بستمائة درهم نقدًا، فأقبلتْ عليها وهي غضبى، فقالت: بئسما شريتِ، وبئسما اشتريتِ، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب، وأفحمت صاحبتنا فلم تكلّم طويلًا، ثم إنها سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلَتْ عليها: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275](1).
وأيضًا فهذا الحديث إذا انضمَّ إلى تلك الأحاديث والآثار أفادت بمجموعها الظن الغالب إن لم تفد اليقين.
وأيضًا فإن آثار الصحابة كما تقدم موافِقةٌ لهذا الحديث، مشتقَّة منه، مفسِّرة له.
وأيضًا فلو لم يأتِ في هذه المسألة أثر لكان محضُ القياس ومصالح العباد وحكمة الشريعة تحريمها أعظم من تحريم الربا، فإنها ربا مستحلّ بأدنى الحيل.
وأيضًا فكيف يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت آكل الربا وموكله، وبالغت في تحريمه، وآذنت صاحبه بحرب من الله ورسوله، أن تُبيحه بأدنى الحيل مع استواء المفسدة؟ ولولا أن عند أم المؤمنين رضي الله عنها علمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تستريب فيه ولا تشكُّ بتحريم مسألة العينة لما أقدمتْ على الحكم بإبطال جهاد رجل من الصحابة باجتهادها، لا سيما إن كانت قصدت أن العمل يبطل بالردة، واستحلال الربا ردة، ولكن عذر زيدٍ أنه لم يعلم أن--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 58)
هذا محرم، كما عُذِر ابن عباس بإباحته بيعَ الدرهم بالدرهمين(1)، وإن لم يكن قصدها هذا، بل قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد، ويصير بمنزلة من عمل حسنةً وسيئةً بقدرها فكأنه لم يعمل شيئًا، ولو كان هذا اجتهادًا منها لم تمنع زيدًا منه، ولم تحكم ببطلان جهاده، ولم تَدْعُه إلى التوبة؛ فإن الاجتهاد لا يحرِّم الاجتهاد، ولا يُحكَم ببطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد نظيره، والصحابة ــ ولا سيما أم المؤمنين ــ أعلم بالله ورسوله، وأفقه في دينه من ذلك.
وأيضًا فإن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس أفتوا بتحريم مسألة العِينة(2)، وغلَّظوا فيها هذا التغليظ في أوقات ووقائع مختلفة؛ فلم يجئ عن واحد من الصحابة ولا التابعين الرخصة فيها، فيكون إجماعًا.
فإن قيل: فزيد بن أرقم قد خالف عائشة ومن ذكرتم، فغاية الأمر أنها مسألة قولين للصحابة، وهي مما يسوغ فيها الاجتهاد.
قيل: لم يقل زيد قطُّ إن هذا حلال، ولا أفتى بها يومًا ما، ومذهب الرجل لا يؤخذ من فعله؛ إذ لعله فعله ناسيًا أو ذاهلًا أو غيرَ متأمل ولا ناظر أو متأولًا أو ذنبًا يستغفر منه ويتوب أو يصرُّ عليه وله حسنات تقاومه، فلا تؤثّر شيئًا. قال بعض السلف(3): [أضعفُ](4) العلمِ علم الرؤية، يعني أن--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه
(3) بنحوه قال عطاء الخراساني. ذكره ابن عبد البر في «الجامع» (1447).
(4) الزيادة من «بيان الدليل» (ص 79) المصدر الذي نقل عنه المؤلف، وبها يستقيم المعنى.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 59)
يقول: رأيت فلانًا يفعل كذا وكذا؛ ولعله قد فعله ساهيًا. وقال إياس بن معاوية: لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن سَلْه [57/أ] يصدقك(1).
ولم يُذكر عن زيد أنه أقام على هذه المسألة بعد إنكار عائشة، وكثيرًا ما يفعل الرجل الكبير الشيء مع ذهوله عما في ضمنه من مفسدة فإذا نُبِّه انتبه. وإذا كان الفعل محتملًا لهذه الوجوه وغيرها لم يجز أن يقدَّم على المحكم، ولم يجز أن يقال: مذهب زيد بن أرقم جواز العِينة، لا سيما وأم ولده قد دخلت على عائشة تستفتيها وأفتَتْها بأخذ رأس مالها، وهذا كله يدل على أنهما لم يكونا جازمين بصحة العقد وجوازه، وأنه مما أباحه الله ورسوله.
وأيضًا فبيع العينة إنما يقع غالبًا من مضطرٍّ إليها، وإلا فالمستغني عنها لا يَشْغَل ذمته بألف وخمسمائة في مقابلة ألف بلا ضرورة وحاجةٍ تدعو إلى ذلك، وقد روى أبو داود(2) من حديث علي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطرّ، وبيع الغَرر، وبيع الثمرة قبل أن تُدرك.
