وأخذت الحنابلة والشافعية بحديث أبي هريرة في الأمر بغَسْل الإناء من ولوغ الكلب(1)، وقد صح عن أبي هريرة ما رواه سعيد بن منصور في «سننه» أن أبا هريرة سئل عن الحوض يلَغُ فيه الكلب ويشرب منه الحمار، فقال: لا يحرِّم الماءَ شيء(2).
وأخذت الحنفية بحديث علي: «لا زكاةَ فيما زاد على المائتي درهمٍ حتى يبلغ أربعين درهمًا»(3)، مع ضعف الحديث بالحسن بن عُمارة، وقد صح عن علي أن ما زاد على المائتين ففيه الزكاة بحسابه، رواه عبد الرزاق(4) عن معمر عن أبي إسحاق السَّبيعي عن عاصم بن ضَمرة عنه.
وهذا باب يطول تتبعُه، وترى كثيرًا من الناس إذا جاء الحديث يوافق قولَ من قلّده وقد خالفه راويه يقول: الحجة فيما روى لا في قوله، [13/ب] فإذا جاء قول الراوي موافقًا لقول من قلّده والحديث بخلافه قال: لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نسخُه، وإلا كان قدحًا في عدالته، فيجمعون في كلامهم بين هذا وهذا، بل قد رأينا ذلك في الباب الواحد، وهذا من أقبح التناقض.--------------------------------------------
(1) مضى تخريجه.
(2) رواه ابن أبي شيبة (1519).
(3) نقله ابن الملقن في «البدر المنير» (5/ 561) عن الدارقطني. ولم أجده في «سننه».
(4) برقم (7074)، ورواه أبو داود مرفوعًا (1572)، وكلاهما صحيح، كما نقله الترمذي عن شيخه البخاري عقب الحديث (620). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (5/ 291).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 490)
والذي نَدِينُ الله به ولا يسعُنا غيره وهو القصد في هذا الباب: أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذُ بحديثه وتركُ كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان لا راويه ولا غيره؛ إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو لا يحضره وقتَ الفتيا، أو لا يتفطّن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضًا في نفس الأمر، أو يقلّد غيرَه في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه. ولو قُدِّر انتفاء ذلك كله ــ ولا سبيلَ إلى العلم بانتفائه ولا ظنه ــ لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوطَ عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك.
فصل
إذا عُرِف هذا فهذه المسألة مما تغيَّرت الفتوى بها بحسب الأزمنة كما عرفت؛ لِما رآه الصحابة من المصلحة؛ لأنهم رأوا مفسدةَ تتابُعِ الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم، فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع. ولم يكن باب التحليل الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلَه مفتوحًا بوجهٍ ما، بل كانوا أشدَّ خلق الله في المنع منه، وتواعد عمر فاعلَه بالرجم، وكانوا عالمين بالطلاق المأذون فيه وغيره. وأما في هذه الأزمان التي قد شَكَت الفروجُ فيها إلى ربها من مفسدة التحليل، وقُبْحِ ما يرتكبه المحلّلون مما هو رَمَدٌ بل عمًى في عين الدين وشَجًى في حلوق المؤمنين، من قبائحَ تُشْمِتُ أعداء الدين به وتَمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه بسببه،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 491)
بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطابٌ، ولا يحصُرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدُّونها من أعظم الفضائح، قد قلَبتْ من الدين رسمه، وغيَّرتْ منه اسمه، وضَمَّخَ التيسُ المستعار فيها المطلقةَ بنجاسة التحليل، وزعم أنه قد طيَّبها(1) للحليل.
فيا لله العجب! أيُّ طِيبٍ أعارها هذا التَّيس الملعون؟ وأيُّ مصلحة حصلت لها ولمطلِّقها بهذا الفعل الدُّون؟ أترى وقوف الزوج المطلِّق(2) أو الولي على الباب، والتيس الملعون قد حلَّ إزارها وكشف النقاب وأخذ في ذلك المُرتَبَع(3)، والزوج أو الولي يُناديه: لم يُقدَّم إليك هذا الطعام لِتَشْبع، فقد علمتَ أنت والزوجة ونحن والشهود والحاضرون والملائكة الكاتبون ورب العالمين أنك لستَ معدودًا من الأزواج، ولا للمرأة [14/أ] وأوليائها بك رضًى ولا فرح ولا ابتهاج، وإنما أنت بمنزلة التيس المستعار للضِّراب، الذي لولا هذه البلوى لما رضينا وقوفَك على الباب؛ فالناس يُظهرون النكاح ويعلنونه فرحًا وسرورًا، ونحن نتواصى بكتمان هذا الداء العُضال ونجعله أمرًا مستورًا؛ بلا نِثارٍ(4) ولا دُفٍّ ولا إخوان(5) ولا إعلان، بل التواصي بِهُسْ(6) ومُسْ والإخفاء والكتمان. فالمرأة تُنكح لدينها وحسبها--------------------------------------------
(1) د: «أنه وطئها».
