وقال محمد بن الهيثم(1): سمعت أبا عبد الله ــ يعني أحمد بن حنبل ــ يحكي عن محمد بن مقاتل(2) قال: شهدتُ هشامًا وهو يُقرئ كتابًا، فانتهى بيده إلى مسألة فجازها، فقيل له في ذلك، فقال: دعوه، وكره مكاني، فتطلعتُ في الكتاب، فإذا فيه: لو أن رجلًا لفَّ على ذكر فرجِه(3) حريرةً في شهر رمضان ثم جامع امرأته نهارًا فلا قضاء عليه ولا كفارة.
فصل
ومما يدلّ على بطلان الحيل وتحريمها أن الله سبحانه إنما أوجب الواجبات وحرَّم المحرمات لما تتضمن من مصالح عباده في معاشهم ومعادهم؛ فالشريعة لقلوبهم بمنزلة الغذاء الذي لا بدّ لهم منه والدواء الذي لا يندفع الداء إلا به، فإذا احتال العبد على تحليل ما حرَّم الله وإسقاطِ ما فرض الله وتعطيلِ ما شرع الله كان ساعيًا في دين الله بالفساد من وجوه:
أحدها: إبطاله ما في الأمر المحتال عليه من حكمة الشارع، ونقضُ حكمته فيه، ومناقضتُه له.
والثاني: أن الأمر المحتال به ليس له عنده حقيقة، ولا هو مقصوده، وهو ظاهر المشروع؛ فالمشروع ليس مقصودًا له، والمقصود له هو المحرَّم نفسه، وهذا ظاهرٌ كلَّ الظهور فيما قصد الشارع؛ فإن المرابي مثلًا مقصوده--------------------------------------------
(1) لم أجد هذه الرواية في مصدر آخر.
(2) ز: «مقاتل بن محمد». والمثبت من د، وهو الصواب. انظر ترجمته في «تاريخ بغداد» (3/ 275).
(3) كذا في النسختين، وفي المطبوع: «ذكره».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 78)
الربا المحرّم، وصورة البيع الجائز غير مقصودة له. وكذلك المتحيِّل على إسقاط الفرائض بتمليك ماله لمن لا يهَبه درهمًا واحدًا حقيقةُ مقصوده إسقاط الفرض، وظاهر الهبة المشروعة غير مقصودة له.
الثالث: نسبته ذلك إلى الشارع الحكيم وإلى شريعته التي هي غذاءٌ للقلوب ودواؤها وشفاؤها، ولو أن رجلًا [61/أ] تحيَّل حتى قلب الدواء والغذاء(1) إلى ضدّه، فجعل الغذاء دواء والدواء غذاء، إما بتغيير اسمه أو صورته مع بقاء حقيقته= لأهلكَ الناس. فمن عَمَد إلى الأدوية المُسهلة فغيَّر صورتها أو أسماءها وجعلها غذاء للناس، أو عَمَد إلى السموم القاتلة فغيَّر أسماءها وصورتها وجعلها أدويةً، أو إلى الأغذية الصالحة فغيَّر أسماءها وصورها؛ كان ساعيًا بالفساد في الطبيعة، كما أن هذا ساعٍ بالفساد في الشريعة؛ فإن الشريعة للقلوب بمنزلة الغذاء والدواء للأبدان، وإنما ذلك بحقائقها لا بأسمائها وصُوَرها.
وبيان ذلك على وجه الإشارة أن الله سبحانه إنما حرَّم الزنا والربا وتوابعهما ووسائلهما؛ لما في ذلك من الفساد، وأباح البيع والنكاح وتوابعهما لأن ذلك مصلحة محضة، ولا بدَّ أن يكون بين الحلال والحرام فرق في الحقيقة، وإلا لكان البيع مثل الربا والنكاح مثل الزنا، ومعلوم أن الفرق في الصورة دون الحقيقة مُلغًى عند الله ورسوله وفي فِطَر عباده؛ فإن الاعتبار بالمقاصد والمعاني في الأقوال والأفعال، فإن الألفاظ إذا اختلفت ومعناها واحد كان حكمها واحدًا، فإذا اتفقت الألفاظ واختلفت المعاني كان حكمها مختلفًا، وكذلك الأعمال إذا اختلفت صورها واتفقت--------------------------------------------
(1) ز: «الغذاء والدواء».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 79)
مقاصدها، وعلى هذه القاعدة يبنى الأمر والنهي والثواب والعقاب. ومن تأمَّل الشريعة علم بالاضطرار صحة هذا؛ فالأمر المحتال به على المحرَّم صورته صورة الحلال، وحقيقته ومقصوده حقيقة الحرام؛ فلا يكون حلالًا، فلا يترتَّب عليه أحكام الحلال فيقع باطلًا، والأمر المحتال عليه حقيقته حقيقة الأمر الحرام وإن لم تكن صورته صورته، فيجب أن يكون حرامًا لمشاركته للحرام في الحقيقة.