وفي «مسند الإمام أحمد»(3) عنه قال: سيأتي على الناس زمان عَضوضٌ يَعَضُّ الموسِرُ على ما في يديه، ولم يؤمَرْ(4) بذلك، قال الله تعالى:--------------------------------------------
(1) رواه القاضي وكيع في «أخبار القضاة» (1/ 350) والسهمي في «تاريخ جرجان» بنحوه (ص 213).
(2) رقم (3382). ورواه أيضًا أحمد (937) ــ كما سيأتي ــ والبيهقي (5/ 84) من حديث علي رضي الله عنه. وفي إسناده أبو عامر المزني واسمه صالح بن رُستم متكلم فيه، وكذلك فيه راوٍ لم يسم.
(3) تقدم تخريجه آنفًا.
(4) د: «ولم يؤثر»، تصحيف.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 60)
{وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]، ويَنْهَدُ الأشرار، ويُستذلُّ الأخيار، ويُبايَعُ(1) المضطرون، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطرّ، وعن بيع الغَرر، وبيع الثمر قبل أن يطعم.
وله شاهد من حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه سعيد(2) عن هُشيم عن كوثر بن حكيم عن مكحول: بلغني عن حذيفة أنه حدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بعد زمانكم هذا زمانًا عَضوضًا، يعضُّ الموسر على ما في يديه، ولم يُؤمر(3) بذلك، قال الله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39]، ويَنْهَد شرار خلق الله، يبايعون كلَّ مضطر، ألا إنّ بيعَ المضطرّ حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخونه، إن كان عندك خير فعُدْ به على أخيك، ولا تزِدْه هلاكًا إلى هلاكه».
وهذا من دلائل النبوة، فإن عامة العِينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضِنُّ بها(4) عليه الموسر بالقرض حتى يربح عليه في المائة ما أحب، وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهو--------------------------------------------
(1) في النسختين: «ويباع». والتصويب من «المسند».
(2) رواه سعيد بن منصور كما في «المحلى» (9/ 22) و «بيان الوهم والإيهام» (2/ 158) وأبو يعلى كما في «المطالب العالية» (967). وفي إسناده كوثر بن حكيم متكلم فيه، وكذلك الانقطاع بين مكحول وحذيفة. قال ابن كثير في «تفسيره» (6/ 523): هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده ضعف. وانظر: «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (2/ 158).
(3) في النسختين: «ولم يؤثر». والتصويب من مصادر التخريج و «بيان الدليل».
(4) ز: «يصرفها»، تحريف.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 61)
التورُّق، وإن رجعتْ إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلِّل الربا، والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون، وأخفُّها التورُّق، وقد كرهه عمر بن عبد العزيز، وقال: هو آخِيَةُ الربا(1). وعن أحمد فيه روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وهذا من فقهه رضي الله عنه، فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر.
وكان شيخنا رضي الله عنه يمنع من مسألة التورُّق، ورُوجع فيها وأنا حاضر مرارًا، فلم يرخِّص فيها(2)، وقال: المعنى الذي لأجله حُرِّم الربا موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها؛ فالشريعة لا تحرّم الضرر الأدنى وتُبيح ما هو أعلى منه. [57/ب] وقد تقدَّم الاستدلال على تحريم العينة بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحلُّ سلفٌ وبيع، ولا شرطانِ في بيع»(3)، وبقوله: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسُهما أو الربا»(4)، وأن ذلك لا يمكن وقوعه إلا على العِينة.
ومما يدلُّ على تحريم الحيل قوله صلى الله عليه وسلم: «صيدُ البرّ لكم حلال، ما لم تَصيدوه أو يُصَدْ لكم». رواه أهل السنن(5).--------------------------------------------
(1) انظر: «بيان الدليل» (ص 82). وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (20158) قوله في العِينة إنها أخت الربا.
(2) انظر: «مجموع الفتاوى» (29/ 302، 303، 431، 434، 439، 446، 500، 502).
(3) تقدم تخريجه.
(4) رواه أبو داود (3461)، وابن حبان (4974)، والحاكم (2/ 45) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وصححاه، وحسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (2326).
(5) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 62)
ومما يدلُّ على تحريمها ما رواه ابن ماجه في «سننه»(1) عن يحيى بن أبي إسحاق قال: سألت أنس بن مالك: الرجل منّا يُقرِض أخاه المالَ فيُهدي إليه، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقرضَ أحدكم قرضًا فأُهدِي إليه أو حمله على الدابة فلا يركَبْها ولا يقبَلْه إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك». رواه من حديث إسماعيل بن عيّاش عن عُتبة بن حُميد الضبّي عن يحيى.
قال شيخنا(2) رضي الله عنه: وهذا يحيى بن يزيد الهُنَائي من رجال مسلم، وعتبة بن حميد معروف بالرواية عن الهنائي. قال أبو حاتم مع تشدده: هو صالح الحديث. وقال أحمد: ليس بالقوي(3). وإسماعيل بن عيّاش ثقة في حديثه عن الشاميين(4).
