Arabic source text

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

📘 أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم (ابن القيم - ت 751 هـ)

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
لا معنى، لم يكن فرقٌ بين توسطها وعدمه، وكذلك إذا قال: مكِّنيني من نفسكِ أقضِ منكِ وطرًا يومًا أو ساعةً بكذا [40/أ] وكذا، لم يكن فرقٌ بين إدخال شاهدين في هذا أو عدم إدخالهما، وقد تواطآ على قضاء وطر ساعة من زمان.
ولو أوجب تبدُّلُ الأسماء والصور تبدُّلَ الأحكام والحقائق لفسدت الديانات، وبدِّلت الشرائع، واضمحلَّ الإسلام، وأي شيء نفع المشركين تسميةُ أوثانهم آلهة وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها؟ وأي شيء نفعهم تسميةُ الإشراك بالله تقربًا إلى الله؟ وأي شيء نفع المعطِّلين لحقائق أسماء الله وصفاته تسميةُ ذلك تنزيهًا؟ وأي شيء نفع الغلاةَ في البشر واتخاذهم طواغيت يعبدونهم من دون الله تسميةُ ذلك تعظيمًا واحترامًا؟ وأي شيء نفع نفاةَ القدر المخرِجين لأشرف ما في مملكة الرب تعالى من طاعة(1) أنبيائه ورسله وملائكته وعباده عن قدرته تسميةُ ذلك عدلًا؟ وأي شيء نفعَهم نفيُهم لصفات كماله تسميةُ ذلك توحيدًا؟ وأي شيء نفع أعداءَ الرسل من الفلاسفة ــ القائلين بأن الله لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، ولا يُحيي الموتى ويبعث من في القبور، ولا يعلم شيئًا من الموجودات، ولا أرسل رسولًا إلى الناس(2) أمرهم بطاعته ــ تسميةُ ذلك حكمة؟ وأي شيء نفع أهلَ النفاق تسميةُ نفاقهم عقلًا معيشيًّا وقدْحُهم في عقل من لم ينافق نفاقهم ويُداهِنْ في دين الله؟ وأي شيء نفع المَكَسَة(3)--------------------------------------------
(1) ز: «طاعات».
(2) ز: «إلى الناس رسولًا».
(3) جمع ماكِس، وهو الذي يحصِّل الضرائب.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 610)

تسميةُ ما يأخذونه ظلمًا وعدوانًا حقوقًا سلطانيةً، وتسميةُ أوضاعهم الجائرة الظالمة المناقضة لشرع الله ودينه شرعَ الديوان؟ وأي شيء نفع أهلَ البدع والضلال تسميةُ شبههم الداحضة عند ربهم وعند أهل العلم والإيمان(1) عقلياتٍ وبراهين؟ وتسمية كثير من المتصوفة الخيالاتِ الفاسدة والشطحاتِ حقائقَ؟ فهؤلاء كلهم حقيقٌ أن يُتلى عليهم: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم: 23].
فصل
ومما يوضّح ما ذكرناه أن(2) القصود في العقود معتبرة، دون(3) الألفاظ المجرَّدة التي لم تُقصد بها معانيها وحقائقها أو قُصِد غيرها= أن(4) صيغ العقود كبعتُ واشتريت وتزوجت وأجرت إما إخبارات وإما إنشاءات وإما أنها متضمنة للأمرين، فهي إخبارات عما في النفس من المعاني التي تدلّ على العقود، وإنشاءات لحصول العقود في الخارج؛ فلفظها موجب لمعناها في الخارج؛ وهي إخبار عما في النفس من تلك المعاني، ولا بدَّ في صحتها من مطابقة خبرها لمخبرها، فإذا لم تكن تلك المعاني في النفس كانت خبرًا كاذبًا، وكانت بمنزلة قول المنافق: «أشهد أن محمدا رسول الله»، وبمنزلة قوله: «آمنت بالله وباليوم الآخر». وكذلك المحلّل إذا قال «تزوجتُ» وهو لا يقصد بلفظ التزوج المعنى الذي جُعِل له في الشرع كان--------------------------------------------
(1) د: «والدين». وقد صحح في هامشها. وفي المطبوع: «أهل العلم والدين والإيمان».
(2) في المطبوع: «من أن» خلاف النسختين.
(3) في النسختين: «وان». والمثبت يقتضيه السياق.
(4) «أن» وما بعدها مبتدأ مؤخر، والخبر المقدم: «مما يوضح».

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 611)

