فصل(1)
ومن هذا الباب الحيلة السُّريجية(2) التي حدثت في الإسلام بعد المائة الثالثة، وهي تمنع الرجل من القدرة على الطلاق البتة، بل تسدُّ عليه باب الطلاق بكل وجه، فلا يبقى له سبيل إلى التخلُّص منها، ولا يمكنه مخالعتُها عند من يجعل الخلع طلاقًا، وهي نظير سدِّ الإنسان على نفسه بابَ النكاح بقوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فهذا لو صح تعليقه لم يمكنه في الإسلام أن يتزوج امرأةً ما عاش، وذلك لو صح شرعه لم يمكنه أن يطلق امرأة أبدًا.
وصورة هذه الحيلة أن يقول: كلّما طلقتُك ــ أو كلما وقع عليك طلاقي ــ فأنتِ طالق قبله ثلاثًا، قالوا: [84/ب] فلا يتصور وقوع الطلاق بعد ذلك؛ إذ(3) لو وقع لزم وقوع ما عُلِّق به وهو الثلاث، وإذا وقعت الثلاث امتنع وقوع هذا المنجَّز، فوقوعه يفضي إلى عدم وقوعه، وما أفضى وجوده إلى عدم وجوده لم يوجد. هذا اختيار أبي العباس ابن سُرَيج، ووافقه عليه جماعة من أصحاب الشافعي، وأبى ذلك جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والحنبلية وكثير من الشافعية. ثم اختلفوا في وجه إبطال هذا التعليق:
فقال الأكثرون: هذا التعليق لغو وباطل من القول؛ فإنه يتضمن المحال، وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، وهذا محال، فما(4) تضمَّنه فهو باطل من--------------------------------------------
(1) من هنا بداية نسخة ك.
(2) ك: «الشرعية»، تحريف.
(3) ك: «إذا»، خطأ.
(4) ك: «فيما»، خطأ.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 178)
القول، فهو بمنزلة قوله: إذا وقع(1) عليك طلاقي لم يقع، وإذا طلَّقتك لم يقع عليك طلاقي، ونحو هذا من الكلام الباطل، بل قوله: «إذا وقع عليك طلاقي فأنتِ طالق قبله ثلاثًا» أدخَلُ في الإحالة والتناقض؛ فإنه في الكلام الأول جعل وقوع الطلاق مانعًا من وقوعه مع قيام الطلاق، وهنا جعل وقوعه مانعًا من وقوعه مع زيادة محالٍ عقلًا وعادةً، فالمتكلم به يتكلم بالمحال قاصدًا(2) للمحال، فوجود هذا التعليق وعدمه سواء، فإذا طلَّقها بعد ذلك نفذ طلاقه ولم يمنع منه مانع. وهذا اختيار أبي الوفاء(3) ابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد وأبي العباس ابن القاصّ من أصحاب الشافعي.
وقالت فرقة أخرى: بل المحال إنما جاء من تعليق الثلاث على المنجَّز، وهذا محال أن يقع المنجَّز ويقع جميع ما عُلِّق به؛ فالصواب أن يقع المنجَّز وتمام الثلاث من المعلّق، وهذا اختيار القاضي وأبي بكر وبعض الشافعية ومذهب أبي حنيفة. والذين منعوا وقوع الطلاق جملةً قالوا: هو ظاهر كلام الشافعي، فهذا تلخيص الأقوال في هذا التعليق.
قال المصححون للتعليق: صدر من هذا الزوج طلاقان منجَّز ومعلَّق، والمحلُّ قابل، وهو ممن يملك التنجيز والتعليق(4)، والجمع بينهما ممتنع، ولا مزيةَ لأحدهما على الآخر، فتمانعا وتساقطا، وبقيت الزوجية بحالها، وصار كما لو تزوج أختين في عقد واحد فإنه يبطل نكاحهما لهذا الدليل بعينه.--------------------------------------------
(1) «إذا وقع» ساقطة من ك.
(2) ز: «قاصد».
(3) «أبي الوفاء» ساقطة من ك.
(4) «والتعليق» ساقطة من ك.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 179)
وكذلك إذا أعتق أمته في مرض موته، وزوجُها عبد، ولم يدخل بها، وقيمتها مائة، ومهرها مائة، وباقي التركة مائة= لم يثبت لها الخيار؛ لأن إثبات الخيار يقتضي سقوط المهر، وسقوط المهر يقتضي نفي الخيار، والجمع بينهما لا يمكن، وليس أحدهما أولى من الآخر، لأن طريق ثبوتهما الشرع، فأبقينا النكاح ورفضنا الخيار ولم يسقط المهر، وكل ما أفضى(1) وقوعه إلى عدم وقوعه فهذه سبيله.
ومثاله في الحس إذا تشاحَّ اثنان في دخول دار، وهما سواء في القوة، وليس لأحدهما على الآخر مزيةٌ توجب تقديمه؛ فإنهما يتمانعان فلا يدخل واحد منهما. وهذا مشتقٌّ من دليل التمانع على التوحيد، وهو أنه يستحيل أن يكون للعالم فاعلان مستقلان بالفعل؛ فإن استقلال كل منهما ينفي استقلال الآخر، فاستقلالهما يمنع استقلالهما، ووِزانُه في هذه المسألة أن [85/أ] وقوعهما يمنع وقوعهما.