ورواه سعيد في «سننه»(5) عن إسماعيل بن عيّاش، لكن قال: عن يزيد بن أبي إسحاق(6) الهُنائي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك رواه البخاري في «تاريخه»(7) عن يزيد بن أبي يحيى الهُنائي عن أنس يرفعه: «إذا--------------------------------------------
(1) رقم (2432). وقد تقدم تخريجه.
(2) في «بيان الدليل» (ص 262).
(3) انظر لهذين القولين: «الجرح والتعديل» (6/ 370).
(4) انظر: «تاريخ بغداد» (7/ 186) و «تهذيب الكمال» (3/ 163).
(5) ومن طريقه البيهقي (5/ 350).
(6) كذا في النسختين، وفي البيهقي و «بيان الدليل»: «يزيد بن أبي يحيى».
(7) الذي وجدته في «التاريخ الكبير» (8/ 310): «يحيى بن يزيد أبو يزيد الهنائي، بصري، سمع أنس بن مالك، قاله شعبة. وقال خلف بن خليفة: كنيته أبو نصر. قاله لنا آدم نا شعبة سمع يحيى بن يزيد: قلت لأنس في الرجل يكون له الدين، قال: لا يرتدف خلف دابته. وقال أبو معاوية عن أبي قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خطأ».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 63)
أقرض أحدكم فلا يأخذ هدية». قال شيخنا(1): وأظنه هو ذاك، انقلب اسمه.
وفي «صحيح البخاري»(2) عن أبي بُرْدَة بن أبي موسى قال: قدمتُ المدينة، فلقيتُ عبد الله بن سلام، فقال لي: إنك بأرضٍ الربا فيها فاشٍ، فإذا كان لك على رجل حقٌّ فأهدى إليك حِمْلَ تِبْنٍ أو حِملَ شعيرٍ أو حِملَ قَتٍّ فلا تأخذه فإنه ربًا».
وفي «سنن سعيد» هذا المعنى عن أبي بن كعب(3)، وجاء عن ابن مسعود أيضًا(4). وأتى رجل عبدَ الله بن عمر فقال: إني أقرضتُ رجلًا بغير معرفة فأهدى إليَّ هدية جَزْلةً، فقال: رُدَّ إليه هديَّتَه أو احْسُبْها له(5). وقال سالم بن أبي الجعد: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أقرضتُ رجلًا يبيع السمك عشرين درهمًا، فأهدى لي سمكةً قوَّمتُها بثلاثة عشر درهمًا، فقال: خذْ منه سبعةَ دراهم(6)، ذكرهما سعيد. وذكر حرب عن ابن عباس: إذا--------------------------------------------
(1) في «بيان الدليل» (ص 263).
(2) رقم (3814).
(3) ورواه عبد الرزاق (14652) والبيهقي (5/ 349)، وفي إسناده كلثوم بن الأقمر، قال ابن المديني فيه: مجهول. انظر: «ميزان الاعتدال» (3/ 412).
(4) رواه البيهقي (5/ 350)، وأعلّه بالانقطاع؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من ابن مسعود - رضى الله عنه -.
(5) رواه عبد الرزاق (14654)، وإسناده منقطع؛ لأن أبا إسحاق السبيعي لم يسمع من ابن عمر رضي الله عنهما.
(6) رواه البيهقي (5/ 349).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 64)
أسلفتَ رجلًا سلفًا فلا تأخذ منه هدية ولا عارية ركوب دابة(1).
فنهى النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه المقرِضَ عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء؛ لأن المقصود بالهدية أن يؤخّر الاقتضاء وإن كان لم يشترط ذلك سدًّا لذريعة الربا، فكيف تجوز الحيلة على الربا؟ ومن لم يَسُدَّ الذرائع ولم يُراعِ المقاصد ولم يحرِّم الحيل يبيح ذلك كله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهَدْي أصحابه أحقُّ أن يتبع. وقد تقدم تحريمُه السلفَ والبيعَ لأنه يُتخذ حيلةً إلى الربا.
ويدل على تحريم الحيل الحديث الصحيح، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يُجمَع بين متفرق ولا يُفرَّق بين مجتمع خشيةَ الصدقة»(2). وهذا نصٌّ في تحريم الحيلة المفضية إلى [58/أ] إسقاط الزكاة أو تنقيصها بسبب الجمع والتفريق، فإذا باع بعض النصاب قبل تمام الحول تحيُّلًا على إسقاط الزكاة فقد فرّق بين المجتمع، فلا تسقط الزكاة عنه بالفرار منها.
ومما يدلُّ على تحريمها قوله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6]، قال المفسرون من السلف ومن بعدهم: لا تُعطِ عطاء تطلب أكثر منه، وهو أن تُهدِي ليُهدَى إليك أكثر مما أهديتَ.
