مخرج اليمين الواحدة؟ كما أفتى به أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم. وقد كان أبو عمر يفتي بأنه لا شيء فيها البتةَ، حكاه عنه القاضي أبو الوليد الباجي(1)، وعاب ذلك عليه.
قال: ومن العلماء من رأى أنه يختلف بحسب اختلاف الأحوال والمقاصد والبلاد، فمن حلف بها قاصدًا للطلاق أو العتاق لزِمَه ما ألزمَ نفسَه، ومن لم يعلم مقتضى ذلك ولم يقصده ولم يقيِّده العرف الغالب الجاري لزِمَه فيها كفارة ثلاثة أيمان بالله، بناء على أن أقل الجمع ثلاثة، وبه كان يفتي أبو بكر الطُّرطوشي(2)، ومن بعده من شيوخنا الذين حملنا عنهم، ومن شيوخ عصرنا من كان يفتي بها بالطلاق الثلاث بناءً على أنه العرف المستمر الجاري الذي حصل علمه والقصد إليه عند كل حالف بها.
ثم ذكر اختلاف المغاربة: هل يلزم فيها الطلاق الثلاث أم الواحدة؟ ثم قال: والمعتمد عليه فيها الرجوع إلى عرف الناس وما هو المعلوم عندهم في هذه الأيمان، فإذا ثبت فيها عندهم(3) شيء وقصدوه وعرفوه واشتهر بينهم وجب أن يحملوا عليه، ومع الاحتمال يُرجع إلى الأصل الذي هو اليمين بالله؛ إذ لا يسمَّى غير ذلك يمينًا، فيلزم الحالف بها كفارة ثلاثة أيمان. قال: وعلى هذا كان يُعوِّل أهل التحقيق والإنصاف من شيوخنا.
قلت: ولإجزاء الكفارة الواحدة فيها مدركٌ آخر أفقهُ من هذا، وعليه تدلُّ فتاوى الصحابة رضي الله عنهم صريحًا في حديث ليلى بنت العَجْماء المتقدم،--------------------------------------------
(1) في «المنتقى» (4/ 7، 8).
(2) في النسختين: «الطرطوثي»، تحريف.
(3) د: «عندهم فيها».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 550)
وهذه الالتزامات الخارجة مخرجَ اليمين إنما فيها كفارة يمينٍ بالنص والقياس واتفاق الصحابة كما تقدم، فموجبها كلُّها شيء واحد ولو تعدد المحلوف به، وصار هذا نظيرَ ما لو حلف بكل سورة من القرآن على شيء واحد فعليه كفارة يمين لاتحاد الموجب وإن تعدد السبب، ونظيره ما لو حلف بأسماء الرب تعالى وصفاته فكفارة واحدة، فإذا حلف بأيمان المسلمين [27/أ] أو الأيمان كلها أو الأيمان اللازمة أو أيمان البيعة أو بما يحلف به المسلمون= لم يكن ذلك بأعظمَ ما لو حلف بكل كتاب أنزله الله أو بكل اسم من أسماء الله أو صفة من صفات الله، فإذا أجزأ في هذا كفارةُ يمين مع حرمة هذه اليمين وتأكُّدها فلَأنْ تجزئ الكفارة في هذه الأيمان بطريق الأولى والأحرى، ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة الحكيمة التي لم يَطْرق العالمَ شريعةٌ أكمل منها غير ذلك، وكذلك أفتى به أفقه الأمة وأعلمهم بمقاصد الرسول ودينه وهم الصحابة.
واختلف الفقهاء بعدهم:
فمنهم: من يُلزِم الحالفَ بما التزمه من جميع الالتزامات كائنًا ما كان.
ومنهم: من لا يُلزِمه بشيء منها البتةَ، لأنها أيمان غير شرعية.
ومنهم: من يُلزِمه بالطلاق والعتاق، ويخيِّره في الباقي بين التكفير والالتزام.
ومنهم: من يحتِّم عليه(1) التكفير.
ومنهم: من يُلزِمه بالطلاق وحده دون ما عداه.--------------------------------------------
(1) «عليه» ليست في د.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 551)
ومنهم: من يُلزِمه بشرط كون الصيغة شرطًا، فإن كانت صيغة التزام فيمينٌ، كقوله «الطلاق يلزمني» لم يلزمه بذلك.
ومنهم: من يتوقَّف في ذلك ولا يفتي فيه بشيء.
فالأول قول مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة.
والثاني قول أهل الظاهر وجماعة من السلف.
والثالث قول أحمد بن حنبل والشافعي في ظاهر مذهبه، وأبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه، ومحمد بن الحسن.
والرابع قول بعض أصحاب الشافعي، ويُذكَر قولًا له وروايةً عن أحمد.
والخامس قول أبي ثور إبراهيم(1) بن خالد.
والسادس قول القفّال من الشافعية وبعض أصحاب أبي حنيفة، ويُحكى عنه نفسه.
