الوجه الثاني والثلاثون: أنه شرع الشفعة وسلّط الشريك على انتزاع الشِّقص من يد المشتري سدًّا لذريعة المفسدة المتعلقة بالشركة والقسمة.
الوجه الثالث والثلاثون: أن الحاكم منهيٌّ عن رفع أحد الخصمين على الآخر وعن الإقبال عليه دونه، وعن مشاورته والقيام له دون خصمه(1)، لئلا يكون ذريعةً إلى انكسار قلب الآخر وضعفِه عن قيامه بحجته وثقلِ لسانه بها.
الوجه الرابع والثلاثون: أنه ممنوع من الحكم بعلمه؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى حكمه بالباطل ويقول: حكمتُ بعلمي.
الوجه الخامس والثلاثون: أن الشريعة منعت من قبول شهادة العدو على عدوه لئلا يتخذ ذلك ذريعةً إلى بلوغ غرضه من عدوِّه بالشهادة الباطلة.
الوجه السادس والثلاثون: أن الله سبحانه منع رسوله حيث كان بمكة من الجهر بالقرآن حيث كان المشركون يسمعونه فيسبُّون القرآن ومن أَنزله ومن جاء به ومن أُنزِل عليه.
الوجه السابع والثلاثون: أن الله سبحانه أوجب الحدود على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطباع وليس عليها وازع طبعي، والحدود عقوبات لأرباب الجرائم في الدنيا كما جُعلت عقوبتهم في الآخرة بالنار إذا لم يتوبوا، ثم إنه سبحانه جعل التائب من الذنب كمن لا ذنبَ له؛ فمن لقيه تائبًا--------------------------------------------
(1) رواه أبو يعلى (5867) من حديث أم سلمة رضي الله عنهما. وفي إسناده عباد بن كثير متكلم فيه، والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (2195).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 18)
توبةً نصوحًا لم يعذِّبه مما تاب منه، وهكذا في أحكام الدنيا إذا تاب توبة نصوحًا قبل رفعه إلى الإمام سقط عنه الحدُّ في أصح قولي العلماء، فإذا رُفع إلى الإمام لم تُسقِط توبتُه عنه الحدَّ لئلا يتخذ ذلك ذريعةً إلى تعطيل حدود الله؛ إذ لا يعجز كل من وجب عليه حدٌّ لله تعالى(1) أن يظهر التوبة ليتخلَّص من العقوبة وإن تاب توبة نصوحًا سدًّا لذريعة [49/أ] السقوط بالكلية.
الوجه الثامن والثلاثون: أن الشارع أمر بالاجتماع على إمام واحد في الإمامة الكبرى، وفي الجمعة وفي(2) العيدين والاستسقاء وصلاة الخوف(3)، مع كون صلاة الخوف بإمامين أقربَ إلى حصول صلاة(4) الأمن، وذلك سدًّا لذريعة التفرق والاختلاف والتنازع، وطلبًا لاجتماع القلوب وتألُّف الكلمة، وهذا من أعظم مقاصد الشرع، وقد سدَّ الذريعة إلى--------------------------------------------
(1) ز: «وجب عليه الحد».
(2) «في» ليست في ز.
(3) أما حديث الاجتماع في الإمامة الكبرى فعند مسلم (1853) من حديث أبي سعيد رضي الله عنهما.
وأما حديث الاجتماع في الجمعة فرواه البخاري (906) من حديث أنس رضي الله عنه.
وأما حديث صلاة العيدين فرواه البخاري (964) ومسلم (884) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وأما حديث صلاة الاستسقاء فرواه البخاري (1012) ومسلم (894) من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنهما.
وأما حديث صلاة الخوف فرواه مسلم (840) من حديث جابر رضي الله عنه.
(4) «صلاة» ليست في ز.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 19)
ما يناقضه بكل طريق، حتى في تسوية الصف في الصلاة(1)؛ لئلا تختلف القلوب. وشواهد ذلك أكثر من أن تُذكر.
الوجه التاسع والثلاثون: أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم(2)، وكراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم وليلتها بالقيام(3)، سدًّا لذريعة(4) اتخاذ شرعٍ لم يأذن به الله من تخصيص زمان أو مكان بما لم يخصَّه به؛ ففي ذلك وقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب.
الوجه الأربعون: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمَّنت تمييزَهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن يُعامَلَ الكافر معاملة المسلم، فسدَّت هذه الذريعة بإلزامهم التميُّز عن المسلمين.