قالوا: وغاية ما في الباب استلزام(2) هذا التعليق لدور حكمي يمنع وقوع المعلَّق والمنجَّز، ونحن نريكم من مسائل(3) الدور التي يُفضي وقوعها إلى عدم وقوعها كثيرًا: منها(4) ما ذكرناه.
ومنها: ما لو وُجِد من أحدهما ريحٌ، وشكَّ كل واحد منهما هل هي منه أو من صاحبه= لم يجز اقتداء أحدهما بالآخر؛ لأن اقتداءه به يُبطل اقتداءه.--------------------------------------------
(1) ك: «اقتضى»، خطأ.
(2) ك: «استلزم».
(3) ك: «المسائل».
(4) ك: «فمنها».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 180)
وكذلك لو كان معهما إناآن أحدهما نجس، فأدَّى اجتهاد كل منهما إلى إناء= لم تجز القدوة بينهما؛ لأنها تُفضي إلى إبطال القدوة. وكذلك إذا اجتهدا في الثوبين والمكانين.
ومنها: لو زوَّج عبدَه حرة وضمِن السيد مهرها ثم باعَها زوجَها قبل الدخول فمَهَرها(1) = فالبيع باطل؛ لأن صحته تؤدّي إلى فساده، إذ لو صح لبطل النكاح؛ لأنها إذا ملكت زوجَها بطل نكاحها، وإذا بطل سقط مهرها؛ لأن الفرقة من جهتها، وإذا سقط مهرها ــ وهو الثمن ــ بطل البيع والعتق البتةَ، بل إما أن يصح البيع ولا يقع العتق إذ لو وقع العتق لبطل البيع، وإذا بطل بطل العتق؛ فوقوعه يؤدِّي إلى عدم وقوعه، وهذا قول المزني. وقال ابن سُريج: لا يصح بيعه؛ لأنه لو صح لوقع العتق قبله، ووقوع العتق قبله يمنع صحة البيع، فصحة البيع تمنع صحته.
وكذلك لو قال له: «إذا رهنتُك فأنت حرٌّ قبله بساعة».
وكذلك لو قال لعبيده ولا مال له سواهم وقد أفلس: «إن حجَرَ الحاكم عليَّ فأنتم أحرار قبل الحجرِ بيوم» لم يصح الحجر؛ لأن صحته تمنع صحته.
ومثله لو قال لعبده: «متى صالحتُ عليك فأنت حرٌّ قبل الصلح»، ومثله لو قال لامرأته: «إن صالحتُ فلانًا وأنتِ امرأتي فأنتِ طالق قبله بساعة» لم يصح الصلح؛ لأن صحته تمنع صحته.--------------------------------------------
(1) كذا في النسختين ز، د، وهو صواب، والمعنى: باع السيدُ الزوجَ (العبد) للحرة قبل الدخول وأعطاها مهرَها. وفي هامش د: «بمهرها». وفي المطبوع: «بها».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 181)
ومثله لو قال لعبده: «متى ضمِنتُ عنك صداقَ امرأتك فأنت حرٌّ قبله إن كنت في حال الضمان مملوكي» ثم ضمِنَ عنه الصداق= لم يصح؛ لأنه لو صح لعتق(1) قبله، وإذا عتق قبله لم يصادف الضمان شرطه، وهو كونه مملوكه وقت الضمان. وكذلك لا يقع العتق؛ لأن وقوعه يؤدِّي إلى أن لا يصح الضمان عنه، وإذا لم يصح الضمان عنه(2) لم يصح العتق، فكلٌّ من الضمان والعتق تؤدّي صحته إلى بطلانه؛ فلا يصح واحد منهما.
ومثله ما لو قال: «إن شاركني في هذا العبد شريكٌ فهو حرٌّ قبلَه بساعة» لم تصح الشركة فيه بعد ذلك؛ لأنها لو صحت لعتق العبد وبطلت الشركة، فصحتها تُفضي إلى بطلانها.
ومثله لو قال: «إن وكَّلتُ إنسانًا ببيع هذا العبد أو رَهْنه أو هبته وكالة صحيحة فهو قبلها بساعةٍ حرٌّ» لم تصح الوكالة؛ لأن صحتها تؤدي إلى بطلانها.
ومثله لو قال لامرأته: «إن وكَّلتُ وكيلًا في طلاقك فأنتِ طالق قبله أو معه(3) ثلاثًا» لم يصح توكيله في طلاقها؛ إذ لو صحت الوكالة لطلِّقت في حال الوكالة أو قبلها، فتبطل الوكالة، فصحتها تؤدّي إلى بطلانها.
