فصل
ومن هذا: الشرط العرفي كاللفظي، وذلك كوجوب نقد البلد عند(1) الإطلاق، ووجوب الحلول حتى كأنه مشترط لفظًا فانصرف العقد بإطلاقه إليه وإن لم يقتضِه(2) لفظه.
ومنها: السلامة من العيوب حتى سُوِّغ له الرد بوجود العيب تنزيلًا لاشتراط سلامة المبيع عرفًا منزلةَ اشتراطها لفظًا.
ومنها: وجوب وفاء المُسْلَم(3) فيه في مكان العقد وإن لم يشترطه لفظًا بناء على الشرط [125/ب] العرفي.
ومنها: لو دفع ثوبه إلى من يعرف أنه يغسل أو يَخِيط بالأجرة، أو عجينَه لمن يخبزه(4)، أو لحمًا لمن يطبخه، أو حبًّا لمن يطحَنُه، أو متاعًا لمن يحمله ونحو ذلك ممن نصبَ نفسه للأجرة على ذلك وجب له أجرة مثله، وإن لم يشترط معه ذلك لفظًا عند جمهور أهل العلم، حتى عند المنكرين لذلك؛ فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العملُ إلا به.
بل ليس يقف الإذنُ فيما يفعله الواحد من هؤلاء وغيرهم على صاحب المال خاصة؛ لأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في الشفقة والنصيحة والحفظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولهذا جاز--------------------------------------------
(1) ت: «على».
(2) ت: «لم يقتضيه».
(3) ت: «السلم».
(4) ت: «يخبزها».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 410)
لأحدهم ضمُّ اللقطة وردُّ الآبق وحفظ الضالَّة، حتى إنه يَحْسِب ما ينفقه على الضالة والآبق واللقطة ويُنزِّل إنفاقَه عليها منزلةَ إنفاقه لحاجة نفسه لما كان حفظًا لمال أخيه وإحسانًا إليه؛ فلو علم المتصرِّف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع وأن إحسانه يذهب باطلًا في حكم الشرع لما أقدمَ على ذلك، ولضاعت مصالح الناس، ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم بعضا، وتعطَّلت حقوق كثيرة، وفسدت أموال عظيمة. ومعلومٌ أن شريعة من بَهَرت العقولَ شريعتُه وفاقت كلَّ شريعة واشتملت على كل مصلحة وعطَّلت كل مفسدة تأبى ذلك كلَّ الإباء.
وأين هذا من إجازة أبي حنيفة تصرُّف الفضولي ووقفَ العقود تحصيلًا لمصلحة المالك، ومَنْعِ المرتهن من الركوب والحلب بنفقته؟ فيا لله العجب! يكون هذا الإحسان للراهن وللحيوان ولنفسه بحفظ الرهن حرامًا لا اعتبارَ به شرعًا مع إذن الشارع فيه لفظًا وإذن المالك عرفًا، وتصرُّف الفضولي معتبرًا مرتَّبًا عليه حكمه! هذا، ومن المعلوم أنّا في إبراء الذِّمم أحوجُ منا إلى العقود على أولاد الناس وبناتهم وإمائهم [126/أ] وعبيدهم ودورهم وأموالهم؛ فالمرتهن محسن بإبراء ذمة المالك من الإنفاق على الحيوان، مؤدٍّ لحقّ الله فيه ولحقّ مالكه ولحقّ الحيوان ولحقّ نفسه، متناولٌ ما أذن له فيه الشارع من العوض بالدَّرّ والظَّهر. وقد أوجب الله سبحانه على الآباء إيتاء المراضع أجرهن بمجرد الإرضاع، وإن لم يعقدوا معهن عقد إجارة؛ فقال تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6].
فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بما لو كان الرهن دارًا فخرِبَ بعضها فعَمَرَها ليحفظ الرهن؛ فإنه لا يستحق السكنى عندكم بهذه العمارة، ولا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 411)
يرجع بها.
قيل: ليس كذلك، بل يحتسب له بما أنفقه؛ لأنّ فيه إصلاحَ الرهن، ذكره القاضي وابنه وغيرهما. وقد نصّ الإمام أحمد(1) في رواية [ابن] أبي حرب الجرجرائي(2) في رجل عمل في قناة رجل بغير إذنه، فاستخرج الماء: لهذا الذي عمِلَ نفقته(3) إذا عمِلَ ما يكون منفعة لصاحب القناة. هذا مع أن الفرق بين الحيوان والدار ظاهر؛ لحاجة الحيوان إلى الإنفاق ووجوبه على مالكه، بخلاف عمارة الدار، فإن صحَّ الفرق بطل السؤال، وإن بطل الفرق ثبت الاستواء في الحكم.