الوجه الحادي والأربعون: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ناجية بن كعب الأسلمي ــ وقد أرسل معه هدْيَه ــ إذا عَطِبَ منه شيء دون المحلِّ أن ينحره، ويَصبُغ نعلَه التي قلَّده بها في دمه، ويخلّي بينه وبين الناس، ونهاه أن يأكل منه هو أو أحد--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (717) ومسلم (436) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
(2) رواه ابن ماجه (1743) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده داود بن عطاء متكلم فيه. والحديث ضعّفه الألباني في «الضعيفة» (4728). والنهي عن إفراد رجب ثبت عند ابن أبي شيبة (9851) عن خَرَشَة بن الحرّ قال: رأيت عمر يضرب أكف الناس في رجب، حتى يضعوها في الجفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية. وانظر: «الإرواء» (4/ 114).
(3) رواه البخاري (1985) ومسلم (1144/ 147) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) ز: «لسد».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 20)
من أهل رفقته(1). قالوا: وما ذاك إلا لأنه لو جاز أن يأكل منه أو يطعم أهل رفقته قبل بلوغ المحلِّ فربما دعاه ذلك إلى أن يقصِّر في عَلْفِها وحفظها، لحصول غرضه من عَطَبها دون المحلّ كحصوله بعد بلوغ المحلّ من أكله هو ورفقته وإهدائهم إلى أصحابهم، فإذا أيِسَ من حصول غرضه في عطبها كان ذلك أدعى إلى حفظها حتى تبلغ محلَّها وأحسمَ لمادة هذا الفساد، وهذا من ألطف أنواع سدِّ الذرائع.
الوجه الثاني والأربعون: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الملتقط(2) أن يشهد على اللقطة(3)، وقد علم أنه أمين، وما ذاك إلا سدًّا لذريعة الطمع والكتمان، فإذا بادر وأشهد كان أحسمَ لمادة الطمع والكتمان، وهذا أيضًا من ألطف أنواعها.
الوجه الثالث والأربعون: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد»(4)، وذم الخطيب الذي قال: «من يُطعِ الله ورسولَه فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى»(5)، سدًّا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ، ولهذا قال للذي قال له «ما شاء--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (1325) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) د: «اللقيط»، وفي هامشها: «لعله الملتقط».
(3) رواه أحمد (17481) وأبو داود (1709) وابن ماجه (2505) من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (4894).
(4) رواه أحمد (23265) أبو داود (4980) من حديث حذيفة رضي الله عنه، وصححه العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (ص 1055) والألباني في «الصحيحة» (137).
(5) رواه مسلم (870) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 21)
الله وشئتَ»: «أجعلتَني لله نِدًّا»(1)؟ فحسمَ مادة الشرك وسدَّ الذريعة إليه في اللفظ كما سدَّها في الفعل والقصد، فصلوات الله وسلامه عليه أكمل صلاة وأزكاها وأتمَّها.
الوجه الرابع والأربعون: أنه صلى الله عليه وسلم أمر المأمومين أن يصلُّوا قعودًا إذا صلَّى إمامهم(2) قاعدًا(3)، وقد تواتر عنه ذلك، ولم يجئ عنه ما ينسخه، وما ذاك إلا سدًّا لذريعة مشابهة الكفار [49/ب] حيث يقومون على ملوكهم وهم قعود، كما علَّل به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا التعليل منه يُبطِل قول من قال: إنه منسوخ، مع أن ذلك دعوى لا دليل عليها.
الوجه الخامس والأربعون: أنه صلى الله عليه وسلم أمر المصلِّي بالليل إذا نَعَسَ أن يذهب فليرقُد، وقال: «لعله يذهبُ يستغفرُ فيسبُّ نفسَه»(4)، فأمره بالنوم لئلا تكون صلاته في تلك الحال ذريعةً إلى سبِّه لنفسه، وهو لا يشعر لغلبة النوم.
الوجه السادس والأربعون: أن الشارع صلوات الله عليه نهى أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه(5)، أو يستام على سَوْمِ أخيه أو يبيع على بيع--------------------------------------------
(1) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (783) والطبراني (13005) بلفظ: «جعلت لله ندًا»؛ ورواه النسائي في «الكبرى» (10759) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (293) بلفظ: «أجعلتني لله عدلًا»، كلهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث حسَّنه العراقي في «تخريج الإحياء» (ص 1056) والألباني في «الصحيحة» (139).
(2) د: «الإمام».
(3) رواه البخاري (688، 689، 722) ومسلم (412، 411، 414) من حديث عائشة وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم. وانفرد مسلم (413) بروايته من حديث جابر رضي الله عنه.
(4) رواه البخاري (212) ومسلم (786) من حديث عائشة - رضى الله عنها -.
(5) رواه البخاري (5142) ومسلم (1412/ 50) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 22)
أخيه(1)، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى التباغض والتعادي؛ فقياس هذا أنه لا يستأجر على إجارته ولا يخطب ولاية أو منصبًا على خطبته، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى وقوع العداوة والبغضاء بينه وبين أخيه.
