العصمة للناس وقِوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه خرابَ الدنيا وطيَّ العالم رفع إليه ما بقي من رسومها. فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب رَحَى الفلاحِ والسعادة في الدنيا والآخرة.
ونحن نذكر تفصيل ما أجملناه في هذا الفصل بحول الله وتوفيقه ومعونته بأمثلة صحيحة:
المثال الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجابًا إنكارَ المنكر(1) ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكرُ منه وأبغضُ إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يُبغِضه ويمقُت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذين يؤخّرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلُهم؟ فقال: «لا، ما أقاموا الصلاة»(2). وقال: «من رأى من أميره ما يكرهه فليصبرْ، ولا ينزِعنَّ يدًا من طاعته»(3).--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (49) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
(2) جعل ابن القيم هذين الحديثين حديثًا واحدًا، وليس كذلك؛ فإن الشطر الأول عند مسلم (534) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، والشطر الثاني عنده (1854) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
(3) رواه البخاري (7053) ومسلم (1849) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وتمامه: «فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية» وليس فيه: «ولا ينزعن يدًا من طاعته». وهو جزء من حديث عوف بن مالك الأشجعي الذي رواه مسلم (1855)، ولفظه: «ألا من ولي على والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنّ يدًا من طاعة».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 430)
ومن تأمَّل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته فتولَّد منه ما هو أكبرُ منه؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دارَ إسلامٍ عزم على تغيير البيت وردِّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك ــ مع قدرته عليه ــ خشيةُ وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال [2/أ] قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهدٍ بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتّب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء.
فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويخلُفه ضدُّه.
الثانية: أن يقلَّ وإن(1) لم يَزُلْ بجملته.
الثالثة: أن يخلُفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يخلُفه ما هو شر منه.
فالدرجتان الأُوليان(2) مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة. فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتَهم منه إلى ما هو أحبُّ إلى الله وإلى رسوله، كرمي النُّشَّاب وسِباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفسّاق--------------------------------------------
(1) «إن» ليست في ز.
(2) د: «الأولتان».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 431)
قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مُكاءٍ وتصدية، فإن نقلتَهم عنه إلى طاعة(1)، وإلّا كان تركُهم على ذلك خيرًا من أن تُفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغِلًا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المُجون ونحوها وخِفتَ من نقلِه عنها انتقالَه إلى كتب البدع والضلال والسحرة فدَعْه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع.
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرّم الله الخمر لأنها تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدُّهم الخمر عن قتل النفوس وسَبْي الذرية وأخذ الأموال، فدَعْهم(2).
فصل
المثال الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تُقطَع الأيدي في الغزو. رواه أبو داود(3). فهذا حدٌّ من حدود الله، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشيةَ أن يترتّب عليه ما هو أبغضُ إلى الله من تعطيله أو تأخيره، من لحوقِ صاحبه بالمشركين حميةً وغضبًا كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم. وقد نصَّ أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «طاعة الله فهو المراد»، وليست في النسخ. والكلام مفهوم بدونه.
(2) انظر كلام شيخ الإسلام في هذا الموضوع في «مجموع الفتاوى» (14/ 472، 20/ 58، 28/ 129).
(3) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 432)
«مختصره» فقال: «ولا يقام الحدُّ(1) على مسلم في أرض العدو»(2). وقد أُتِيَ بُسْر بن أرطاة برجلٍ في الغَزاة قد سرق بُخْتِيَّةً(3) فقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تُقطع الأيدي في الغزو» لقطعتُك، رواه أبو داود(4). وقال أبو محمد المقدسي(5): وهو إجماع الصحابة، روى سعيد بن منصور في «سننه»(6) بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس: «أنْ لا يَجلِدنَّ أميرُ جيشٍ ولا سريّةٍ ولا رجلٌ من المسلمين حدًّا وهو غازٍ حتى يقطعَ الدَّرْبَ قافلًا، لئلا تَلحقَه حميةُ الشيطان فيلحق بالكفار». وعن أبي الدرداء مثل ذلك(7).
وقال علقمة: كنّا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان،--------------------------------------------
(1) د: «ولا تقام الحدود». والمثبت من ز موافق لما في «المختصر».
(2) «مختصره» بشرحه «المغني» (13/ 172).