ويا لله العجب! أين القياس والنظر في المعاني المؤثّرة وغير المؤثّرة فرقًا وجمعًا؟ والكلام في المناسبات ورعاية المصالح وتحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه، وإبطال قول من علَّق الأحكام بالأوصاف الطردية التي لا مناسبة بينها وبين الحكم، فكيف يعلِّقه بالأوصاف المناسبة لضدّ الحكم؟ وكيف يعلِّق الأحكام على مجرد الألفاظ والصور الظاهرة التي لا مناسبة بينها وبينها، ويَدَعُ المعاني المناسبة المقتضية لها التي ارتباطُها بها كارتباط العلل العقلية بمعلولاتها؟ والعجب منه كيف ينكر مع ذلك على أهل الظاهر المتمسكين بظواهر كتاب ربهم وسنة نبيهم حيث لا يقوم دليل يخالف الظاهر، ثم يتمسك بظواهر أفعال المكلَّفين وأقوالهم حيث يعلم أن الباطن والقصد بخلاف ذلك؟ ويعلم لو تأمَّل حق التأمُّل أن مقصود الشارع غير ذلك.
كما يقطع بأن مقصوده من إيجاب الزكاة سدُّ خَلَّة المساكين وذوي الحاجات وحصولُ المصالح التي أرادها بتخصيص هذه الأوصاف من حماية المسلمين والذبّ عن حَوزة الإسلام، [61/ب] فإذا أسقطها بالتحيُّل فقد خالف مقصود الشارع وحصل مقصود المتحيِّل، والواجب الذي لا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 80)
يجوز غيره أن يحصل مقصود الله ورسوله ويبطل مقاصد المتحيلين المخادعين. وكذلك يعلم قطعًا أنه إنما حرّم الربا لما فيه من الضرر بالمحاويج، وأن مقصوده إزالة هذه المفسدة؛ فإذا أبيح التحيلُ على ذلك كان سعيًا في إبطال مقصود الشارع وتحصيلًا لمقصود المرابي.
وهذه سبيل جميع الحيل المتوسَّل بها إلى تحليل الحرام وإسقاط الواجب، وبهذه الطريق تبطل جميعًا. ألا ترى أن المتحيِّل لإسقاط الاستبراء مُبطِل لمقصود الشارع من حكمة الاستبراء ومصلحته؛ فالمعين له على ذلك مفوِّتٌ لمقصود الشارع محلِّلٌ لمقصود المتحيِّل. وكذلك التحيُّل على إبطال حقوق المسلمين التي ملَّكَهم إياها الشارع وجعلهم أحقَّ بها من غيرهم إزالةً لضررهم وتحصيلاً لمصالحهم؛ فلو أباح التحيُّلَ لإسقاطها لكان عدم إثباتها للمستحقين أولى وأقلَّ ضررًا من أن يُثبِتها ويوصي بها ويبالغ في تحصيلها ثم يشرع التحيلَ لإبطالها وإسقاطها. وهل ذلك إلا بمنزلة من بنى بناء مشيدًا وبالغ في إحكامه وإتقانه، ثم عاد فنقضَه، وبمنزلة من أمر بإكرام رجل والمبالغة في برِّه والإحسان إليه وأداء حقوقه، ثم أباح لمن أمره أن يتحيل بأنواع الحيل لإهانته وترك حقوقه.
ولهذا يسيء الكفار والمنافقون ومن في قلوبهم المرض الظنَّ بالإسلام والشرع الذي بعث الله به(1) رسوله، حيث ظنوا أن هذه الحيل مما جاء به الرسول، وعلموا مناقضتها للمصالح مناقضة ظاهرة ومنافاتَها لحكمة الرب وعدله ورحمته وحمايته وصيانته لعباده؛ فإنه نهاهم عما نهاهم عنه حميةً وصيانةً، فكيف يبيح لهم الحيل على ما حماهم عنه؟ وكيف يبيح لهم--------------------------------------------
(1) «به» ليست في ز.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 81)
التحيُّلَ على إسقاط ما فرضه عليهم وعلى إضاعة الحقوق التي أحقَّها عليهم لبعضهم بعضًا لقيام مصالح النوع الإنساني التي لا تتمُّ إلا بما شرعه؟
فهذه الشريعة شرعَها الذي علم ما في ضمنها من المصالح والحِكم والغايات المحمودة وما في خلافها من ضدّ ذلك، وهذا أمر ثابت لها لذاتها وبائنٌ من أمر الرب تبارك وتعالى بها ونهيه عنها، فالمأمور به مصلحة وحُسنٌ في نفسه، واكتسى بأمر الرب تعالى مصلحةً وحسنًا آخر، فازداد حسنًا بالأمر ومحبة الرب وطلبه له إلى حسنه في نفسه، وكذلك المنهيُّ عنه مفسدةٌ في نفسه، وازداد بنهي الرب تعالى عنه وبغضه له وكراهته له(1) قبحًا إلى قبحه، وما كان هكذا لم يجز أن ينقلب حسنُه قبحًا بتغيُّر الاسم والصورة مع بقاء الماهية والحقيقة.