الوجه السابع والأربعون: أنه نهى عن البول في الجُحْر(2)، وما ذاك إلا لأنه قد يكون ذريعةً إلى خروج حيوان يؤذيه، وقد يكون من مساكن الجن فيؤذيهم بالبول، فربما آذَوه.
الوجه الثامن والأربعون: أنه نهى عن البَرَاز في قارعة الطريق والظلّ والموارد؛ لأنه ذريعة إلى استجلاب اللعن كما علل به صلى الله عليه وسلم بقوله: «اتقوا الملاعن الثلاث»(3)، وفي لفظ: «اتَّقوا اللاعنينِ»، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلَّى في طريق الناس وظلِّهم»(4).
الوجه التاسع والأربعون: أنه نهاهم إذا أقيمت الصلاة أن يقوموا حتى يَروه قد خرج(5)؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى قيامهم لغير الله، وإن كانوا(6)--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (2727) ومسلم (1413/ 51) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) رواه أحمد (20775) وأبو داود (29) والنسائي (34) من حديث عبد الله بن سَرجِس، وفي إسناده قتادة عنعنه، وقد وصفه النسائي بالتدليس. وانظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (1/ 19).
(3) رواه أبو داود (26) وابن ماجه (328) والحاكم (1/ 167) من حديث أبي سعيد الحميري عن معاذ رضي الله عنه، وأبو سعيد لم يسمع منه. وللحديث شواهد يرتقي بها إلى الحسن. انظر: «الإرواء» (1/ 100).
(4) رواه مسلم (269) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) رواه البخاري (637) ومسلم (604) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
(6) ز: «كان».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 23)
إنما يقصدون القيام للصلاة، لكن قيامهم قبل خروج الإمام ذريعة، ولا مصلحة فيها، فنُهوا عنه.
الوجه الخمسون: أنه نهى أن تُوصَل صلاة بصلاة الجمعة حتى يتكلم أو يخرج لئلا يتخذ ذريعةً إلى تغيير الفرض، وأن يزاد فيه ما ليس منه. قال السائب بن يزيد: صليتُ الجمعة في المقصورة، فلما سلَّم الإمام قمتُ في مقامي فصليتُ، فلما دخل معاوية أرسل إليَّ، فقال: لا تعُدْ لما فعلتَ، إذا صليتَ الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك أن لا تُوصَل الصلاة حتى يتكلّم أو يخرج(1).
الوجه الحادي والخمسون: أنه أمر من صلَّى في رَحْلِه ثم جاء إلى المسجد أن يصلِّي مع الإمام(2)، وتكون له نافلة؛ لئلا يتخذ قعوده والناس يصلّون ذريعةً إلى إساءة الظن به، وأنه ليس من المصلّين.
الوجه الثاني والخمسون: أنه نهى أن يسمر بعد العشاء الآخرة إلا لمصلٍّ أو مسافرٍ(3)، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها(4)، وما ذاك إلا لأن النوم--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (883).
(2) رواه أحمد (17474) أبو داود (575) والترمذي (219) والنسائي (858) من حديث يزيد بن الأسود، وصححه الترمذي وابن خزيمة (1279) وابن حبان (1564).
(3) رواه أحمد (3917) من حديث خيثمة عن ابن مسعود، وإسناده منقطع، خيثمة لم يسمع من ابن مسعود، وللحديث شواهد يُحسَّن بها. انظر: «السلسلة الصحيحة» (2435).
(4) رواه البخاري (547) ومسلم (647) من حديث أبي بَرْزَة الأسلمي رضي الله عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 24)
قبلها ذريعة إلى تفويتها، والسمر بعدها ذريعة إلى تفويت قيام الليل، فإن عارضه مصلحة راجحة كالسمر في العلم ومصالح المسلمين لم يكره.
الوجه الثالث والخمسون: أنه نهى النساء إذا صلَّين مع الرجال أن يرفعن رؤوسهن قبل الرجال(1)؛ لئلا يكون ذلك ذريعة منهن إلى رؤية عورات الرجال من وراء الأُزُر، كما جاء التعليل بذلك في الحديث.
الوجه الرابع والخمسون: أنه نهى الرجل أن يتخطّى المسجد الذي يليه إلى غيره، [50/أ] كما رواه بقية عن المُجَاشِع بن عمرو عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليصلِّ أحدكم في المسجد الذي يليه، ولا يتخطَّاه إلى غيره»(2). وما ذاك إلا لأنه(3) ذريعة إلى هجرِ المسجد الذي يليه وإيحاشِ صدر الإمام، فإن كان الإمام لا يُتِمُّ الصلاة أو يُرمى ببدعة أو يُعلن بفجور فلا بأس بتخطِّيه إلى غيره.