(3) في النسخ: «مجنه» محرفًا، والتصويب من مصدر التخريج و «السنن الكبرى» للبيهقي (9/ 104) وغيرهما. والبُخْتية من الإبل الخراسانية الطويلة الأعناق.
(4) رقم (4408). وقوَّى الحافظ إسناده في «الإصابة» (1/ 540).
(5) أي ابن قدامة في «المغني» (13/ 173، 174).
(6) رقم (2500). وفي إسناده الأحوص بن حكيم متكلم فيه، وكذلك أبوه حكيم بن عمير لم يسمع من عمر، قال الشافعي: ما روي عن عمر رضي الله عنه منكر غير ثابت. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» (3/ 16) و «تهذيب الكمال» (7/ 199) و «الأم» للشافعي (7/ 375).
(7) رواه سعيد بن منصور (2499) وابن أبي شيبة (29465) .. وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم متكلم فيه، وحميد بن عقبة بن رومان لم يوثقه إلا ابن حبان في «الثقات» (2226).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 433)
وعلينا الوليد بن عقبة(1)، فشرب الخمر، فأردنا أن نحدَّه، فقال حذيفة: أتحدُّون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟(2).
وأُتِيَ سعدُ بن أبي وقاص بأبي مِحْجن يومَ القادسية وقد شرب الخمر، فأَمر به [2/ب] إلى القيد، فلما التقى الناس قال أبو مِحجن(3):
كفَى حَزَنًا أن تُطْردَ الخيلُ بالقَنَا … وأُترَكَ مشدودًا عليَّ وثاقِيا
فقال لابنة خَصَفَة(4) امرأة سعد: أطلقيني، ولكِ اللهُ عليَّ إن سلَّمني الله أن أرجعَ حتى أضعَ رجلي في القيد، فإن قُتِلتُ استرحتم منّي، قال: فحلَّتْه، حتى(5) التقى الناسَ، وكانت بسعد جراحةٌ فلم يخرج يومئذٍ إلى الناس، قال: وصَعِدوا به فوق العُذَيب(6) ينظر إلى الناس، واستعملَ على الخيل خالدَ بن عُرفُطة، فوثب أبو مِحجن على فرس لسعد يقال لها البَلْقاء، ثم أخذ رُمحًا، ثم خرج، فجعل لا يَحمِل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا مَلَكٌ، لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الضَّبْرُ ضَبْرُ البَلْقاء(7)، والطَّفْرُ--------------------------------------------
(1) د، ز: «عتبة» تحريف. والتصويب من مصادر التخريج.
(2) رواه سعيد بن منصور (2501) وعبد الرزاق (9372) وابن أبي شيبة (29466) ومن طريقه ابن عبد البر في «الاستيعاب» (4/ 1751)، ورجاله كلهم ثقات.
(3) «ديوانه» (ص 37).
(4) ز: «حفصة»، تحريف.
(5) كذا في النسختين، وفي هامش د: «لعله: حين». وهي كذلك في «المغني».
(6) العُذيب: ماء بين القادسية والمغيثة. انظر: «معجم البلدان» (4/ 92).
(7) في النسختين د، ز: «والصبر صبر البلقاء»، وهو تصحيف نبَّه على ذلك ابن فتحون في أوهام الاستيعاب، كما في «الإصابة» (12/ 589). والضَّبْر: العَدْو.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 434)
طَفْرُ(1) أبي مِحجن، وأبو مِحجن في القيد، فلما هُزِمَ العدو رجع أبو مِحجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنة خَصَفَة(2) سعدًا بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرِبُ اليومَ رجلًا أبلَى المسلمين(3)
ما أبلاهم، فخلَّى سبيله، فقال أبو مِحجن: قد كنتُ أشربها إذ يقام عليَّ الحدُّ وأُطَهَّر منها، فأما إذْ بَهْرَجْتَني فوالله لا أشربُها أبدًا(4)(5).
وقوله: «إذ بَهْرَجْتَني» أي أهدرتَني بإسقاط الحدّ عنّي، ومنه «أنّه بَهْرَجَ دمَ ابن الحارث»(6) أي أبطله. وليس في هذا ما يخالف نصًّا ولا قياسًا ولا--------------------------------------------
(1) د: «والظفر ظفر» وكذا في المطبوع، وهو تصحيف. والمثبت من ز، و «الإصابة». والطَّفْر: الوثوب في ارتفاع. وعند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن عبد البر في «الاستيعاب» وابن قدامة في «المغني»: «والطَّعْن طَعْن أبي محجن».