إخبارًا كاذبًا وإنشاء باطلًا؛ فإنا نعلم أن هذه اللفظة لم توضع(1) في الشرع ولا في العرف ولا في اللغة لمن قصد ردَّ المطلقة إلى زوجها، وليس له قصد في النكاح الذي وضعه الله بين عباده وجعله سبب المودّة والرحمة بين الزوجين، وليس له قصدٌ في توابعه حقيقةً ولا حكمًا، فمن ليس له قصدٌ في الصحبة [40/ب] ولا في العشرة ولا المصاهرة ولا الولد ولا المواصلة ولا المعاشرة والإيواء، بل قصدُه أن يفارق لتعود إلى غيره؛ فالله جعل النكاح سببًا للمواصلة والمصاحبة، والمحلِّل جعله سببًا للمفارقة، فإنه تزوّج ليطلّق؛ فهو مناقض لشرع الله ودينه وحكمته، فهو كاذب في قوله «تزوجتُ» بإظهاره خلاف ما في قلبه، وبمنزلة من قال لغيره: وكّلتُك أو شاركتك أو ضاربتك أو ساقيتك، وهو يقصد رفع هذه العقود وفسخها.
وقد تقدَّم أن صيغ العقود إخبارات عما في النفس من المعاني التي هي أصل العقود ومبدأ الحقيقة التي بها يصير اللفظ كلامًا معتبرًا؛ فإنها لا تصير كلامًا معتبرًا إلا إذا(2) قُرِنت بمعانيها، فتصير إنشاءً للعقود والتصرفات من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم وبها وُجِد، وإخباراتٍ من حيث دلالتها على المعاني التي في النفس؛ فهي تُشبِه في اللفظ أحببتُ وأبغضتُ وكرهتُ، وتُشبِه في المعنى قُمْ واقعُدْ. وهذه الأقوال إنما تفيد الأحكام إذا قصد المتكلم بها ــ حقيقةً أو حكمًا ــ ما جُعلت له، وإذا لم يقصد بها ما يناقض معناها، وهذا فيما بينه وبين الله تعالى. وأما في الظاهر فالأمر محمول على الصحة، وإلا لما تمَّ عقدٌ ولا تصرفٌ، فإذا قال «بعتُ»--------------------------------------------
(1) ز: «هذا اللفظ لم يوضع».
(2) «إذا» ساقطة من ز.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 612)

و «تزوجتُ» كان هذا اللفظ دليلًا على أنه قصد معناه المقصود به، وجعله الشارع بمنزلة القاصد وإن كان هازلًا، وباللفظ والمعنى جميعًا يتمُّ الحكم؛ فكلٌّ منهما جزء السبب، وهما مجموعه، وإن كانت العبرة في الحقيقة بالمعنى، واللفظ دليل؛ ولهذا يصار إلى غيره عند تعذُّره.
وهذا شأن عامة أنواع الكلام، فإنه محمول على معناه المفهوم منه عند الإطلاق، لا سيما الأسماء(1) الشرعية التي علَّق الشارع بها أحكامها، فإن المتكلم عليه أن يقصد بتلك الألفاظ معانيها، والمستمع عليه أن يحملها على تلك المعاني، فإن لم يقصد المتكلم بها معانيها بل تكلّم بها غيرَ قاصدٍ لمعانيها أو قاصدًا لغيرها أبطل الشارع عليه قصده، فإن كان هازلًا أو لاعبًا(2) لم يقصد المعنى ألزمه الشارع المعنى، كمن هزلَ بالكفر والطلاق والنكاح والرجعة، بل لو تكلم الكافر بكلمة الإسلام هازلًا ألزم به وجرت عليه أحكامه ظاهرًا، وإن تكلّم بها مخادعًا ماكرًا محتالًا مُظهِرًا خلافَ ما أبطن لم يُعطِه الشارع مقصوده، كالمحلّل والمرابي بعقد العينة وكل من احتال على إسقاط واجب أو فعلِ محرَّم بعقد أو قول أظهره وأبطن الأمر الباطل. وبهذا يخرج الجواب عن الإلزام بنكاح الهازل وطلاقه ورجعته، وإن لم يقصد حقائق هذه الصيغ ومعانيها.
ونحن نذكر تقسيمًا جامعًا نافعًا في هذا الباب نبين به حقيقة الأمر، فنقول: المتكلم بصيغ العقود إما أن يكون قاصدًا للتكلُّم بها أو لا يكون قاصدًا:--------------------------------------------
(1) د: «الأحكام».
(2) د: «لاغيا».

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 613)

فإن لم يقصد التكلم بها كالمكره والنائم والمجنون والسكران والمغلوب على عقله لم يترتَّب عليها شيء، وإن كان في بعض ذلك نزاع وتفصيل فالصواب أن أقوال هؤلاء كلها(1) هدرٌ كما دل [41/أ] عليه الكتاب والسنة والميزان وأقوال الصحابة.
وإن كان قاصدًا للتكلم بها فإما أن يكون عالمًا بغايتها متصورًا لها، أو لا يدري معناها البتة بل هي عنده كأصواتٍ يَنْعِق بها؛ فإن لم يكن عالمًا بمعناها ولا متصورًا له لم يترتب عليها أحكامها أيضًا، ولا نزاع بين أئمة الإسلام في ذلك. وإن كان متصورًا لمعانيها عالمًا بمدلولها فإما أن يكون قاصدًا لها أو لا؛ فإن كان قاصدًا لها ترتبت أحكامها في حقه ولزمتْه، وإن لم يكن قاصدًا لها فإما أن يقصد خلافها أو لا يقصد لا معناها ولا غير معناها؛ فإن لم يقصد غير التكلم بها فهو الهازل ونذكر حكمه، وإن قصد غير معناها فإما أن يقصد ما يجوز له قصده أو لا:
فإن قصد ما يجوز له قصده نحو أن يقصد بقوله «أنت طالق» من زوج كان قبلي، أو يقصد بقوله «أَمتي أو عبدي حرٌّ» أنه عفيف عن الفاحشة، أو يقصد بقوله «امرأتي عندي مثل أمي» في الكرامة والمنزلة، ونحو ذلك، لم تلزمه أحكام هذه الصيغ فيما بينه وبين الله تعالى. وأما في الحكم فإن اقترن بكلامه قرينة تدل على ذلك لم يلزمه أيضًا؛ لأن السياق والقرينة بينة تدل على صدقه، وإن لم يقترن بكلامه قرينة أصلًا وادعى ذلك دعوى مجردة لم تُقبل منه.
وإن قصد بها ما لا يجوز قصده، كالمتكلم بنكحتُ وتزوجتُ يقصد--------------------------------------------
(1) «كلها» ليست في د.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 614)