وكذلك لو خلَّف الميت ابنًا، فأقرّ بابنٍ آخر للميت، فقال المُقَرُّ به: «أنا ابنه، وأما أنت فلستَ بابنه» لم يُقبل إنكار المقر به؛ لأن قبول قوله يبطل قوله،--------------------------------------------
(1) ك: «العتق»، خطأ.
(2) «عنه» ساقطة من ك.
(3) ك: «ومعه».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 182)
ومن هاهنا قال الشافعي: لو ترك أخًا لأب وأم فأقر [85/ب] الأخ بابنٍ للميت ثبت نسبه ولم يرث؛ لأنه لو ورث لخرج المقرُّ عن أن يكون وارثًا، وإذا لم يكن وارثًا لم يُقبل إقراره بوارث آخر، فتوريث الابن يُفضي إلى عدم توريثه.
ونازعه الجمهور في ذلك، وقالوا: إذا ثبت نسبه ترتّب عليه أحكام النسب، ومنها الميراث، ولا يُفضي توريثه إلى عدم توريثه؛ لأنه بمجرد الإقرار ثبت النسب وترتَّب عليه الميراث، والأخ كان وارثًا في الظاهر، فحين أقرَّ كان هو كل الورثة، وإنما خرج عن الميراث بعد الإقرار وثبوت النسب؛ فلم يكن توريث الابن مُبطِلًا(1) لكون المقرّ وارثًا حين الإقرار، وإن بطل كونه وارثًا بعد الإقرار وثبوت النسب. وأيضًا فالميراث تابع لثبوت النسب، والتابع أضعف من المتبوع، فإذا ثبت المتبوع الأقوى فالتابع أولى. ألا ترى أن النساء تُقبل شهادتهن منفرداتٍ في الولادة ثم في النسب، ونظائر ذلك كثيرة.
ومن المسائل التي يُفضي ثبوتُها إلى إبطالها: لو أعتقت المرأة في مرضها عبدًا فتزوجها، وقيمته تخرج من الثلث، صحَّ النكاح ولا ميراث له؛ إذ لو ورثها لبطل تبرُّعها له بالعتق؛ لأنه يكون تبرعًا لوارث، وإذا بطل العتق بطل النكاح، وإذا بطل بطل الميراث، وكان توريثه يؤدّي إلى إبطال توريثه. وهذا على(2) أصل الشافعي.
وأما على قول الجمهور فلا يبطل ميراثه ولا عتقه ولا نكاحه؛ لأنه حينَ العتق لم يكن وارثًا، فالتبرع نزل في غير وارث، والعتق المنجَّز يتنجَّز من--------------------------------------------
(1) ك: «مبطلة».
(2) ك: «وعلى هذا».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 183)
حينه، ثم صار وارثًا بعد ثبوت عتقه، وذلك لا يضره شيئًا.
ومن ذلك لو أوصى له بابنه، فمات قبل قبول الوصية، وخلَّف إخوة لأبيه(1)، فقبلوا الوصية، عَتَقَ على الموصى له ولم يصح ميراثه منه؛ إذ لو ورث لأسقط ميراث الإخوة، وإذا سقط ميراثهم بطل قبولهم للوصية، فيبطل عتقه، لأنه مرتّب على القبول، وكان توريثه مُفضِيًا إلى عدم توريثه.
والصواب قول الجمهور أنه يرث، ولا دورَ؛ لأن العتق حصل حال القبول وهم ورثة، ثم ترتَّب على العتق تابِعُه وهو الميراث، وذلك بعد القبول، فلم يكن الميراث مع القبول ليلزم الدور، وإنما ترتَّب على القبول العتق وعلى العتق الميراث؛ فهو مترتّب عليه بدرجتين.
ومن المسائل التي يُفضي ثبوتها إلى بطلانها: لو زوَّج عبدَه امرأةً وجعل رقبته صداقها لم يصح؛ إذ لو صح لملكَتْه وانفسخ النكاح.
ومنها: لو قال لأمته: «متى أكرهتُكِ فأنتِ حرَّة حالَ النكاح(2) أو قبله» فأكرهها على النكاح لم يصح؛ إذ لو صح النكاح عتقت، ولو عتقت بطل إكراهها، فيبطل نكاحها.
ومنها: لو قال لامرأته قبل الدخول: «متى استقرَّ مهرك عليَّ فأنتِ طالق قبله ثلاثًا» ثم وطئها لم يستقرَّ مهرها بالوطء؛ لأنه لو استقر لبطل النكاح قبله، ولو بطل النكاح قبله لكان المستقرُّ نصف المهر لا جميعه؛ فاستقراره يؤدّي إلى بطلان استقراره. هذا على قول ابن سُرَيج، وأما على قول المزني--------------------------------------------
(1) ك: «وحلف أخوه لابنه»، تحريف.
(2) د: «النكال»، تحريف.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 184)
فإنه يستقر المهر بالوطء، ولا يقع الطلاق؛ لأنه معلَّق على صفة تقتضي [86/أ] حكمًا مستحيلًا.