ألا ترى أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه حرَّم بيع الثمار قبل بُدوِّ صلاحها(2) لما فيه من مفسدة التشاجر والتشاحن(3)، ولما تؤدي إليه ــ إن منع الله الثمرة ــ من أكلِ مال أخيه [62/أ] بغير حق ظلمًا وعدوانًا، ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بالتحيل على البيع قبل بدوِّ الصلاح؛ فإن الحيلة لا تؤثّر في زوال هذه المفسدة، ولا في تخفيفها، ولا في زوال ذرة منها؛ فمفسدة هذا العقد أمر ثابت له لنفسه، فالحيلة إن لم تزِده فسادًا لم تُزِلْ فسادًا.
وكذلك شرع الله سبحانه الاستبراء لإزالة مفسدة اختلاط المياه وفساد--------------------------------------------
(1) «له» ليست في ز.
(2) تقدم تخريجه.
(3) ز: «التشاحن والتشاجر».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 82)
الأنساب وسَقْي الإنسان ماءه زرعَ غيرِه، وفي ذلك من الفساد ما توجب العقول تحريمه لو لم تأت به شريعة، ولهذا فطر الله الناس على استهجانه واستقباحه، ويرون من أعظم الهُجَنِ(1) أن يقوم هذا عن المرأة ويَخلُفه الآخر عليها، ولهذا حرّم نكاح الزانية وأوجب العِدَد والاستبراء، ومن المعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بالحيلة على إسقاط الاستبراء ولا تَخِفُّ.
وكذلك شرع الحج إلى بيته لأنه قِوامٌ للناس في معاشهم ومعادهم، ولو عُطِّل البيت الحرام عامًا واحدًا عن الحج لما أُمهل الناس، ولعوجلوا بالعقوبة، وتوعّد مَن ملك الزاد والراحلة ولم يحج بالموت على غير الإسلام(2)، ومعلوم أن التحيُّل لإسقاطه لا يُزيل مفسدةَ الترك، ولو أن الناس كلهم تحيَّلوا لترك الحج والزكاة لبطلت فائدة هذين الفرضين العظيمين، وارتفع من الأرض حكمهما بالكلية، وقيل للناس: إن شئتم كلُّكم أن تتحيّلوا لإسقاطهما فافعلوا. فليتصوَّر العبد ما في إسقاطهما من الفساد المضادِّ لشرع الله وإحسانه وحكمته.
وكذلك الحدود جعلها الله سبحانه زواجرَ للنفوس وعقوبةً ونكالًا وتطهيرًا، فشرعها من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد، بل لا تتمُّ سياسة ملكٍ من ملوك الأرض إلا بزواجرَ وعقوباتٍ لأرباب الجرائم، ومعلوم ما في التحيُّل لإسقاطها من منافاة هذا الغرض وإبطاله، وتسليطِ--------------------------------------------
(1) جمع هُجْنة: العيب والقبح.
(2) رواه الترمذي (812) من حديث علي رضي الله عنه، وقال: حديث غريب، وأعلّه بهلال بن عبد الله والحارث الأعور.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 83)
النفوس الشريرة على تلك الجنايات إذا علمتْ أن لها طريقًا إلى إبطال عقوباتها، وأنها تسقط تلك العقوبات بأدنى الحيل؛ فإنه لا فرق عندها البتةَ بين أن تعلم أنه لا عقوبةَ عليها فيها وبين أن تعلم أن لها عقوبةً وأن لها إسقاطَها بأدنى الحيل.
ولهذا احتاج البلد الذي تظهر فيه هذه الحيل إلى سياسة والٍ أو أميرٍ يأخذ على يد الجُناة ويكفُّ شرَّهم عن الناس إذا لم يمكن أربابَ الحيل أن يقوموا بذلك، وهذا بخلاف الأزمنة والأمكنة التي قام الناس فيها بحقائقِ ما بعث الله به رسوله؛ فإنهم لم يحتاجوا معها إلى سياسة أميرٍ ولا والٍ، كما كان أهل المدينة في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فإنهم كانوا يحدُّون بالرائحة وبالقيء وبالحبل وبظهور المسروق عند السارق، ويقتلون في القسامة، ويعاقبون أهلَ التُّهم، ولا يقبلون الدعوى التي تكذِّبها العادة والعرف، ولا يرون الحيل في شيء من الدين ويعاقبون [62/ب] أربابها، ويحبِسون في التُّهم حتى تتبيَّن حالُ المتَّهم، فإن ظهرت براءته خلَّوا سبيله، وإن ظهر فجوره قرَّروه بالعقوبة اقتداءً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عقوبة المتهمين وحبسهم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمةٍ وعاقب في تهمةٍ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى مِن ذكرِ ذلك عنه وعن أصحابه ما فيه شفاء وكفاية وبيان لإغناءِ ما جاء به عن كل والٍ وسائسٍ، وأن شريعته التي هي شريعته لا يُحتاج معها إلى غيرها، وإنما يَحتاج إلى غيرها من لم يُحِط بها علمًا أو لم يقم بها عملًا.