والسابع قول جماعة من أهل الحديث.
وقول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحُّ وأفقهُ وأقرب هذه الأقوال إلى الكتاب والسنة، وبالله التوفيق.
فصل
المثال التاسع: الإلزام بالصداق الذي اتفق الزوجان على تأخير المطالبة به، وإن لم يسمِّيا أجلًا، بل قال الزوج: مائة مقدّمة ومائة مؤخّرة، فإن المؤخّر--------------------------------------------
(1) د: «وإبراهيم»، خطأ. فأبو ثور اسمه إبراهيم بن خالد.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 552)
لا يستحق المطالبة به إلا بموت أو فرقة. هذا هو الصحيح، وهو منصوص أحمد، فإنه قال في رواية جماعة من أصحابه: إذا تزوّجها على العاجل والآجل(1) لا يحل الآجل(2) إلا بموت أو فرقة، واختاره قدماء شيوخ المذهب والقاضي أبو يعلى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية(3)، وهو قول النخعي والشعبي والليث بن سعد، وله فيه رسالة كتبها إلى مالك ينكر عليه خلاف هذا القول سنذكرها بإسنادها ولفظها. وقال الحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأبو عبيد: يبطُل الآجل لجهالة محلّه، ويكون حالًّا. وقال إياس بن معاوية: يصح الآجل، ولا يحلّ الصداق إلا أن يفارقها أو يتزوَّج عليها أو يُخرِجها من بلدها؛ فلها حينئذٍ المطالبةُ به. وقال مكحول والأوزاعي: يحلُّ بعد سنة من وقت الدخول. وقال الشافعي وأبو الخطّاب: تفسُد [27/ب] التسمية ويجب مهر المثل لجهالة العوض بجهالة أجله فترجع إلى مهر المثل.
وأما مذهب مالك(4) فقال عبد الملك: كان مالك وأصحابه يكرهون أن يكون شيء من المهر مؤخرًا، وكان مالك يقول: إنما الصداق فيما مضى ناجزٌ كله، فإن وقع منه شيء مؤخَّر فلا أحبُّ أن يطول الأجل في ذلك، وحكى عن ابن القاسم تأخيره إلى السنتين والأربع، وعن ابن وهب إلى السنة، وعنه إن زاد الأجل على أكثر من عشرين سنة فُسِخ، وعن ابن القاسم--------------------------------------------
(1) ز: «وللآجل».
(2) ز: «للآجل».
(3) انظر «مجموع الفتاوى» (34/ 76).
(4) نقل المؤلف مذهب مالك وأصحابه من «عقد الجواهر الثمينة» (2/ 104 - 105).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 553)
إن جاوز الأربعين فسخ، وعنه إلى الخمسين والستين. حكى ذلك كله فضل بن سلمة عن ابن الموَّاز، ثم قال: لأن الأجل الطويل مثل ما لو تزوَّجها إلى موت أو فراق.
قال عبد الملك: وقد أخبرني أصبغ أنه شهد ابنَ وهب وابن القاسم تذاكرا الأجلَ في ذلك، فقال ابن وهب: أرى(1) فيه العشر فدون، فما جاوز ذلك فمفسوخ، فقال له ابن القاسم: وأنا معك على هذا، فأقام ابن وهب على رأيه، ورجع ابن القاسم فقال: لا أفسخه إلى الأربعين وأفسخه فيما فوق ذلك. قال أصبغ: وبه آخذُ ولا أحبُّ ذلك ندبًا(2) إلى العشر ونحوها، وقد شهدتُ أشهب زوَّج ابنته وجعل مؤخَّر مهرها إلى اثنتي عشرة(3) سنة.
قال عبد الملك: وما قَصُرَ(4) من الأجل فهو أفضل، وإن بَعُدَ لم أفسخه إلا أن يجاوز ما قال ابن القاسم، وإن كانت الأربعون في ذلك كثيرةً جدًّا.
قال عبد الملك: وإن كان بعض الصداق مؤخّرًا إلى غير أجلٍ فإن مالكًا كان يفسخه قبل البناء ويُمضيه بعده، ويردُّ(5) المرأةَ إلى صداق مثلها معجّلًا كله(6)، إلا أن يكون صداق مثلها أقلَّ من المعجَّل فلا ينقص منه، أو أكثر من--------------------------------------------
(1) كذا في النسختين. وفي «عقد الجواهر»: «رأيي».
(2) كذا في النسختين. وفي «عقد الجواهر»: «بدءًا».
(3) في النسختين: «اثني عشرة».
(4) ز: «قضى»، تحريف.
(5) كذا في النسختين. وفي «عقد الجواهر»: «وترد» بفقرة مستقلة، والصواب اتصالها بما قبلها، والضمير في «يردّ» لمالك.