(2) ز: «حفصة»، تحريف.
(3) كذا في د، ز هنا. وفيما يأتي: «للمسلمين». وفي «المغني»: «أبلى الله المسلمين به». وانظر: «الإصابة» (12/ 589) ..
(4) رواه سعيد بن منصور (2502) وابن أبي شيبة (34435).
(5) إلى هنا انتهى النقل عن ابن قدامة في «المغني».
(6) كما في «النهاية» لابن الأثير (1/ 166)، ولم أجده مسندًا بهذا اللفظ، والمقصود به ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: «ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أوّلَ دمٍ أضعُ من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل». أخرجه مسلم (1218) ضمن حديث جابر الطويل في الحج. واسمه آدم كما جاء في «جمهرة أنساب العرب» (ص 70) لا ذباب كما في «المجموع المغيث» (1/ 202). فذباب بن الحارث صحابي، وقصة إسلامه مشهورة ولم يُقتل حتى يُبطل دمه. انظر: «طبقات ابن سعد» (1/ 342) و «الإصابة» (3/ 406، 407).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 435)
قاعدةً من قواعد الشرع ولا إجماعًا، بل لو ادُّعي أنه إجماع الصحابة كان أصوب. قال الشيخ في «المغني»(1): «وهذا اتفاق لم يظهر خلافه».
قلت: وأكثر ما فيه تأخير الحدّ لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحدّ لعارضٍ أمر وردت به الشريعة، كما يؤخَّر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض؛ فهذا تأخير لمصلحة المحدود؛ فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى.
فإن قيل: فما تصنعون بقول سعد: «والله لا أضرِب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم»، فأسقط عنه الحد؟
قيل: قد يتمسك بهذا من يقول: لا حدَّ على المسلم في دار الحرب، كما يقوله أبو حنيفة. ولا حجة فيه، والظاهر أن سعدا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله عز وجل؛ فإنه لما رأى تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبذْله نفسَه لله ما رأى درأ عنه الحدَّ؛ لأن ما أتى به من الحسنات غَمرتْ هذه السيئة الواحدة وجعلتْها كقطرة نجاسةٍ وقعت في بحر، ولا سيّما وقد شامَ منه مخايلَ التوبة النصوح وقت القتال؛ إذ لا يُظَنُّ في مسلم إصرارُه في ذلك الوقت الذي هو مظِنَّة القدوم على الله وهو يرى الموت.
وأيضًا فإنه بتسليمه نفسَه ووَضْعِ رجلِه في القيد اختيارًا قد استحق أن يُوهَب له حدُّه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له: يا رسول الله، أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليّ، فقال: «هل صلَّيتَ معنا هذه الصلاة؟» قال: نعم، قال:--------------------------------------------
(1) «المغني» (13/ 174).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 436)
«اذهَبْ فإن الله قد غفر لك حدَّك»(1). وظهرَ بركةُ هذا العفو والإسقاط في صدق توبته، فقال: «والله لا [3/أ] أشربها أبدًا ــ وفي رواية: أبدَ الأبدِ(2) ــ قد كنت آنَفُ أن أتركَها من أجلِ جَلداتِكم، فأما إذ تركتموني فوالله لا أشربها أبدًا»(3). وقد برئ النبي صلى الله عليه وسلم مما صنع خالد ببني جَذِيمة، وقال: «اللهم إني أبرأُ إليك مما صنعَ خالد»(4)، ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام.
ومن تأمّل المطابقة بين الأمر والنهي والثواب والعقاب وارتباط أحدهما بالآخر علم فقهَ هذا الباب.
وإذا كان الله لا يعذِّب تائبًا فهكذا الحدود لا تُقام على تائب، وقد نصّ الله على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم، وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى.
وقد روينا في «سنن النسائي»(5) من حديث سِماك عن علقمة بن وائل عن أبيه: أن امرأة وقع عليها [رجلٌ](6) في سواد الصبح ــ وهي تَعمِد إلى--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (6823) ومسلم (2764) من حديث أنس رضي الله عنه.
(2) لم أقف على هذه الرواية.
(3) رواه عبد الرزاق (17077). وانظر: «الاستيعاب» (4/ 1748) و «تاريخ الإسلام» للذهبي (2/ 167) و «الإصابة» (12/ 590).