الوجه الخامس والخمسون: أنه يُنهى الرجل بعد الأذان أن يخرج من المسجد حتى يصلّي؛ لئلا يكون خروجه ذريعة إلى اشتغاله عن الصلاة جماعة، كما قال عمار لرجل رآه قد خرج بعد الأذان: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم»(4).--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (362) ومسلم (441) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما.
(2) رواه ابن عدي في «الكامل» (8/ 218) وتمّام في «فوائده» (1416). ومجاشع بن عمرو متكلم فيه.
(3) ز: «أنه».
(4) رواه مسلم (655) عن أبي هريرة لا عن عمار رضي الله عنهما. وقول عمار في صوم يوم الشك علَّقه البخاري (4/ 119).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 25)
الوجه السادس والخمسون: أنه نهى عن الاحتباء يوم الجمعة، كما رواه أحمد(1) في «مسنده»(2) من حديث سهل بن معاذ عن أبيه: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاحتباء يوم الجمعة»، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى النوم.
الوجه السابع والخمسون: أنه نهى المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخورًا(3)، وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتشوُّفهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصوتها وإبداء محاسنها تدعو إليها؛ فأمرها أن تخرج تَفِلةً، وأن لا تتطيب(4)، وأن تقف خلف الرجال(5)، وأن لا تسبِّح في الصلاة إذا نابها شيء، بل تصفِّق ببطن كفِّها على ظهر الأخرى(6)، كل ذلك سدًّا للذريعة وحمايةً عن المفسدة.
الوجه الثامن والخمسون: أنه نهى أن تَنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظر إليها(7). ولا يخفى أن ذلك سدُّ الذريعة وحماية عن مفسدة(8)--------------------------------------------
(1) ز: «الإمام أحمد».
(2) رقم (15630)، ورواه أبو داود (1110) والترمذي (514) وحسنه، وصححه ابن خزيمة (1815) والحاكم (1/ 289). ولفظهم: «الحبوة».
(3) رواه مسلم (443) من حديث زينب الثقفية رضي الله عنها.
(4) رواه أحمد (9645) أبو داود (565) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه ابن خزيمة (1679) وابن حبان (2213).
(5) رواه البخاري (380) ومسلم (658) من حديث أنس رضي الله عنه.
(6) رواه البخاري (1203) ومسلم (422) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(7) رواه البخاري (5240) من حديث ابن مسعود - رضى الله عنه -.
(8) «وحماية عن مفسدة» ساقطة من ز.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 26)
وقوعها في قلبه وميله إليها بحضور صورتها في نفسه، وكم ممن أحبّ غيره بالوصف قبل الرؤية.
الوجه التاسع والخمسون: أنه نهى عن الجلوس بالطرقات، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى النظر المحرَّم، فلما أخبروه أنه لا بدَّ لهم من ذلك قال: «أعطُوا الطريقَ حقَّه»، قالوا: وما حقه؟ قال: «غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام»(1).
الوجه الستون: أنه نهى أن يبيت الرجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا مَحرمٍ(2)، وما ذاك إلا لأن(3) المبيت عند الأجنبية ذريعة إلى المحرَّم.
الوجه الحادي والستون: أنه نهى أن تباع السِّلَع حيث تباع حتى تُنقل عن مكانها(4)، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى جحد البائع البيعَ وعدمِ إتمامه إذا رأى المشتري قد ربح فيها، فيغُرُّه الطمع، وتشحُّ نفسه بالتسليم كما هو الواقع. وأكّد هذا المعنى بالنهي عن ربح ما لم يُضمَن(5)، وهذا من محاسن الشريعة وألطفِ بابِ سدّ الذرائع.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (2465) ومسلم (2121) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
(2) رواه مسلم (2171) من حديث جابر رضي الله عنه.
(3) ز: «أن».
(4) رواه البخاري (2123) ومسلم (1527) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(5) رواه أحمد (6671) وأبو داود (3504) والترمذي (1234) والنسائي (4631) وابن ماجه (2188) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه الترمذي والحاكم (2/ 17).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 27)
الوجه الثاني والستون: أنه نهى عن بيعتين في بيعة(1)، وهو الشرطان في البيع في الحديث الآخر(2)، وهو الذي لعاقدِه أوكسُ البيعتين أو الربا في الحديث الثالث، وذلك سدًّا لذريعة الربا؛ فإنه إذا باعه السلعة بمائة مؤجلة ثم اشتراها منه بمائتين حالَّةٍ(3) فقد باع بيعتين في بيعة، فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ الربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسِهما، وهذا من أعظم الذرائع إلى [50/ب] الربا. وأبعدَ كلَّ البعد من حمل الحديث على البيع بمائة مؤجَّلة أو خمسين حالَّة، وليس هاهنا ربًا ولا جهالة ولا غرر ولا قمار ولا شيء من المفاسد؛ فإنه خيَّره بين أيّ الثمنين شاء، وليس هذا بأبعد من تخييره بعد البيع بين الأخذ والإمضاء ثلاثة أيام. وأيضًا فإنه قرنَ بين عقدين كل منهما ذريعة ظاهرة جدًّا إلى الربا، وهما: السلف والبيع، والشرطان في البيع. وهذان العقدان بينهما من النسب والإخاء والتوسل بهما إلى أكل الربا ما يقتضي الجمع بينهما في التحريم، فصلوات الله وسلامه على من كلامه الشفاء والعصمة والهدى والنور.