فصل
ومن المسائل التي يؤدِّي ثبوتها إلى نفيها: لو(1) قال لامرأته: «إن لم أطلِّقك اليوم فأنتِ طالق اليوم» ومضى اليوم ولم يطلِّقها لم تطلَّق؛ إذ لو طلِّقت بمضيِّ اليوم لكان طلاقها مستندًا إلى وجود الصفة وهي عدم طلاقها اليوم، وإذا مضى اليوم ولم يطلِّقها لم يقع الطلاق المعلَّق باليوم.
ومنها: لو(2) تزوج أمة ثم قال لها: «إن مات مولاكِ وورثتكِ فأنتِ طالق» أو قال: «إن ملكتكِ فأنتِ طالق» ثم ورثها أو ملكها بغير إرث لا يقع الطلاق؛ إذ لو وقع لم تكن الزوجة في حال وقوعه مِلكًا له؛ لاستحالة وقوع الطلاق في ملكه، فكان وقوعه مفضيًا إلى عدم وقوعه.
ومنها: لو كان العبد بين موسرين فقال كل منهما لصاحبه: «متى أعتقتَ نصيبك فنصيبي حرٌّ قبل ذلك» فأعتق أحدهما نصيبه= لم ينفذ عتقه؛ لأنه لو نفذ لوجب عتق نصيب صاحبه قبله، وذلك يوجب السراية إلى نصيبه، فلا يصادف(3) إعتاقه محلًّا، فنفوذ عتقه يؤدِّي إلى عدم نفوذه.
والصواب في هذه المسألة بطلان هذا التعليق لتضمُّنه المحالَ، وأيهما عَتَقَ نصيبه صحَّ وسرى إلى نصيب شريكه.--------------------------------------------
(1) «لو» ساقطة من ك.
(2) ك: «ما لو».
(3) ك: «يصادق»، تحريف.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 185)
ومنها: لو قال لعبده: «إن دبَّرتُك فأنت حرٌّ قبله» ثم دبَّره صح التدبير ولم يقع العتق؛ لأن وقوعه يمنع صحة التدبير، وعدم صحته يمنع وقوع العتق، وكانت صحته تفضي إلى بطلانه. هذا على قول المزني، وعلى قول ابن سُريج لا يصح التدبير؛ لأنه لو صح لوقع العتق قبله، وذلك يمنع التدبير، وكان وقوعه يمنع وقوعه.
ونظيره أن يقول لمدبَّره: «متى أبطلتَ تدبيرك فأنت حرٌّ قبله» ثم أبطله بطل ولم يقع(1) العتق على قول المزني؛ إذ لو وقع لم يصادف(2) إبطالُ التدبير محلًّا. وعلى قول ابن سُريج لا يصح إبطال التدبير(3)؛ لأنه لو صح إبطاله لوقع(4) العتق، ولو وقع العتق لم يصح إبطال التدبير.
ومثله لو قال لمدبَّره: «إن بعتك فأنت حرٌّ قبله». ومثله لو قال لعبده: «إن كاتبتك غدًا فأنت اليوم حرٌّ» ثم كاتَبَه من الغد. ومثله لو قال لمكاتَبه: «إن عجَّزتُك عن كتابتك فأنت حرٌّ قبله».
ومثله لو قال: «متى زنيتَ أو سرقتَ أو وجب عليك حدٌّ وأنت مملوك فأنت حرٌّ قبله» ثم وجد الوصف= وجب الحد ولم يقع العتق المعلَّق به؛ إذ لو وقع لم توجد الصفة، فلم يصح، وكان مستلزمًا لعدم وقوعه.
ومثله أن يقول له: «متى جنيتَ جناية وأنت مملوكي فأنت حرٌّ قبله» ثم جَنَى لم يعتق.--------------------------------------------
(1) ك: «لم يمنع».
(2) ك: «لم يصادق».
(3) ك: «للتدبير».
(4) ك: «وقع».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 186)
ومثله لو قال: «متى بعتك وتمَّ البيع فأنت حرٌّ قبله»(1) ثم باعه، فعلى قول المزني يصح البيع ولا يقع العتق؛ لأن وقوعه مستلزمٌ عدم وقوعه، وعلى قول ابن سُريج لا يصح البيع؛ لأنه(2) يعتق قبله، وعتقه يمنع صحة بيعه.
ومثله لو قال لأمته: «إن صلَّيتِ ركعتين مكشوفة الرأس فأنتِ حرَّة قبل ذلك» فصلَّت مكشوفة الرأس، فعلى(3) قول المزني تصح الصلاة دون العتق، وعلى قول ابن سُريج لا تصح الصلاة لأنها لو صحت عتقت [86/ب] قبل ذلك، وإذا عتقت بطلت صلاتها، وكانت صحة صلاتها مستلزمةً لبطلانها.
ومنها: لو زوَّج أمته بحرٍّ، وادعى عليه مهرها قبل الدخول، وادعى الزوج الإعسار، وادعى سيد الأَمة يساره قبل نكاح الأمة بميراث أو غيره= لم تُسمع دعواه؛ إذ لو ثبتت دعواه لبطل النكاح؛ لأنه لا يصح نكاح الأمة مع وجود الطَّول، وإذا بطل النكاح بطل دعوى المهر.