(4) رواه البخاري (4339) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(5) الكبرى (7270)، ورواه أيضًا ابن الجارود (823) والطبراني (18) والبيهقي (8/ 284)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (900).
(6) زيادة من النسائي.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 437)
المسجد ــ عَكْوَرَةً(1) على نفسها، فاستغاثت برجل مرَّ عليها، وفرَّ صاحبها، ثم مر عليها ذوو(2) عددٍ، فاستغاثتْ بهم، فأدركوا الرجلَ الذي كانت استغاثَتْ به فأخذوه، وسبقَهم الآخر، فجاؤوا به يقودونه إليها، فقال: أنا الذي أغثتُكِ، وقد ذهب الآخر، قال: فأَتَوا به نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أنه وقع عليها، وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتدُّ، فقال: إنما كنتُ أغثتُها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذبَ، هو الذي وقع عليَّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انطلِقوا به فارجُموه». فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلتُ بها الفعلَ، فاعترفَ، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذي وقع عليها، والذي أغاثَها، والمرأة، فقال: «أما أنتِ فقد غُفِر لكِ»، وقال للذي أغاثَها قولًا حسنًا، فقال عمر: ارجُمِ الذي اعترفَ بالزنى، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: «لا، إنه قد تاب إلى الله». رواه عن محمد بن يحيى بن كثير الحرّاني ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة ثنا أسباط بن نصر عن سِماك، وليس فيه بحمد الله إشكال(3).
فإن قيل: فكيف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم المغيث من غير بينة ولا إقرار؟--------------------------------------------
(1) في النسختين د، ز، والمطبوع: «بمكروه» تحريف، والتصويب من النسائي. والمعنى: عكَرَ عليها أي حمل عليها فتَسنَّمها وغلبَها على نفسها. انظر: «النهاية» (3/ 283).
(2) د: «ذو».
(3) د: «إشكال بحمد الله تعالى».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 438)
قيل: هذا من أدلّ الدلائل على اعتبار القرائن والأخذ بشواهد الأحوال في التُّهَم، وهو يُشبِه إقامةَ الحدود بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة، وإقامةَ حدّ الزنا بالحبل كما نصَّ عليه عمر(1)، وذهب إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه، وكذلك الصحيح أنه يُقام الحدّ على المتَّهم بالسرقة إذا وُجِد المسروق عنده. فهذا الرجل لما أُدرِك وهو يشتدُّ هربًا وقالت المرأة: هذا هو الذي فعل بي، وقد اعترف بأنه دنا منها وأتى إليها وادّعى أنه كان مُغِيثًا لا مُرِيبًا، ولم يرَ أولئك الجماعة غيره، كان في هذا أظهرُ الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يَقْصُر عن الظن المستفاد من شهادة البينة، واحتمال الغلط أو عداوة الشهود كاحتمال الغلط وعداوة المرأة ههنا، بل ظنُّ عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية الاستبعاد؛ فنهاية الأمر أن هذا لَوثٌ ظاهر لا يُستبعد ثبوتُ [3/ب] الحد بمثله شرعًا، كما يُقتل في القسامة باللَّوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع.
فهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع، والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينات والأقارير وشواهد الأحوال، وكونُها في نفس الأمر قد تقع غيرَ مطابقةٍ(2) أمرٌ لا يقدح في كونها طرقًا وأسبابًا للأحكام، والبينة لم تكن موجِبةً بذاتها للحد، وإنما ارتباط الحد بها ارتباط المدلول بدليله، فإن كان هناك دليل يُقاوِمها أو أقوى منها لم يُلغِه الشارع، وظهور الأمر بخلافه لا يقدح في كونه دليلًا كالبينة والإقرار.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (6829) ومسلم (1691) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) بعدها في د: «أو لا ينضبط»، وعليها علامة الحذف.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 439)
وأما سقوط الحد عن المعترف فإذا لم يتَّسع له نطاق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأحرى أن لا يتَّسع له نطاق كثير من الفقهاء، ولكن اتَّسعَ له نطاق الرؤوف الرحيم، فقال: «إنه قد تاب إلى الله»، وأبى أن يحدَّه. ولا ريبَ أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعًا واختيارًا خشيةً من الله وحده، وإنقاذًا لرجل مسلم من الهلاك، وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل= أكبرُ من السيئة التي فعلَها، فقاوَمَ هذا الدواء لذلك الداء، وكانت القوة صالحة، فزال المرض، وعاد القلب إلى حال الصحة، فقيل: لا حاجة لنا بحدّك، وإنما جعلناه طُهرةً ودواء؛ فإذا تطهَّرتَ بغيره فعفْونا يَسَعُك. فأيُّ حكمٍ أحسنُ من هذا الحكم وأشدُّ مطابقةً للرحمة والحكمة والمصلحة؟ وبالله التوفيق.