الوجه الثالث والستون: أنه أمر أن يفرق بين الأولاد في المضاجع، وأن--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (9584) والترمذي (1231) والنسائي (4632) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الترمذي وابن حبان (4973) والبغوي (2111).
(2) ولفظه: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع». رواه أبو داود (3504) والترمذي (1234) والنسائي (4611، 4630) وابن ماجه (2188) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(3) في هامش د: لعل العبارة فيها تقديم وتأخير، وأن الكلام: «إذا باعه بمائة حالة ثم اشتراها بمائتين مؤجلة».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 28)
لا يترك الذكر ينام مع الأنثى في فراش واحد(1)؛ لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى نسج الشيطان بينهما المواصلةَ المحرَّمة بواسطة اتحاد الفراش ولا سيما مع الطول، والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة في نومها(2) إلى جانبه وهو لا يشعر. وهذا أيضًا من ألطف سدّ الذرائع.
الوجه الرابع والستون: أنه نهى أن يقول الرجل: خبثَتْ نفسي، ولكن ليقل: لَقِسَتْ نفسي(3)، سدًّا لذريعةِ(4) اعتياد اللسان للكلام الفاحش، وسدًّا لذريعة اتصاف النفس بمعنى هذا اللفظ؛ فإن الألفاظ تتقاضى معانيها وتطلبها بالمشاكلة والمناسبة التي بين اللفظ والمعنى، ولهذا قلَّ من تجده يعتاد لفظًا إلا ومعناه غالب عليه، فسدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذريعة الخبث لفظًا ومعنى. وهذا أيضًا من ألطف الباب.
الوجه الخامس والستون: أنه نهى أن يقول الرجل(5) لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي، ولكن يقول: فتايَ وفتاتي، ونهى أن يقول لغلامه: وضِّئْ ربك، أطعِمْ ربك(6)، سدًّا لذريعة الشرك في اللفظ والمعنى، وإن كان الرب هاهنا هو المالك كرب الدار ورب الإبل؛ فعدل عن لفظ العبد والأمة إلى لفظ--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (6756) وأبو داود (495) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه الحاكم (1/ 197)، وحسنه النووي في «خلاصة الأحكام» (1/ 252).
(2) «في نومها» ليست في ز.
(3) رواه البخاري (6179) ومسلم (2250) من حديث عائشة - رضى الله عنها -.
(4) ز: «للذريعة».
(5) ز: «الرجل أن يقول».
(6) رواه البخاري (2552) ومسلم (2249/ 13) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 29)
الفتى والفتاة، ومنع من إطلاق لفظ الرب على السيّد، حمايةً لجانب التوحيد وسدًّا لذريعة الشرك.
الوجه السادس والستون: أنه نهى المرأة أن تسافر بغير مَحرم(1)، وما ذاك إلا لأن سفرها بغير محرم قد يكون ذريعةً إلى الطمع فيها والفجور بها.
الوجه السابع والستون: أنه نهى عن تصديق أهل الكتاب وتكذيبهم فيما يحدّثونا به(2)؛ لأن تصديقهم قد يكون ذريعةً إلى التصديق بالباطل، وتكذيبهم قد يكون ذريعة إلى التكذيب بالحق، كما علّل به في نفس الحديث(3).
الوجه الثامن والستون: أنه نهى أن يسمِّي عبده بأفلح ونافع ورَباح ويسار(4)، لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى ما يُكره من الطِّيرة، بأن يقال: ليس هاهنا يسار ولا رباح ولا أفلح، وإن كان إنما قصد اسم الغلام، ولكن سدَّ ذريعةَ اللفظ المكروه الذي يستوحش منه السامع.
الوجه التاسع والستون: أنه نهى الرجال عن الدخول على النساء(5)، لأنه ذريعة [51/أ] ظاهرة.--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) رواه البخاري (4485) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: «فإن كان حقًّا لم تكذِّبوهم، وإن كان باطلًا لم تصدِّقوهم». رواه أحمد (17225) وأبو داود (3644) والطبراني (877) من حديث أبي نملة، وصححه ابن حبان (6257) والألباني في «الصحيحة» (2800).