(2) د: «والمطلق».
(3) كذا في النسختين د، ز. وفي المطبوع: «المرتع». والمرتبع: المرعى في زمن الربيع.
(4) النِّثار: ما نُثِر في حفلات السرور من حلوى أو نقود.
(5) «إخوان» لغة في «خِوان» أي مائدة طعام. انظر: «غريب الحديث» للخطابي (1/ 374).
(6) هُسْ: زجر للغنم وأمر بالسكوت. ومُسْ كأنه إتباع له.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 492)
ومالها وجمالها، والتيس المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك، فإنه لا يمسك بعصمتها، بل قد دخل على زوالها.
والله سبحانه قد جعل كل واحد من الزوجين سَكنًا لصاحبه، وجعل بينهما مودةً ورحمةً ليحصل بذلك مقصود هذا العقد العظيم، وتتم بذلك المصلحة التي شرعه لأجلها العزيزُ الحكيم، فسَلِ التيس المستعار: هل له من ذلك نصيب، أو هو من حكمة هذا العقد ومقصودِه ومصلحتِه أجنبي غريب؟ وسَلْه: هل اتخذ هذه المُصابة حليلةً وفراشًا يأوي إليه؟ ثم سَلْها: هل رضيتْ به قطُّ زوجًا وبعلًا تُعوِّل في نوائبها عليه؟ وسَلْ أولي التمييز والعقول: هل تزوَّجت فلانة بفلان؟ وهل يُعدُّ هذا نكاحًا في شرع أو عقل أو فطرة إنسان؟ وكيف يلعن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من أمّته نكح نكاحًا شرعيًّا صحيحًا، ولم يرتكب في عقده محرَّمًا ولا قبيحًا؟ وكيف يُشبِّهه بالتيس المستعار، وهو من جملة المحسنين الأبرار؟ وكيف تُعيَّر به المرأة طولَ دهرها بين أهلها والجيران؛ وتظلُّ ناكسةً رأسَها إذا ذُكر ذلك بين النسوان؟
وسَلِ التيس المستعار: هل حدَّث نفسَه وقتَ هذا العقد الذي هو شقيق النفاق بنفقةٍ أو كسوة أو وزن صداق؟ وهل طَمِعت المصابةُ منه في شيء من ذلك، أو حدَّثت نفسَها به هنالك؟ وهل طلب منها ولدًا نجيبًا واتخذته عشيرًا وحبيبًا؟ وسَلْ عقول العالمين وفِطَرَهم: هل كان خيرُ هذه الأمة أكثرهم تحليلًا، أو كان المحلِّل الذي لعنه الله ورسوله أهداهم سبيلًا؟
وسَلِ التيس المستعار ومن ابتُلِيتْ به: هل تجمَّل أحد منهما بصاحبه كما يتجمَّل الرجال بالنساء والنساء بالرجال، أو كان لأحدهما رغبة في صاحبه بحسب أو مال أو جمال؟ وسَلِ المرأة: هل تَكره أن يتزوَّج عليها هذا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 493)
التيس المستعار أو يتسرَّى، أو تكره أن تكون تحته امرأة غيرها أخرى، أو تسأل عن ماله وصنعته أو حسن عشرته وسعة نفقته؟
وسل التيس المستعار(1): هل سأل قطُّ عما يسأل عنه من قصد حقيقة النكاح، أو يتوسَّل إلى بيت أحمائه بالهدية والحمولة والنقد الذي يتوسّل به خاطب المِلاح؟ وسَلْه: هل هو أبو يأخذُ أو أبو يُعطي؟ وهل قوله عند إقراءةِ(2) أبي جادِ هذا العقد: خذي نفقة هذا العرس أو حُطِّي؟ وسَلْه عن وليمة عرسه: هل أولَمَ ولو بشاة؟ وهل دعا إليها أحدًا من أصحابه فقضى حقَّه وأتاه؟ [14/ب] وسَلْه: هل تحمَّل من كلفة هذا العقد ما يتحمَّله المتزوّجون، أم جاءه كما جرت به عادة الناس الأصحابُ والمهنِّئون؟ وهل قيل له: بارك الله لكما وعليكما وجمعَ بينكما في خير وعافية، أم لعن الله المحلِّل والمحلَّل له لعنة تامة وافية؟
فصل
ثم سَلْ من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حرّةٍ مَصُونة أنشبَ فيها المحلِّل مخالبَ(3) إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان، وكان بعلها منفردًا بوطئها فإذا هو والمحلّل فيها ببركة التحليل شريكان؟ فلعمرُ الله كم أخرج التحليلُ مخدَّرةً من سِترها(4) إلى البِغاء، وألقاها بين براثن العُشَراء--------------------------------------------
(1) «المستعار» ليست في د.