وهذا كله يدلُّ على أن صور العقود غير كافية في حِلّها وحصول أحكامها إلا إذا لم يقصد بها قصدًا فاسدًا، وكلُّ ما لو شرطه في العقد كان--------------------------------------------
(1) رواه عبد الرزاق (14650) وابن أبي شيبة (21058).
(2) رواه البخاري (1450) من حديث أبي بكر رضي الله عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 65)
حرامًا فاسدًا فقصده حرام فاسد، واشتراطه إعلان وإظهار للفساد، وقصده ونيته غِشٌّ وخداع ومكر؛ فقد يكون أشدَّ فسادًا من الاشتراط ظاهرًا من هذه الجهة، والاشتراط الظاهر أشدُّ فسادًا منه من جهة إعلان المحرَّم وإظهاره.
ومما يدّل على التحريم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعوا على تحريم هذه الحيل وإبطالها، وإجماعهم حجة قاطعة، بل هي من أقوى الحجج وآكدِها، ومن جعلهم بينه وبين الله فقد استوثق لدينه.
بيان المقدمة الأولى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «لا أُوتَى بمحلِّلٍ ولا محلَّلٍ له إلا رجمتُهما»(1). وأقرَّه سائر الصحابة على ذلك، وأفتى عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر أن المرأة لا تَحِلُّ بنكاح التحليل(2).
وقد تقدم عن غير واحد من أعيانهم كأُبيّ وابن مسعود وعبد الله بن سلام وابن عمر وابن عباس أنهم نَهَوا المقرِض عن قبول هدية المقترض، وجعلوا قبولها ربًا.
وقد تقدم عن عائشة وابن عباس وأنس تحريم مسألة العينة، والتغليظ فيها، وأفتى عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وغيرهم من الصحابة أن المبتوتة في مرض الموت ترِث(3)، ووافقهم سائر المهاجرين والأنصار من--------------------------------------------
(1) رواه عبد الرزاق (10777)، وابن أبي شيبة (17363).
(2) قول عثمان رواه البيهقي (7/ 208)، وقول علي وابن عباس عند عبد الرزاق (10803، 10779)، وقول ابن عمر عند ابن أبي شيبة (17365).
(3) أما فتوى عمر وعثمان فرواهما عبد الرزاق (12201، 12191)، وأما فتوى علي وأُبي بن كعب فرواهما ابن أبي شيبة (19381، 19373).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 66)
أهل بدر وبيعة الرضوان ومن عداهم.
وهذه وقائع متعددة لأشخاص متعددة في أزمان متعددة، والعادة توجب اشتهارها وظهورها بينهم، لا سيما وهؤلاء أعيان المفتين من الصحابة الذين كانت تُضبط أقوالهم، ويُنتَهى إلى(1) فتاويهم، والناس عنق واحد إليهم متلقُّون لفتاويهم، ومع هذا فلم يحفظ عن أحد منهم إلا الإنكار، ولا إباحة الحيل مع تباعد الأوقات وزوال أسباب السكوت. وإذا كان هذا قولهم في التحليل والعينة وهدية المقترض إلى المقرِض فماذا يقولون في التحيُّل لإسقاط حقوق المسلمين، بل لإسقاط حقوق رب العالمين، وإخراجِ الأبضاع والأموال عن مِلك أربابها، وتصحيحِ العقود الفاسدة والتلاعب بالدين؟ وقد صانهم الله سبحانه أن يروا في وقتهم من يفعل ذلك أو يفتي به، كما صانهم عن رؤية الجهمية والمعتزلة [58/ب] والحلولية والاتحادية وأضرابهم، وإذا ثبت هذا عنهم فيما ذكرنا من الحيل فهو دليل على قولهم فيما هو أعظم منها.
وأما المقدمة الثانية فكلُّ من له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله ثم أنصفَ لم يشكَّ أن تقرير هذا الإجماع منهم على تحريم الحيل وإبطالها ومنافاتها للدين أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس وغير ذلك مما يُدَّعى فيه إجماعهم، كدعوى إجماعهم على عدم وجوب غسل الجمعة، وعلى المنع من بيع أمهات الأولاد، وعلى الإلزام بالطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وأمثال ذلك. فإذا وازنتَ بين هذا الإجماع وتلك الإجماعات--------------------------------------------
(1) د: «وتنتهي إليهم».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 67)
ظهر لك التفاوتُ، وانضم إلى هذا أن التابعين موافقون لهم على ذلك؛ فإن الفقهاء السبعة وغيرهم من فقهاء المدينة الذين أخذوا عن زيد بن ثابت وغيره متفقون على إبطال الحيل، وكذلك أصحاب عبد الله بن مسعود من أهل الكوفة، وكذلك أصحاب فقهاء البصرة كأيوب وأبي الشعثاء والحسن وابن سيرين، وكذلك أصحاب ابن عباس.
