Arabic source text

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

📘 أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم (ابن القيم - ت 751 هـ)

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فهذا هو الجواب عن احتجاج المتحيِّلين بقصة يوسف عليه الصلاة والسلام، وقد تبيَّن أنها من أعظم الحجج عليهم، وبالله التوفيق.
فصل
وأما حديث أبي هريرة وأبي سعيد: «بع الجمع بالدراهم ثم ابتَعْ بالدراهم جَنيبًا» فما أصحَّه من حديث، ونحن نتلقّاه بالقبول والتسليم. والكلام معكم فيه في مقامين: أحدهما: إبطال استدلالكم به على جواز الحيل، والثاني: بيان دلالته على نقيض مطلوبكم؛ إذ هذا شأن كل دليل صحيح احتج به محتج على باطل؛ فإنه لا بدَّ أن يكون فيه ما يدل على بطلان قوله ظاهرًا أو إيماءً، مع عدم دلالته على قوله.
فأما المقام الأول(1) فنقول: غاية ما دلَّ الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يبيع سِلعته الأولى بثمن ثم يبتاع بثمنها تمرًا آخر، ومعلوم قطعًا أن ذلك إنما يقتضي البيع الصحيح؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأذن في العقد الباطل؛ فلا بدَّ أن يكون العقد الذي أذن فيه صحيحًا، والشأن كل الشأن في العقد المتنازع فيه؛ فلو سلَّم لكم المنازع صحته لاستغنيتم عن الاستدلال بالحديث، ولا يمكن الاستدلال بالحديث على صحته لأنه ليس بعام؛ فإن قوله: «بع» مطلق لا عام؛ فهذا البيع لو كان صحيحًا متفقًا على صحته لم يكن هناك لفظ عام يحتجُّ به على تناوله له، فكيف وهذا البيع مما قد دلّت السنة الصحيحة وأقوال الصحابة والقياس الصحيح على بطلانه كما تقدم؟ ولو اختلف رجلان في بيع هل هو صحيح أو فاسد، وأراد كل واحد منهما إدخاله في--------------------------------------------
(1) يأتي المقام الثاني بعد 13 صفحة.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 138)

هذا اللفظ؛ لم يُمكِنه ذلك حتى يُثبِت أنه بيع صحيح، ومتى أثبت [75/أ] أنه بيع صحيح لم يحتج إلى الاستدلال بهذا المطلق؛ فتبيَّن أنه لا حجة فيه على صورة من صور النزاع البتةَ.
ونكتة الجواب أن يقال: الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضي البيع الصحيح، ومن سلَّم لكم أن هذه الصورة التي تواطأ فيها البائع والمشتري على الربا، وجعلا السلعة الدخيلة محلِّلًا له غير مقصودة بالبيع= بيع صحيح؟ وإذا كان الحديث ليس فيه عموم، وإنما هو مطلق، والأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمرًا بشيء من صورها؛ لأن الحقيقة مشتركة بين الأفراد، والقدر المشترك ليس هو ما يميَّز به كل واحد من الأفراد عن الآخر، ولا هو مستلزمًا له؛ فلا يكون الأمر بالمشترك أمرًا بالمميّز بحال، وإن كان مستلزمًا لبعض تلك القيود لا بعينه، فيكون عامًّا لها على سبيل البدل، لكن ذلك لا يقتضي العموم للأفراد على سبيل الجمع، وهو المطلق في قوله: «بع هذا الثوب»، لا يقتضي الأمر ببيعه من زيد أو عمرو، ولا بكذا وكذا، ولا بهذه السوق أو هذه؛ فإن اللفظ لا دلالة له(1) على شيء من شيء من ذلك، إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلًا من جهة وجود تلك الحقيقة، لا من جهة وجود(2) تلك القيود. وهذا الأمر لا خلاف فيه، لكن بعض الناس يعتقد أن عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الإجزاء إذا أتى بها إلا بقرينة، وهو خطأ، والصواب أن القيود لا تنافي الأمر ولا تستلزمه، وإن كان لزوم بعضها لزومًا عقليًّا ضرورةَ وقوعِ القدر المشترك في ضمن قيدٍ من تلك القيود.--------------------------------------------
(1) «له» ليست في ز.
(2) «وجود» ليست في ز.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 139)