(2) كذا في النسختين د، ز. وهو مصدر بإضافة هاء، مثل إطلالة. وفي المطبوع: «قراءة».
(3) د، ز: «فخالفت»، تحريف. والمثبت من ط.
(4) د: «سرها».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 494)
والحُرَفاء(1)؟ ولولا التحليل لكان منالُ الثريّا دون منالها، والتدرُّع بالأكفان دون التدرُّع بجمالها، وعِناق القَنا دون عِناقها، والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها. وسَلْ أهل الخبرة: كم عقَد المحلِّلُ على أمّ وابنتها؟ وكم جمع ماءه في أرحام ما زاد على الأربع وفي رحم الأختين؟ وذلك محرَّم باطل في المذهبين. وهذه المفسدة في كتب مفاسد التحليل لا ينبغي أن تُفرَد بالذكر، وهي كموجةٍ واحدة من الأمواج، ومن يستطيع عدَّ أمواج البحر؟ وكم من امرأةٍ كانت قاصرةَ الطرف على بَعْلها، فلما ذاقت عُسيلةَ المحلِّل خرجت على وجهها فلم يجتمع شَمْلُ الإحصان والعفة بعد ذلك بشَمْلِها، وما كان هذا سبيلَه، فكيف يَحتمل أكملُ الشرائع وأحكمُها تحليلَه؟ فصلوات الله وسلامه على من صرَّح بلعنته، وسماه بالتيس المستعار(2) من بين فسَّاق أمته، كما شهد به علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وعبد الله بن عباس(3)، وأخبر عبد الله بن عمر أنهم كانوا يعدُّونه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سِفاحًا(4).
أما ابن مسعود ففي «مسند الإمام أحمد» و «سنن النسائي» و «جامع الترمذي»(5) عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له. قال--------------------------------------------
(1) جمع عَشِير وحَرِيف، أي الصديق والقريب.
(2) سيأتي تفصيله في كلام المؤلف.
(3) سيأتي تخريج هذه الطرق.
(4) سيأتي تخريجه.
(5) رواه الترمذي (1120) وصححه، وهذا لفظه، وسيأتي لفظ أحمد والنسائي. وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري. انظر: «التلخيص الحبير» (3/ 349).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 495)
الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال سفيان الثوري: حدثني أبو قيس الأَودي عن هُزَيل بن شُرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: لعنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمةَ والمستوشمة، والواصلة والموصولة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكلَ الربا ومُوكِله. رواه النسائي والإمام أحمد(1).
وروى الترمذي منه لَعْنَ المحلِّل، وصححه، ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين.
ورواه الإمام أحمد(2) من حديث أبي الواصل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لُعِن المحلِّل والمحلَّل له».
وفي «مسند الإمام أحمد» والنسائي(3) من حديث الأعمش عن عبد الله بن مُرَّة عن الحارث عن ابن مسعود قال: «آكلُ الربا ومُوكِله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة(4)، ولَاوِي الصدقة والمعتدي فيها، والمرتدُّ [15/أ] على عقبيه أعرابيًّا بعد هجرته= ملعونون على لسان محمدٍ صلى الله عليه وسلم يوم القيامة».
وأما حديث علي بن أبي طالب ففي «المسند» و «سنن أبي داود»--------------------------------------------
(1) النسائي (3146) وأحمد (4283).
(2) رقم (4308)، وفي إسناده أبو الواصل مجهول، وقد توبع في الحديث الذي قبله.
(3) رواه أحمد (4090) والنسائي (5102)، وفي إسناده الحارث الأعور ضعيف. وله متابع، وصححه ابن خزيمة (2250) والحاكم (1/ 387).
(4) في مصدري التخريج: «والواشمة والمستوشمة».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 496)
والترمذي وابن ماجه(1) من حديث الشعبي عن الحارث عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعنَ المحلِّل والمحلَّل له.
وأما حديث أبي هريرة ففي «مسند الإمام أحمد» و «مسند أبي بكر بن أبي شيبة»(2) من حديث عثمان بن الأخنس عن المقبُري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله المحلّل والمحلَّل له». قال يحيى بن معين: عثمان بن الأخنس ثقة(3). والذي رواه عنه عبد الله بن جعفر القرشي ثقة من رجال مسلم، وثّقه أحمد ويحيى وعلي(4) وغيرهم؛ فالإسناد جيد.