التحليل، وببعتُ واشتريت يقصد الربا، وبخالعتُها يقصد الحيلة على فعل المحلوف عليه، وبملكتُ يقصد التحيُّل على إسقاط الزكاة أو الشفعة(1)، وما أشبه ذلك= فهذا لا يحصل له مقصوده الذي قصده وجعل ظاهر اللفظ والفعل وسيلةً إليه؛ فإن في تحصيل مقصوده تنفيذًا للمحرَّم، وإسقاطًا للواجب، وإعانةً على معصية الله، ومناقضةً لدينه وشرعه، فإعانته على ذلك إعانة على الإثم والعدوان. ولا فرقَ بين إعانته على ذلك بالطريق التي وُضِعت مُفضِيةً إليه وبين إعانته بالطريق التي وُضِعت مفضيةً إلى غيره؛ فالمقصود إذا كان واحدًا لم يكن اختلاف الطرق الموصلة إليه بموجبٍ لاختلاف حكمه فيحرم من طريق ويحلُّ بعينه من طريق أخرى.
والطرقُ وسائل وهي مقصودة لغيرها، فأيّ فرق بين التوسل إلى الحرام بطريق الاحتيال والمكر والخداع والتوسل إليه بطريق المجاهرة التي يوافق فيها السرُّ الإعلانَ(2) والظاهرُ الباطنَ والقصدُ للّفظ، بل سالك هذه الطريق قد تكون عاقبته أسلمَ وخطره أقلَّ من سالك تلك من وجوه كثيرة، كما أن سالك طريق الخداع والمكر عند الناس أمقتُ وفي قلوبهم أوضعُ وهم عنه أشدُّ نفرةً من آتي الأمرِ على وجهه وداخلِه من بابه؛ ولهذا قال أيوب السختياني ــ وهو من كبار التابعين وساداتهم وأئمتهم ــ في هؤلاء: «يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أَتَوا الأمرَ على وجهه كان أسهلَ عليهم»(3).--------------------------------------------
(1) د: «الشفعة أو الزكاة».
(2) ز: «والإعلان».
(3) رواه البخاري (12/ 336 - مع الفتح) معلقًا بصيغة الجزم بنحوه. وانظر: «تغليق التعليق» (5/ 264).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 615)

فصل
إذا عُرِف هذا فنقول: المكره قد أتى باللفظ المقتضي للحكم، ولم يثبت عليه حكمه لكونه غير قاصد له، وإنما قصد دفع الأذى عن [41/ب] نفسه، فانتفى الحكم لانتفاء قصده وإرادته لموجب اللفظ؛ فعُلِم أن نفس اللفظ ليس مقتضيًا للحكم اقتضاءَ الفعل لأثره، فإنه لو قتل أو غصب أو أتلف أو نجَّس المائع مكرَهًا لم يمكن أن يقال: إن ذلك القتل أو الإتلاف أو التنجيس فاسد أو باطل، كما لو أكل أو شرب أو سَكِر لم يقل: إن ذلك فاسد، بخلاف ما لو حلف أو نذر أو طلّق أو عقد عقدًا حكميًّا. وهكذا المحتال الماكر المخادع؛ فإنه لم يقصد الحكم المقصود بذلك اللفظ الذي احتال به، وإنما قصد معنى آخر فقصد الربا بالبيع والتحليل بالنكاح والحنث بالخلع، بل المكره قصدُه دفع الظلم عن نفسه، وهذا قصده التوسل إلى غرض رديء؛ فالمحتال والمكره يشتركان في أنهما لم يقصدا بالسبب حكمه ولا باللفظ معناه، وإنما قصدا(1) التوسل بذلك اللفظ وبظاهر ذلك السبب إلى شيء آخر غير حكم السبب، لكن أحدهما راهبٌ قصدُه دفع الضرر، ولهذا يُحمد أو يُعذر على ذلك، والآخر راغبٌ قصدُه إبطال حق وإيثار باطل، ولهذا يُذمّ على ذلك؛ فالمكره يُبطِل حكم السبب فيما عليه وفيما له لأنه لم يقصد واحدًا منهما، والمحتالُ يبطل حكم السبب فيما احتال عليه، وأما فيما سواه فيجب فيه التفصيل.
وههنا أمر لا بدّ منه، وهو أن من ظهر لنا أنه محتال فكمن ظهر لنا أنه--------------------------------------------
(1) د: «قصد».