وإذا تبيَّن هذا فليس في الحديث أمرُه أن يبيع التمر لبائع النوع الآخر ولا لغيره، ولا بحلول ولا بأجل، ولا بنقد البلد ولا بغيره(1)، ولا بثمن المثل أو غيره، وكل هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ، ولو زعم زاعم أن اللفظ يعمُّ هذا كله كان مبطلًا، لكن اللفظ لا يمنع الإجزاء إذا أتى بها، وإنما استفيد عدم الامتثال إذا بيع بدون ثمن المثل أو بثمن مؤجّل أو بغير نقد البلد من العرف الذي ثبت للبيع المطلق. وكذلك ليس في اللفظ ما يدلُّ على أنه يبيعه من البائع بعينه ولا غيره، كما ليس فيه ما يمنعه، بل كل واحد من الطرفين يحتاج إلى دليل خارج عن اللفظ المطلق؛ فما قام الدليل على إباحته أبيح فعله بالدليل الدال على جوازه لا بهذا اللفظ، وما قام الدليل(2) على المنع منه لم يعارض دليل المنع بهذا اللفظ المطلق حتى يطلب الترجيح، بل يكون دليل المنع سالمًا عن المعارضة بهذا، فإن عورض بلفظ عام متناول لإباحته بوضع اللفظ له أو بدليل خاص صحت المعارضة. فتأمَّلْ هذا الموضع الذي كثيرًا ما يَغلَط فيه الناظر والمناظر، وبالله التوفيق.
وقد ظهر بهذا جوابُ من قال: «لو كان الابتياع من المشتري حرامًا لنهى عنه»، فإن مقصوده صلى الله عليه وسلم إنما كان بيان الطريق التي بها يحصل اشتراء التمر الجيد لمن عنده رديء، وهو أن يبيع الرديء بثمن ثم يبتاع بالثمن جيدًا، ولم يتعرض لشروط(3) المبيع وموانعه؛ لأن المقصود ذكر الحكم [75/ب] على وجه الجملة، أو لأن المخاطب أُحيل على فهمه وعلمه بأنه--------------------------------------------
(1) ز: «غيره».
(2) د: «دليل».
(3) ز: «لشرط».

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 140)

إنما أذن له في بيع يتعارفه الناس، وهو البيع المقصود في نفسه، ولم يؤذن له في بيع يكون وسيلة وذريعة ظاهرة إلى ما هو ربا صريح، وكان القوم أعلم بالله ورسوله وشريعته من أن يفهموا عنه أنه أذن لهم في الحيل الربوية التي ظاهرها بيع وباطنها ربًا، ونحن نشهد بالله أنه كما لم يأذن فيها بوجه لم يفهمها عنه أصحابه بخطابه بوجه.
وما نظير هذا الاستدلال إلا استدلال بعضهم على جواز أكل ذي الناب والمِخْلَب بقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187]، واستدلال آخر بقوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] على جواز نكاح الزانية المُصِرَّة على الزنا، واستدلال آخر على ذلك بقوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32]، واستدلال غيره به على صحة نكاح التحليل بذلك، وعلى صحة نكاح المتعة، واستدلال آخر على جواز نكاح المخلوقة من مائه إذا كان زانيًا. ولو أن رجلًا استدلَّ بذلك على جواز نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأخذ يعارض به السنة= لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال، بل لو استدل به على كل نكاح حرَّمته السنة لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال. وكذلك قوله: «بع الجمع» لو استدل به مستدل على بيع من البيوع المتنازع فيها لم يكن فيه حجة، وليس الغالب أن بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشتري حتى يقال: هذه الصورة غالبة فيُحمَل اللفظ عليها، ولا هو المتعارف عند الإطلاق عرفًا وشرعًا.
وبالجملة فإرادة هذه الصورة وحدها من اللفظ ممتنع، وإرادتها مع غيرها فرع على عمومه، ولا عمومَ له، وإرادة القدر المشترك بين أفراد البيع إنما ينصرف إلى البيع المعهود عرفًا وشرعًا، وعلى التقديرات كلها لا تدخل

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 141)

هذه الصورة.
ومما يدلُّ على ذلك أن هذه الصورة لا تدخل في أمر الرجل لعبده وولده ووكيله أن يشتري له كذا، فلو قال: «بع هذه الحنطة العتيقة واشترِ لنا جديدة» لم يفهم السامع إلا بيعًا مقصودًا أو شِرًى مقصودًا(1)، فثبت أن الحديث ليس فيه إشعار بالحيلة الربوية البتةَ.
يوضحه أن قوله: «بع كذا واشترِ كذا» أو «بعتُ واشتريتُ» لا يفهم منه إلا البيع الذي يُقصد به نقل ملك المبيع نقلًا مستقرًّا؛ ولهذا لا يفهم منه بيع الهازل ولا المُكرَه، ولا بيع الحيلة، ولا بيع العينة، ولا يعدُّ الناس من اتخذ خَرزةً أو عرضًا يحلِّل به الربا ويبيعه ويشتريه صورة خالية عن حقيقة البيع ومقصودِه تاجرًا، وإنما يسمونه مرابيًا ومتحيلًا، فكيف يدخل هذا تحت لفظ النبي صلى الله عليه وسلم؟
يزيده إيضاحًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من باع بيعتينِ في بيعةٍ فله أوكسُهما أو الربا»(2)، ونهى عن بيعتين في بيعة، ومعلوم أنهما متى تواطآ على أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع به منه فهو بيعتان في بيعة، فلا يكون ما نهى عنه داخلًا فيما [76/أ] أذن فيه.
يوضحه أيضًا أنه قال: «لا يحلُّ سَلفٌ وبيعٌ، ولا شرطانِ في بيع»(3)، وتواطؤهما على أن يبيعه السلعة بثمن ثم يشتري منه غيرها بذلك الثمن--------------------------------------------
(1) «مقصودًا» ليست في ز.
(2) تقدم.
(3) تقدم.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 142)