والمقصود أن ما في ضمن المحرَّمات من المفاسد والمأمورات من المصالح يمنع أن يشرع إليها التحيل بما يبيحها ويسقطها، وأن ذلك مناقضة
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 84)
ظاهرة. ألا ترى أنه بالغ في لعن المحلِّل للمفاسد الظاهرة والباطنة التي في التحليل التي يَعجِز البشر عن الإحاطة بتفاصيلها؛ فالتحيل على صحة هذا النكاح بتقديم اشتراط التحليل عليه وإخلاء صلبه عنه إن لم يَزِد مفسدتَه فإنه لا يُزِيلها ولا يخفِّفها. وليس تحريمه والمبالغة في لعن فاعله تعبُّدًا لا يُعقل معناه، بل هو معقول المعنى من محاسن الشريعة، بل لا يمكن شريعةَ الإسلام ولا غيرَها من شرائع الأنبياء أن تأتي بحيلة؛ فالتحيُّل على وقوعه وصحته إبطالٌ لغرض الشارع وتصحيحٌ لغرض المتحيِّل المخادع.
وكذلك الشارع حرَّم الصيد في الإحرام وتوعَّد بالانتقام على من عاد إليه بعد تحريمه، لما فيه من المفسدة الموجبة لتحريمه وانتقام الربّ من فاعله، ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بنَصْب الشِّباك له قبل الإحرام بلحظة، فإذا وقع فيها حالَ الإحرام أخذه بعد الحلِّ بلحظة، فإباحته لمن فعل هذا إبطالٌ لغرض الشارع الحكيم(1) وتصحيحٌ لغرض المخادع.
وكذلك إيجاب الشارع الكفارة على من وطئ في نهار رمضان، فيه من المصلحة جَبْر وَهنِ الصوم، وزجر الواطئ، وتكفير جرمه، واستدراك فرطه(2)، وغير ذلك من المصالح التي علِمَها من شرعَ الكفارة وأحبَّها ورضيَها، فإباحةُ التحيُّلِ لإسقاطها بأن يتغدَّى قبل الجماع ثم يجامع نقضٌ لغرض الشارع وإبطال له، وإعمالٌ لغرض الجاني المتحيِّل وتصحيح له، ثم إن ذلك جناية على حقّ الله وحقّ العبيد؛ فهو إضاعة للحقَّين وتفويت لهما.--------------------------------------------
(1) «الحكيم» ليست في ز.
(2) في النسختين: «ممارطه»، والمثبت من هامش د.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 85)
وكذلك الشارع شرع حدود الجرائم التي تتقاضاها الطِّباع أشدَّ تقاضٍ، لما في إهمال عقوباتها من مفاسد الدنيا والآخرة، بحيث لا يمكن سياسةَ ملكٍ ما من الملوك أن يخلو عن عقوباتها البتةَ، ولا يقوم مُلكه بذلك، فالإذن في التحيُّل لإسقاطها بصورة العقد وغيره مع وجود تلك المفاسد بعينها أو أعظم منها نقضٌ وإبطال لمقصود الشارع، وتصحيح لمقصود الجاني، وإغراء بالفساد، وتسليط للنفوس على الشر.
ويا لله العجب! كيف يجتمع في الشريعة تحريم الزنا والمبالغة [63/أ] في المنع منه وقتلُ فاعله شرَّ القتلات وأقبحها وأشنعها وأشهرها، ثم يسقط بالتحيل عليه بأن يستأجرها لذلك أو لغيره ثم يقضي غرضه منها؟ وهل يَعجِز عن ذلك زانٍ أبدًا؟ وهل في طباع ولاة الأمر أن يقبلوا قول الزاني: أنا استأجرتُها للزنا، أو استأجرتها لتطوِيَ ثيابي ثم قضيتُ غرضي منها، فلا يحلُّ لك أن تقيم عليَّ الحدَّ؟ وهل ركَّب الله في فِطَر الناس سقوطَ الحدّ عن هذه الجريمة التي هي من أعظم الجرائم إفسادًا للفراش والأنساب بمثل هذا؟ وهل يُسقِط الشارع الحكيم الحدَّ عمن أراد أن ينكح أمه وابنته(1) وأخته بأن يعقد عليها العقد ثم يطأها بعد ذلك؟ وهل زاده صورةُ العقد المحرم إلا فجورًا وإثمًا واستهزاءً بدين الله وشرعه ولعبًا بآياته؟ فهل يليق به مع ذلك رفعُ هذه العقوبة عنه وإسقاطها بالحيلة(2) التي فعلها مضمومةً إلى فعل الفاحشة بأمه وابنته؟ فأين القياس وذكر المناسبات والعلل المؤثّرة والإنكار--------------------------------------------
(1) ز: «وبنته».
(2) في النسختين: «بالحسنة» مع كتابة «كذا» فوقها، مما يدلُّ على الشك في صحتها. وفي المطبوعات: «بالحيلة»، وهي الصواب كما يدلّ عليها السياق.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 86)
على الظاهرية؟ فهل بلغوا في التمسُّك بالظاهر عُشرَ معشارِ هذا؟ والذي يُقضَى منه العجب أن يقال: لا يُعتدُّ بخلاف المتمسكين بظاهر القرآن والسنة، ويُعتدُّ بخلاف هؤلاء، والله ورسوله منزَّهٌ عن هذا الحكم.
