تلحين القرآن، وهو--------------------------------------------
(1) التبيان: 98، والإتقان: 1: 302، انظر المجموع: 179، 181.
(2) أبو داود (استحباب الترتيل): 2: 74، والنسائي: (تزيين القرآن بالصوت): 2: 179 - 180 وابن ماجة (حسن الصوت بالقرآن): 1: 426 وعلقه البخاري بصيغة الجزم في التوحيد: 9:
157، وهو حكم بصحته.
(3) المسند: 1: 172، 175، 179، وأبو داود في الموضع السابق وابن ماجة: 1/ 424، والبخاري في التوحيد: (باب قول الله وأسروا قولكم … ) 9: 153.
(4) وليس معناها أن القرآن بحاجة إلى تزيين كما رأى بعض العلماء. انظر حاشية السندي على سنن النسائي: 2: 179.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
مذهب الحنفية والشافعية، وذهب جماعة من السلف إلى منعه، وهو مذهب المالكية والحنبلية (1).
واستدل الجمهور بما سبق من الأحاديث في رفع الصوت وفي تحسينه، وهي صريحة في المراد، مثل قوله: «ما أذن الله لنبي يتغنّى بالقرآن»، و «زينوا القرآن بأصواتكم» و «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن». وغير ذلك.
واستدل المانعون بأدلة من القرآن والسنة والعقل والقياس.
أما القرآن فقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ والتلحين باطل، لأنه يؤدي إلى تغيير الكلام.
واستدلوا من السنة بأحاديث فيها ضعف، ومنها ضعفه شديد جدا.
واستدلوا من القياس بأن التلحين يخرج الكلام عن أصله، ويزيد فيه المد ولو غير ممدود، ويجعل الحرف الواحد حروفا والمد مدودا، والألف ألفات، أو يقصر ما هو ممدود، وغير ذلك مما يحتاجه التطريب، وكل ذلك لا يجوز (2).
وأجابوا عن أدلة الجمهور بأن المراد بتغني النبي صلى الله عليه وسلم تحسين صوته ورفعه، لا التلحين، وأن معنى «يتغنى بالقرآن»: يستغن. وقالوا: حديث زينوا القرآن بأصواتهم، هذا على القلب، والمراد زينوا أصواتكم بالقرآن، لأن القرآن منبع الخبر والفضائل، فكيف نزينه.
وغير ذلك من أجوبة وتأويلات كثيرة، اخترنا أمثلها، لا نطيل بإيرادها (3).
ونرى أنه لا خلاف في الحقيقة فقد أراد المجوزون التلحين الذي لا يخرج--------------------------------------------
(1) كذلك عزا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 1: 10 - 11 وتفسير آيات الأحكام بإشراف فضيلة الأستاذ الشيخ محمد علي السائس: 4: 192 - 193. وكأنه اختصر بحث القرطبي قارنه بتفسير آيات الأحكام: 4: 192 - 196.
(2) الجامع لأحكام القرآن: 1/ 16.
(3) انظرها مفصلة في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي مع جمع أدلة الكل: 1/ 12 - 16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)