وكذلك لو تزوج بأمة فادَّعت أن الزوج عنِّين لم تُسمع دعواها؛ إذ لو ثبتت دعواها لزال(4) خوف العَنَت الذي هو شرط في نكاح الأمة، وذلك يبطل النكاح، وبطلانه يوجب بطلان الدعوى منها، فلما كانت صحة دعواها تؤدِّي إلى إفسادها أفسدناها.--------------------------------------------
(1) «ثم جنى … قبله» ساقطة من ك.
(2) «لأنه» ليست في ك.
(3) ك: «نعلم»، تحريف.
(4) ز: «لزوال» خطأ.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 187)
وكذلك المرأة إذا ادَّعت على سيد زوجها أنه باعه إياها بمهرها قبل الدخول لم تصح دعواها؛ لأنها لو صحت لسقط نصف(1) المهر وبطل البيع في العبد.
وكذلك لو شهد شاهدان على عتق عبد فحكم بعتقه، ثم ادعى العبد بعد الحكم بحريته على أحد الشاهدين أنه مملوكه= لم تُسمع دعواه؛ لأن تحقيقها يؤدّي إلى بطلان الشهادة على العتق، فتبطل دعوى ملكه للشاهد.
وكذلك لو سُبِي مراهقٌ من أهل الحرب ولم يعلم بلوغه، فأنكر البلوغ= لم يُستحلف؛ لأن إحلافه يؤدّي إلى إبطال استحلافه، فإنا لو حلّفناه لحكمنا بصغره، والحكم بالصغر يمنع الاستحلاف.
ونظيره: لو ادعى على امرئ(2) مراهق ما يوجب القصاص أو قذفًا يوجب الحد أو مالًا من مبايعة أو ضمان أو غير ذلك(3)، وادعى أنه بالغ، وأنه يلزمه الحكم بذلك فأنكر الغلام ذلك= فالقول قوله، ولا يمينَ عليه؛ إذ لو حلَّفناه لحكمنا بصغره، والحكم بالصغر يُسقط اليمين عنه، وإذا لم يكن هنا يمينٌ لم يكن ردُّ يمين؛ لأن ردَّ اليمين إنما يكون عند نكول من هو من أهلها.
وكذلك لو أعتق المريض جارية له قيمتها مائة، وتزوَّج بها في مرض موته،--------------------------------------------
(1) «نصف» ليست في ك.
(2) في النسختين ز، د: «امر». وفي ك: «ام». ولعل الصواب ما أثبته. وحُذفت الكلمة من المطبوع.
(3) ز: «غيره».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 188)
ومهرها مائة، وترك مائتي درهم= فالنكاح صحيح، ولا مهرَ لها، ولا ميراثَ. أما الميراث فلأنها لو ورثت(1) لبطلت الوصية بعتقها؛ لأن العتق في المرض وصية، وفي بطلان الوصية بطلان الحرية، وفيه بطلان الميراث. وأما سقوط المهر فلأنه لو ثبت لركب السيدَ دينٌ، ولم تخرج قيمتها من الثلث، فيبطل عتقها كلها، فلم يكن للزوج أن ينكحها وبعضها رقيق، فيبطل المهر، فكان ثبوت المهر مؤدّيًا إلى بطلانه. فالحكم بإبطالها مستفاد من قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92]، فعيَّر سبحانه من نقض شيئًا بعد أن أثبته؛ فدلَّ على أن(2) كل ما كان إثباته مؤديًا إلى نفيه وإبطاله كان باطلًا. فهذا ما احتج به المسرِّجون(3).
قال الآخرون(4): لقد أطلتم الخَطْب في هذه المسألة، ولم تأتوا بطائل، وقلتم ولكن(5) تركتم مقالًا لقائل، وتأبى قواعد اللغة والشرع(6) والعقل لهذه المسائل تصحيحًا، والميزان العادل لها عند الوزن ترجيحًا، وهيهات أن تكون شريعتنا في هذه المسألة مشابهة لشريعة(7) أهل الكتاب؛ إذ--------------------------------------------
(1) ك: «لورثت».
(2) ز، ك: «أنه».
(3) كذا في النسختين، وهو صواب، والمعنى: أتباع ابن سُرَيج. وفي المطبوع: «السُّريجيون».
(4) أي المانعون للتعليق.
(5) ك: «ولكنكم».
(6) ك: «الشرع واللغة».
(7) ز، ك: «لشرع».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 189)
يستحيل وقوع الطلاق وسُدَّ دونه الأبواب. [87/أ] وهل هذا إلا تغييرٌ لما عُلِم(1) بالضرورة من الشريعة، وإلزامٌ لها بالأقوال الشنيعة؟ وهذا أشنعُ مِن سدِّ باب(2) النكاح بتصحيح تعليق الطلاق لكل من تزوَّجها في مدة عمره؛ فإنه وإن كان نظيرَ سدِّ باب الطلاق، لكن قد ذهب إليه بعض السلف، وأما هذه المسألة فمما(3) حدث في الإسلام بعد انقراض الأعصار المفضَّلة.