(4) رواه مسلم (2136) من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه.
(5) رواه البخاري (5232) ومسلم (2172) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 30)
الوجه السبعون: أنه نهى أن يسمى باسم برَّة(1)؛ لأنه ذريعة إلى تزكية النفس بهذا الاسم، وإن كان إنما قصد العَلَمية.
الوجه الحادي والسبعون: أنه نهى عن التداوي بالخمر(2) وإن كانت مصلحة التداوي راجحة على مفسدة ملابستها، سدًّا لذريعة قربانها واقتنائها ومحبة النفوس لها، فحسَمَ عليها المادة حتى في تناولها على وجه الدواء، وهذا من أبلغ سدّ الذرائع.
الوجه الثاني والسبعون: أنه نهى أن يتناجى اثنان دون الثالث(3)؛ لأن ذلك ذريعة إلى حزنه وكسر قلبه وظنّه السوء.
الوجه الثالث والسبعون: أن الله سبحانه حرَّم نكاح الأمة على القادر على نكاح الحرَّة إذا لم يخشَ العنَتَ؛ لأن ذلك ذريعة إلى إرقاق ولده، حتى لو كانت الأمة من الآيسات من الحبل والولادة لم تحلَّ له سدًّا للذريعة. ومن هذا منع الإمام أحمد الأسير والتاجر أن يتزوّج في دار الحرب خشية تعريض ولده للرقّ، وعلَّله هو بعلة أخرى، وهي أنه قد لا يمكنه منعُ العدو من مشاركته في زوجته.
الوجه الرابع والسبعون: أنه نهى أن يُورَد مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ(4): لأن ذلك قد يكون ذريعةً إما إلى إعدائه وإما إلى تأذّيه بالتوهم والخوف، وذلك--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (6192) ومسلم (2141) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) رواه مسلم (1984) من حديث سويد بن طارق رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري (6288) ومسلم (2183) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(4) رواه البخاري (5771) ومسلم (2221) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 31)
سبب إلى إصابة المكروه له.
الوجه الخامس والسبعون: أنه نهى أصحابه عن دخول ديار ثمود إلا باكين، خشيةَ أن يصيبهم ما أصابهم(1)، فجعل الدخول من غير بكاء ذريعة إلى إصابة المكروه.
الوجه السادس والسبعون: أنه نهى الرجل أن ينظر إلى من فُضِّلَ عليه بالمال(2) واللباس(3)؛ فإنه ذريعة إلى ازدرائه نعمة الله عليه واحتقارِه بها، وذلك سبب الهلاك.
الوجه السابع والسبعون: أنه نهى عن إنزاء الحُمُر على الخيل(4)؛ وذلك لأنه ذريعة إلى قطع نسل الخيل أو تقليلها، ومن هذا نهيه عن أكل لحومها ــ إن صح الحديث فيه(5) ــ إنما كان لأنه ذريعة إلى تقليلها، كما نهاهم في بعض الغزوات عن نحر ظهورهم(6) لما كان ذريعة إلى لحوق الضرر بهم--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (433) ومسلم (2980) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) ز: «في المال».
(3) رواه البخاري (6490) ومسلم (2963) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) رواه أبو داود (2565) والنسائي (3580) من حديث علي رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (4682) والألباني في «صحيح أبي داود» - الأم (7/ 318)
(5) رواه أبو داود (3790) والنسائي (4331) وابن ماجه (3198) والدارقطني (4770) من حديث خالد بن الوليد وضعَّفه. وفي إسناده بقية بن الوليد وقد عنعنه، وهو مشهور بتدليس التسوية، وصالح بن يحيى متكلم فيه، وأبوه لم يوثقه إلا ابن حبان. وفي الباب عن جابر رضي الله عنه ولا يصح. انظر: «نصب الراية» (4/ 196 - 197).
(6) رواه البخاري (4361) ومسلم (1935/ 19) من حديث جابر رضي الله عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 32)
بفقد الظهر(1).
الوجه الثامن والسبعون: أنه نهى من رأى رؤيا يكرهها أن يتحدّث بها(2)؛ فإنه ذريعة إلى انتقالها من مرتبة(3) الوجود اللفظي إلى الوجود الخارجي، كما انتقلت من الوجود الذهني إلى اللفظي، وهكذا عامة الأمور تكون في الذهن أولًا ثم تنتقل إلى الذكر ثم تنتقل إلى الحسّ. وهذا من ألطف سدِّ الذرائع وأنفعها، ومن تأمَّلَ عامة الشر رآه متنقلًا في درجات الظهور طبقًا بعد طبقٍ من الذهن إلى اللفظ إلى الخارج.