وفي كتاب «العلل» للترمذي(5): ثنا محمد بن يحيى ثنا معلّى بن منصور عن عبد الله بن جعفر المَخْرَمي(6) عن عثمان بن محمد الأخنسي عن سعيد المقْبُري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلِّل والمحلَّل له. قال الترمذي: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وعبد الله بن جعفر المَخْرَمي صدوق، وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة، وكنت أظنُّ أن عثمان لم يسمع من سعيد--------------------------------------------
(1) أحمد (635) وأبو داود (2076) والترمذي (1119) وابن ماجه (1935)، وأعله الترمذي بمجالد، وفيه أيضًا الحارث الأعور.
(2) أحمد (8287)، ورواه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (17375).
(3) «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (6/ 166).
(4) انظر هذه الأقوال في: «الجرح والتعديل» (5/ 22) و «تاريخ ابن معين» رواية عثمان الدارمي (ص 164).
(5) «العلل الكبير» (ص 161) برقم (273).
(6) في النسختين د، ز هنا وفيما يأتي: «المخزومي»، تحريف. وانظر: «التقريب» و «التهذيب».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 497)
المَقبري. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية(1): هذا إسناد جيد.
وأما حديث جابر بن عبد الله ففي «جامع الترمذي»(2) من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحلِّل والمحلَّل له. ومجالد وإن كان غيره أقوى منه فحديثه شاهدٌ ومقوٍّ.
وأما حديث عقبة بن عامر ففي «سنن ابن ماجه»(3) عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أُخبِركم بالتيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له». ورواه الحاكم في «صحيحه» من حديث الليث بن سعد عن مِشْرَح بن هَاعَان(4) عن عقبة بن عامر، فذكره.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بثلاث علل:
إحداها: أن أبا حاتم البستي ضعَّف مِشْرح بن هَاعان(5).
والعلة الثانية: ما حكاه الترمذي في كتاب «العلل»(6) عن البخاري، فقال: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث عبد الله بن صالح حدثني الليث عن مِشْرَح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أُخبِركم بالتَّيس المستعار؟ هو المحِلُّ والمحلَّل له، لعن الله--------------------------------------------
(1) في «بيان الدليل على إبطال التحليل» (ص 320). وفي د بعده: «رضي الله عنه».
(2) رقم (1119).
(3) برقم (1936)، ورواه أيضًا الطبراني (825) من حديث عقبة بن عامر، وصححه الحاكم (2/ 198 - 199).
(4) في النسختين د، ز: «عاهان». والتصويب من هامشهما.
(5) انظر: «المجروحين» له (3/ 28).
(6) (ص 161).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 498)
المحِلَّ والمحلَّل له». فقال: عبد الله بن صالح لم يكن أخرجه في أيامنا، ما أرى الليث سمعه من مِشْرَح بن هَاعان؛ لأن حَيْوة روى عن بكر بن عمرو عن مِشْرَح.
العلة الثالثة: ما ذكرها الجوزجاني في «مُتَرجَمِه»(1) فقال: كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكارًا شديدًا(2).
فأما العلة الأولى فقال محمد بن عبد الواحد المقدسي(3): مِشْرح قد وثّقه يحيى بن معين في رواية عثمان بن سعيد(4)، وابن معين أعلم بالرجال من ابن حبان.
قلت: وهو صدوق عند الحفّاظ، لم يتَّهمه أحدٌ البتةَ، ولا أطلقَ عليه أحد من أهل الحديث [15/ب] قطُّ أنه ضعيف، ولا ضعَّفه ابن حبان، وإنما قال: يروي عن عقبة بن عامر مناكير لا يُتابَع عليها؛ فالصواب تركُ ما انفرد به. وانفردَ ابن حبان من بين أهل الحديث بهذا القول فيه.
وأما العلة الثانية فعبد الله بن صالح قد صرَّح بأنه سمعه من الليث، وكونه لم يُخرِجه وقتَ اجتماع البخاري به لا يضرُّه شيئًا. وأما قوله: «إن حيوة روى عن بكر بن عمرو عن مِشْرَح» فإنه يريد به أن حيوة بن شُريح المصري من أقران الليث أو أكبر منه، وإنما روى عن بكر بن عمرو عن--------------------------------------------
(1) «المترجم» اسم كتاب، وقد سبق التعريف به.
(2) انظر: «بيان الدليل» (ص 321).
(3) الضياء المقدسي في «السنن والأحكام» (5/ 144).