ونحن نبيِّن مناقضة هذه المسألة للشرع واللغة والعقل، ثم نجيب عن شُبَهِكم شبهة شبهة.
أما مناقضتها للشرع فإن الله سبحانه شرع للأزواج - إذا أرادوا استبدال زوجٍ مكانَ زوج والتخلُّص(4) من المرأة - الطلاقَ، وجعله بحكمته ثلاثًا توسعةً على الزوج(5)؛ إذ لعله يبدو له ويندم(6) فيراجعها، وهذا من تمام حكمته ورأفته ورحمته بهذه الأمة، ولم يجعل أنكحتهم كأنكحة النصارى تكون المرأة غُلًّا في عنق الزوج إلى الموت. ولا يخفى ما بين الشريعتين من التفاوت، وأن هذه المسألة منافية لإحداهما منافاةً ظاهرة، ومشتقة من الأخرى اشتقاقًا ظاهرًا، ويكفي هذا الوجه وحده في إبطالها.
وأما مناقضتها للغة فإنها تضمَّنت كلامًا ينقض بعضه بعضًا، ومضمونه:--------------------------------------------
(1) في النسخ الثلاث: «علم الله».
(2) ك: «باب سد».
(3) ك: «فيما».
(4) د، ك: «أو التخلص».
(5) د: «للزوج».
(6) «ديندم» ساقطة من ك.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 190)
إذا وُجِد الشيء لم يوجد، وإذا وُجِد الشيء اليوم فهو موجود قبل اليوم، أو إذا(1) فعلتُ الشيء اليوم فقد وقع مني قبل اليوم، ونحو هذا من الكلام المتناقض في نفسه الذي هو إلى المحال أقرب منه إلى الصحيح من المقال.
وأما مناقضتها لقضايا العقول فلأن الشرط يستحيل أن يتأخَّر وجوده عن وجود المشروط، ويتقدم المشروط عليه في الوجود، هذا مما لا يُعقل عند أحد من العقلاء؛ فإن رتبة الشرط التقدُّم أو المقارنة، والفقهاء وسائر العقلاء معهم مجمعون على ذلك؛ فلو صح تعليق المشروط بشرط متأخر بعده لكان ذلك إخراجًا له عن كونه شرطًا أو جزءَ شرطٍ أو علةً أو سببًا؛ فإن الحكم لا يسبق شرطَه ولا سببَه ولا علّته؛ إذ في ذلك إخراج الشروط والأسباب والعلل عن حقائقها وأحكامها. ولو جاز تقديم الحكم على شرطه لجاز تقديم وقوع الطلاق على إيقاعه؛ فإن الإيقاع سبب، والأسباب تتقدم مسبَّباتِها، كما أن الشروط رتبتُها التقدّم؛ فإذا جاز إخراج هذا عن رتبته جاز إخراج الآخر عن رتبته، فجوَّزوا حينئذٍ تقدُّمَ الطلاق على التطليق، والعتق على الإعتاق، والمِلك على البيع، وحِلّ المنكوحة على عقد النكاح. وهل هذا في الشرعيات إلا بمنزلة تقدُّم الانكسار على الكسر، والسيل على المطر، والشِّبع على الأكل، والولد على الوطء، وأمثال ذلك؟ ولا سيما على أصلِ من يجعل هذه العلل والأسباب علاماتٍ محضة لا تأثيرَ لها، بل هي معرِّفات، والمعرِّف يجوز تأخُّره عن المعرَّف.
وبهذا يخرج الجواب عن قولكم: «إن الشروط الشرعية معرِّفات--------------------------------------------
(1) ك: «وإذا».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 191)
وأمارات وعلامات، والعلامة يجوز تأخُّرها»؛ فإن هذا وهم وإيهام من وجهين:
أحدهما: أن الفقهاء [87/ب] مجمعون على أن الشرائط الشرعية لا يجوز تأخُّرها عن المشروط، ولو تأخَّرت لم تكن شروطًا(1).
الثاني: أن هذا شرط لغوي، كقوله: «إن كلَّمتُ زيدًا فأنتِ طالق» ونحو ذلك(2)، و «إن خرجتِ بغير إذني فأنتِ طالق» ونحو ذلك، والشروط اللغوية أسباب وعلل مقتضية لأحكامها اقتضاءَ المسبَّبات لأسبابها. ألا ترى أن قوله: «إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق» سبب ومسبَّب ومؤثِّر وأثر، ولهذا يقع جوابًا عن العلة، فإذا قال: «لِمَ طلقها؟(3)» قال: لوجود الشرط الذي علَّقتُ عليه الطلاق، فلولا أن وجوده مؤثّر في الإيقاع لما صح هذا الجواب. ولهذا يصح أن يخرجه بصيغة القسم فيقول: «الطلاق يلزمني لا تدخلين الدار»؛ فيجعل إلزامه للطلاق في المستقبل مسببًا عن دخولها الدارَ بالقسم والشرط.