(6) في النسختين: «كليهما». والتصويب من «عقد الجواهر».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 554)
المعجّل والمؤجّل فيوفي تمام ذلك، إلا أن يرضى الناكح بأن يجعل المؤخر معجلًا كله مع النقد، فيُمضِي النكاح ولا يفسخ لا قبل البناء ولا بعده، ولا تُردُّ المرأة إلى صداق مثلها. ثم أطالوا بذكر فروع تتعلق بذلك.
والصحيح ما عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحة التسمية وعدم تمكين المرأة من المطالبة به إلا بموت أو فرقة، حكاه الليث إجماعًا منهم، وهو محض القياس والفقه، فإن المطلَق من العقود ينصرف إلى العرف والعادة عند المتعاقدين كما في النقد والسكّة والصفة والوزن، والعادة جارية بين الأزواج بترك المطالبة بالصداق إلا بالموت أو الفراق، فجرت العادة مجرى الشرط كما تقدّم ذكر الأمثلة بذلك.
وأيضًا فإن عقد النكاح يخالف سائر العقود، ولهذا نافاه التوقيت المشترط في غيره من العقود على المنافع، بل كانت جهالة مدة بقائه غير مؤثِّرةٍ في صحته، والصداق عوضُه ومقابلُه؛ فكانت جهالة مدته غير مؤثِّرة في صحته، فهذا محض القياس.
ونظير هذا لو آجره كلَّ شهر بدرهم فإنه يصح وإن كانت جملة الأجرة غير معلومة تبعًا لمدة الإجارة؛ وقد صحّ [28/أ] عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه(1) أنه آجَر نفسَه كلّ دلوٍ بتمرة، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك التمر(2). وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو--------------------------------------------
(1) ز: «كرم الله وجهه».
(2) رواه أحمد (1135) من حديث مجاهد عن علي رضي الله عنه، وفي إسناده انقطاع؛ لأن مجاهدًا لم يسمع من علي. ورواه ابن ماجه (2446) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناد حنش متكلم فيه. وانظر: «الإرواء» (5/ 313).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 555)
حرَّم حلالًا»(1)، وهذا لا يتضمن واحدًا من الأمرين، فإنّ ما أحلّ الحرام وحرّم الحلال لو فعلاه بدون الشرط لما(2) جاز. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أحقَّ الشروط أن تُوفُوا به ما استحللتم به الفروجَ»(3). وأما تلك التقديرات المذكورة فيكفي في عدم اعتبارها عدم دليل واحد يدلُّ عليها، ثم ليس تقديرٌ منها بأولى من تقديرٍ أزيدَ عليه أو أنقصَ منه، وما كان هذا سبيلَه فهو غير معتبر.
قال الحافظ أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفَسَوي في كتاب «التاريخ والمعرفة» له(4) ــ وهو كتاب جليل غزير العلم جمُّ الفوائد ــ: حدثني يحيى بن عبد الله بن بُكَير المخزومي قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس.
سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد، عافانا الله وإياك، وأحسنَ العاقبةَ في الدنيا والآخرة، قد بلغني كتابك تذكر فيه(5) من صلاح حالكم الذي يسرُّني، فأدام الله ذلك لكم وأتمَّه بِالْعَون على شكره--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (3594) وفي إسناده كثير بن زيد متكلم فيه. ورواه الطبراني (30) والدارقطني (2892)، واللفظ لهما. وفي إسناده كثير بن عبد الله متكلم فيه، وللحديث شواهد من حديث عائشة وأنس وعمرو ورافع بن خديج وابن عمر رضي الله عنه. انظر: «الإرواء» (5/ 142).
(2) «لما» ليست في ز.
(3) رواه البخاري (2721) ومسلم (1418) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(4) انظر نص الرسالة فيه (1/ 687 - 695) وفي «تاريخ ابن معين» رواية الدوري (4/ 487 - 497).
(5) «فيه» ليست في ز.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 556)
والزيادة من إحسانه.
وذكرتَ نظرك في الكتب التي بعثتُ بها إليك وإقامتك إياها وختمك عليها بخاتمك، وقد أتتنا فجزاك الله عما قدَّمتَ منها خيرًا، فإنها كتب انتهت إلينا عنك فأحببتُ أن أبلغَ حقيقتها بنظرك فيها.
وذكرتَ أنه قد أنشطك ما كتبتُ إليك فيه من تقويمِ ما أتاني عنك= إلى ابتدائي بالنصيحة، ورجوتَ أن يكون لها عندي موضع، وأنه لم يمنعك من ذلك فيما خلا إلا أن يكون رأيك فينا جميلًا، إلا أني لم أُذاكرك مثلَ هذا.
وأنه بلغَك أني أُفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وأني يَحِقُّ عليَّ الخوف على نفسي لاعتمادِ مَن قبلي على ما أفتيتُهم به، وأن الناس تبعٌ لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن.