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 616)

مكره، ومن ادعى أنه إنما قصد الاحتيال فكمن ادعى أنه مكره، وإن كان ظهور أمر المكره أبينَ من ظهور أمر المحتال.
فصل
وأما الهازل فهو الذي يتكلم بالكلام من غير قصدٍ لموجبه وحقيقته، بل على وجه اللعب، ونقيضُه الجادُّ فاعلٌ من الجِدّ بكسر الجيم وهو نقيض الهزل، وهو مأخوذ من «جَدَّ فلان» إذا عظُم واستغنى وصار ذا حظٍّ، والهزل: مِن هَزُلَ إذا ضعف وضَؤُل، نُزِّلَ الكلام الذي يراد معناه وحقيقته بمنزلة صاحب الحظّ والبَخْت والغنى، والذي لم يُرَد معناه وحقيقته بمنزلة الخالي من ذلك؛ إذ قِوام الكلام بمعناه، وقِوام الرجل بحظّه وماله، وقد جاء فيه حديث أبي هريرة المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثٌ جِدُّهن جِدٌّ وهزلهن جِدٌّ: النكاح والطلاق والرجعة». رواه أهل السنن، وحسَّنه الترمذي(1).
وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من نكحَ لاعبًا أو طلَّق لاعبًا أو أعتق لاعبًا فقد جاز»(2).
وقال عمر بن الخطاب: «أربعٌ جائزاتٌ إذا تكلَّم بهن: الطلاق والعتاق والنكاح والنذر»(3).--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) رواه الطبري في «تفسيره» (4/ 184) عن الحسن مرسلًا، وفي إسناده سليمان بن أرقم متكلم فيه. وجاء موصولاً عند ابن أبي شيبة (18719) عن الحسن عن أبي الدرداء مرفوعا. والحسن لم يسمع من أبي الدرداء. وروي عنه موقوفًا كما سيأتي.
(3) رواه سعيد بن منصور (1610) وابن أبي شيبة (18715)، وسعيد بن المسيب أدرك عمر وكان صغيرًا، لكن مراسيله عنه صحيحة كما تقدم.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 617)

وقال عليٌّ: «ثلاثٌ لا لعبَ فيهم: الطلاق والعتاق والنكاح»(1).
وقال أبو الدرداء: «ثلاثٌ اللعبُ فيهن كالجدّ: الطلاق والنكاح والعتق»(2).
وقال ابن مسعود: «النكاح جِدُّه ولعبُه سواء». ذكر ذلك أبو حفص العُكبَري(3).
فصل(4)
فأما طلاق الهازل فيقع عند الجمهور، وكذلك نكاحه صحيح كما صرَّح به النص، وهذا هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين، وهو قول الجمهور، وحكاه أبو حفص نصًّا عن أحمد، وهو قول أصحابه وقول طائفة من أصحاب الشافعي. وذكر بعضهم أن الشافعي نصَّ على أن نكاح الهازل لا يصح بخلاف طلاقه. ومذهب مالك الذي [42/أ] رواه ابن القاسم عنه وعليه العمل عند أصحابه أن هَزْل النكاح والطلاق لازم، بخلاف البيع، وروى عنه علي بن زياد أن نكاح الهازل لا يجوز. قال بعض أصحابه: فإن--------------------------------------------
(1) رواه عبد الرزاق (10247)، وفي إسناده جابر الجعفي متكلم فيه.
(2) رواه سعيد بن منصور (1604) وابن أبي شيبة (18714).
(3) عزا هذه الآثار إليه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص 105) بقوله: «رواهن أبو حفص العكبري». وروى أثر ابن مسعود عبد الرزاق (10244) من طريق ابن جريج عن عبد الكريم عنه به. ولا يدرى من عَبد الكريم؛ هل هو ابن مالك أو ابن أبي المخارق؟ وفي كلا الحالين ففيه انقطاع؛ لأنهما لم يدركا ابن مسعود رضي الله عنه.
(4) نقله المؤلف من «بيان الدليل» (ص 105 وما بعدها).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 618)

قام دليل الهزل لم يلزمه عتق ولا نكاح ولا طلاق، ولا شيء عليه من الصداق.
وأما بيع الهازل وتصرفاته المالية فإنه لا يصح عند القاضي أبي يعلى وأكثر أصحابه، وهو قول الحنفية والمالكية. وقال أبو الخطاب في «انتصاره»: يصح بيعه كطلاقه. وخرَّجها بعض الشافعية على وجهين، ومن قال بالصحة قاسَ سائر التصرفات على النكاح والطلاق والرجعة.
والفقه فيه أن الهازل أتى بالقول غير ملتزمٍ لحكمه، وترتيب الأحكام على الأسباب للشارع لا للعاقد، فإذا أتى بالسبب لزمه حكمه شاء أم أبى؛ لأن ذلك لا يقف على اختياره، وذلك أن الهازل قاصد للقول مريدٌ له مع علمه بمعناه وموجبه، وقصدُ اللفظ المتضمن للمعنى قصد لذلك المعنى لتلازمهما، إلا أن يعارضه قصد آخر كالمكره والمخادع المحتال؛ فإنهما قصدَا شيئًا آخر غير معنى القول وموجبه. ألا ترى أن المكره قصد دفع العذاب عن نفسه فلم يقصد السبب ابتداء، والمحلّل قصد إعادتها إلى المطلِّق، وذلك منافٍ لقصده موجب السبب، وأما الهازل فقصد السبب ولم يقصد حكمه ولا ما ينافي حكمه فترتَّب عليه أثره.
فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بلغو اليمين، فإنه لا يترتَّب عليه حكمه.
قيل: اللاغي لم يقصد السبب، وإنما جرى على لسانه من غير قصدٍ؛ فهو بمنزلة كلام النائم والمغلوب على عقله. وأيضًا فالهزل أمر باطن لا يُعرف إلا من جهة الهازل، فلا يقبل قوله في إبطال حق العاقد الآخر. ومن فرَّق بين البيع وبابه والنكاح وبابه قال: الحديث والآثار تدلّ على أن من