وقد غلِطَ في هذا طائفة من الناس حيث قسموا الشرطَ إلى شرعي ولغوي(4) وعقلي، ثم حكموا عليه بحكم شامل فقالوا: الشرط يجب تقديمه على المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط، ويلزم من انتفائه انتفاء المشروط، كالطهارة للصلاة والحياة للعلم. ثم أوردوا على--------------------------------------------
(1) ك: «لم يكن شرطًا».
(2) «ونحو ذلك» ليست في ز.
(3) د: «لم أطلقها».
(4) ك: «لغوي وشرعي».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 192)
نفوسهم الشرط اللغوي؛ فإنه يلزم من وجوده وجود المشروط، ولا يلزم من انتفائه انتفاؤه؛ لجواز وقوعه بسبب آخر، ولم يُجيبوا(1) عن هذا الإيراد بطائل.
والتحقيق أن الشروط اللغوية أسباب عقلية، والسبب إذا تمَّ لزم من وجوده وجود مسبَّبِه، وإذا انتفى لم يلزم نفي السبب(2) مطلقًا؛ لجواز خلف(3) سببٍ آخر، بل يلزم انتفاء السبب المعيَّن عن هذا المسبَّب(4).
وأما قولكم: «إنه صدر من هذا الزوج طلاقانِ منجَّز ومعلَّق، والمحلُّ قابل لهما»، فجوابه بالمنع، فإن المحلّ ليس بقابل للمعلَّق؛ فإنه يتضمن المحال، والمحلّ لا يقبل المُحال، نعم هو قابل للمنجَّز وحده، فلا مانع من وقوعه. وكيف تصح دعواكم أن المحلَّ قابل للمعلَّق، ومُنازعكم إنما نازعكم فيه، وقال: ليس المحلُّ بقابلٍ للمعلَّق؟ فجعلتم نفس الدعوى مقدمةً في الدليل.
وقولكم: «إن الزوج ممن يملك التنجيز والتعليق»، جوابه أنه إنما ملكَ(5) التعليق الممكن، فأما التعليق المستحيل فلم يملكه شرعًا ولا عرفًا ولا عادةً.--------------------------------------------
(1) ك: «ولم يخرجوا».
(2) كذا في النسختين، والمعنى: إذا انتفى وجودُ المسبَّب لم يلزم نفي السَّبب مطلقًا. وفي المطبوع: «المسبب».
(3) «خلف» ساقطة من ك.
(4) ك: «السبب».
(5) ز: «يملك». والمثبت من د، ك.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 193)
وقولكم: «لا مزيةَ لأحدهما على الآخر» باطل، بل المزية كل المزية لأحدهما على الآخر(1)؛ فإن المنجَّز له مزية الإمكان في نفسه، والمعلَّق له مزية الاستحالة والامتناع، فلم يتمانعا ولم يتساقطا، فلم يمنع من وقوع المنجَّز مانعٌ.
وقولكم: «إنه نظيرُ ما لو تزوَّج أختين(2) في عقد»، جوابه أنه تنظير باطل؛ فإنه ليس نكاح إحداهما شرطًا في نكاح الأخرى، بخلاف مسألتنا، فإن المنجَّز شرط في وقوع المعلَّق، وذلك عين المحال.
وقولكم: «إنه لا مزيةَ لأحد الطلاقين على الآخر» باطل، بل للمنجَّز مزية من عدة أوجه:
أحدها: قوة التنجيز على التعليق.
الثاني: أن التنجيز لا خلافَ في وقوع الطلاق به، وأما التعليق ففيه نزاع مشهور بين الفقهاء. والموقعون لم يقيموا على المانعين حجةً توجب المصير [89/أ] إليها، مع تناقضهم فيما يقبل التعليق وما لا يقبله، فمنازعوهم يقولون: الطلاق لا يقبل التعليق كما قلتم أنتم في الإسقاط والوقف والنكاح والبيع، ولم يفرِّق هؤلاء بفرق صحيح، وليس الغرض ذكر تناقضهم، بل الغرض أن للمنجَّز مزية على المعلَّق.
الثالث: أن المشروط هو المقصود لذاته، والشرط تابع ووسيلة.
الرابع: أن المنجَّز لا مانع من وقوعه لأهلية الفاعل وقبول المحلّ،--------------------------------------------
(1) «باطل … الآخر» ساقطة من ك بسبب انتقال النظر.
(2) «أختين» ساقطة من ك.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 194)
والتعليق المحال لا يصلح أن يكون مانعًا من اقتضاء السبب الصحيح أثره.
الخامس: أن صحة التعليق فرع على مِلك التنجيز، فإذا انتفى ملكه للمنجَّز في هذه المسألة انتفى صحة التعليق، فصحة التعليق تمنع من صحته، وهذه معارضة صحيحة في أصل المسألة فتأمّلْها.
السادس: أنه لو قال في مرضه: «إذا أعتقتُ سالمًا فغانمٌ حرٌّ» ثم أعتق سالمًا ولا يخرجان من الثلث، قدِّم عتق المنجَّز على المعلَّق لقوته.