وهذا في غاية القوة من الاستدلال، فإنه انضمَّ إلى كثرة فتاويهم بالتحريم في أفراد هذا الأصل وانتشارها أن عصرهم انصرم، ورقعة الإسلام متسعة، وقد دخل الناس في دين الله أفواجًا، وقد اتسعت الدنيا على المسلمين أعظمَ اتساع، وكثر من كان يتعدَّى الحدود، وكان المقتضي لوجود هذه الحيل موجودًا، فلم يُحفظ عن رجل واحد منهم أنه أفتى بحيلة واحدة منها وأمر بها أو دلّ عليها، بل المحفوظ عنهم النهي والزجر عنها؛ فلو كانت هذه الحيل مما يسوغ فيها الاجتهاد لأفتى بجوازها رجل منهم، ولكانت مسألة نزاعٍ كغيرها، بل أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم متفقة على تحريمها والمنع منها، ومضى على أثرهم أئمة الحديث والسنة في الإنكار.
قال الإمام أحمد في رواية موسى بن سعيد الدَّنداني(1): لا يجوز شيء من الحيل(2). وقال في رواية الميموني وقد سأله عمن حلف على يمين ثم احتال لإبطالها، فقال: نحن لا نرى الحيلة(3). وقال في رواية بكر بن--------------------------------------------
(1) ز: «الديرانى» بالراء وبدون نقط. وانظر: «طبقات الحنابلة» (1/ 332) و «الأنساب» (5/ 346).
(2) انظر: «إبطال الحيل» (ص 113) و «طبقات الحنابلة» (1/ 332).
(3) انظر: «إبطال الحيل» (ص 111) و «طبقات الحنابلة» (1/ 215).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 68)
محمد: إذا حلف على شيء ثم احتال بحيلة فصار إليها فقد صار إلى ذلك الذي حلف عليه بعينه. وقال: من احتال بحيلة فهو حانث(1). وقال في رواية صالح وأبي الحارث وقد ذكر قول أصحاب الحيل فأنكره(2). وقال في رواية إسماعيل بن سعيد وقد سئل عمن احتال في إبطال الشفعة، فقال: لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق امرئ مسلم(3). وقال في رواية أبي طالب وغيره في الرجل يحلف وينوي غير ذلك: فاليمين على نية ما يُحلِّفه عليه صاحبه إذا لم يكن مظلومًا، فأما إذا كان مظلومًا حلف على نيته، ولم يكن عليه من نية الذي حَلَّفه شيء(4). وقال في رواية عبد الخالق بن منصور: من كان عنده كتاب الحيل في بيته يفتي به فهو كافر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم(5).
[59/أ] قلت: والذين ذكروا الحيل لم يقولوا إنها كلها جائز، وإنما أخبروا أن كذا حيلةٌ وطريق إلى كذا، ثم قد تكون الطريق محرمة، وقد تكون مكروهة، وقد يُختلف فيها، فإذا قالوا(6):
الحيلة في فسخ المرأة النكاحَ أن ترتدّ ثم تسلم.--------------------------------------------
(1) رواه ابن بطة في «إبطال الحيل» (ص 111)، وانظر: «طبقات الحنابلة» (1/ 120).
(2) انظر «بيان الدليل» (ص 56، 57).
(3) انظر: «بيان الدليل» (ص 28).
(4) لم أقف على هذه الرواية.
(5) انظر: «طبقات الحنابلة» (1/ 218) و «بيان الدليل» (ص 140).
(6) جواب الشرط: «فهذه الحيل … » بعد صفحتين عند الانتهاء من ذكر الحيل.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 69)
والحيلة في سقوط القصاص عمن قتل أم امرأته أن يقتل امرأته إذا كان لها ولد منه.
والحيلة في سقوط الكفارة عمن أراد الوطء في رمضان أن يتغدّى ثم يطأ بعد الغداء.
والحيلة لمن أرادت(1) أن تفسخ نكاح زوجها أن تُمكِّن ابنَه من الوقوع عليها.
والحيلة لمن أراد أن يفسخ نكاح امرأته ويحرِّمها عليه(2) على التأبيد أن يطأ حماتَه أو يقبِّلها.
والحيلة لمن أراد سقوط حدّ الزنا عنه أن يَسْكَر ثم يزني.
والحيلة لمن أراد سقوط الحج عنه مع قدرته عليه أن يُملِّك مالَه لابنه أو زوجته عند خروج الركْب، فإذا أبعدَ استردَّ ماله.
والحيلة لمن أراد حرمانَ وارثه ميراثَه أن يُقِرَّ بماله كله لغيره عند الموت.
والحيلة لمن أراد إبطال الزكاة وإسقاط فرضها عنه بالكلية أن يُملِّك مالَه عند الحول لابنه أو امرأته أو أجنبيٍّ ساعةً من زمان ثم يستردّه منه، ويفعل هكذا كلَّ عام، فيبطل فرض الزكاة عنه أبدًا.