منطبق على لفظ الحديث؛ فلا يدخل ما أخبر أنه لا يحلُّ تحت ما أذن فيه.
يوضحه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بعِ الجمعَ بالدراهم ثم ابتَعْ بالدراهم جَنيبًا»، وهذا يقتضي بيعًا ينشئه ويبتدئه بعد انقضاء البيع الأول، ومتى واطأه في أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك فقد اتفقا على العقدين معًا؛ فلا يكون الثاني عقدًا مستقلًّا مبتدأً، بل هو من تتمة العقد الأول عندهما وفي اتفاقهما، وظاهر الحديث أنه أمر بعقدين مستقلَّين لا يرتبط أحدهما بالآخر ولا ينبني عليه.
ولو نزَلنا عن ذلك كله وسلَّمنا أن الحديث عام عمومًا لفظيًّا يدخل تحته صورة الحيلة فهو لا ريبَ مخصوص بصور كثيرة؛ فتخصّ منه هذه الصورة المذكورة بالأدلة المتقدمة على بطلان الحيل وأضعافها، والعام يُخَصُّ بدون مثلها بكثير، فكم قد خُصَّ العموم بالمفهوم وخبر الواحد والقياس وغير ذلك، فتخصيصه(1) ــ لو فُرِض عمومه ــ بالنصوص والأقيسة وإجماع الصحابة على تحريم الحيل أولى وأحرى، بل واحد من تلك الأدلة التي ذكرناها على المنع من الحيل وتحريمها كافٍ في التخصيص.
وإذا كنتم قد خصصتم قوله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له»(2) مع أنه عام عمومًا لفظيًّا، فخصصتموه بصورة واحدة وهي ما اشترطا في صلب العقد أنه إنما تزوَّجها ليُحِلَّها ومتى أحلَّها فهي طالق، مع أن هذه الصورة نادرة جدًّا لا يفعلها محلِّل، والصور الواقعة في التحليل أضعاف أضعافِ هذه، فحملتم اللفظ العام عمومًا لفظيًّا ومعنويًّا على أندرِ صورة تكون لو قُدِّر--------------------------------------------
(1) د: «فتخصه»، ز: «فيخصه». والمثبت يقتضيه السياق.
(2) تقدم.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 143)

وقوعها، وأخليتموه عن الصور(1) الواقعة المستعملة بين المحلِّلين؛ فقوله صلى الله عليه وسلم: «بع الجمعَ بالدراهم» أولى بالتقييد بالنصوص الكثيرة والآثار والأقيسة الصحيحة التي هي في معنى الأصل، وحملِه على البيع المتعارف المعهود عرفًا وشرعًا، وهذا بحمد الله تعالى في غاية الوضوح، ولا يخفى على منصفٍ يريد الله ورسوله والدار الآخرة، وبالله التوفيق.
فصل
ومما يوضح فساد حمل الحديث على صورة الحيلة وأن كلام الرسول ومنصبه العالي منزَّه عن ذلك: أن المقصود الذي شرع الله سبحانه له البيع وأحلَّه لأجله هو أن يحصل مِلك الثمن للبائع ويحصل مِلك المبيع للمشتري؛ فيكون كلٌّ منهما قد حصل له مقصوده بالبيع، هذا ينتفع بالثمن وهذا بالسلعة، وهذا إنما يكون إذا قصد المشتري نفس السلعة للانتفاع بها أو التجارة فيها وقصد البائع نفس الثمن، ولهذا يحتاط كلُّ واحد منهما فيما يصير إليه من العرض، هذا في وزن الثمن ونقده ورواجه، وهذا في سلامة السلعة من العيب وأنها تساوي الثمن الذي بذله فيها، [76/ب] فإذا كان مقصود كل منهما ذلك فقد قصدا بالسبب ما شرعه الله له، وأتى بالسبب حقيقة وحكمًا، وسواء حصل مقصوده بعقد أو توقَّف على عقود، مثل أن يكون بيده سلعة وهو يريد أن يبتاع سلعة أخرى لا تباع سلعته لمانع شرعي أو عرفي أو غيرهما فيبيع سلعته ليملك ثمنها، وهذا بيع مقصود وعوضه مقصود، ثم يبتاع بالثمن سلعة أخرى.--------------------------------------------
(1) ز: «الصورة».

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 144)

وهذه قصة بلال في تمر خيبر سواء، فإنه إذا باع الجمع بالدراهم فقد أراد بالبيع مِلكَ الثمن، وهذا مقصود مشروع، ثم إذا ابتاع بالدراهم جنيبًا فقد عقد عقدًا مقصودًا مشروعًا؛ فلما كان بائعًا قصد مِلك الثمن حقيقة، ولما كان مبتاعًا قصد مِلك السلعة حقيقة.
فإن ابتاع بالثمن من غير المشتري منه فهذا لا محذور فيه؛ إذ كلٌّ من العقدين مقصود مشروع، ولهذا يستوفيان حكم العقد الأول من النقد والقبض وغيرهما. وأما إن ابتاع بالثمن من مبتاعه من جنس ما باعه فهذا يُخشى منه أن لا يكون العقد الأول مقصودًا لهما، بل قصدهما بيع السلعة الأولى بالثانية فيكون ربًا بعينه، ويظهر هذا القصد بأنهما يتفقان على صاع بصاعين أولًا ثم يتوصلا [نِ] إلى ذلك ببيع الصاع بدرهم ويشتري به صاعين، ولا يبالي البائع بنقد ذلك الثمن ولا بقبضه ولا بعيب فيه ولا بعدم رواجه، ولا يحتاط لنفسه فيه احتياطَ من قصدُه تملُّك الثمن؛ إذ قد علم هو والآخر أن الثمن بعينه خارج منه عائد إليه، فنقده وقبضه والاحتياط فيه يكون عبثًا.
وتأمَّلْ(1) حال باعة الحُلِيَّ عنه، كيف يُخرِج كل حلقة من غير جنسه أو قطعةً ما، ويبيعك إياها بذلك الثمن، ثم يبتاعها منك؟ فكيف لا تسأل عن قيمتها ولا عن وزنها ولا مساواتها للثمن؟ بل قد تساوي أضعافه وقد تساوي بعضه؛ إذ ليست هي القصد، وإنما القصد أمرٌ وراءها، وجُعِلت هي محلِّلًا لذلك المقصود.--------------------------------------------
(1) ز: «فهامل»، تحريف.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 145)