وقد أصبتَ بالذي كتبتَ به من ذلك إن شاء الله، ووقع مني بالموقع الذي تحبُّ، وما أجد أحدًا قد يُنسَب إليه العلم أكرهَ لشواذِّ الفتيا ولا أشدَّ تفضيلًا لعلماء أهل المدينة الذين مَضَوا ولا آخَذَ لفتياهم فيما اتفقوا عليه= منّي، والحمد لله رب العالمين لا شريك له.
وأما ما ذكرتَ من مُقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ونزول القرآن عليه بين ظَهْرَي أصحابه، وما علَّمهم الله منه، وأن الناس صاروا به تبعًا لهم فيه(1) = فكما ذكرتَ.
وأما ما ذكرتَ من قول الله عز وجل: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ--------------------------------------------
(1) «فيه» ليست في ز.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 557)
تَجْرِي تَحْتَهَا(1) الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]، وإن(2) كثيرًا من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاءَ مرضاة الله، فجنَّدوا [28/ب] الأجناد، واجتمع إليهم الناس، فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه، ولم يكتُموهم شيئًا علِموه.
وكان في كل جندٍ منهم طائفة يعلِّمون لله كتابَ الله وسنة نبيه، ويجتهدون رأيَهم فيما لم يفسِّره لهم القرآن والسنة، ويُقوِّيهم(3) عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجنادهم ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين والحذر من الاختلاف بكتاب الله وسنة نبيه، فلم يتركوا أمرًا فسّره القرآن أو عمل به النبي صلى الله عليه وسلم أو ائتمروا فيه بعده إلا علَّموهموه.
فإذا جاء أمر عمِلَ فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم يزالوا عليه حتى قُبِضوا لم يأمروهم بغيره، فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يُحدِثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سلفُهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم.
مع أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا بعدُ في الفتيا في أشياء كثيرة، ولولا أني قد عرفتُ أن قد علمتَها كتبتُ بها إليك، ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعيد بن المسيب ونظراؤه أشدَّ الاختلاف، ثم اختلف الذين كانوا بعدهم فحضرتهم بالمدينة وغيرها،--------------------------------------------
(1) في النسختين و «المعرفة»: «من تحتها»، وهي قراءة ابن كثير، وبها كان يقرأ الشافعي.
(2) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «فإن».
(3) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «ويقومهم».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 558)
رأسُهم يومئذٍ ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن.
وكان من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما قد عرفتُ وحضرتُ وسمعتُ قولَك فيه، وقولَ ذوي الرأي من أهل المدينة يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر(1) وكثير بن فرقد وغير كثير ممن هو أسنُّ منه، حتى اضطرَّك ما كرهتَ من ذلك إلى فراق مجلسه.
وذاكرتُك أنت وعبد العزيز بن عبد الله بعضَ ما نعيب على ربيعة من ذلك، فكنتما من الموافقين فيما أنكرتُ، تكرهان منه ما أكرهه، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة صادقة لإخوانه عامة ولنا خاصة، رحمة الله عليه وغفر له، وجزاه بأحسنَ من عمله.
وكان يكون من ابن شهاب اختلافٌ كثير إذا لقيناه، وإذا كاتبه بعضنا فربما كتب إليه في الشيء الواحد على فضل(2) رأيه وعلمه بثلاثة أنواع ينقض بعضها بعضًا، ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في ذلك، فهذا الذي يدعوني إلى ترك ما أنكرتَ تركي إياه.
وقد عرفت أيضًا عيب إنكاري(3) إياه أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلةَ المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا--------------------------------------------
(1) في النسختين: «عمرو». والصواب ما أثبت. وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني.
(2) د: «فصل».
(3) كذا في النسخ. وفي «المعرفة والتاريخ»: «وقد عرفت مما عبتَ إنكاري».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 559)
يعلمه إلا الله، لم يجمع(1) منهم إمام قطُّ في ليلة مطر، وفيهم أبو عبيدة بن الجرّاح وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل ــ وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل»(2)، ويُقال: «يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي [29/أ] العلماء برَتْوَةٍ»(3) ــ وشُرحبيل بن حَسنة وأبو الدرداء وبلال بن رباح.
وكان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وبحمص سبعون من أهل بدر، وبأجناد المسلمين كلها وبالعراق ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين، ونزلها علي بن أبي طالب سنين، وكان معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قطُّ.
ومن ذلك القضاء بشهادة شاهدٍ ويمينِ صاحب الحق، وقد عرفتَ أنه لم يزل يُقضَى بالمدينة به، ولم يقضِ به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشام وبحمص ولا مصر ولا العراق، ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم ولي عمر بن عبد العزيز وكان كما علمتَ في إحياء السنن والجِدّ في إقامة الدين والإصابة في الرأي والعلم بما مضى من--------------------------------------------
(1) د: «لم يخرج».