ويا لله العجب! كيف يسقط القطع عمن اعتاد سرقة أموال الناس، وكلما مُسِكَ معه المال المسروق قال: هذا مِلكي، والدار التي دخلها داري، والرجل الذي دخلتُ دارَه عبدي؟ قال أرباب الحيل: فيسقط عنه الحدّ بدعوى ذلك، فهل تأتي بهذا سياسةٌ قطُّ جائرة أو عادلة، فضلًا عن شريعة نبي من الأنبياء، فضلًا عن الشريعة التي هي أكمل شريعة طرقت العالم؟
وكذلك الشارع أوجب الإنفاق الواجب على الأقارب؛ لما في ذلك من قيام مصالحهم ومصالح المنفق، ولما في تركه(1) من إضاعتهم؛ فالتحيل لإسقاط الواجب بالتمليك في الصورة مناقضةٌ لغرض الشارع، وتتميمٌ لغرض الماكر المحتال، وعودٌ إلى نفس الفساد الذي قصد الشارع إعدامه بأقرب الطرق. ولو تحيَّل هذا المخادع على إسقاط نفقة دوابّه لهلكوا.
وكذلك ما فرضه الله سبحانه للوارث من الميراث هو حقٌّ له جعله أولى من سائر الناس به، فإباحة التحيُّل لإسقاطه بالإقرار بماله كله للأجنبي وإخراجِ الوارث مضادَّةٌ لشرع الله ودينه، ونقضٌ لغرضه، وإتمامٌ لغرض المحتال، وكذلك تعليم المرأة أن تُقِرَّ بدينٍ لأجنبي إذا أراد زوجها السفر بها.--------------------------------------------
(1) د: «تركهم».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 87)
فصل
وأكثر هذه الحيل لا تمشي على أصول الأئمة، بل تُناقضها أعظمَ مناقضة.
وبيانه أن الشافعي رضي الله عنه يحرِّم مسألة مُدّ عجوة ودرهم بمدٍّ ودرهم، ويبالغ في تحريمها(1) بكل طريق خوفًا(2) أن تُتّخذ حيلة على نوع ما من ربا الفضل، فتحريمه للحيل الصريحة التي يتوصَّل بها إلى ربا النَّساء أولى [63/ب] من تحريم مُدِّ عجوة بكثير؛ فإن التحيل بمدّ ودرهم من الطرفين على ربا الفضل أخفُّ من التحيل بالعِينة على ربا النَّساء، وأين مفسدة هذه من مفسدة تلك؟ وأين حقيقة الربا في هذه من حقيقته في تلك؟ وأبو حنيفة يحرِّم مسألة العِينة، وتحريمه لها يوجب تحريمه للحيلة في مسألة مُدِّ عجوة بأن يبيعه خمسة عشر درهمًا بعشرة في خرقة؛ فالشافعي يبالغ في تحريم مسألة مدّ عجوة ويبيح العِينة، وأبو حنيفة يبالغ في تحريم العينة ويبيح مسائل مُدّ عجوة، ويتوسع فيها، وأصلُ كلٍّ من الإمامين رضي الله عنهما في أحد البابين يستلزم إبطالَ الحيلة في الباب الآخر، وهذا من أقوى التخريج على أصولهم ونصوصهم، وكثير من الأقوال المخرَّجة دون هذا.
فقد ظهر أن الحيل المحرَّمة في الدين تقتضي رفع التحريم مع قيام موجبه ومقتضيه وإسقاط الوجوب مع قيام سببه، وذلك حرام من وجوه:
أحدها: استلزامها فعلَ المحرَّم وترك الواجب.--------------------------------------------
(1) ز: «تحريمه».
(2) «خوفا» ساقطة من ز.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 88)
والثاني: ما يتضمن من المكر والخداع والتلبيس.
والثالث: الإغراء بها والدلالة عليها وتعليمها من لا يُحسِنها.
والرابع: إضافتها إلى الشارع وأن أصول شرعه ودينه تقتضيها.
والخامس: أن صاحبها لا يتوب منها ولا يعدُّها ذنبًا.
والسادس: أنه يخادع الله كما يخادع المخلوق.
والسابع: أنه يسلِّط أعداء الدين على القدح فيه وسوءِ الظن به وبمن شرعه.
والثامن: أنه يُعمِل فكره واجتهاده في نقض ما أبرمه الرسول وإبطالِ ما أوجبه وتحليلِ ما حرمه.
والتاسع: أنه إعانة ظاهرة على الإثم والعدوان، وإنما اختلفت الطريق؛ فهذا يُعِين عليه بحيلة ظاهرُها صحيح مشروع يتوصل بها إليه، وذاك يُعِين عليه بطريقه المفضية إليه بنفسها، فكيف كان هذا مُعِينًا على الإثم والعدوان والمتحيلُ المخادع يُعِين على البر والتقوى؟
العاشر: أن هذا ظلم في حق الله وحق رسوله وحق دينه وحق نفسه وحق العبد المعين وحقوق عموم المؤمنين؛ فإنه يُغرِي به ويعلّمه ويدلُّ عليه، والمتوصِّل إليه بطريق المعصية لا يظلم إلا نفسه. ومن تعلَّق به ظلمه من المعينين فإنه لا يزعم أن ذلك دين وشرع ولا يقتدي به الناس، فأين فسادُ أحدهما من الآخر وضررُه من ضرره؟ وبالله التوفيق.