وإذا عُرِف هذا فهو إنما عقد معه العقد الأول ليعيد إليه الثمن بعينه ويأخذ العوض الآخر، وهذا تواطؤٌ منهما حين عقداه على فسخه، والعقد إذا قصد به فسخه لم يكن مقصودًا، وإذا لم يكن مقصودًا كان وجوده كعدمه، وكان توسطه عبثًا.
ومما يوضح الأمر في ذلك أنه إذا جاءه بتمر أو زبيب أو حنطة ليبتاعَ به من جنسه فإنهما يتشارطان ويُراوِضانِ(1) على سعر أحدهما من الآخر، وأنه مدٌّ بمدٍّ ونصفٍ مثلًا، ثم بعد ذلك يقول: بعتُك هذا بكذا وكذا درهمًا، ثم يقول: بعني بهذه الدراهم كذا وكذا صاعًا من النوع الآخر، وكذلك في الصرف، وليس للبائع ولا للمشتري غرض في الدراهم، والغرض معروف. فأين من يبيعه السلعة بثمن ليشتري به منه من جنسها إلى من(2) يبيعه إياها بثمن له غرض في تملُّكه وقبضه؟ وتوسُّط الثمن في الأول عبث محض لا فائدة فيه، فكيف يأمر به الشارع الحكيم مع زيادة [77/أ] التعب والكلفة فيه؟ ولو كان هذا سائغًا لم يكن في تحريم الربا حكمة سوى تضييع الزمان وإتعاب النفوس بلا فائدة؛ فإنه لا يشاء أحد أن يبتاع ربويًّا بأكثر منه من جنسه إلا قال: بعتُك هذا بكذا، وابتعتُ منك هذا بهذا الثمن؛ فلا يَعجِز أحد عن استحلال ما حرَّمه الله قطُّ بأدنى الحيل.
يوضحه أن الربا نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة، فأما ربا الفضل فيمكنه في كل مال ربوي أن يقول: بعتك هذا المال بكذا، ويسمِّي ما شاء، ثم يقول:--------------------------------------------
(1) كذا في النسختين، وهو صواب. يقال: راوضَه على الأمر: داراه وخاتله حتى يُدخله فيه. وفي المطبوع: «يتراضيان».
(2) في النسختين: «أن». والمثبت يقتضيه السياق.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 146)

اشتريتُ منك هذا ــ للذي هو من جنسه ــ بذلك الذي سمّاه، ولا حقيقة له مقصودة. وأما ربا النَّساء فيمكنه أن يقول: بعتك هذه الحريرة بألف درهم أو عشرين صاعًا إلى سنة، وابتعتها منك بخمسمائة حالة أو خمسة عشر صاعًا، ويمكنه ربا الفضل، فلا يشاء مُرْبٍ إلا أقرضه ثم حاباه في بيع أو إجارة أو غيرهما، ويحصل مقصوده من الزيادة.
فيا سبحان الله! أيعود الربا ــ الذي قد عظَّم الله شأنه في القرآن، وأوجب محاربة مستحلِّيه، ولعن آكله وموكِله وشاهديه وكاتبه، وجاء فيه من الوعيد ما لم يجئ في غيره ــ إلى أن يُستحَلَّ نوعاه بأدنى حيلةٍ لا كلفةَ فيها أصلًا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب يُضحك منها ويُستهزأ بها؟ فكيف يستحسن أن يُنسب إلى نبي من الأنبياء فضلًا عن سيد الأنبياء، بل أن يُنسب رب العالمين إلى أن يحرِّم هذه المحرمات العظيمة ويُوعِد عليها بأغلظ العقوبات وأنواع الوعيد، ثم يبيحها بضرب من الحيل والعبث والخداع الذي ليس له حقيقة مقصودة في نفسه للمتعاقدين؟
وترى كثيرًا من المترابين ــ لما علم أن هذا العقد ليس له حقيقة مقصودة البتةَ ــ قد جعل عنده خرزةَ ذهب، فكل من جاءه يريد أن يبيعه جنسًا بجنسه أكثر منه أو أقلَّ ابتاع منه ذلك الجنس بتلك الخرزة، ثم ابتاع الخرزة بالجنس الذي يريد أن يعطيه إياه، أفيستجيز عاقل أن يقول: إن الذي حرَّم بيع الفضة بالفضة متفاضلًا أحلَّها بهذه الخرزة؟ وكذلك كثير من الفجّار قد أعدَّ سِلعة لتحليل ربا النَّساء، فإذا جاءه من يريد ألفًا بألف ومائتين أدخل تلك السلعة محلِّلا. ولهذا كانت أكثر حيل الربا في بابها أغلظ من حيل التحليل، ولهذا حرَّمها أو بعضها من لم يحرِّم التحليل؛ لأن القصد في البيع معتبر في فِطَر الناس، ولأن الاحتيال في الربا غالبًا إنما يتمُّ بالمواطأة اللفظية أو