(2) رواه أحمد (12904) والترمذي (3791) وابن ماجه (154، 155) من حديث أنس، وصححه الترمذي وابن حبان (7131) والحاكم (3/ 422). والحديث قد اختلف في وصله وإرساله. انظر: «علل الدارقطني» (12/ 248).
(3) رواه الطبراني في «المعجم الصغير» (556) من حديث جابر بن عبد الله، وفي إسناده مندل متكلم فيه، ومحمد بن الوليد العباسي لم أجد له ترجمة، وللحديث شواهد أخرى تقويه. انظر: «السلسلة الصحيحة» (1091). وفي النسختين: «بربوة»، تصحيف. والرتوة: الخطوة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 560)
أمر الناس، فكتب إليه رُزَيق بن الحكم(1): إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ويمينِ صاحب الحق، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة(2)، فوجدنا أهل الشام على غير ذلك؛ فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين. ولم يجمع بين المغرب والعشاء قطُّ ليلة المطر، والسماء تسكُب عليه في منزله الذي كان فيه بخُنَاصِر(3) ساكنًا.
ومن ذلك أن أهل المدينة يقضون في صَدُقات النساء أنها متى شاءت أن تتكلم في مؤخر صداقها تكلَّمت فدُفِع إليها، وقد وافق أهلُ العراق أهلَ المدينة على ذلك وأهلُ الشام وأهلُ مصر، ولم يقضِ أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مَن بعده(4) لامرأة بصداقها المؤخَّر إلا أن يفرِّق بينهما موت أو طلاق فتقوم على حقِّها.
ومن ذلك قولهم في الإيلاء: إنه لا يكون عليه طلاق حتى يوقف وإن مرَّت الأربعة الأشهر، وقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر ــ وهو الذي كان يروى عنه ذلك التوقيف بعد الأشهر ــ أنه كان يقول في الإيلاء الذي ذكر الله في كتابه: لا يحلُّ للمُولِي إذا بلغ الأجل إلا أن يفيء كما أمر الله أو يعزم--------------------------------------------
(1) كذا في النسختين و «المعرفة». والصواب: «حُكَيم أو حَكِيم»، كما في «التهذيب» وفروعه و «الإكمال» (4/ 47).
(2) د: «بالمدينة بذلك».
(3) كذا في النسخ. وفي «تاريخ ابن معين»: «بخناصرة». قال في «معجم البلدان» (2/ 390): «خناصرة» بليدة من أعمال حلب تحاذي قنَّسرين نحو البادية.
(4) كذا في النسخ. وفي «المعرفة» و «تاريخ ابن معين»: «بعدهم».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 561)
الطلاق(1)، وأنتم تقولون: إن لبِثَ بعد الأربعة الأشهر التي سمَّى الله في كتابه ولم يوقف لم يكن عليه طلاق، وقد بلغنا أن عثمان بن عفّان وزيد بن ثابت وقَبِيصة بن ذؤيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قالوا في الإيلاء: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة(2). وقال سعيد بن المسيّب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابن شهاب: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة، وله الرجعة في العدة(3).
ومن ذلك أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا ملَّك الرجل امرأتَه فاختارت زوجها فهي تطليقة، وإن طلَّقت نفسها ثلاثًا فهي تطليقة(4). وقضى بذلك عبد الملك بن مروان، وكان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقوله، وقد كاد الناس يجتمعون على أنها إن اختارت زوجها لم يكن فيه طلاق، وإن اختارت نفسها واحدة أو اثنتين كانت له عليها الرجعة، وإن طلَّقت نفسها ثلاثًا بانت [29/ب] منه، ولم تحلَّ له حتى تنكح زوجًا غيره فيدخل بها
ثم--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (5290) من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) قول عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وأبي سلمة بن عبد الرحمن عند عبد الرزاق (11638) والدارقطني (4044)، وأما قول قبيصة بن ذؤيب فعند عبد الرزاق (11651).
(3) قول أبي بكر بن عبد الرحمن والزهري عند عبد الرزاق (11651)، وكذلك قول ابن المسيب (11652).
(4) روى عبد الرزاق (11917) عن القاسم بن محمد عن زيد بن ثابت أنه قال في رجل جعل أمر امرأته بيدها فطلقت نفسها ثلاثًا قال: هي واحدة. وروى ابن أبي شيبة (18402) من طريق جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم عن زاذان عن علي، وفيه: أرسل إلى زيد بن ثابت، فسأله؟ فقال: إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 562)
يموت أو يطلِّقها، إلا أن يردّ عليها في مجلسه فيقول: إنما ملَّكتُك واحدة، فيُسْتَحلَف ويُخلَّى بينه وبين امرأته.
ومن ذلك أن عبد الله بن مسعود كان يقول: أيُّما رجلٍ تزوج أمة ثم اشتراها زوجها فاشتراؤه إياها ثلاث تطليقات(1). وكان ربيعة يقول ذلك، وإن تزوجت المرأة الحرة عبدًا فاشترتْه فمثل ذلك.