وقد روينا في «مسند النسائي»(1) من حديث الأوزاعي حدثنا أبو عمّار شدّاد قال: حدثني أبو أمامة أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أصبتُ حدًّا فأَقِمْه عليَّ، فأعرض عنه، ثم قال: إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليّ، فأعرض عنه، ثم قال: يا رسول الله، إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ، فأعرض عنه، وأُقيمت الصلاة، فلما سلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ، قال: «هل توضأتَ حين أقبلتَ؟» قال: نعم، قال: «هل صلّيت معنا حين صلّينا؟» قال نعم، قال: «اذهَبْ، فإن الله قد عفا عنك»، وفي--------------------------------------------
(1) يقصد به «السنن الكبرى» (7274)، ورواه أيضًا أحمد (22286)، وصححه ابن خزيمة (311) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وأصله عند مسلم (2765). وفي الباب عن أنس رضي الله عنه وقد مضى تخريجه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 440)
لفظٍ: «إن الله قد غَفَر لك ذنبك، أو حدَّك»(1). ومن تراجم النسائي(2) على هذا الحديث «من اعترف بحد ولم يسمه».
وللناس فيه ثلاث مسالك: هذا أحدها، والثاني أنه خاص بذلك الرجل، والثالث سقوط الحدّ بالتوبة قبل القدرة عليه، وهذا أصح المسالك.
فصل(3)
المثال الثالث: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسقط القطعَ عن السارق في عام المجاعة، قال السَّعْدي(4): حدثنا هارون بن إسماعيل الخزَّاز(5) ثنا علي بن المبارك ثنا يحيى بن أبي كثير حدثني حسَّان بن زاهر أن ابن حُدَير حدّثه عن عمر قال: لا تُقطع اليدُ في عَذْقٍ ولا عامِ سنة(6).--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (2765).
(2) في «السنن الكبرى» (6/ 475).
(3) نقل يوسف بن عبد الهادي أغلب هذا الفصل في «محض الصواب في فضائل عمر بن الخطاب» (1/ 380 - 384) دون العزو إلى ابن القيم.
(4) هو الإمام الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني صاحب كتاب «الشجرة في أحوال الرجال»، من تلاميذ الإمام أحمد، روى عنه مسائل في جزئين، توفي سنة 259. وقد عزا الحافظ ابن حجر هذا الحديث في «التلخيص الحبير» (4/ 131) إلى «الجامع» للسعدي الجوزجاني، وجعل بينه وبين هارون شيخَه الإمام أحمد.
(5) في المطبوع: «الخرّاز» تصحيف. وقد ضبطه الحافظ في «التقريب» فقال: الخزاز بمعجمات.
(6) رواه السعدي الجوزجاني كما في «البدر المنير» (8/ 679)، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (29184). وفي إسناده حصين بن حُدَير، ذكره البخاري وابن أبي حاتم دون جرح أو تعديل، وإنما ذكرهما ابن حبان في «الثقات». انظر: «التاريخ الكبير» (3/ 4) و «الجرح والتعديل» (3/ 191) و «الثقات» لابن حبان (4/ 157). ورواه عبد الرزاق في «المصنّف» (18990) وابن أبي شيبة (29179) عن يحيى بن أبي كثير قال: قال عمر.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 441)
قال السعدي(1): سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: العَذْق النخلة، وعام سنة: المجاعة، فقلت لأحمد: تقول به؟ فقال: إيْ لعَمْري، قلت: إن سرق في مجاعةٍ لا تَقطعُه؟ فقال: لا، إذا حملتْه الحاجة على ذلك والناس في مجاعةٍ وشدة.