* * * *
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 89)
فصل
قال أرباب الحيل: قد أكثرتم مِن ذمّ الحيل، وأجلبتم بِخَيل الأدلة ورَجِلها وسمينها ومهزولها، فاسمعوا الآن تقريرها واشتقاقها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأئمة الإسلام، وأنه لا يمكن أحدًا إنكارُها.
قال الله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44] فأذن لنبيه أيوب أن يتحلَّل من يمينه بالضرب بالضِّغْث(1)، وقد كان نذر أن يضربها [64/أ] ضرباتٍ معدودة، وهي في المتعارف الظاهر إنما تكون متفرقة؛ فأرشده سبحانه إلى الحيلة في خروجه من اليمين. فنقيسُ عليه سائر الباب، ونسمِّيه وجوهَ المخارج من المضايق، ولا نُسمِّيه بالحيل التي يَنفُر الناس من اسمها.
وأخبر تعالى عن نبيه يوسف عليه السلام(2) أنه جعل صُواعه في رَحْل أخيه ليتوصَّل بذلك إلى أخذه من إخوته، ومدحه بذلك، وأخبر أنه برضاه وإذنه، كما قال: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]، فأخبر أن هذا كيده لنبيه وأنه بمشيئته، وأنه يرفع درجة عبده بلطيف العلم ودقيقه الذي لا يهتدي إليه سواه، وأن ذلك من علمه وحكمته.
وقال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل:--------------------------------------------
(1) هو كل ما جُمع وقُبض عليه بجُمْع الكفّ ونحوه.
(2) د: «صلى الله عليه وسلم».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 90)
50]، فأخبر سبحانه أنه مكرَ بمن مكرَ بأنبيائه ورسله، وكثير من الحيل هذا شأنها، يُمكَر بها على الظالم والفاجر ومن يَعْسُر تخليص الحق منه؛ فتكون وسيلةً إلى نصر مظلوم وقهر ظالم ونصر حق وإبطال باطل. والله سبحانه قادر على أخذهم بغير وجه المكر الحسن، ولكن جازاهم بجنس عملهم، وليُعلِم عبادَه أن المكر الذي يُتوصَّل به إلى إظهار الحق ويكون عقوبةً للماكر ليس قبيحًا.
وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]، وخداعه لهم أن يُظهِر لهم أمرًا ويُبطِن لهم خلافَه. فما تنكرون على أرباب الحيل الذين يُظهِرون أمرًا يتوصَّلون به إلى باطنٍ غيره اقتداءً(1) بفعل الله تعالى؟
وقد روى البخاري في «صحيحه»(2) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمرٍ جَنيبٍ، فقال: «أكلُّ تمْرِ خيبَر هكذا؟» قال: إنّا لنأخذُ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاث، فقال: «لا تفعلْ، بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم ابتَعْ بالدراهم جنيبًا»، وقال في الميزان(3) مثل ذلك. فأرشده إلى الحيلة على التخلُّص من الربا(4) بتوسط العقد الآخر، وهذا أصلٌ في جواز العِينة.--------------------------------------------
(1) في النسختين د، ز: «افتوا». والمثبت كما في المطبوع.
(2) رقم (2302).
(3) في النسختين: «القرآن». والتصويب من البخاري. قال الحافظ في «الفتح» (4/ 481): أي والموزون مثل ذلك، لا يباع رطل برطلين.
(4) «من الربا» ساقطة من ز.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 91)
وهل الحيل إلا معاريض في الفعل على وِزان(1) المعاريض في القول؟ وإذا كان في المعاريض مندوحةٌ عن الكذب ففي معاريض الفعل مندوحةٌ عن المحرَّمات وتخلُّصٌ(2) من المضايق.
وقد لقي النبي صلى الله عليه وسلم طائفةً من المشركين وهو في نفر من أصحابه، فقال المشركون: ممن أنتم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماءٍ»، فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: أحياءُ اليمن كثير، فلعلهم منهم، وانصرفوا(3).
وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: احملني، فقال: «ما عندنا إلا ولدُ ناقةٍ»، فقال: ما أصنع بولد ناقة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل تَلد الإبلَ إلا النوقُ؟»(4).
وقد رأت امرأة عبد الله بن رواحة عبد الله على جارية له، فذهبتْ وجاءت بالسكّين، فصادفتْه قد قضى حاجته، فقالت: لو وجدتُك على الحال التي كنتَ عليها لوجَأْتُك، فأنكر، فقالت: فاقرأْ إن كنتَ صادقًا، [64/ب] فقال:--------------------------------------------
(1) د: «وزن».
(2) «عن المحرمات وتخلص» ساقطة من ز.
(3) رواه الواقدي في «المغازي» (1/ 18) وابن هشام في «السيرة» (2/ 189) والطبري في «التاريخ» (2/ 27، 436) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان، وهو مرسل.