وقد بُلِّغنا عنكم شيئًا من الفتيا مستكرهًا، وقد كنتُ كتبت إليك في بعضها فلم تُجِبْني في كتابي، فتخوَّفتُ أن تكون استثقلتَ ذلك، فتركتُ الكتاب إليك في شيء مما أنكرتُ وفيما أردتُ(2) فيه على(3) رأيك. وذلك أنه بلغني أنك أمرتَ زفر بن عاصم الهلالي ــ حين أراد أن يستسقي ــ أن يقدِّم الصلاة قبل الخطبة، فأعظمتُ ذلك؛ لأن الخطبة والاستسقاء كهيئة يوم الجمعة، إلا أن الإمام إذا دنا فراغُه من الخطبة فدعا حوَّل رداءه ثم نزل فصلّى، وقد استسقى عمر بن عبد العزيز(4) وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم(5) وغيرهما، فكلهم يقدِّم الخطبة والدعاء قبل الصلاة، فاستهتر(6) الناس كلهم فعْلَ زفر بن عاصم من ذلك واستنكروه.--------------------------------------------
(1) لم أجده بهذا اللفظ في المصادر التي بين أيدينا، وقد روى ابن أبي شيبة (18564) عنه بلفظ: «بيع الأمة طلاقها».
(2) كذا في النسخ وأصل «المعرفة والتاريخ». وفي المطبوع: «أوردت».
(3) كذا في النسخ. وفي «تاريخ ابن معين»: «علم»، وهو أولى بالسياق.
(4) رواه عبد الرزاق (4898).
(5) رواه الأثرم، انظر: «المغني» لابن قدامة (3/ 341).
(6) كذا في بعض النسخ «وتاريخ ابن معين». وفي ز: «فاستهزأ». وفي «المعرفة»: «فأشهر»، وهو الصواب.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 563)
ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول في الخليطَينِ في المال: إنه لا تجب عليهما الصدقة حتى يكون لكل واحدٍ منهما ما تجب فيه الصدقة. وفي كتاب عمر بن الخطاب أنه يجب عليهما الصدقة ويترادَّانِ بالسَّوِية(1)، وقد كان ذلك يُعمل به في ولاية عمر بن عبد العزيز قبلكم وغيره، والذي حدَّثنا به يحيى بن سعيد، ولم يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه، فرحمه الله وغفر له وجعل الجنة مصيره.
ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول: إذا أفلس الرجل وقد باعه رجل سِلعةً فتقاضى طائفة من ثمنها أو أنفق المشتري طائفة منها= أنه يأخذ ما وجد من متاعه. وكان الناس على أن البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئًا أو أنفق المشتري منها شيئًا فليست بعينها.
ومن ذلك أنك تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعطِ الزبير بن العوام إلا لفرس واحد، والناس كلهم يحدِّثون أنه أعطاه أربعة أسهُمٍ لفرسين ومنَعَه الفرس الثالث(2)، والأمة كلهم على هذا الحديث: أهل الشام وأهل مصر وأهل العراق وأهل إفريقية، لا يختلف فيه اثنان؛ فلم يكن ينبغي لك ــ وإن كنتَ سمعتَه من رجل مرضيٍّ ــ أن تخالف الأمة أجمعين.
وقد تركتُ أشياءَ كثيرة من أشباه هذا، وأنا أُحِبُّ توفيقَ الله إيّاك وطُوْلَ--------------------------------------------
(1) وهو الكتاب الذي كتبه أبو بكر رضي الله عنه، رواه البخاري (2487) من حديث أنس رضي الله عنه، ثم أخذه من بعده عمر رضي الله عنه وعمل به. كما رواه أبو داود (1568) من حديث ابن عمر.
(2) يُنظر: «التلخيص الحبير» (3/ 228 - 229)، ولم أعثر على رواية فيها منع النبي صلى الله عليه وسلم الزبير الفرس الثالث. وقد رُوي أنه أحضر أفراسًا يوم خيبر.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 564)
بقائك؛ لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضَّيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناسي بمكانك وإن نَأَتِ الدار؛ فهذه منزلتك عندي ورأيي فيك فاستيقِنْه. لا تتركِ الكتاب إليَّ بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك، وحاجةٍ إن كانت لك أو لأحد يُوصَل بك، فإني أُسَرُّ بذلك. كتبتُ إليك ونحن صالحون معافون والحمد لله، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكْرَ ما أولانا وتمامَ ما أنعم به علينا، والسلام عليك ورحمة الله.