يوضحه الوجه السابع(1): أنه لو قال لغيره: «ادخلِ الدار فإذا دخلتَ أخرجتُك» وهو نظيره في القوة؛ فإذا دخل لم يمكنه إخراجه. وهذا المثال وِزَانُ مسألتنا، فإن المعلَّق هو الإخراج والمنجَّز هو الدخول.
الثامن: أن المنجَّز في حيِّز(2) الإمكان، والمعلَّق قد قارنه ما جعله مستحيلًا.
التاسع: أن(3) وقوع المنجَّز يتوقف على أمر واحد وهو التكلم باللفظ اختيارًا، ووقوع المعلَّق يتوقَّف على التكلمُّ باللفظ ووجودِ الشرط، وما توقف على شيء واحد أقربُ وجودًا مما توقَّف على أمرين.
العاشر: أن وقوع المنجَّز(4) موافق لتصرف الشارع وملك المالك، ووقوع المعلَّق بخلافه؛ لأن الزوج لم يُملِّكه الشارع ذلك.--------------------------------------------
(1) «السابع» ليست في ك.
(2) ك: «حين».
(3) «أن» ليست في ك.
(4) «مما توقف … المنجز» ساقطة من ك.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 195)
فهذه عشرة أوجه تدلُّ على مزية المنجَّز وتُبطِل قولكم إنه لا مزيةَ له، والله أعلم.
فصل
وأما سائر الصور التي ذكرتموها من صور الدور التي يُفضِي ثبوتها إلى إبطالها، فمنها ما هو ممنوع الحكم لا يسلِّمه لكم منازعكم، وإنما هي مسائل مذهبية يُحتجُّ لها لا يُحتجُّ بها، وهم يفكُّون الدور تارة بوقوع الحكمين معًا وعدم إبطال أحدهما للآخر ويجعلونهما معلولَي علةٍ واحدة ولا دورَ، وتارة يسبق أحد الحكمين للآخر سبْقَ السبب لمسبَّبه ثم يرتَّب(1) الآخر عليه.
ومنها ما هو مسلَّم الحكم، وثبوت الشيء فيه يقتضي إبطاله، ولكن هذا حجة لهم في إبطال هذا التعليق؛ فإنه لو صح لأفضى ثبوته إلى بطلانه، فإنه لو صح لزم منه وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، وسبقُها بثلاث يمنع وقوعها، فبطل التعليق من أصله للزوم المحال؛ فهذه الصور التي استشهدتم بها من أقوى حججهم عليكم(2) على بطلان التعليق.
وأدلتكم في هذه المسألة نوعان: أدلة صحيحة وهي إنما تقتضي بطلان التعليق.
وأما الأدلة التي تقتضي بطلان المنجَّز فليس منها دليل صحيح؛ فإنه طلاق صدَرَ من أهله في محلِّه؛ فوجب الحكم بوقوعه؛ أما أهلية المطلِّق--------------------------------------------
(1) ك: «ترتب».
(2) «عليكم» ليست في د.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 196)
فلأنه زوج مكلَّف مختار، وأما محلية المطلقة فلأنها زوجة والنكاح صحيح، فيدخل في قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] وفي سائر نصوص الطلاق؛ [89/ب] إذ لو لم يلحقها طلاق لزم واحد من ثلاثة، وكلها منتفية: إما عدم أهلية المطلِّق، وإما عدم قبول المحلّ، وإما قيام مانعٍ يمنع من نفوذ الطلاق، والمانع مفقود؛ إذ ليس مع مدعي قيامه إلا التعليق المحال الباطل شرعًا وعقلًا، وذلك لا يصلح أن يكون مانعًا.
يوضحه أن المانع من اقتضاء السبب لمسبَّبه إنما هو وصف ثابت يعارض سببيتَه فيوقفها(1) عن اقتضائها(2)، فأما المستحيل فلا يصح أن يكون مانعًا معارضًا للوصف الثابت، وهذا في غاية الوضوح، ولله الحمد.
فصل
قال المسرّجون: لقد ارتقيتم مُرتقًى صعبًا، وأسأتم الظنّ بمن قال بهذه المسألة وهم أئمة علماء لا يُشَقُّ غبارهم، ولا تُغمَز قناتُهم، كيف وقد أخذوها من نصّ الشافعي رحمه الله، وبنوها على أصوله، ونظَّروا لها النظائر، وأتوا لها بالشواهد؟ فنص الشافعي(3) على أنه إذا قال: «أنتِ طالق قبل موتي بشهر» ثم مات لأكثر من شهر بعد هذا التعليق؛ وقع الطلاق قبل موته بشهر. وهذا إيقاع طلاق في زمن ماضٍ سابقٍ لوجود الشرط وهو موته، فإذا وُجد الشرط تبينَّا وقوعَ الطلاق قبله. وإيضاح ذلك بإخراج الكلام مُخرَجَ--------------------------------------------
(1) ك: «فيوقعها»، تحريف.
(2) ك: «امضائها».
(3) انظر: «الأم» (6/ 647).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 197)