(4) رواه أحمد (13817) وأبو داود (4998) والترمذي (1991) وأبو يعلى (3776) عن أنس، وصححه الترمذي والبغوي في «شرح السنة» (13/ 181) والألباني في «مختصر الشمائل» (203).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 92)
شهدتُ بأن وعد الله حقٌّ … وأن النار مَثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طافٍ … وفوق العرش ربُّ العالمينا
وتَحمِله ملائكةٌ شِدادٌ … ملائكةُ الإلهِ مسوّمينا
فقالت: آمنتُ بكتاب الله وكذَّبتُ بصري. فبلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فضحك ولم ينكر عليه(1). وهذا تحيّلٌ منه بإظهار القراءة لما أوهم أنه قرآن ليتخلَّص به من مكروه الغيرة.
وكان بعض السلف إذا أراد أن لا يَطعم طعامَ رجلٍ قال: أصبحتُ صائمًا، يريد أنه أصبح فيما سلف قبل ذلك اليوم صائمًا(2).
وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه بعض غرمائه وليس عنده ما يعطيه قال: أُعطيك في أحد اليومين إن شاء الله، يريد بذلك يومي الدنيا والآخرة.
وسأل رجل عن المرّوذي(3) وهو في دار أحمد بن حنبل، فكره الخروج إليه، فوضع أحمد إصبعه في كفه وقال: ليس المرّوذي هاهنا، وما يصنع المرّوذي هاهنا؟(4).--------------------------------------------
(1) رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/ 259) والدارقطني (1/ 120، 121) والبيهقي في «الخلافيات» (2/ 31) من طريق زمعة ين صالح عن سلمة بن وَهْرَام عن عكرمة عن ابن رواحة، وعكرمة لم يلق ابن رواحة، وزمعة ضعيف، وضعف الحديث عبد الحق في «الأحكام الوسطى» (1/ 174) والنووي في «المجموع» (2/ 159) وابن عبد الهادي في «التنقيح» (1/ 244).
(2) ز: «فيما سلف صائمًا قبل ذلك».
(3) في المطبوع: «المروزي»، تصحيف.
(4) الخبر في «مناقب الإمام أحمد» (ص 302) و «سير أعلام النبلاء» (11/ 319). وفيهما أن مهنّا الذي وضع إصبعه وقال: ليس المروذي هاهنا، فضحك أحمد ولم ينكر عليه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 93)
وحضر سفيان الثوري مجلسًا، فلما أراد النهوض منعوه، فحلف أنه يعود، ثم خرج وترك نعله كالناسي لها، فلما خرج عاد وأخذها وانصرف.
وقد كان لشُريح في هذا الباب فقه دقيق، كما أعجب رجلًا فرسُه وأراد أخذها منه، فقال له شريح: إنها إذا رَبَضَتْ لم تقم حتى تُقام، فقال الرجل: أف أف، وإنما أراد شريح أن الله هو الذي يُقِيمها(1).
وباع من رجل ناقةً، فقال له المشتري: كم تحمل؟ فقال: احملْ على الحائط ما شئتَ، فقال: كم تحلب؟ قال: احلُبْ في أيّ إناء شئتَ، قال: كيف سيرها؟ قال: الريح لا تلحق. فلما قبضها المشتري لم يجد شيئًا من ذلك، فجاء إليه وقال: ما وجدتُ شيئًا من ذلك، فقال: ما كَذَبتُك(2).
قالوا: ومن المعلوم أن الشارع جعل العقود وسائلَ وطُرقًا إلى إسقاط الحدود والمأثم، ولهذا لو وطئ الإنسان امرأة أجنبية من غير عقد ولا شبهةٍ لزمه الحدُّ، فإذا عقد عليها عقد النكاح ثم وطئها لم يلزمه الحدُّ، وكان العقد حيلة على إسقاط الحد. بل قد جعل الله سبحانه الأكل والشرب واللباس حيلةً على دفع أذى الجوع والعطش والبرد، والأكْنانَ(3) حيلة على دفع أذى الصائل من الحيوان وغيره، وعقد التبايع حيلة على حصول الانتفاع بملك--------------------------------------------
(1) ذكره الخصاف في «الحيل» (ص 2).
(2) ذكره ابن حبان في «الثقات» (6/ 20) بنحوه.
(3) د: «والاكنا». وفي المطبوع: «والاكتفاء»، تحريف. والأكنان جمع كِنّ: كل ما يردُّ الحرّ والبرد من الأبنية والغيران ونحوها.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 94)
الغير، وسائر العقود حيلة على التوصُّل إلى ما لا يباح إلا بها، وشرع الرهن حيلة على رجوع صاحب الدين في ماله من عين الرهن إذا أفلس الراهن أو تعذَّر الاستيفاء منه.
وقد روى سلمة بن صالح عن يزيد الواسطي عن عبد الكريم عن عبد الله ابن بُريدة [عن أبيه] قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أعظم آية في كتاب الله، فقال: «لا أخرج من المسجد حتى أُخبرك»، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من مجلسه، فلما أخرج إحدى رجليه أخبره بالآية [65/أ] قبل أن يُخرِج رِجلَه الأخرى(1). وقد بنى الخصاف «كتابه في الحيل»(2) على هذا الحديث، ووجه الاستدلال به أن من حلف لا يفعل شيئًا فأراد التخلُّص من الحِنْث بفعل بعضه لم يكن حانثًا، فإذا حلف لا يأكل هذا الرغيف ولا يأخذ هذا المتاع فلْيدَعْ بعضه ويأخذ الباقي ولا يحنث، وهذا أصل في بابه في التخلُّص من الأيمان.