والحيلة لمن أراد أن يَملِك مال غيره بغير رضاه أن يُفسِده عليه أو يغيِّر--------------------------------------------
(1) ز: «أراد».
(2) ز: «وتحريمها».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 70)
صورته فيملكه، فيذبح شاته، ويشقُّ قميصه، ويطحن حبَّه ويخبزه، ونحو ذلك.
والحيلة لمن أراد قتل غيره ولا يُقتَل به أن يضربه بدَبُّوسٍ(1) أو مِرزَبة(2) حديدٍ يَنثُر دماغَه فلا يجب عليه قصاص.
والحيلة لمن أراد أن يزني بامرأة ولا يجب عليه الحد أن يستأجرها لكَنْسِ بيته أو لطَيِّ ثيابه أو لغَسْلها أو لنقْلِ متاع من مكان إلى مكان، ثم يزني بها ما شاء مجَّانًا بلا حدّ ولا غرامة، أو يستأجرها لنفس الزنا.
والحيلة لمن أراد أن يسقط عنه حدّ السرقة أن يدَّعي أن المال له أو أنّ له فيه شركةً فيسقط القطع عنه بمجرد دعواه، أو يَنْقُب الدار ثم يَدَعُ غلامه أو ابنه أو شريكه يدخل يُخرج المتاع، أو يدعه على ظهر دابة تخرج به، ونحو ذلك.
والحيلة لمن أراد سقوط حدّ الزنا عنه بعد أن يشهد به عليه أربعة عدول غير متهمين أن يصدِّقهم، فيسقط عنه الحدُّ بمجرد تصديقهم.
والحيلة لمن أراد قطعَ يد غيره ولا يُقطَع بها أن يمسك هو وآخر السكِّين أو السيف ويقطعانها معًا.
والحيلة لمن أرادت التخلُّف عن زوجها في السفر أن تُقِرَّ لغيره بدين.
والحيلة لمن أراد الصيد في الإحرام أن ينصِبَ الشِّباكَ قبل أن يُحرِم ثم يأخذ ما وقع فيها حالَ إحرامه بعد أن يحلَّ.--------------------------------------------
(1) عمود على شكل هراوةٍ مُدَمْلكةِ الرأس.
(2) مطرقة كبيرة تُضرب بها الحجارة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 71)
فهذه الحيل وأمثالها لا يحلُّ لمسلمٍ أن يفتي بها في دين الله، ومن استحلَّ الفتيا بها فهو الذي كفَّره الإمام أحمد وغيره من الأئمة، حتى قالوا: إن من أفتى بهذه الحيل فقد قلبَ الإسلام ظهرًا لبطنٍ، ونقضَ عُرى الإسلام عروةً عروةً. وقال بعض أهل الحيل(1): ما نَقَموا علينا من أنّا عَمَدنا إلى أشياء كانت [59/ب] حرامًا عليهم فاحتلْنا فيها حتى صارت حلالًا. وقال آخر منهم: إنا نحتال للناس منذ كذا وكذا سنة في تحليل ما حرَّم الله عليهم.
قال أحمد بن زهير بن مروان: كانت امرأة هاهنا بمَروْ أرادت أن تختلع من زوجها، فأبى زوجها عليها، فقيل لها: لو ارتددتِ عن الإسلام لبِنْتِ منه، ففعلتْ، فذكرتُ ذلك لعبد الله بن المبارك، فقال: من وضع هذا الكتاب فهو كافر، ومن سمع به ورضي به فهو كافر، ومن حمله من كُورةٍ إلى كُورةٍ فهو كافر، ومن كان عنده فرضي به فهو كافر.
وقال إسحاق بن راهويه: عن شقيق بن عبد الملك أن ابن المبارك قال في قصة بنت أبي رَوْح حيث أُمِرت بالارتداد، وذلك في أيام أبي غسَّان، فذكر شيئًا، ثم قال ابن المبارك وهو مغضب: أحدثوا في الإسلام، ومن كان أمر بهذا فهو كافر، ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به أو هَوِيه ولم يأمر به فهو كافر. ثم قال ابن المبارك: ما أرى الشيطان كان يُحسِن مثل هذا، حتى جاء هؤلاء فأفادها منهم فأشاعها حينئذٍ، أو كان يحسنها ولم يجد من يُمضِيها فيهم حتى جاء هؤلاء.--------------------------------------------
(1) كما في «بيان الدليل» (ص 138). والأقوال الآتية كلها نقلها المؤلف منه، وقد عزاها شيخ الإسلام إلى أبي بكر الخلال في «العلم».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 72)
وقال إسحاق الطَّالَقاني: قيل يا أبا عبد الرحمن إن هذا الكتاب وضعه إبليس، قال: إبليسٌ من الأبالسة.