قال السعدي(2): وهذا على نحو قضية عمر في غِلمان حاطب، حدثنا [4/أ] أبو النعمان عارِم ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابنِ حاطب أن غِلمةً لحاطب بن أبي بَلْتعة سرقوا ناقة لرجل من مُزينة، فأتى بهم عمرَ، فأقرُّوا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب، فجاء فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقةَ رجل من مُزينة وأقرُّوا على أنفسهم، فقال عمر: يا كثير بن الصَّلْت، اذهب فاقطَعْ أيديَهم. فلما قَفَّى بهم ردَّهم عمر ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتُجِيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرَّم الله عليه حلَّ له لقطعتُ أيديَهم، وَايْمُ اللهِ(3) إذ لم أفعلْ لأُغرِّمنَّك غرامةً تُوجِعك، ثم قال: يا مزنيُّ بكَمْ أُريدتْ منك ناقتك؟ قال: بأربع مائة، قال--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (9/ 136) و «البدر المنير» (8/ 679) و «التلخيص الحبير» (4/ 131).
(2) الكلام متصل، وانظر المصادر السابقة.
(3) الألف في «ايم» ألف وصل عند أكثر النحويين. وانظر الكلام عليها والوجوه التي تُستعمل بها في «تاج العروس» (يمن).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 442)
عمر: اذهبْ فأعطِه ثمانَ مائة»(1).
وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفصلين(2) جميعًا؛ ففي «مسائل إسماعيل بن سعيد الشَّالَنْجي» التي شرحها السعدي بكتاب سماه «المترجم»(3)، قال: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يحمل الثمرَ من أكمامه، فقال: فيه الثمنُ مرتين وضَرْبُ نكالٍ. قال: وكلُّ من دَرأْنا عنه الحدّ(4) والقَوَدَ أضعفنا عليه الغرم. وقد وافق أحمدَ على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعيُّ.
وهذا محض القياس، ومقتضى قواعد الشرع؛ فإن السَّنة إذا كانت سنة مَجاعةٍ وشدّةٍ غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يَسلَم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسدُّ به رمقَه، ويجب على صاحب(5) المال بذلُ--------------------------------------------
(1) رواه مالك في «الموطأ» (2/ 748)، وفي إسناده يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب لم يدرك عمر؛ فإنه ولد في خلافة عثمان. انظر: «تهذيب الكمال» (31/ 435).
(2) كذا في النسختين، ولعلها «الفعلين» يعني: درء الحد وإضعاف الغرم، كما في «محض الصواب في فضائل عمر بن الخطاب» ليوسف بن عبد الهادي (1/ 373)، حيث نقل كلام ابن القيم في هذا الفصل دون العزو إليه.
(3) قال الخلال ذاكرًا الشالنجي: «عنده مسائل كثيرة ما أحسب أن أحدًا من أصحاب أبي عبد الله (أحمد) روى عنه أحسن مما روى هذا، ولا أشبع ولا أكثر مسائل منه، ولم أجد هذه المسائل عند أحدٍ رواها عنه إلا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني». انظر: «طبقات الحنابلة» (1/ 104). وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» (14/ 545) كتابَ «المترجم»، وقال: فيه علوم غزيرة وفوائد كثيرة.
(4) في هامش د: «الحدود».
(5) ز: «صاحبي».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 443)
ذلك له، إما بالثمن أو مجَّانًا(1)، على الخلاف في ذلك؛ والصحيح وجوب بذله مجّانًا؛ لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع، وهي(2) أقوى من كثير من الشُّبه التي يذكرها كثير من الفقهاء، بل إذا وازنتَ بين هذه الشبهة وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت، فأين شبهة كون المسروق مما يسرع إليه الفساد، وكون أصله على الإباحة، وشبهة القطع به مرة، وشبهة دعوى مِلْكه بلا بينة، وشبهة إتلافه في الحِرز بأكل أو احتلاب من الضرع، وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه، وغير ذلك من الشُّبه الضعيفة جدًّا إلى هذه الشبهة القوية؟ لا سيَّما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسدُّ رمقَه. وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميّز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحدُّ بمن لا يجب عليه، فدُرِئَ. نعم إذا بانَ السارق لا حاجةَ به وهو مستغنٍ عن السرقة قُطِع.
فصل
المثال الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم فرضَ صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أَقِطٍ(3)، وهذه كانت غالبَ أقواتهم بالمدينة، فأما أهل بلدٍ أو محلةٍ قُوتُهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قُوتِهم،--------------------------------------------
(1) د: «ما مجانا».
(2) ز: «وهو».