فإن قيل: في هذا مخالفةٌ للأصول من وجهين:
أحدهما: أنه إذا أدَّى عن غيره واجبًا بغير إذنه كان متطوّعًا، ولم يلزمه القيام له بما أدَّاه عنه.
الثاني: أنه لو لزمه عوضُه فإنما يلزمه نظير ما أدَّاه، فأما أن يُعاوَض عليه بغير جنس ما أدَّاه بغير اختياره فأصول الشرع تأبى ذلك.
قيل: هذا هو الذي رُدَّتْ به هذه السنة، ولأجله تأوَّلها من تأوَّلها على أن المراد بها أن النفقة على المالك، فإنه الذي يركب ويشرب، وجعل الحديث دليلًا على جواز تصرُّف الراهن في الرهن بالركوب والحلب وغيره، ونحن--------------------------------------------
(1) كما في «الروايتين والوجهين» لأبي يعلى (1/ 368).
(2) في المصدر السابق: «أبو جعفر محمد بن حرب الجرجاني». وهو خطأ. انظر: «طبقات الحنابلة» (1/ 331).
(3) د: «أجر نفقته». والمثبت من ت موافق لما في «الروايتين».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 412)
نبيِّن ما في هذين الأصلين من حق وباطل.
فأما الأصل الأول فقد دلَّ على فساده القرآن والسنة وآثار الصحابة والقياس [126/ب] الصحيح ومصالح العباد:
أما القرآن فقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6]، وقد تقدم تقرير الدلالة منه. وقد اعترض بعضهم على هذا الاستدلال بأن المراد به أجورهن المسمَّاة فإنه أمرٌ لهم بوفائها، لا أمرٌ لهم بإيتاء ما لم يسمُّوه من الأجرة، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6]، وهذا التعاسر إنما يكون حالَ العقد بسبب طلبِها الشططَ من الأجر أو حطَّها عن أجرة المثل. وهذا اعتراض فاسد؛ فإنه ليس في الآية ذكر التسمية، ولا يدلُّ عليها بدلالة من الدلالات الثلاث، أما اللفظيتان فظاهر، وأما اللزومية فلِانفكاكِ التلازم بين الأمر بإيتاء الأجر وبين تقدُّم تسميتِه. وقد سمَّى الله سبحانه ما يؤتيه العامل على عمله أجرًا وإن لم يتقدم له تسمية، كما قال تعالى عن خليله: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} [الأحزاب: 31]، ومعلوم أن الأجر(1) ما يعود إلى العامل عوضًا عن عمله؛ فهو كالثواب الذي يثوب إليه أي يرجع من عمله، وهذا ثابت سواء سُمِّي أو لم يُسَمَّ.
وقد نصّ الإمام أحمد(2) على أنه إذا افتدي الأسير رجع عليه بما غرمه--------------------------------------------
(1) ت: «الأجرة».
(2) كما في «الروايتين والوجهين» (2/ 375 - 376).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 413)
عليه، ولم يختلف قوله فيه. واختلف قوله(1) فيمن قَضَى دَينَ غيره عنه بغير إذنه؛ فنصّ في موضع على أنه يرجع عليه، فقيل له: هو متبرع بالضمان، فقال: وإن كان متبرعًا بالضمان. ونصَّ في موضع آخر على(2) أنه لا يرجع، فإنه قال: إذا لم يقل اقضِ عني ديني كان متبرعًا، ونصَّ على أنه يرجع على السيد بنفقة عبده الآبق إذا ردَّه، وقد كتب عمر بن الخطاب إلى عامله في سَبْي العرب ورقيقهم، وقد كان التجَّار اشتروه فكتب إليه: أيُّما حرٍّ اشتراه التجَّار فاردُدْ عليهم رؤوسَ [127/أ] أموالهم(3).
وقد قيل: إن جميع الفرق تقول بهذه المسألة وإن تناقضوا ولم يَطْردوها:
فأبو حنيفة يقول: إذا قضى بعض الورثة دَينَ الميت ليتوصَّل بذلك إلى أخذ حقه من التركة بالقسمة فإنه يرجع على التركة بما قضاه، وهذا واجبٌ قد أدّاه عنه غيرُه بغير إذنه، وقد رجع به. ويقول: إذا بنى صاحب العُلْوِ والسُّفْلِ بغير إذن المالك لزِم الآخرَ غرامةُ ما يخصُّه. وإذا أنفق المرتهن على الرهن في غَيبة الراهن رجع بما أنفق. وإذا اشترى اثنان من واحد عبدًا بألفٍ فغاب أحدهما فأدَّى الحاضرُ جميعَ الثمن ليتسلَّم العبدَ كان له الرجوع.