وقال النضْر بن شُمَيل: في كتاب «الحيل» ثلاثمائة وعشرون أو ثلاثون مسألة كلها كفر.
وقال أبو حاتم الرازي: قال شَرِيك ــ يعني ابن عبد الله قاضي الكوفة ــ وذُكِر له كتاب «الحيل»، فقال: من يُخادع الله يخدَعْه.
وقال حفص بن غياث: ينبغي أن يُكتب عليه كتاب الفجور.
وقال إسماعيل بن حماد: قال القاسم بن معن ــ يعني ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قاضي الكوفة ــ: كتابكم هذا الذي وضعتموه في الحيل كتاب الفجور.
وقال حماد بن زيد: سمعت أيوب يقول: ويلَهم، مَن يخدعون؟ يعني أصحاب الحيل.
وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: سمعت يزيد بن هارون يقول: لقد أفتى أصحاب الحيل بشيء(1) لو أفتى به اليهودي والنصراني كان قبيحًا، [أتى رجل إلى صاحب الحيل](2) فقال: إني حلفتُ أن لا أطلِّق امرأتي بوجه من الوجوه، وإنهم قد بذلوا لي مالًا كثيرًا، فقال له: قبِّلْ أمَّها، فقال يزيد بن هارون: ويلَه، يأمره أن يقبِّل امرأةً أجنبية!
وقال حُبَيش بن سِندي: سئل أبو عبد الله ــ يعني الإمام أحمد ــ عن--------------------------------------------
(1) ز: «في شيء».
(2) زيادة من «بيان الدليل» ليستقيم السياق ويظهر مرجع الضمير في «فقال» الثانية.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 73)
الرجل يشتري جارية ثم يُعتقها من يومه ويتزوَّجها، أيطؤها من يومه؟ فقال: كيف يطؤها من يومه وقد وطئها ذلك بالأمس؟ هذا من طريق الحيلة. وغضِب وقال: هذا أخبثُ قول.
وقال رجل للفضيل بن عياض: يا أبا علي، استفتيتُ رجلًا في يمينٍ حلفتُ بها فقال لي: إن فعلتَ كذا حنثتَ، وأنا أحتال لك حتى تفعل ولا تحنثَ. فقال له الفضيل: تعرف الرجل؟ قال: نعم، قال: ارجعْ فاستثبِتْه، فإني أحسبه شيطانًا شُبِّه لك في صورة إنسان(1).
وإنما قال هؤلاء الأئمة وأمثالهم هذا الكلام في هذه الحيل لأن فيها الاحتيالَ على تأخير صوم رمضان، وإسقاط [60/أ] فرائض الله تعالى من الحج والزكاة، وإسقاط حقوق المسلمين، واستحلال ما حرَّم الله من الربا والزنا، وأخذ أموال الناس وسَفْك دمائهم، وفسخ العقود اللازمة، والكذب وشهادة الزور وإباحة الكفر، وهذه الحيل دائرة بين الكفر والفسق.
ولا يجوز أن تُنسب هذه الحيل إلى أحد من الأئمة، ومن نسبها إلى أحد منهم فهو جاهل بأصولهم ومقاديرهم ومنزلتهم من الإسلام، وإن كان بعض هذه الحيل قد تنفُذُ على أصول إمامٍ بحيث إذا فعلها المتحيلُ نفذَ حكمها عنده، ولكن هذا أمرٌ غير الإذن فيها وإباحتها وتعليمها، فإن إباحتها شيء ونفوذها إذا فُعِلتْ شيء، ولا يلزم من كون الفقيه والمفتي لا يُبطِلها أن يبيحَها ويأذنَ فيها، وكثير من العقود يحرِّمها الفقيه ثم يُنفِذها ولا يُبطِلها، ولكن الذي نَدين الله به تحريمها وإبطالها وعدم تنفيذها، ومقابلة أربابها--------------------------------------------
(1) رواه ابن بطة في «إبطال الحيل» (ص 113، 114)، وعزاه ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص 141) إلى ابن بطة في «مسألة خلع اليمين».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 74)
بنقيضِ قصودهم موافقةً لشرع الله وحكمته وقدرته.
والمقصود أن هذه الحيل لا يجوز أن تُنسب إلى إمام؛ فإن ذلك قدحٌ في إمامته، وذلك يتضمن القدح في الأمة حيث ائتمَّتْ بمن لا يصلح للإمامة، وهذا غير جائز، ولو فُرِض أنه حُكي عن واحد من الأئمة بعضُ هذه الحيل المُجمَع على تحريمها فإما أن تكون الحكاية باطلة، أو يكون الحاكي لم يضبط لفظه فاشتبه عليه فتواه بنفوذها بفتواه بإباحتها مع بُعْدِ ما بينهما، ولو فُرِض وقوعها منه في وقت ما فلا بدَّ أن يكون قد رجع عن ذلك، وإن لم يُحمَل الأمر على ذلك لزم القدح في الإمام وفي جماعة المسلمين المؤتمِّين به، وكلاهما غير جائز.