(4) (ص 204).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 499)
مِشْرح، وهذا تعليل قوي، ويؤكِّده أن الليث قال: «قال مشرح» ولم يقل: «حدثنا»، وليس بلازم؛ فإن الليث كان معاصرًا لمِشْرح وهو في بلده، وطلبُ الليثِ للعلم وجمعُه لم يمنعه أن لا يسمع من مِشْرَح حديثَه عن عقبة بن عامر وهو معه في البلد.
وأما التعليل الثالث فقال شيخ الإسلام(1): إنكارُ من أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيد، وإنما هو لتوهُّم انفراده به عن الليث، وظنِّهم أنه لعله أخطأ فيه حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث، كما قد يتوهَّم بعض من يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه كان ذلك شذوذًا فيه وعلةً قادحة، وهذا لا يتوجَّه ههنا لوجهين:
أحدهما: أنه قد تابعه عليه أبو صالح كاتب الليث عنه، رويناه من حديث أبي بكر القَطيعي: حدثنا جعفر بن محمد الفِريابي حدثني العباس المعروف بأبي قُرَيق(2) ثنا أبو صالح حدثني الليث به، فذكره. ورواه أيضًا الدارقطني في «سننه»(3): ثنا أبو بكر الشافعي ثنا إبراهيم بن الهيثم أخبرنا أبو صالح، فذكره.
الثاني: أن عثمان بن صالح هذا المصري نفسه(4) روى عنه البخاري في «صحيحه»، وروى عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي، وقال: هو شيخ--------------------------------------------
(1) في «بيان الدليل» (ص 321، 322).
(2) في بيان الدليل: «المعروف بابن قريق» وقريق لقب العباس بن إسماعيل بن حماد البغدادي، كما في «الكامل» لابن عدي (4/ 118)، و «نزهة الألباب» (2/ 90).
(3) رقم (3618).
(4) كذا في النسختين د، ز. وفي بيان الدليل: «ثقة».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 500)
صالح سليم الناحية(1)، قيل له: كان يلقَّن؟ قال: لا(2). ومن كان بهذه المثابة كان ما ينفرد به حجة، وإنما الشاذ ما خالفه به الثقات، لا ما انفرد به عنهم، فكيف إذا تابعه مثل ابن صالح(3) وهو كاتب الليث وأكثر الناس حديثًا عنه؟ وهو ثقة أيضًا، وإن كان قد وقع في بعض حديثه غلط. ومشرح بن هاعان(4) قال فيه ابن معين: ثقة(5)، وقال فيه الإمام أحمد: هو معروف(6)؛ فثبت أن هذا الحديث حديث جيد وإسناده حسن، انتهى(7).
وقال الشافعي(8): ليس الشاذ أن ينفرد الثقة عن الناس بحديث، إنما الشاذ أن يخالف ما رواه الثقات.
وأما حديث عبد الله بن عباس فرواه ابن ماجه في «سننه»(9) عنه قال:--------------------------------------------
(1) في النسختين: «التأدية»، تحريف. والتصويب من «بيان الدليل» و «الجرح والتعديل» (6/ 154)، وقد وصف به أبو حاتم أيضًا رجلًا آخر، كما في «الجرح والتعديل» (5/ 87).
(2) انظر: «الجرح والتعديل» (6/ 154) و «تهذيب الكمال» (19/ 391).
(3) في بيان الدليل: «أبي صالح». وكلاهما صواب، فهو أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث.
(4) د، ز: «عاهان». والتصويب من «بيان الدليل».
(5) تقدم توثيقه.
(6) انظر: «الجرح والتعديل» (8/ 431).
(7) أي انتهى النقل من كلام شيخ الإسلام.
(8) رواه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص 178) والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص 119).
(9) رقم (1934).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 501)
«لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له». وفي إسناده زَمْعة بن صالح، وقد ضعّفه قوم، ووثّقه آخرون، وأخرج له مسلم في «صحيحه» مقرونًا بآخر(1)، وعن ابن معين فيه روايتان(2).
وأما [16/أ] حديث عبد الله بن عمر ففي «صحيح الحاكم»(3) من حديث ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسّان عن عمرو بن نافع عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثًا، فتزوَّجها أخ له من غير مؤامرة بينهما(4) ليُحِلَّها لأخيه: هل تَحِلُّ للأول؟ قال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعدُّ هذا سِفاحًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال سعيد في «سننه»(5): حدثنا محمد بن نشيط البصري قال: قال بكر بن عبد الله المزني: لعن المحلل والمحلل له، وكان يسمى في الجاهلية التيس المستعار. وعن الحسن البصري قال: كان المسلمون يقولون: هذا التيس المستعار(6).--------------------------------------------
(1) انظر: «تهذيب الكمال» (9/ 386).
(2) «تاريخ ابن معين» رواية الدوري (3/ 75).