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 147)

العرفية، ولا يفتقر إلى شهادة، ولكن يتعاقدان ثم يشهدان أن له في ذمته دينًا، ولهذا إنما لُعِن شاهداه إذا علما به، والتحليل لا يمكن إظهاره وقت العقد؛ لكون الشهادة شرطًا فيه، والشروط المتقدمة تؤثِّر كالمقارِنة كما تقدم تقريره؛ إذ تقديم(1) الشرط ومقارنته لا تُخرجه عن كونه عقدَ تحليل وتُدخله في نكاح الرغبة، والقصود معتبرة في العقود.
فصل
وجماع الأمر أنه إذا باعه ربويًّا بثمن وهو يريد أن يشتري [77/ب] منه بثمنه من جنسه، فإما أن يواطئه على الشراء منه لفظًا، أو يكون العرف بينهما قد جرى بذلك، أو لا يكون، فإن كان الأول فهو باطل كما تقدم تقريره؛ فإن هذا لم يقصد مِلك الثمن ولا قصَد هذا تمليكَه، وإنما قصد تمليك الثمن بالثمن(2)، وجعلا تسمية الثمن تلبيسًا وخداعًا ووسيلةً إلى الربا؛ فهو في هذا العقد بمنزلة التيس الملعون في عقد التحليل، وإن لم تجرِ بينهما مواطأة لكن قد علم المشتري أن البائع يريد أن يشتري منه ربويًّا بربوي فكذلك؛ لأن علمه بذلك ضربٌ من المواطأة، وهو يمنع قصد الثمن الذي يخرج به عن قصد الربا، وإن قصد البائع الشراء منه بعد البيع ولم يعلم المشتري؛ فقد قال الإمام أحمد هاهنا: لو باع من رجل دنانير بدراهم لم يجز أن يشتري بالدراهم منه ذهبًا إلا أن يمضي ويبتاع بالورِق من غيره ذهبًا فلا يستقيم، فيجوز أن يرجع إلى الذي ابتاع منه الدنانير فيشتري منه ذهبًا. وكذلك كره مالك أن تصرف دراهمك من رجل بدنانير، ثم تبتاع منه بتلك الدنانير دراهم--------------------------------------------
(1) ز: «تقدم».
(2) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «المثمن بالمثمن».

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 148)

غير دراهمك في الوقت أو بعد يوم أو يومين. قال ابن القاسم: فإن طال الزمان وصح أمرهما فلا بأس به.
فوجه ما منعه الإمام أحمد رضي الله عنه أنه متى قصد المشتري منه تلك الدنانير لم يقصد تملك الثمن، ولهذا لا يحتاط في النقد والوزن، ولهذا يقول: إنه متى بدا له بعد القبض والمفارقة أن يشتري منه ــ بأن يطلب من غيره فلا يجد ــ لم يكن في العقد الأول خللٌ، والمتقدمون من أصحابه حملوا هذا المنع منه(1) على التحريم.
وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: إذا لم يكن غرضًا ومواطأةً بينهما لم يحرم، وقد أومأ إليه الإمام أحمد في رواية حرب؛ فإنه قال: قلت لأحمد: اشترى من رجل ذهبًا ثم باعه منه، قال: يبيعه من غيره أعجبُ إلي. وذكر ابن عقيل أن أحمد لم يكرهه في رواية أخرى.
وكره ابن سيرين للرجل أن يبتاع من الرجل الدراهم بالدنانير ثم يشتري منه بالدراهم دنانير(2). وهذه المسألة في ربا الفضل كمسائل العِينة في ربا النَّساء، ولهذا عدَّها من الربا الفقهاء السبعة وأكثر العلماء، وهو قول أهل المدينة كمالك وأصحابه، وأهل الحديث كأحمد وأصحابه، وهو مأثور عن ابن عمر(3). ففي هذه المسألة قد عاد الثمن إلى المشتري، وحصلا على ربا الفضل أو النَّساء، وفي العينة قد عاد المبيع إلى البائع وأفضى إلى ربا الفضل والنَّساء جميعًا، ثم إن كان في الوصفين لم يقصد الثمن ولا المبيع، وإنما--------------------------------------------
(1) د: «منه هذا المنع».
(2) رواه عبد الرزاق (14590).
(3) رواه عبد الرزاق (14577) والنسائي (4585).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 149)