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 619)

العقود ما يكون جدُّه وهزلُه سواء، ومنها ما لا يكون كذلك، وإلا لقال(1): العقود كلها أو الكلام كله جدُّه وهزله سواء، وأما من جهة المعنى فإن النكاح والطلاق والرجعة والعتق فيها حقٌّ لله، أما العتق فظاهر، وأما الطلاق فإنه يوجب تحريم البضع، ولهذا تجب إقامة الشهادة فيه وإن لم تطلبها الزوجة، وكذلك في النكاح فإنه يفيد حِلَّ ما كان حرامًا وحرمةَ ما كان حلالًا، وهو التحريم الثابت بالمصاهرة؛ ولهذا لا يستباح إلا بالمهر، وإذا كان كذلك لم يكن للعبد ــ مع تعاطي السبب الموجب لهذه الأحكام ــ أن لا يرتِّب عليها موجباتها، كما ليس له ذلك في كلمات الكفر إذا هَزَل بها كما صرّح به القرآن؛ فإن الكلام المتضمن لحقّ الله لا يمكن قولُه مع رفع ذلك الحق؛ إذ ليس للعبد أن يهزِل مع ربّه ولا يستهزئ بآياته ولا يتلاعب بحدوده.
وفي حديث أبي موسى: «ما بالُ أقوامٍ يلعبون بحدود الله ويستهزئون [42/ب] بآياته؟»(2) في الهازلين. يعني ــ والله أعلم ــ يقولونها لعبًا غير ملتزمين لأحكامها، وحكمها لازم لهم، وهذا بخلاف البيع وبابه؛ فإنه تصرُّف في المال الذي هو محض حق الآدمي، ولهذا يملك بذله بعوض وغير عوض، والإنسان قد يلعب مع الإنسان وينبسط معه، فإذا تكلم على هذا الوجه لم يلزمه حكم الجادّ؛ لأن المزاح معه جائز.--------------------------------------------
(1) في «بيان الدليل»: «لقيل».
(2) رواه ابن بطة في «إبطال الحيل» (ص 99) بهذا اللفظ. ورواه ابن ماجه (2017) وابن حبان (4265) دون قوله: «ويستهزئون بآياته». والحديث ضعَّفه الألباني في «الضعيفة» (4431).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 620)

وحاصل الأمر أن اللعب والهزل والمزاح في حقوق الله غير جائز، فيكون جدُّ القول وهزلُه سواء، بخلاف جانب العباد. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح مع أصحابه ويباسطهم، وأما مع ربه تبارك وتعالى فيجِدُّ كلَّ الجِدّ، ولهذا قال للأعرابي يمازحه: «مَن يشتري منّي العبدَ؟» فقال: تجدني رخيصًا يا رسول الله؟ فقال: «بل أنت عند الله غالٍ»(1). وقصد صلى الله عليه وسلم أنه عبد الله، والصيغة صيغة استفهام. وهو صلى الله عليه وسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا(2). ولو أن رجلًا قال: «من يتزوَّج أمي أو أختي» لكان من أقبح الكلام، وقد كان عمر رضي الله عنه يضرب من يدعو امرأته أخته، وقد جاء في ذلك حديث مرفوع رواه أبو داود(3) أن رجلًا قال لامرأته: يا أُخَيَّة(4)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أختُك هي؟». وإنما جعل إبراهيم ذلك حاجةً لا مُزاحًا(5).
ومما يوضّحه أن عقد النكاح يُشبِه العبادات في نفسه، بل هو مقدَّم على--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (12648) والترمذي في «الشمائل» (229) من حديث أنس رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (5790) وابن حجر في «الإصابة» (2/ 452).
(2) رواه أحمد (8723) والترمذي (1990) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحسنه الترمذي والبغوي (3602).
(3) برقم (2210) وهو مرسل، وقد وصله أبو داود في الحديث الذي بعده (2211)، والحديث في إسناده اضطراب. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (2/ 240).
(4) د: «أخته». وفي ز بدون نقط، والمثبت من أبي داود.
(5) إشارة إلى الحديث الذي رواه البخاري (3358) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، وفيه: «بينا هو (أي إبراهيم) ذاتَ يومٍ وسارةُ، إذ أتى على جبَّار من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلًا معه امرأة من أحسن النساء، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي … ».