ولا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلُّم بكلمة الكفر لغرضٍ من الأغراض، إلا المُكْرَه إذا اطمأنَّ قلبه بالإيمان. ثم إن هذا على مذهب أبي حنيفة وأصحابه أشدُّ؛ فإنهم لا يأذنون في كلمات وأفعال دون ذلك بكثير، ويقولون: إنها كفر، حتى قالوا: لو قال الكافر لرجل: إني أريد أن أُسلم، فقال: «اصبِرْ ساعة» فقد كفر، فكيف بالأمر بإنشاء الكفر؟ وقالوا: لو قال: «مُسَيجِد»، أو صغّر لفظ المصحف كفر.
فعلمت أن هؤلاء المحتالين الذين يفتون بالحيل التي هي كفر أو حرام ليسوا بمقتدين بمذهب أحد من الأئمة، وأن الأئمة أعلم بالله ورسوله ودينه وأتقى له من أن يفتوا بهذه الحيل.
وقد قال أبو داود في «مسائله»(1): سمعت أحمد وذكر أصحاب--------------------------------------------
(1) (ص 367).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 75)
الحيل: يحتالون لنقض سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال في رواية أبي الحارث الصّائغ(1)(2): هذه الحيل التي وضعوها عَمَدوا إلى السنن واحتالوا لنقضها، والشيء الذي قيل لهم إنه حرام احتالوا فيه حتى أحلُّوه. قالوا: الرهن لا يحلُّ أن يستعمل، ثم قالوا: يحتال له حتى يستعمل، فكيف يحلُّ بحيلةٍ ما حرَّم الله ورسوله(3)؟ وقال صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم، فأذابوها فباعوها وأكلوا أثمانَها»(4)، أذابوها حتى أزالوا عنها اسم الشحم. [60/ب] وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلِّل(5) والمحلَّل له(6).
وقال في رواية ابنه صالح(7): عجبتُ مما يقول أرباب الحيل في الحيل في الأيمان، يُبطِلون الأيمان بالحيل وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91]، وقال: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: 7]. وكان ابن عيينة يشتدُّ عليه أمر هذه الحيل.--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «الصانع»، تحريف. انظر: «تاريخ بغداد» (5/ 128) و «طبقات الحنابلة» (1/ 74).
(2) رواها ابن بطة في «إبطال الحيل» (ص 110) مختصرًا، وذكرها ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص 56، 57) كما هنا.
(3) «ورسوله» ليست في ز.
(4) تقدم تخريجه.
(5) في النسخ: «الحال».
(6) تقدم تخريجه.
(7) «مسائله» (2/ 486).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 76)
وقال في رواية الميموني(1) وقد سأله: إنهم يقولون في رجل حلف على امرأته وهي على درجة: إن صعدتِ أو نزلتِ فأنتِ طالق، قالوا(2): تُحمَل حملًا، فقال: هذا هو الحنثُ بعينه، ليس هذه حيلة، هذا هو الحنث. وقالوا: إذا حلف لا يطأُ بساطًا، يطأُ بساطينِ، وإذا حلف لا يدخل دارًا يُحمل. فأقبل أبو عبد الله يَعجَب.
وقال أبو طالب(3): سمعت أبا عبد الله قال له رجل: في كتاب «الحيل»: إذا اشترى الرجل الأمة فأراد أن يقعَ بها، يُعتقها ثم يتزوجها. فقال أبو عبد الله: سبحان الله، ما أعجبَ هذا! أبطلوا كتاب الله والسنة، جعل الله على الحرائر العدةَ(4) من أجل الحمل، فليس من امرأة تُطلَّق أو يموت زوجها إلا تعتدُّ من أجل الحمل، ففرجٌ يوطأ يشتريه ثم يُعتقه على المكان فيتزوجها فيطؤها! فإن كانت حاملًا كيف يصنع؟ يطؤها رجلٌ اليوم ويطؤها الآخر غدًا؟ [هذا](5) نقضٌ للكتاب والسنة، قال النبي(6) صلى الله عليه وسلم: «لا تُوطأ الحاملُ حتى تضعَ، ولا غيرُ الحامل حتى تَحيضَ»(7). ولا يدري هي حامل أم لا، سبحان الله، ما أسمجَ هذا!--------------------------------------------
(1) انظر: «بيان الدليل» (ص 28، 29).
(2) ز: «فقال»، خطأ.
(3) كما في «بيان الدليل» (ص 276، 277).
(4) د: «العدة على الحرائر».
(5) زيادة من «بيان الدليل».
(6) «النبي» ليست في د.
(7) رواه أبو داود (2157) من حديث أبي سعيد، وصححه الحاكم (2/ 195) والألباني في «الإرواء» (1/ 200).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 77)