(3) (2/ 199). ورواه البيهقي (7/ 208) وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 96)، وصححه الحاكم والألباني. انظر: «إرواء الغليل» (6/ 311).
(4) د: «بينه».
(5) رقم (1998). وفي إسناده محمد بن نشيط، ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 254) وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (8/ 110)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
(6) ذكره ابن حزم في «المحلى» (10/ 182).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 502)
فصل
فسَلْ هذا التيس: هل دخل في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، وهل دخل في قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32]، وهل دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم الباءةَ فليتزوَّج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج»(1)، وهل دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «تزوَّجوا الودودَ الولودَ، فإني مُكاثِرٌ بكم الأممَ يوم القيامة»(2)، وهل دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «أربعٌ من سنن المرسلين: النكاح، والتعطُّر، والختان» وذكر الرابعة(3)، وهل دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «النكاح سنتي؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني»(4)، وهل دخل في قول ابن عباس: «خير هذه الأمة أكثرها نساء»(5)، وهل له نصيب من قوله صلى الله عليه وسلم:--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (1905) ومسلم (1400) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(2) رواه أحمد (12613) والطبراني في «المعجم الأوسط» (5099) من حديث أنس، وصححه ابن حبان (4028). وفي الباب عن ابن عمر ومعقِل بن يَسَار رضي الله عنه. انظر: «آداب الزفاف» للألباني (ص 53 - 54).
(3) رواه أحمد (23581) والترمذي (1080) من حديث أبي أيوب. وفي إسناده أبو الشمال، قال فيه أبو زرعة كما في «الجرح والتعديل» (9/ 391): لا أعرفه إلا بهذا الحديث ولا أعرف اسمه. والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» (1/ 116).
(4) رواه البخاري (5063) ومسلم (1401) من حديث أنس بدون زيادة: «النكاح سنتي». وهذه الزيادة عند ابن ماجه (1846) من حديث عائشة، وفيه عيسى بن ميمون، متكلم فيه.
(5) رواه البخاري (5069).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 503)
«ثلاثةٌّ حق على الله عونُهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتَب يريد الأداء» وذكر الثالث(1)،
أم حقٌّ على الله لعنتُه تصديقًا لرسوله فيما أخبر عنه؟
وسَلْه: هل يلعن الله ورسوله من فعل مستحبًّا أو جائزًا أو مكروهًا أو صغيرةً، أم لعنتُه مختصة بمن ارتكب كبيرة أو ما هو أعظم منها؟ كما قال ابن عباس: كل ذنب خُتِم بلعنةٍ أو غضبٍ أو عذابٍ أو نارٍ فهو كبيرة(2). وسَلْه: هل(3) كان في الصحابة محلِّل واحد أو أُقِرَّ رجل منهم على التحليل؟ وسَلْه لأيّ شيء قال عمر بن الخطاب: لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتُهما(4).
وسَلْه: كيف تكون المتعة حرامًا نصًّا مع أن المستمتع له غرض في نكاح الزوجة إلى وقت، لكن لما كان غيرَ داخلٍ على النكاح المؤبَّد كان مرتكبًا للمحرم؟ فكيف يكون نكاح المحلّل الذي إنما قصدُه أن يمسكها ساعة من زمان أو دونها، ولا غرضَ له في النكاح البتةَ، بل قد شرطَ انقطاعه وزواله إذا أخبثَها(5) بالتحليل، فكيف يجتمع في عقل أو شرعٍ تحليلُ هذا--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (7416) والترمذي (1655) والنسائي (3120) وابن ماجه (2518) من حديث أبي هريرة .. وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (4030) والحاكم (2/ 160).
(2) رواه الطبري في «تفسيره» (6/ 652) والبيهقي في «الشعب» (286)، وفي إسناده عبد الله بن صالح متكلم فيه.
(3) «هل» ليست في د.
(4) رواه عبد الرزاق (10777) وسعيد بن منصور (1992، 1993) وابن أبي شيبة (17363).
(5) في النسختين د، ز: «إذا خبثها».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 504)
وتحريمُ المتعة؟ هذا مع أن المتعة أُبيحت في أول الإسلام، وفعلها الصحابة، وأفتى بها بعضهم(1) [16/ب] بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم(2)، ونكاح المحلِّل لم يُبَحْ في ملّة من الملل قطُّ، ولم يفعله أحد من الصحابة، ولا أفتى به واحد منهم.