فإن قيل: فما تقولون فيما لو تجمَّلوا وجعلوه [30/أ] حالًا، وقد اتفقوا على تأخيره في الباطن(1) كصدُقاتِ النساء في هذه الأزمنة في الغالب: هل للمرأة أن تطالب به قبل الفرقة أو الموت؟
قيل: هذا ينبني على أصل، وهو إذا اتفقا في السرّ على مهرٍ وسمَّوا في العلانية أكثر منه: هل يؤخذ بالسرّ أو بالعلانية؟ فهذه المسألة مما اضطربت فيها أقوال المتأخرين لعدم إحاطتهم بمقاصد الأئمة، ولا بدَّ من كشف غطائها، ولها في الأصل صورتان:
إحداهما(2): أن يعقدوه في العلانية بألفين مثلًا، وقد اتفقوا قبل ذلك أن المهر ألف وأن الزيادة سُمْعة، من غير أن يعقدوه بالأقل؛ فالذي عليه القاضي ومن بعده من أصحاب أحمد أن المهر هو المسمَّى في العقد، ولا اعتبارَ بما اتفقوا عليه قبل ذلك، وإن قامت به البينة أو تصادقوا عليه، وسواء كان مهر--------------------------------------------
(1) ز: «في الباطن على تأخيره».
(2) د: «أحدهما». ومن هنا إلى (ص 571) نقله المؤلف من كتاب «بيان الدليل» (ص 114 - 119)، وقد نصَّ على ذلك في آخره.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 565)
العلانية من جنس السر(1) أو من غير جنسه وأقلّ منه أو أكثر. قالوا: وهو ظاهر كلام أحمد في مواضع.
قال في رواية ابن بَدِينا في الرجل يُصْدِق صداقًا في السرّ وفي العلانية شيئًا آخر: يؤخذ بالعلانية. وقال في رواية أبي الحارث(2): إذا تزوجها في العلانية على شيء وأسرَّ غير ذلك أُخِذ بالعلانية، وإن كان قد أشهد في السرّ بغير ذلك. وقال في رواية الأثرم في رجل أصْدقَ صداقًا سرًّا وصداقًا علانيةً: يؤخذ بالعلانية إذا كان قد أقرَّ به، قيل له: فقد أشهد شهودًا في السر بغيره؟ قال: وإن، أليس قد أقر بهذا(3) أيضًا عند شهود؟ يؤخذ بالعلانية.
قال شيخنا رضي الله عنه(4): ومعنى قوله «أقرّ به» أي رضي به والتزمه، لقوله سبحانه: {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} [آل عمران: 81]، وهذا يعمُّ التسميةَ في العقد والاعتراف بعده. ويقال: أقرَّ بالجزية، وأقرَّ للسلطان بالطاعة، وهذا كثير في كلامهم.
وقال في رواية صالح في الرجل يُعلِن مهرًا ويُخفِي آخر؛ أُخِذ بما يعلن؛ لأن العلانية قد أشهد على نفسه، وينبغي لهم أن يَفُوا له بما كان أسرَّه. وقال في رواية ابن منصور: إذا تزوج امرأة في السرّ بمهرٍ وأعلنوا مهرًا آخر--------------------------------------------
(1) د: «جنس مهر السر». والمثبت من ز موافق لما في «إبطال التحليل».
(2) في النسختين: «ابن الحارث»، خطأ. والصواب ما أثبت، وهو أبو الحارث أحمد بن محمد الصائغ، روى عن أحمد مسائل كثيرة بضعة عشر جزءًا، ترجمته في «طبقات الحنابلة» (1/ 74).
(3) د: «بها».
(4) «رضي الله عنه» ليست في ز. والنص في «بيان الدليل» (ص 115).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 566)
ينبغي لهم أن يَفُوا، وأما هو فيؤخذ بالعلانية.
قال القاضي وغيره: فقد أطلق القول بمهر العلانية، وإنما قال: ينبغي لهم أن يَفُوا بما أسرَّه(1) على طريق الاختيار؛ لئلا يحصل منهم غرور له في ذلك. وهذا القول هو قول الشعبي وأبي قلابة وابن أبي ليلى وابن شُبرمة(2) والأوزاعي، وهو قول الشافعي المشهور عنه. وقد نصَّ في موضع على أنه يؤخذ بمهر السر، فقيل: في هذه المسألة قولان، وقيل: بل ذلك في الصورة الثانية كما سيأتي.
وقال كثير من أهل العلم أو أكثرهم: إذا علم الشهود أن المهر الذي يُظهِره سُمْعة، وأن أصل المهر كذا وكذا، ثم تزوّج وأعلن الذي قال= فالمهر هو السر، والسمعة باطلة. وهذا قول الزهري والحكم بن عُتَيبة(3) ومالك والثوري والليث وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق، وعن شريح والحسن كالقولين(4). وذكر القاضي عن أبي حنيفة [30/ب] أنه يبطل المهر ويجب--------------------------------------------
(1) ز: «أسر».