(3) رواه البخاري (1506) ومسلم (985) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 444)
كمن قوتُهم الذُّرة أو الأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتُهم من غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنًا ما كان. هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره؛ إذ المقصود سَدُّ خَلَّة المساكين يوم العيد ومواساتُهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم. وعلى هذا فيُجزِئ [4/ب] إخراج الدقيق وإن لم يصح فيه الحديث(1). وأما إخراج الخبز والطعام فإنه وإن كان أنفعَ للمساكين لقلة المُؤْنة والكُلْفة فيه، فقد يكون الحَبُّ أنفعَ لهم لطول بقائه وأنه يتأتّى منه ما لا يتأتّى من الخبز والطعام، ولا سيَّما إذا كثر الخبز والطعام عند المسكين فإنه يفسد ولا يمكنه حفظه.
وقد يقال: لا اعتبارَ بهذا، فإن المقصود إغناؤهم في ذلك اليوم العظيم عن التعرُّض للسؤال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَغْنُوهم في هذا اليوم عن المسألة»(2)، وإنما نص على تلك الأنواع المخرَّجة لأن القوم لم يكونوا يعتادون اتخاذ الأطعمة يوم العيد، بل كان قُوتُهم يوم العيد كقوتهم سائر السنة؛ ولهذا لما كان قوتُهم يومَ عيد النحر من لحوم الضحايا(3) أُمِروا أن--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (1618) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وزاد ابن عيينة: «صاعًا من دقيق». وذكر أبو داود أن هذه الزيادة من وهم ابن عيينة، وفي الباب عن ابن عباس. انظر: «التنقيح» لابن عبد الهادي (3/ 130) و «البدر المنير» (5/ 630).
(2) رواه سعيد بن منصور كما في «المغني» (3/ 88). وفي إسناده أبو معشر متكلم فيه. ورواه ابن وهب في «الجامع» (198) والدارقطني (2133) وابن زنجويه في «الأموال» (2397) بنحوه، وفي إسناده أبو معشر أيضًا، والحديث ضعّفه النووي في «المجموع» (6/ 126). وانظر: «الإرواء» (3/ 332).
(3) في د، ز: «الأضاحي». وصُحّح في هامشهما.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 445)
يُطعِموا منها القانعَ والمعتَرَّ؛ فإذا كان أهل بلدٍ أو محلةٍ عادتهم اتخاذ الأطعمة يومَ العيد جاز لهم بل شُرِع لهم أن يُواسُوا المساكين من أطعمتهم، فهذا محتمل يسوغ القول به، والله أعلم.
فصل
المثال الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ في المصرَّاة على ردّ صاع من تمرٍ بدل اللبن(1)، فقيل: هذا حكم عام في جميع الأمصار، حتى في المصر الذي لم يسمع أهله بالتمر قطُّ ولا رأوه؛ فيجب إخراج قيمة الصاع في موضع التمر، ولا يُجزئهم إخراج صاع من قوتهم. وهذا قول أكثر الشافعية والحنابلة، وجعل هؤلاء التمر في المصرَّاة كالتمر في زكاة التمر لا يجزئ سواه، وجعلوه تعبُّدًا، فعيَّنوه اتباعًا للفظ النص. وخالفهم آخرون، فقالوا: بل يُخرِج في كل موضع صاعًا من قوتِ ذلك البلد الغالب؛ فيخرج في البلاد التي قوتهم البرُّ صاعًا من برٍّ، وإن كان قوتهم الأرز فصاعًا من أرز، وإن كان الزبيب والتين عندهم كالتمر في موضعه أجزأ صاع منه. وهذا هو الصحيح، وهو اختيار أبي المحاسن الروياني وبعضِ أصحاب أحمد، وهو الذي ذكره أصحاب مالك.
قال القاضي أبو الوليد(2): روى ابن القاسم أن الصاع يكون من غالب قوت البلد. قال صاحب «الجواهر»(3)، بعد حكاية ذلك: ووجهه أنه ورد في--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) في «المنتقى شرح الموطأ» (5/ 106).
(3) «عقد الجواهر الثمينة» لابن شاس (2/ 478).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 446)
بعض ألفاظ هذا الحديث: «صاعًا من طعام»(1)؛ فيحمل تعيين صاع التمر في الرواية المشهورة على أنه غالب قُوتِ ذلك البلد. انتهى.
ولا ريبَ أن هذا أقربُ إلى مقصود الشارع ومصلحة المتعاقدين من إيجاب قيمة صاع من التمر في موضعه، والله أعلم.