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 621)

نفلها، ولهذا يُستحبُّ عقدُه في المساجد، ويُنهى عن البيع فيها، ومن يشرِط له لفظًا بالعربية راعى فيه ذلك إلحاقًا له بالأذكار المشروعة، ومثل هذا لا يجوز الهزل به، فإذا تكلّم به رتّب الشارع عليه حكمه وإن لم يقصده، بحكم ولاية الشارع على العبد، فالمكلَّف قصد السبب، والشارع قصد الحكم، فصارا مقصودين كليهما(1).
فصل

وقد ظهر بهذا أن‌‌ ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة، فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة الله ورسوله. ولم يُؤمَر أن ينقَّب عن قلوبهم ولا أن يُشقَّ بطونهم، بل يجري عليهم أحكام الله(2) في الدنيا إذا دخلوا في دينه، ويجري أحكامه [43/أ] في الآخرة على قلوبهم ونياتهم، فأحكام الدنيا على الإسلام، وأحكام الآخرة على الإيمان، ولهذا قبِلَ إسلام الأعراب، ونفَى عنهم أن يكونوا مؤمنين، وأخبر أنه لا ينقُصهم مع ذلك من ثواب طاعتهم لله ورسوله شيئًا، وقبِلَ إسلام المنافقين ظاهرًا، وأخبر أنهم لا ينفعهم يوم القيامة شيئًا، وأنهم في الدرك الأسفل من النار. فأحكام الرب جل جلاله جارية على ما يُظهِر العباد، ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه كما تقدم تفصيله.
وأما قصة المُلاعن فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال بعد أن ولدت الغلام على شبه الذي رُمِيَتْ به: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن»، فهذا ــ والله--------------------------------------------
(1) كذا في النسختين. وفي «بيان الدليل»: «فصار الجميع مقصودًا».
(2) ز: «أحكام الله عليهم».

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 622)

أعلم ــ إنما أراد به لولا حكم الله بينهما باللعان لكان شَبَهُ الولد بمن رُمِيتْ به يقتضي حكمًا آخر غيره، ولكن حكم الله باللعان ألغى حكم هذا الشبه، فإنهما دليلان، وأحدهما أقوى من الآخر؛ فكان العمل به واجبًا. وهذا كما لو تعارض دليل الفراش ودليل الشبه، فإنا نُعمِل دليل الفراش ولا نلتفت إلى الشبه بالنص والإجماع، فأين في هذا ما يُبطِل المقاصد والنيات والقرائن التي لا معارضَ لها؟ وهل يلزم من بطلان الحكم بقرينة قد عارضها ما هو أقوى منها بطلانُ الحكم بجميع القرائن؟ وسيأتي دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وجمهور الأئمة على العمل بالقرائن واعتبارها في الأحكام. وأما إنفاذه للحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب فليس في الممكن شرعًا غيرُ هذا، وهذا شأن عامة المتداعين، لا بدَّ أن يكون أحدهما مُحِقٌّ والآخر مُبطِل(1)، وينفذ حكم الله عليهما تارةً بإثبات حق المحق وإبطال باطل المبطل، وتارةً بغير ذلك إذا لم يكن مع المحقّ دليل.
وأما حديث ركانة لما طلّق امرأته البتةَ وأحلفه النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما أراد واحدةً(2)، فمن أعظم الأدلة على صحة هذه القاعدة، وأن الاعتبار في العقود بنيات أصحابها ومقاصدهم وإن خالفت ظواهرَ ألفاظهم؛ فإن لفظ البتة يقتضي أنها قد بتَّتْ منه وانقطع التواصل الذي كان بينهما بالنكاح، وأنه لم يبقَ له عليها رجعة، بل بانت منه البتةَ كما يدل عليه لفظ البتة لغةً وعرفًا، ومع هذا فردَّها عليه، وقَبِلَ قوله أنها واحدة مع مخالفة الظاهر اعتمادًا على قصده ونيته، فلولا اعتبار القصود في العقود لما نفعه قصده الذي يخالف--------------------------------------------
(1) كذا في النسختين «محق» و «مبطل» مرفوعان. وفي المطبوع بالنصب.
(2) تقدم تخريجه.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 623)

ظاهر لفظه مخالفة ظاهرة(1) بينة. فهذا الحديث أصل لهذه القاعدة، وقد قبِلَ منه في الحكم، وديَّنه فيما بينه وبين الله، فلم يقضِ عليه بما أظهر من لفظه لما أخبره بأن نيته وقصده كان خلاف ذلك.
وأما قوله(2): «إن النبي صلى الله عليه وسلم أبطل في حكم الدنيا استعمالَ الدلالة التي لا يوجد أقوى منها» يعني دلالة الشبه، فإنما أبطلها بدلالة أقوى منها وهي اللعان، كما أبطلها مع قيام دلالة الفراش، واعتبرها حيثُ لم يعارضها مثلُها ولا أقوى منها في إلحاق الولد بالقافة [43/ب] وهي دلالة الشبه، فأين في هذا إلغاء الدلالات والقرائن مطلقًا؟
وأما قوله: «إنه لم يحكم في المنافقين بحكم الكفر مع الدلالة التي لا أقوى منها وهي خبر الله سبحانه عنهم وشهادته عليهم»، فجوابه: أن الله سبحانه لم يُجرِ أحكام الدنيا على علمه في عباده، وإنما أجراها على الأسباب التي نصَبَها أدلة عليها، وإن علم سبحانه أنهم مُبطِلون فيها مُظهِرون لخلاف ما يُبطِنون، وإذا أطلع الله رسولَه(3) على ذلك لم يكن ذلك مناقضًا لحكمه الذي شرعه ورتّبه على تلك الأسباب، كما رتَّب على المتكلم بالشهادتين حكمَه وأطلع رسولَه وعبادَه المؤمنين على أحوال كثير من المنافقين وأنهم لم يطابق قولُهم اعتقادَهم.
وهذا كما أجرى حكمه على المتلاعنين ظاهرًا، ثم أطلع رسوله--------------------------------------------
(1) «ظاهرة» ليست في ز.
(2) أي قول الشافعي الذي سبق ذكره (ص 586)، ويستمر المؤلف في مناقشة كلامه في الفقرات الآتية.
(3) ز: «ورسوله».