الوجه التاسع والسبعون: أنه سئل عن الخمر تُتخذ خلًّا، فقال: لا، مع إذنه في خلِّ الخمر الذي حصل بغير التخليل(4)، وما ذاك إلا سدًّا لذريعة إمساكها بكل طريق، إذ لو أذن في تخليلها لحبسها أصحابها لذلك وكان ذريعة إلى المحذور.
الوجه الثمانون: [51/ب] أنه نهى أن يتعاطى السيف مسلولًا(5)، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى الإصابة بمكروه، ولعل الشيطان يُعِينه ويَنزِع في يده، فيقع المحذور ويقرب منه.
الوجه الحادي والثمانون: أنه أمر المارّ في المسجد بنِبالٍ أن يُمسك--------------------------------------------
(1) انظر: «زاد المعاد» (3/ 343 - 345).
(2) رواه البخاري (3292) ومسلم (2261) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
(3) د: «نية».
(4) رواه مسلم (1983) من حديث أنس رضي الله عنه.
(5) رواه أحمد (14885) أبو داود (2588) والترمذي (2163) من حديث جابر رضي الله عنه، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (5946) والحاكم (4/ 290).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 33)
على نِصالها بيده(1)، لئلا يكون ذريعةً إلى تأذِّي رجل مسلم بالنِّصال.
الوجه الثاني والثمانون: أنه حرَّم الشِّياع، وهو المفاخرة بالجماع(2)؛ لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس والتشبُّه، وقد لا يكون عند الرجل من يُغنيه من الحلال فيتخطَّى إلى الحرام، ومن هذا كان المجاهرون خارجين من عافية الله، وهم المتحدِّثون بما فعلوه من المعاصي؛ فإن السامع تتحرّك نفسه إلى التشبُّه، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا الله.
الوجه الثالث والثمانون: أنه نهى عن البول في الماء الدائم(3)، وما ذاك إلا لأن تواتر البول فيه ذريعة إلى تنجيسه، وعلى هذا فلا فرق بين القليل والكثير(4) وبول الواحد والعدد، وهذا أولى من تقييده بما دون القلتين أو بما يمكن نَزْحُه؛ فإن الشارع الحكيم لا يأذن للناس أن يبولوا في المياه الدائمة إذا جاوزت القلتين أو لم يمكن نزحُها، فإن في ذلك من إفساد مياه الناس ومواردهم ما لا تأتي به شريعة، فحكمة شريعته اقتضت المنع من البول فيه قلَّ أو كثر سدًّا لذريعة إفساده.
الوجه الرابع والثمانون: أنه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو(5)؛--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (452) ومسلم (2615) من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
(2) رواه أحمد (11235) وأبو يعلى (1396) والبيهقي (7/ 194) عن أبي سعيد الخدري، وفي إسناده درّاج وروايته عن أبي الهيثم فيها كلام. انظر: «تهذيب الكمال» (8/ 477).
(3) رواه البخاري (239) ومسلم (282) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) ز: «الكثير والقليل».
(5) رواه البخاري (2990) ومسلم (1869) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 34)
فإنه ذريعة إلى أن تناله أيديهم، كما عُلِّل به في نفس الحديث(1).
الوجه الخامس والثمانون: أنه نهى عن الاحتكار، وقال: «لا يَحتكرُ إلا خاطئ»(2)، فإنه ذريعة إلى أن يضيّق على الناس أقواتهم، ولهذا لا يمنع من احتكار ما لا يُضِرُّ بالناس.
الوجه السادس والثمانون: أنه نهى عن منع فضل الماء(3)؛ لئلا يكون ذريعة إلى منع فضل الكلأ كما علِّل به في نفس الحديث، فجعله بمنعه الماءَ مانعًا من الكلأ؛ لأن صاحب المواشي إذا لم يمكنه الشرب من ذلك الماء لم يتمكَّن من المرعى الذي حوله.
الوجه السابع والثمانون: أنه نهى عن إقامة حد الزنا على الحامل حتى تضع(4)، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى قتل ما في بطنها، كما قال في الحديث الآخر: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرتُ فتياني أن يحملوا معهم حُزَمًا من حَطبٍ، فأخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة في الجماعة فأحرِّق عليهم بيوتَهم بالنار»(5). فمنعه من تحريق بيوتهم التي عصوا الله فيها بتخلُّفهم عن الجماعة كونُ ذلك ذريعةً إلى عقوبة من لم يجب عليه حضور الجماعة من النساء والأطفال.--------------------------------------------
(1) والعلة جاءت عند مسلم دون البخاري.