وليس الغرضُ بيانَ تحريم هذا العقد وبطلانه وذكر مفاسده وشره، فإنه يستدعي(3) سِفْرًا ضخمًا نختصر فيه الكلام، وإنما المقصود أن هذا شأن التحليل عند الله ورسوله وأصحاب رسوله، فألزمهم عمر بالطلاق الثلاث إذا جمعوها ليكفُّوا عنه إذا علموا أن المرأة تَحرُم به، وأنه لا سبيلَ إلى عودها بالتحليل. فلما تغيَّر الزمان، وبعُدَ العهد بالسنة وآثار القوم، وقامت سوقُ التحليل ونَفَقَتْ في الناس= فالواجب أن يُرَدَّ الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخليفتَيه(4)، من الإفتاء بما يُعطِّل سوقَ التحليل أو يقلِّلها ويخفِّف شرها. وإذا عُرِض على من وفَّقه الله وبصَّره بالهدى وفقَّهه في دينه مسألةُ كون الثلاث واحدة ومسألةُ التحليل ووازنَ بينهما= تبينَ له التفاوت، وعَلم أي المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين.
فهذه حجج المسألتين قد عُرِضت عليك، وقد أُهدِيت ــ إن قبِلْتها ــ إليك، وما أظنُّ عمى التقليد يزيد(5) الأمرَ على ما هو عليه، ولا يَدَعُ التوفيقَ--------------------------------------------
(1) ز: «بعضهم بها».
(2) تقدم تخريجه من قول ابن عباس رضي الله عنهما.
(3) ز: «فإنها تستدعي».
(4) د: «خليفته».
(5) كذا في النسخ. ولعل الصواب: «يُريك». وفي المطبوع: «إلا يزيد».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 505)
يقودك اختيارًا إليه، وإنما أشرنا إلى المسألتين إشارةً تُطلِع العالمَ على ما وراءها، وبالله التوفيق.
فصل
فقد تبيَّن أن أمر مسألة من المسائل التي تمنع التحليل، أفتى بها المفتي، وقد قال بها بعض أهل العلم؛ فهي خير من التحليل، حتى لو أفتى المفتي بحِلِّها(1) بمجرد العقد من غير وطء، لكان أعذَرَ عند الله من أصحاب التحليل، وإن اشترك كل منهما(2) في مخالفة النص؛ فإن النصوص المانعة من التحليل المصرِّحة بلعن فاعله كثيرة جدًّا، والصحابة والسلف مجمعون عليها، والنصوص المشترطة للدخول لا تبلغ مبلغها، وقد اختلف فيها التابعون؛ فمخالفتها أسهلُ من مخالفة أحاديث التحليل، والحق موافقة جميع النصوص، وأن لا يُترَك منها شيء.
وتأمَّلْ كيف كان الأمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر الصديق من كون الثلاث واحدةً والتحليل ممنوع منه، ثم صار في بقية خلافة عمر الثلاث ثلاث(3) والتحليل ممنوع منه، وعمر من أشدّ الصحابة فيه، وكلهم على مثل قوله فيه، ثم صار في هذه الأزمنة التحليلُ كثيرًا مشهورًا والثلاثُ ثلاث.
وعلى هذا فيمتنع في هذه الأزمنة معاقبةُ الناس بما عاقبَهم به عمر من--------------------------------------------
(1) «بحلها» ليست في ز.
(2) د: «كليهما».
(3) كذا في النسختين مرفوعًا، والسياق يقتضي النصب.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 506)
وجهين:
أحدهما: أن أكثرهم لا يعلم أن جمع الثلاث حرام، لا سيّما وكثير من الفقهاء لا يرى تحريمه، فكيف يُعاقَب من لم يرتكب محرمًا عند نفسه؟ الثاني: أن عقوبتهم بذلك تفتح عليهم باب التحليل الذي كان مسدودًا على عهد الصحابة، والعقوبة إذا تضمَّنتْ مفسدةً أكثر من الفعل المعاقب عليه كان تركها أحبَّ [17/أ] إلى الله ورسوله، ولو فرضنا أن التحليل مما أباحته الشريعة ــ ومعاذَ الله ــ لكان المنع منه إذا وصل إلى هذا الحد الذي قد تفاحش قبحه من باب سدّ الذرائع، وتعيَّن على المفتين والقضاة المنعُ منه جملةً، وإن فُرِض أن بعض أفراده جائز؛ إذ لا يستريب أحد في أن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق(1) وصدر خلافة عمر أولى من الرجوع إلى التحليل، والله الموفق.
فصل
المثال الثامن: ممّا تتغيَّر به الفتوى لتغيُّر العرف والعادة: موجبات الأيمان والإقرار والنذور وغيرها؛ فمن ذلك أن الحالف إذا حلف «لا ركبتُ دابةً»، وكان في بلدٍ عُرفُهم في لفظ الدابة الحمار خاصةً، اختصَّتْ يمينه به، ولا يحنَث بركوب الفرس ولا الجمل، وإن كان عُرفهم في لفظ الدابة الفرس خاصةً حُمِلت يمينه عليها دون الحمار، وكذلك إن كان الحالف مما(2) عادته ركوب نوع خاص من الدوابّ كالأمراء ومن جرى مجراهم--------------------------------------------
(1) «الصديق» ليست في د.