وكذلك حكم ما نصَّ عليه الشارع من الأعيان التي يقوم غيرها مقامها من كل وجه أو يكون أولى منها، كنصه على الأحجار في الاستجمار(2)، ومن المعلوم أن الخِرَق والقطن والصوف أولى منها بالجواز، وكذلك نصه على التراب في الغسل من ولوغ الكلب(3)، والأُشنان أولى منه. هذا فيما عُلِم مقصود الشارع منه، وحصول ذلك المقصود على أتمِّ الوجوه بنظيره وما هو أولى منه.
فصل
المثال السادس: أن النبي صلى الله عليه وسلم منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهر، وقال: «اصنعي ما يصنع الحاجُّ غيرَ أن لا [5/أ] تطوفي بالبيت»(4). فظنَّ من ظنّ أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان، ولم يفرق بين حال القدرة والعجز، ولا بين زمن إمكان الإحباس لها حتى تطهر وتطوف وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك، وتمسَّك بظاهر النص، ورأى منافاة--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1524) من حديث أبي هريرة.
(2) تقدم تخريجه.
(3) تقدم تخريجه.
(4) رواه البخاري (1650) ومسلم (1211) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 447)
الحيض للطواف كمنافاته للصلاة والصيام؛ إذ نهيُ الحائض عن الجميع سواء، ومنافاة الحيض لعبادة الطواف كمنافاته لعبادة الصلاة.
ونازعَهم في ذلك فريقان:
أحدهما صحَّحوا الطواف مع الحيض، ولم يجعلوا الحيض مانعًا من صحته، بل جعلوا الطهارة واجبة تُجبَر بالدم، ويصح الطواف بدونها، كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أنصُّهما عنه. وهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها بالصلاة ارتباطَ الشرط بالمشروط، بل جعلوها واجبةً من واجباته، وارتباطها به كارتباط واجبات الحج به، يصح فعلُه مع الإخلال بها ويَجبُرها الدم.
والفريق الثاني جعلوا وجوب الطهارة للطواف واشتراطَها بمنزلة وجوب السترة واشتراطها، بل وبمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتُشترط مع القدرة وتسقط مع العجز. قالوا: وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له بأعظمَ من اشتراطها للصلاة، فإذا سقطت بالعجز عنها فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى.
قالوا: وقد كان في زمن النبي(1) صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين يحتبس أمراء الحج للحيَّض حتى يطهُرن ويطُفْن، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن صفية وقد حاضت: «أحابستُنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلْتنفِرْ إذًا»(2). وحينئذٍ فكانت الطهارة مقدورةً لها يُمكِنها الطواف بها، فأما في هذه الأزمان--------------------------------------------
(1) د: «رسول الله».
(2) رواه البخاري (4401) ومسلم (1211) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 448)
التي يتعذّر إقامة الركْب لأجل(1) الحيَّض فلا تخلو من ثمانية أقسام:
أحدها أن يقال لها: أقيمي بمكة وإن رحَلَ الركْبُ حتى تطهري وتطوفي، وفي هذا من الفساد وتعريضها للمُقَام وحدَها في بلد الغربة مع لحوق غاية الضرر لها ما فيه.
الثاني أن يقال: يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه.
الثالث أن يقال: إذا علمتْ أو خشيتْ مجيء الحيض في وقته جاز لها تقديمُه على وقته.
الرابع أن يقال: إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام الحج وأنها إذا حجَّت أصابها الحيض هناك سقط عنها فرضه، حتى تصير آيسةً، وينقطع حيضها بالكلية.
الخامس أن يقال: بل تحج، فإذا حاضت ولم يمكنها الطواف ولا المُقام رجعت وهي على إحرامها تمتنع من النكاح ووطء الزوج، حتى تعود إلى البيت فتطوف وهي طاهرة، ولو كان بينها وبينه مسافة سنين، ثم إذا أصابها الحيض في سنة العود رجعت كما هي، ولا تزال كذلك كلَّ عام حتى يصادفَها عامٌ تطهُر فيه.
السادس أن يقال: بل تتحلَّل إذا عجزتْ عن المُقام حتى تطهر كما يتحلَّل المُحصَر، مع بقاء الحج في ذمتها، فمتى قدرت على الحج لزِمَها؛ ثم إذا أصابها ذلك أيضًا تحلّلتْ، وهكذا أبدًا حتى يمكنها الطواف طاهرًا.--------------------------------------------
(1) ز: «لأحد».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 449)