جعل وصلة إلى الربا؛ فهذا الذي لا ريبَ في تحريمه، والعقد الأول هاهنا باطل بلا توقف عند من يُبطل الحيل. وقد صرَّح به القاضي في مسألة العِينة في غير موضع، وحكى أبو الخطاب في صحته وجهين.
قال شيخنا(1): [78/أ] والأول هو الصواب، وإنما تردد من تردد من الأصحاب في العقد الأول في مسألة العينة؛ لأن هذه المسألة إنما يُنصَب الخلاف فيها في العقد الثاني بناء على أن الأول صحيح، وعلى هذا التقدير فليست من مسائل الحيل، وإنما هي من مسائل الذرائع. ولها مأخذ آخر يقتضي التحريم عند أبي حنيفة وأصحابه؛ فإنهم لا يحرّمون الحيل ويحرّمون مسألة العِينة، وهو أن الثمن إذا لم يُستوفَ لم يتم العقد الأول؛ فيصير الثاني مبنيًّا عليه، وهذا تعليل خارج عن قاعدة الحيل والذرائع. فصار للمسألة ثلاثة مآخذ، فلما لم يتمحّض تحريمها على قاعدة الحيل توقف في العقد الأول من توقف.
قال شيخنا(2): والتحقيق أنها إذا كانت من الحيل أُعطِيت حكم الحيل، وإلا اعتُبِر فيها المأخذان الآخران، هذا إذا لم يقصد العقد الأول، فإن قصد حقيقته فهو صحيح، لكن ما دام الثمن في ذمة المشتري لم يجز أن يشتري منه المبيع بأقل منه من جنسه، ولا يجوز أن يبتاع منه بالثمن ربويًّا لا يباع بالأول نَساءً؛ لأن أحكام العقد الأول لا تتم إلا بالتقابض؛ فإذا لم يحصل كان ذريعة إلى الربا، وإن تقابضا وكان العقد مقصودًا فله أن يشتري منه كما يشتري من غيره، وإذا كان الطريق إلى الحلال هي العقود المقصودة المشروعة التي لا--------------------------------------------
(1) في «بيان الدليل» (ص 226، 227).
(2) المصدر السابق (ص 227).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 150)

خداعَ فيها ولا تحريمَ لم يصح أن يلحق بها صورة عقد لم تُقصد حقيقته، وإنما قُصِد التوصل به إلى استحلال ما حرمه الله، والله الموفق.
وإنما أطلنا الكلام على هذه الحجة لأنها عمدة أرباب الحيل من السنة، كما عمدتهم من الكتاب: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا}.
فصل
فهذا تمام الكلام على المقام الأول، وهو عدم دلالة الحديث على الحيل الربوية بوجه من الوجوه.
وأما المقام الثاني ــ وهو دلالته على تحريمها وفسادها ــ فلأنه صلى الله عليه وسلم نهاه أن يشتري الصاع بالصاعين، ومن المعلوم أن الصفة التي في الحيل مقصودة يرتفع سعره لأجلها، والعاقل لا يُخرج صاعين ويأخذ صاعًا إلا لتميُّز ما يأخذه بصفة، أو لغرض له في المأخوذ ليس في المبذول، والشارع حكيم لا يمنع المكلَّفَ مما هو مصلحة له ويحتاج إليه إلا لتضمنه أو لاستلزامه(1) مفسدة أرجح من تلك المصلحة. وقد خفيت هذه المفسدة على كثير من الناس حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لي ما وجه تحريم ربا الفضل والحكمة فيه، وقد تقدَّم أن هذا من أعظم حكمة الشريعة ومراعاة مصالح الخلق، وأن الربا نوعان: ربا نسيئة، وتحريمه تحريم المقاصد؛ وربا فضلٍ، وتحريمه تحريم الذرائع والوسائل؛ فإن النفوس متى ذاقت الربح فيه عاجلًا تسوَّرت منه إلى الربح الآجل، فسدت عليها الذريعة وحمي جانب الحمى، وأيُّ حكمة وحكمٍ أحسنُ من ذلك؟--------------------------------------------
(1) ز: «استلزامه».

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 151)

وإذا كان كذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم منع بلالًا من أخذ مدٍّ بمدَّينِ(1) لئلا يقع في الربا، ومعلوم أنه لو جوز له ذلك [78/ب] بحيلة لم يكن في منعه من بيع مدين بمد فائدةٌ أصلًا، بل كان بيعه كذلك أسهل وأقل مفسدة من مِرْبَط(2) الحيلة الباردة التي لا تُغني من المفسدة شيئًا، وقد نبّه على هذا بقوله في الحديث: «لا تفعَلْ، أُوَّهْ، عينُ الربا»(3)، فنهاه عن الفعل، والنهي يقتضي المنع بحيلة أو غير حيلة؛ لأن المنهي عنه لا بدّ أن يشتمل على مفسدة لأجلها ينهى عنه، وتلك المفسدة لا تزول بالتحيُّل(4) عليها بل تزيد، وأشار إلى المنع بقوله: «عينُ الربا»، فدلّ على أن المنع إنما كان لوجود حقيقة الربا وعينه، وأنه لا تأثير للصورة المجردة مع قيام الحقيقة؛ فلا تُهمِل قوله: «عين الربا»، فتحت هذه اللفظة ما يشير إلى أن الاعتبار بالحقائق، وأنها هي التي عليها المعوَّل، وهي محلُّ التحليل والتحريم، والله سبحانه لا ينظر إلى صورها وعباراتها التي يكسوها إياها العبد، وإنما ينظر إلى حقائقها وذواتها(5)، وبالله التوفيق.
فصل
وأما تمسكهم بجواز المعاريض وقولهم: «إن الحيل معاريضُ فعلية--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (2312) ومسلم (1594) عن أبي سعيد الخدري.
(2) كذا في د مهملة، وفي ز: «بربط». وفي المطبوع: «توسط». والمِربط: ما تُربط به الدواب، والمقصود هنا الذريعة والوسيلة.
(3) قاله لبلال كما في الحديث المذكور آنفًا.
(4) ز: «بالحيل».
(5) ز: «دورانها».