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 624)

والمؤمنين على حال المرأة بشَبَه الولد لمن رُمِيتْ به، وكما قال: «إنما أقضي بنحوٍ مما أسمع، فمن قضيتُ له بشيء من حقِّ أخيه فإنما أقطعُ له قطعةً من النار»(1). وقد يُطلِعه الله سبحانه على حالِ آخذِ ما لا يحلُّ له أخذه، ولا يمنعه ذلك من إنفاذ الحكم.
وأما الذي قال: «يا رسول الله، إن امرأتي ولدتْ غلامًا أسودَ»(2)، فليس فيه ما يدل على القذف لا صريحًا ولا كنايةً(3)، وإنما أخبره بالواقع مستفتيًا عن حكم هذا الولد: أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه أم ينفيه؟ فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم وقرَّب له الحكمَ بالشَّبه الذي ذكره؛ ليكون أذعنَ لقبوله وانشراحِ الصدر له، ولا يقبله على إغماض. فأين في هذا ما يُبطِل حدَّ القذف بقول من يشاتم غيره: «أما أنا فلستُ بزانٍ، وليستْ أمي بزانية»، ونحو هذا من التعريض الذي هو أوجعُ وأنكى من التصريح، وأبلغ في الأذى، وظهوره عند كل سامع بمنزلة ظهور الصريح، فهذا لون وذاك لون، وقد حدَّ عمر بالتعريض في القذف، ووافقه الصحابة رضي الله عنهم.
وأما قوله رحمه الله(4): «إنه استشار أصحابه فخالفه بعضهم»، فإنه يريد ما رواه عن مالك عن أبي الرجال عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أن رجلين استبَّا في زمن عمر بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزانٍ ولا أمي بزانية، فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب، فقال قائل: مدح أباه وأمه،--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه.
(3) د: «لا كنايةً ولا صريحًا».
(4) د: «رضي الله عنه».

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 625)

وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، نرى أن تجلده الحدّ، فجلده عمر الحدَّ ثمانين(1)، وهذا لا يدل على أن القائل الأول خالف عمر؛ فإنه لما قيل له إنه قد كان لأبيه وأمه مدحٌ غير هذا فهم أنه أراد القذف فسكت، وهذا إلى الموافقة أقرب منه إلى المخالفة.
وقد صحَّ عن عمر من وجوه أنه حدَّ في التعريض، فروى معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن عمر كان يحدُّ في التعريض بالفاحشة(2)، وروى ابن جريج عن ابن أبي مُليكة عن صفوان وأيوب عن عمر أنه حدَّ في التعريض(3). وذكر أبو عمر(4) أن عثمان كان يحد في التعريض وذكره ابن أبي شيبة(5)، وكان عمر بن عبد العزيز يرى الحدّ في التعريض(6). وهو قول أهل المدينة [44/أ] والأوزاعي، وهو محض القياس، كما يقع الطلاق والعتق والوقف والظهار بالصريح والكناية، واللفظ إنما يُراد لدلالته على المعنى؛ فإذا ظهر المعنى غاية الظهور لم يكن في تغيير اللفظ كبير فائدة.
وأما قوله: «من حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم لم يسلَمْ من خلاف التنزيل والسنة»، فإنه يشير بذلك إلى قبول توبة الزنديق وحَقْن دمه بإسلامه، وقبول توبة المرتدّ وإن وُلِد على الإسلام، وهاتان مسألتان فيهما--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) رواه عبد الرزاق (13703).
(3) رواه عبد الرزاق (13705).
(4) في «الاستذكار» (24/ 127).
(5) في «المصنّف» (28966).
(6) رواه عبد الرزاق (13718، 13719).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 626)