وهذا السلف الطيب قد فتحوا لنا هذا الباب، ونهجوا لنا هذا(3) الطريق، فروى قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم في رجل أخذه رجل فقال: إن لي معك حقًّا، فقال: لا، فقال: احلِفْ لي بالمشي إلى بيت الله، فقال: يحلف له بالمشي إلى بيت الله، ويعني به مسجد حيِّه(4).--------------------------------------------
(1) رواه الدارقطني (1183) والبيهقي (10/ 62) بهذا الطريق، وسلمة وعبد الكريم ضعيفان، وضعّف الحديث البيهقي والذهبي في «التنقيح» (1/ 145)، وأشار إلى ضعفه الدارقطني في «الغرائب» (2/ 329). والزيادة من المصادر.
(2) انظر (ص 2) منه.
(3) ز: «فيها».
(4) رواه الخصاف في «الحيل» (ص 2) بهذا الإسناد، وقيس ضعيف.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 95)
وبهذا الإسناد أنه قال له رجل: إن فلانًا أمرني أن آتي مكانَ كذا وكذا، وأنا لا أقدر على ذلك المكان، فكيف الحيلة؟ قال: يقول: والله ما أُبصِر إلا ما سدَّدني غيري(1).
وذكر عبد الملك بن مَيْسرة عن النزَّال بن سَبْرة قال: جعل حذيفة يحلف لعثمان بن عفان على أشياء بالله ما قالها، وقد سمعناه يقولها، فقلنا: يا أبا عبد الله، سمعناك تحلف لعثمان على أشياء ما قلتَها، وقد سمعناك قلتَها، فقال: إني أشتري ديني بعضَه ببعضٍ مخافةَ أن يذهب كلُّه(2).
وذكر قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم أن رجلًا قال له: إني أنال من رجل شيئًا فيبلغه عني، فكيف أعتذر إليه؟ فقال له إبراهيم: قُل: والله إن الله ليعلم ما قلتُ من ذلك من شيء(3).
وكان إبراهيم يقول لأصحابه إذا خرجوا من عنده وهو مستخفٍ من الحجاج: إن سُئلتم عني فاحلفوا بالله لا تدرون أين أنا، ولا في أيّ موضع أنا، واعْنُوا لا تدرون أين أنا من البيت، وفي أي موضع منه، وأنتم صادقون(4).
وقال مجاهد عن ابن عباس: ما يسُرُّني بمعاريض الكلام حُمْرُ النَّعم(5).--------------------------------------------
(1) انظر التعليق السابق.
(2) رواه ابن أبي شيبة (33721) والطبري في «تهذيب الآثار ــ مسند علي» (ص 143) وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 279) من طرق عن الأعمش عن ابن ميسرة به، وسنده صحيح.
(3) رواه الخصاف في «الحيل» (ص 2)، وفيه قيس بن الربيع ضعيف.
(4) المصدر السابق.
(5) رواه الخصاف (ص 3) من طريق الحسن بن عمارة، وهو ضعيف جدًّا. وأخرجه ابن أبي شيبة (26621) والطبري في «تهذيب الآثار ــ مسند علي» (ص 145) من طريق منصور عن ابن عباس، وهو منقطع بينهما.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 96)
وقد ثبت في الصحيح من حديث حُميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط ــ وكانت من المهاجرات الأُول ــ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص في الكذب في ثلاث: في الرجل يُصلِح بين الناس، والرجل يَكذِب لامرأته، والكذب في الحرب(1).
وقال معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه: حدثني نُعيم بن أبي هند عن سُويد بن غَفَلة أن عليًّا لما قتل الزنادقة نظر في الأرض، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: صدق الله ورسوله، ثم قام فدخل بيته، فأكثر الناس في ذلك، فدخلتُ عليه فقلت: يا أمير المؤمنين أشيء عهدَ إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شيء رأيتَه؟ فقال: هل عليَّ من بأسٍ(2) أن أنظر إلى السماء؟ قلت: لا، قال: فهل عليَّ من بأسٍ أن أنظر إلى الأرض؟ قلت: لا، قال: فهل عليَّ من بأسٍ أن أقول صدق الله ورسوله؟ قلت: لا، قال: فإني رجل مُكايد(3).--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (2605) وأبو داود (4921) والنسائي في «الكبرى» (8/ 36)، وأعلّه الحافظ في «الفتح» (5/ 300) بالإدراج. وانظر: «الصحيحة» (545).
(2) ز: «لي علي بأس».
(3) رواه أحمد بن منيع كما في «إتحاف الخيرة» (4/ 73) من طريق يزيد بن هارون، والخصاف (ص 3) من طريق عبد الله بن الفضل وأبي عمر بن سليمان عن سليمان التيمي، وسنده صحيح، صححه الحافظ في «المطالب العالية» (2/ 364) والبوصيري. وأخرجه الطبري في «تهذيب الآثار ــ مسند علي» (ص 79) من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 97)