(2) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «ممن».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 507)
حُمِلت يمينه على ما اعتاده من ركوب الدوابّ؛ فيُفتَى في كل بلد بحسب عُرف أهله، ويُفتَى كل أحد بحسب عادته.
وكذلك إذا حلف «لا أكلتُ رأسًا» في بلدٍ عادتهم أكل رؤوس الضأن خاصة، لم يحنث بأكل رؤوس الطير والسمك ونحوها، وإن كان عادتهم أكل السمك حَنِثَ بأكل رؤوسها.
وكذلك إذا حلف «لا اشتريتُ كذا ولا بعتُه، ولا حرثتُ هذه الأرض ولا زرعتُها» ونحو ذلك، وعادته أن لا يباشر ذلك بنفسه كالملوك، حَنِثَ قطعًا بالإذن والتوكيل فيه، فإنه نفس ما حَلَفَ عليه. وإن كان عادته مباشرةَ ذلك بنفسه كآحاد الناس، فإن قصدَ مَنْع نفسه من المباشرة لم يحنَثْ بالتوكيل، وإن قصدَ عدم الفعل والمنع منه جملةً حنِثَ بالتوكيل، وإن أطلق اعتُبِر سببُ اليمين وبِساطُها وما هيَّجَها.
وعلى هذا إذا أقرَّ الملِكُ أو أغنى أهل البلد لرجلٍ بمال كثير، لم يُقبل تفسيره بالدرهم والرغيف ونحوه مما يُتموَّل، فإن أقرَّ به فقير يُعَدُّ عنده الدرهم والرغيف كثيرًا قُبِلَ منه.
وعلى هذا إذا قيل له: جاريتك أو عبدك يرتكبان الفاحشة، فقال: ليس كذلك، بل هما حرَّانِ لا أعلم عليهما فاحشة؛ فالحق المقطوع به أنهما لا يعتقانِ بذلك، لا في الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ فإنه لم يُرِد ذلك قطعًا، واللفظ مع القرائن المذكورة ليس صريحًا في العتق ولا ظاهرًا فيه، بل ولا محتملًا له، فإخراج عبده أو أمته عن ملكه بذلك غير جائز.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 508)
ومن ذلك ما أخبرني به بعض أصحابنا أنه قال لامرأته: إن أذِنتُ لك في الخروج إلى الحمّام فأنتِ طالق، فتهيَّأت للخروج إلى الحمام، فقال لها: اخرجي وأبصِرِي، فاستفتى بعض الناس، فأفتوه بأنها قد طلقتْ منه، فقال للمفتي: بأي شيء أوقعتَ عليَّ الطلاق؟ قال: بقولك لها اخرجي، فقال: إني لم أقل لها ذلك(1) إذنًا، [17/ب] وإنما قلتُه تهديدًا، أي: إنك لا يُمكِنكِ الخروج. وهذا كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40]، فهل هذا إذن لهم أن يعملوا ما شاؤوا؟ فقال: لا أدري، أنت لفظتَ بالإذن، فقال له: ما أردتُ الإذن، فلم يفقه المفتي هذا، وغَلُظَ حجابُه عن إدراكه، وفرَّق بينه وبين امرأته بما لم يأذن الله به(2) ورسوله ولا أحد من أئمة الإسلام. وليت شعري هل يقول هذا المفتي: إن قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] إذنٌ له في الكفر؟ وهؤلاء أبعدُ الناس عن الفهم عن الله ورسوله وعن المطلِّقين مقاصدَهم.
ومن هذا إذا قال العبد لسيده ــ وقد استعمله في عملٍ يَشُقُّ عليه ــ: أعتِقْني من هذا العمل، فقال: أعتقتُك، ولم ينوِ إزالة ملكه عنه، لم يعتق بذلك. وكذلك إذا قال عن امرأته: هذه أختي، ونوى أختي في الدين، لم تحرُمْ بذلك، ولم يكن مظاهرًا. والصريح لم يكن موجِبًا لحكمه لذاته، وإنما أوجبه لأنا نستدلُّ على قصد المتكلم به لمعناه؛ بجريان اللفظ على لسانه اختيارًا؛ فإذا ظهر قصده بخلاف معناه لم يجُزْ أن يلزم بما لم يُرِده، ولا--------------------------------------------
(1) «ذلك» ليست في ز.
(2) «به» ليست في ز.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 509)