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 152)

على وِزان المعاريض القولية»، فالجواب من وجوه:
أحدها: أن يقال: ومن سلَّم لكم أن المعاريض إذا تضمَّنت استباحة الحرام وإسقاط الواجبات وإبطال الحقوق كانت جائزة؟ بل هي من الحيل القولية، وإنما تجوز المعاريض إذا كان فيها تخلُّص من ظالم، كما عرَّض الخليل بقوله: «هذه أختي»(1)، فإذا تضمنت نصْرَ حق أو إبطال باطل كما عرَّض الخليل بقوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وقوله: {فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وكما عرَّض الملكان(2) لداود بما ضرباه له من المثال الذي نسباه إلى أنفسهما، وكما عرَّض النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «نحن(3) من ماءٍ»(4)، وكما كان يُورِّي عن الغزوة بغيرها لمصلحة الإسلام والمسلمين، إذا لم تتضمن مفسدة في دين ولا دنيا، كما عرَّض صلى الله عليه وسلم بقوله: «إنّا حاملوك على ولدِ الناقة»(5)، وبقوله: «إن الجنة لا تدخلها العُجُز»(6)، وبقوله: «من يشتري منّي هذا العبدَ»(7) يريد عبد الله، وبقوله لتلك المرأة: «زوجُك الذي في--------------------------------------------
(1) في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري (3357) ومسلم (2371).
(2) في النسختين: «الملكين».
(3) «نحن» ليست في ز.
(4) تقدم.
(5) تقدم.
(6) رواه الترمذي في «الشمائل» (230) والبيهقي في «البعث» (346) من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن البصري مرسلًا. ورواه الطبراني في «الأوسط» (5545) عن سعيد بن المسيب عن عائشة موصولًا. وانظر الكلام عليه في «الصحيحة» (2987).
(7) تقدم.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 153)

عينيه بياضٌ»(1)، وإنما أراد به البياض الذي خلقه الله في عيون بني آدم= فهذه المعاريض ونحوها من أصدق الكلام، فأين في جواز هذه ما يدل على جواز الحيل المذكورة؟
وقال شيخنا(2) رضي الله عنه: والذي قِيستْ عليه الحيل الربوية وليست مثله نوعان:
أحدهما: المعاريض، وهي: أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحًا، ويوهم غيره أنه يقصد به معنى آخر، ويكون سبب ذلك الوهم كون اللفظ مشتركًا بين حقيقتين لغويتين أو عرفيتين أو شرعيتين أو لغوية مع إحداهما أو عرفية مع إحداهما أو شرعية مع إحداهما، فيعني أحدَ معنييه ويوهم السامعَ أنه إنما عنى الآخر: إما لكونه لم يعرف إلا ذلك، وإما لكون دلالة الحال تقتضيه، وإما لقرينة حالية أو مقالية يضمُّها إلى اللفظ. أو يكون سبب التوهم كون اللفظ ظاهرًا في معنى فيعني به معنى يحتمله باطنًا: بأن ينوي مجاز اللفظ دون حقيقته، أو ينوي بالعام الخاصَّ أو بالمطلق [79/أ] المقيدَ. أو يكون سبب التوهم كون المخاطب إنما يفهم من اللفظ غير حقيقته لعرف خاص له أو غفلة منه أو جهلٍ أو غير ذلك من الأسباب، مع كون المتكلم إنما قصد حقيقته؛ فهذا كله إذا كان المقصود به رفع ضرر غير مستحق فهو جائز، كقول الخليل: «هذه أختي»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماءٍ»، وقول الصديق--------------------------------------------
(1) رواه الزبير بن بكّار في كتاب «الفكاهة والمزاح» عن زيد بن أسلم مرسلًا، كما في «تخريج الإحياء» (3/ 129). والمرأة يقال لها أم أيمن.
(2) في «بيان الدليل» (ص 198 وما بعدها).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 154)