(2) رواه مسلم (1605/ 130) من حديث معمر بن عبد الله العدوي رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري (2353) ومسلم (1566) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) رواه مسلم (1695) من حديث بريدة رضي الله عنه في قصة الغامدية.
(5) رواه البخاري (2420) ومسلم (651) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه دون ذكر السبب، وهو عند أحمد (8796).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 35)
الوجه الثامن والثمانون(1): أنه نهى عن إدامة النظر إلى المجذَّمين(2)، وهذا ــ والله أعلم ــ لأنه ذريعة إلى أن يصابوا بإيذائهم، وهي من ألطف الذرائع، وأهلُ الطبيعة يعترفون به، وهو جارٍ على قاعدة الأسباب. وأخبرني رجل من علمائهم أنه أجلسَ قرابةً له يُكحِّل الناسَ فرمِدَ ثم برئ، فجلس يُكحِّلهم فرمِدَ مرارًا، قال: فعلمتُ أن الطبيعة [52/أ] تنقل، وأنه من كثرة ما يفتح عينيه في أعين الرُّمْدِ نقلت الطبيعة الرمَدَ إلى عينيه، وهذا لا بدَّ معه من نوع استعداد، وقد جُبِلت الطبيعة والنفس على التشبُّه والمحاكاة(3).
الوجه التاسع والثمانون: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجل أن ينحني لرجلٍ إذا لقيه(4)، كما يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم ممن لا علمَ له بالسنة، بل يبالغون إلى أقصى حدِّ الانحناء مبالغةً في خلاف السنة جهلًا، حتى يصير أحدهم بصورة الراكع لأخيه ثم يرفع رأسه من الركوع، كما يفعل إخوانهم من السجود بين يدي شيوخهم الأحياء والأموات؛ فهؤلاء أخذوا من الصلاة سجودها، وأولئك ركوعها، وطائفة ثالثة قيامَها، يقوم(5) عليهم الناس وهم--------------------------------------------
(1) د: «الوجه التسعون»، وهكذا استمر الترقيم إلى آخر الأوجه في د، وأكتفي بالتنبيه عليه هنا.
(2) رواه أحمد (2075) وابن ماجه (3543) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في «الصحيحة» (1064).
(3) ز: «المحكاة».
(4) رواه أحمد (13044) والترمذي (2728) من حديث أنس رضي الله عنه، وفي إسناده حنظلة بن عبد الله السدوسي متكلم فيه، وللحديث متابعات تقويه. انظر: «السلسلة الصحيحة» (160).
(5) د: «يقومون».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 36)
قعود كما يقومون في الصلاة، فتقاسمت الفرق الثلاثة أجزاء الصلاة. والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن انحناء الرجل لأخيه سدًّا لذريعة الشرك، كما نهى عن السجود لغير الله(1)، وكما نهاهم أن يقوموا في الصلاة على رأس الإمام وهو جالس(2)، مع أن قيامهم عبادة لله تعالى، فما الظن إذا كان القيام تعظيمًا للمخلوق وعبوديةً له؟ فالله المستعان.
الوجه التسعون: أنه حرّم التفرُّق في الصرف وبيع الربوي بمثله قبل القبض(3)؛ لئلا يُتخذ ذريعةً إلى التأجيل الذي هو أصل باب الربا، فحماهم من قربانه باشتراط التقابض في الحال، ثم أوجب عليهم فيه التماثل، وأن لا يزيد أحد العوضين على الآخر إذا كانا من جنس واحد حتى لا يباع مُدٌّ جيد بمدَّينِ رديئين وإن كانا يساويانه، سدًّا لذريعة ربا النَّساء الذي هو حقيقة الربا، وأنه إذا منعهم من الزيادة مع الحلول حيث تكون الزيادة في مقابلة جودة أو صفة أو سكّة أو نحوها، فمنعهم منها حيث لا مقابلَ لها إلا مجردُ الأجل أولى. فهذه هي حكمة تحريم ربا الفضل التي خفيت على كثير من الناس، حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لي حكمة تحريم ربا الفضل، وقد ذكر الشارع هذه الحكمة بعينها، وأنه حرَّمه سدًّا لذريعة ربا النَّساء، فقال في--------------------------------------------
(1) رواه الترمذي (1159) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وحسَّنه، وصححه ابن حبان (4162) والحاكم (4/ 171). وفي الباب عن أنس ابن مالك ، وعبد الله بن أبى أوفى، ومعاذ بن جبل، وقيس بن سعد ، وعائشة بنت أبي بكر الصديق. انظر: «الإرواء» (7/ 54).
(2) رواه البخاري (689) ومسلم (411) من حديث أنس رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري (2134) ومسلم (1586) من حديث عمر رضي الله عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 37)