نزاع بين الأمة مشهور، وقد ذكر الشافعي الحجة على قبول توبتهما، ومن لم يقبل توبتهما يقول: إنه لا سبيل إلى العلم بها؛ فإن الزنديق قد عُلِم أنه لم يزل مظهرًا للإسلام، فلم يتجدَّد له بإسلامه الثاني حالٌ مخالفةٌ لما كان عليه، بخلاف الكافر الأصلي؛ فإنه إذا أسلم فقد تجدّد له بالإسلام حالٌ لم يكن عليها، والزنديق إنما رجع إلى إظهار الإسلام.
وأيضًا فالكافر كان معلنًا لكفره غير متستِّرٍ به ولا مُخفٍ له، فإذا أسلم تيقنَّا أنه أتى بالإسلام رغبة فيه لا خوفًا من القتل، والزنديق بالعكس فإنه كان مخفيًا لكفره متستِّرًا به، فلم نؤاخذه بما في قلبه إذا لم يظهر عليه، فإذا ظهر على لسانه وَاخَذْناه به، فإذا رجع عنه لم يرجع عن أمر كان مُظهِرًا له غير خائف من إظهاره، وإنما رجع خوفًا من القتل.
وأيضًا فإن الله سبحانه سنَّ في عباده أنهم إذا رأوا بأسه لم ينفعهم الإسلام، وهذا إنما أسلم عند معاينة البأس، ولهذا لو جاءنا من تلقاء نفسه وأقرَّ بأنه قال كذا وكذا وهو تائب منه قبلنا توبته ولم نقتله.
وأيضًا فإن الله سبحانه سنَّ في المحاربين أنهم إن تابوا من قبل القدرة عليهم قُبلت توبتهم، ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم، ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان، وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان، فهو أولى أن لا تُقبل توبته بعد القدرة عليه، وهذا بخلاف الكافر الأصلي؛ فإن أمره كان معلومًا، وكان مُظهِرًا لكفره غير كاتمٍ له، والمسلمون قد أخذوا حِذرهم منه، وجاهروه بالعداوة والمحاربة.
وأيضًا فإن الزنديق هذا دأبه دائمًا، فلو قُبلت توبته لكان تسليطًا له على

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 627)

بقاء نفسه بالزندقة والإلحاد، وكلما قدر عليه أظهر الإسلام وعاد إلى ما كان عليه، ولا سيَّما وقد علم أنه أمِنَ بإظهار الإسلام من القتل، فلا يزَعُه خوفه عن المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبَّة الله ورسوله، فلا ينكفُّ عدوانُه عن الإسلام إلا بقتله.
وأيضًا فإن من سبَّ الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، فجزاؤه القتل حدًّا، والحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقًا، ولا ريب أن محاربة هذا الزنديق لله ورسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفسادًا(1)، فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على [44/ب] عشرة دراهم لذمي أو على بدنه ولا تقبل توبته، ولا تأتي بقتل من دأبه الصولُ(2) على كتاب الله وسنة رسوله والطعنُ في دينه وتقبل توبته بعد القدرة؟
وأيضًا فالحدود بحسب الجرائم والمفاسد، وجريمة هذا أغلظُ الجرائم، ومفسدة بقائه بين أظهر المسلمين من أعظم المفاسد.
وهاهنا قاعدة يجب التنبيه عليها لعموم الحاجة إليها، وهي أن الشارع إنما قبلَ توبة الكافر الأصلي مِن كفرِه بالإسلام لأنه ظاهر لم يعارضه ما هو أقوى منه، فيجب العمل به؛ لأنه مقتضٍ(3) لحقن الدم والمعارض منتفٍ. فأما الزنديق فإنه قد أظهر ما يبيح دمه، فإظهاره بعد القدرة عليه للتوبة والإسلام لا يدلُّ على زوال ذلك الكفر المبيح لدمه دلالةً قطعية ولا ظنية، أما انتفاء القطع فظاهر، وأما انتفاء الظن فلأن الظاهر إنما يكون دليلًا--------------------------------------------
(1) د: «وإفساد».
(2) د: «التصول».
(3) في النسختين: «مقتضى».

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 628)

صحيحًا إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه(1)، فإذا قام دليل على الباطن لم يُلتفت إلى ظاهر قد علم أن الباطن يخالفه. ولهذا اتفق الناس على أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف علمه، وإن شهد عنده بذلك العدولُ(2)، وإنما يحكم بشهادتهم إذا لم يعلم خلافها. وكذلك لو أقرَّ إقرارًا عُلِم أنه كاذب فيه، مثل أن يقول لمن هو أسنُّ منه «هذا ابني» لم يثبت نسبه ولا ميراثه اتفاقًا. وكذلك الأدلة الشرعية مثل خبر الواحد العدل والأمر والنهي والعموم والقياس إنما يجب اتباعها إذا لم يقم دليل أقوى منها يخالف ظاهرها.
وإذا عُرف هذا فهذا الزنديق قد قام الدليل على فساد عقيدته، وتكذيبه واستهانته بالدين، وقَدْحه فيه؛ فإظهاره الإقرار والتوبة بعد القدرة عليه ليس فيه أكثر ما كان يظهره قبل هذا، وهذا القدر قد بطلت دلالته بما أظهره من الزندقة؛ فلا يجوز الاعتماد عليه لتضمُّنه إلغاءَ الدليل القوي وإعمالَ الدليل الضعيف الذي قد ظهر بطلان دلالته، ولا يخفى على المنصف قوةُ هذا النظر وصحةُ هذا المأخذ. وهذا مذهب أهل المدينة: مالك وأصحابه والليث بن سعد، وهو المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة، وهو إحدى(3) الروايات عن أحمد نصرها كثير من أصحابه، بل هي أنصُّ الروايات عنه، وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يستتاب، وهو قول الشافعي، وعن أبي يوسف روايتان؛ إحداهما: أنه يستتاب، وهي الرواية الأولى عنه، ثم قال آخرًا: أقتلُه--------------------------------------------
(1) في هامش د: «يخالفه».
(2) د: «بذلك العدول عنده».
(3) ز: «أحد».

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 629)