(2) قول أبي قلابة رواه ابن أبي شيبة (16365). وأما قول الشعبي فرواه عبد الرزاق (10447) وابن أبي شيبة (16362). وأما قول ابن أبي ليلى فرواه سعيد بن منصور (1003). وأما قول ابن شبرمة فحكاه الطحاوي في «مختصر اختلاف العلماء» (2/ 287).
(3) قول الزهري رواه ابن أبي شيبة (16359) وكذلك قول الحكم (16360). وفي د: «الحكم بن عيينة»، تصحيف.
(4) في الأخذ بالعلانية قول الحسن عند عبد الرزاق (10446)، وقول شريح عند ابن أبي شيبة (16364). وأما في الأخذ بالسر فقولهما عند ابن أبي شيبة (16357، 16358).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 567)
مهر المثل، وهو خلاف ما حكاه عنه أصحابه وغيرهم.
ونقل عن أحمد ما يقتضي أن الاعتبار بالسر إذا ثبت أن العلانية تَلجِئةٌ، فقال: إذا كان رجل قد أظهر صداقًا وأسرَّ غير ذلك نُظِر في البينات والشهود، وكان الظاهر أوكدَ، إلا أن تقوم بينة تدفع العلانية. قال القاضي: وقد تأوَّل أبو حفص العكبري هذا على أن بينة السر عدول وبينة العلانية غير عدول، فحكم بالعدول. قال القاضي: وظاهر هذا أنه حكم بنكاح السر إذا لم تقم بينة عادلة بنكاح العلانية.
وقال أبو حفص: إذا تكافأت البينات وقد شرطوا في السر أن الذي يظهر في العلانية الرياء والسمعة، فينبغي لهم أن يَفُوا له بهذا الشرط ولا يطالبوه بالظاهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون على شروطهم»(1). قال القاضي: وظاهر هذا الكلام من أبي حفص أنه قد جعل للسرّ حكمًا. قال: والمذهب على ما ذكرناه.
قال شيخنا رضي الله عنه(2): كلام أبي حفص الأول فيما إذا قامت البينة بأن النكاح عُقِد في السر بالمهر القليل، ولم يثبت نكاح العلانية، وكلامه الثاني فيما إذا ثبت نكاح العلانية، ولكن تشارطوا إنما يظهرون الزيادة على ما اتفقوا عليه للرياء والسمعة.
قال شيخنا رضي الله عنه(3): وهذا الذي ذكره أبو حفص أشبه بكلام
الإمام--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه، ولا يوجد في لفظ الحديث: «المؤمنون على شروطهم». انظر: «إرواء الغليل» (5/ 250).
(2) «رضي الله عنه» من د. والنص في «بيان الدليل» (ص 117).
(3) «رضي الله عنه» من د.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 568)
أحمد وأصوله؛ فإن عامة كلامه في هذه المسألة إنما هو إذا اختلف الزوج والمرأة ولم تثبت بينةٌ ولا اعتراف أن مهر العلانية سمعة، بل شهدت البينة أنه تزوجها بالأكثر، وادّعى عليه ذلك، فإنه يجب أن يؤخذ بما أقرَّ به إنشاءً أو إخبارًا؛ فإذا أقام شهودًا يشهدون أنهم تراضوا بدون ذلك [حُكِمَ](1) بالبينة الأولى؛ لأن(2) التراضي بالأقلِّ في وقت لا يمنع التراضي بما زاد عليه في وقت آخر. ألا ترى أنه قال: آخذُ بالعلانية لأنه قد أشهد على نفسه، وينبغي لهم أن يَفُوا بما كان أسرّه؛ فقوله «لأنه قد أشهدَ على نفسه» دليل على أنه إنما يلزمه في الحكم فقط، وإلا فما(3) يجب بينه وبين الله لا يُعلَّل بالإشهاد. وكذلك قوله «ينبغي لهم أن يَفُوا له، وأما هو فيؤخذ بالعلانية» دليل على أنه يحكم عليه به، وأن أولئك يجب عليهم الوفاء. وقوله «ينبغي» يستعمل في الواجب أكثر مما يستعمل في المستحب، ويدل على ذلك أنه قد قال أيضًا في امرأة تزوجت في العلانية على ألف وفي السر على خمسمائة، فاختلفوا في ذلك: فإن كانت البينة في السر والعلانية سواء أُخِذ بالعلانية لأنه أحوط، وهو فرج يؤخذ بالأكثر، وقُيِّدت المسألة بأنهم اختلفوا وأنّ كلاهما(4) قامت به بينة عادلة.
وإنما يظهر ذلك بالكلام في الصورة الثانية: وهو ما إذا تزوَّجها في السر--------------------------------------------
(1) هنا بياض في النسختين، واستُدرك من «بيان الدليل».
(2) في النسختين: «البينة الأولى أن». والتصويب من «بيان الدليل».
(3) ز: «فيما».
(4) كذا في النسختين بالألف، وهو أسلوب شيخ الإسلام فيما وصل إلينا بخطه من الكتب.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 569)