- رضي الله عنه: «هادٍ يهديني السبيلَ»(1)، ومنه قول عبد الله بن رواحة:
شهدتُ بأن وعد الله حقٌّ … الأبيات.
أوهم امرأتَه القرآن(2). وقد يكون واجبًا إذا تضمَّن دفع(3) ضرر يجب دفعه ولا يندفع إلا بذلك.
وهذا الضرب وإن كان نوعَ حيلةٍ في الخطاب لكنه يفارق الحيل المحرَّمة من الوجه المحتال عليه والوجه المحتال به:
أما الأول: فلكونه دفعَ ضررٍ غير مستحق، فلو تضمَّن كتمان ما يجب إظهاره من شهادة أو إقرار أو علم أو نصيحة مسلم أو التعريف بصفة معقود عليه في بيع أو نكاح أو إجارة= فإنه غِشٌّ محرم بالنص.
قال مثنَّى الأنباري: قلت لأحمد بن حنبل: كيف الحديث الذي جاء في المعاريض؟ فقال: المعاريض لا تكون في الشراء والبيع، تكون في الرجل يُصلح بين الناس أو نحو هذا.
قال شيخنا رضي الله عنه(4): والضابط أن كلَّ ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام؛ لأنه كتمان وتدليس، ويدخل في هذا الإقرار بالحق، والتعريض في الحلف عليه، والشهادة على العقود، ووصف المعقود عليه، والفتيا والحديث والقضاء. وكلّ ما حَرُم بيانه فالتعريض فيه جائز، بل واجب إذا--------------------------------------------
(1) تقدم.
(2) تقدم.
(3) ز: «رفع».
(4) في «بيان الدليل» (ص 200). والكلام متصل بما قبله.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 155)

أمكن ووجب الخطاب، كالتعريض لسائل عن مال معصوم أو نفسه يريد أن يعتدي عليه. وإن كان بيانه جائزًا، أو كتمانه جائزًا؛ فإما أن تكون المصلحة في كتمانه أو في إظهاره أو كلاهما متضمن للمصلحة:
فإن كان الأول فالتعريض مستحبٌّ، كتورية الغازي عن الوجه الذي(1) يريد، وتورية الممتنع عن الخروج والاجتماع بمن يصدُّه عن طاعة أو مصلحة راجحة، كتورية أحمد عن المرُّوذي، وتورية الحالف لظالم له أو لمن استحلفه يمينًا لا تجب عليه، ونحو ذلك.
وإن كان الثاني فالتورية فيه مكروهة، والإظهار مستحب، وهذا في كل موضع يكون البيان فيه مستحبًّا.
وإن تساوى الأمران وكان كلٌّ منهما طريقًا إلى المقصود لكون ذلك المخاطبِ التعريضُ والتصريحُ بالنسبة إليه سواء= جاز الأمران، كما لو كان يعرف بعدة ألسُنٍ، وخطابه بكل لسان منها يحصل مقصوده، ومثل هذا ما لو كان له غرض مباح في التعريض ولا حذرَ عليه في التصريح، والمخاطب لا يفهم مقصوده، وفي هذا ثلاثة أقوال للفقهاء وهي في مذهب الإمام أحمد:
أحدها: له التعريض؛ إذ لا يتضمن كتمان حق ولا إضرارًا بغير مستحق.
والثاني: ليس له ذلك، فإنه إيهام للمخاطب من غير حاجة إليه، وذلك تغرير، وربما أوقع السامع في [79/ب] الخبر الكاذب، وقد يترتَّب عليه ضررٌ به.
والثالث: له التعريض في غير اليمين.--------------------------------------------
(1) «الذي» ساقطة من ز.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 156)

وقال الفضل(1) بن زياد: سألت أحمد عن الرجل يعارض في كلامه يسألني عن الشيء أكره أن أُخبره به، قال: إذا لم يكن يمينًا فلا بأس، في المعاريض مندوحةٌ عن الكذب.
وهذا عند الحاجة إلى الجواب، فأما الابتداء فالمنع فيه(2) ظاهر، كما دلّ عليه(3) حديث أم كلثوم أنه لم يرخّص فيما يقول الناس إنه كذِبٌ إلا في ثلاث(4)، وكلها مما يحتاج إليه المتكلم. وبكلِّ حالٍ فغاية هذا القسم تجهيل السامع بأن يُوقِعه المتكلم في اعتقاد ما لم يُرِده بكلامه، وهذا التجهيل قد تكون مصلحته أرجح من مفسدته، وقد تكون مفسدته أرجح من مصلحته، وقد يتعارض الأمران، ولا ريب أن من كان علمه بالشيء يحمله على ما يكرهه الله ورسوله كان تجهيله به وكتمانه عنه أصلح له وللمتكلم، وكذلك إن كان في علمه مضرَّةٌ على القائل، أو تفوت عليه مصلحة هي أرجح من مصلحة البيان، فله أن يكتمه عن السامع؛ فإن أبى إلا استنطاقه فله أن يعرِّض له.
فالمقصود بالمعاريض فعلُ واجبٍ أو مستحبٍّ أو مباحٍ أباح الشارع السعي في حصوله، ونصبَ له سببًا يُفضِي إليه؛ فلا يقاس بهذا الحيل التي تتضمن سقوطَ ما أوجبه الشارع وتحليلَ ما حرَّمه، فأين أحد البابين من--------------------------------------------
(1) في النسختين: «الفضيل»، خطأ، والتصويب من «بيان الدليل» (ص 200) المصدر الذي نقل عنه المؤلف هذا المبحث. وانظر: «طبقات الحنابلة» (1/ 251).
(2) «فيه» ليست في ز.
(3) «عليه» ليست في ز.
(4) تقدم.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 157)