والشافعي يقول: إذا أعار عبدًا لرجلٍ ليرهنَه فرهنه ثم إن صاحب الرهن--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (7/ 89، 90).
(2) «على» ليست في ت.
(3) رواه سعيد بن منصور (2803) والبيهقي (9/ 112)، وهو مرسل؛ لأن الشعبي لم يدرك عمر.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 414)
قضى الدين بغير إذن المستعير وافتكَّ الرهنَ رجع بالحق. وإذا استأجر جِمالًا ليركبها فهربَ الجَمَّال فأنفق المستأجر على الجِمال رجع بما أنفق. وإذا ساقى رجلًا على نخله فهرب العامل فاستأجر صاحبُ النخل من يقوم مقامَه رجع عليه به. واللقيط إذا أنفق عليه أهل المحلَّة ثم استفاد مالًا رجعوا عليه. وإن أذن له في الضمان فضمن ثم أدّى الحق بغير إذنه رجع عليه.
وأما المالكية والحنابلة فهم أعظم الناس قولًا بهذا الأصل، والمالكية أشدُّ قولًا به.
ومما يوضِّح ذلك أن الحنفية قالوا في هذه المسائل: إن هذه الصور كلها أحوجَتْه إلى استيفاء حقّه أو حفظ ماله؛ فلولا عمارة السُّفْل لم يثبت العُلْو، ولو لم يقضِ الوارث الغرماء لم يتمكَّن مِن أخذ حقه من التركة بالقسمة، ولو لم يحفظ الرهن بالعَلف لتَلِفَ محلُّ الوثيقة، ولو لم يستأجر على الشجر من يقوم مقام العامل لتعطَّلت الثمرة، وحقه متعلق بذلك كله، فإذا أنفق كانت نفقته ليتوصَّل إلى حقه. بخلاف من أدَّى دينَ غيره فإنه [127/ب] لا حقَّ له هناكَ يتوصَّل إلى استيفائه بالأداء؛ فافترقا. وتبيّن أن هذه القاعدة لا تلزمنا، وأن من أدّى عن غيره واجبًا من دين أو نفقة على قريب أو زوجة فهو إما فضولي وهو جدير بأن يفوت عليه ما فوَّته على نفسه، أو متفضل فحوالته على الله دون من تفضَّل عليه؛ فلا يستحق مطالبته.
وزادت الشافعية وقالت: لما ضَمِن له المُؤْجِر تحصيلَ منافع الجمال، ومعلوم أنه لا يمكنه استيفاء تلك المنافع إلا بالعلف؛ دخل في ضمانه لتلك المنافع إذنُه له في تحصيلها بالإنفاق عليها ضمنًا وتبعًا، فصار ذلك مستحقًّا عليه بحكم ضمانه عن نفسه لا بحكم ضمان الغير عنه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 415)
يوضّحه أن المؤجر والمساقي قد علما أنه لا بدّ للحيّ من قَوَّام، ولا بدّ للنخيل من سقْيٍ وعملٍ عليها؛ فكأنه قد حصل الإذن فيها في الإنفاق عرفًا، والإذن العرفي يجري مجرى الإذن اللفظي، وشاهده ما ذكرتم من المسائل.
فيقال: هذا من أقوى الحجج عليكم في مسألة علف المرتهن للرهن، واستحقاقه للرجوع بما غرمه، وهذا نصف المسافة، وبقي نصفها الثاني، وهو المعاوضة عليها بركوبه وشربه، وهي أسهل المسافتين وأقربهما؛ إذ غايتها تسليط الشارع له على هذه المعاوضة التي هي من مصلحة الراهن والمرتهن والحيوان، وهي أولى من تسليط الشفيع على المعاوضة عن الشِّقْص المشفوع لتكميل ملكه وانفراده به، وهي أولى من المعاوضة في مسألة الظفر بغير اختيارِ مَن عليه الحق؛ فإن سبب الحق فيها ليس ثابتًا، والآخذ ظالم في الظاهر، ولهذا منعه النبي صلى الله عليه وسلم من الأخذ وسماه خائنًا بقوله: «أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنَك، ولا تخُنْ من خانك»(1). وأما ههنا فسبب الحق ظاهر، وقد أذن في المعاوضة للمصلحة التي فيها، [128/ب] فكيف تَمنع هذه المعاوضةَ التي سبب الحق فيها ظاهر وقد أذن فيها الشارع، وتُجوِّز تلك المعاوضة التي سبب الحق فيها غير ظاهر وقد منع منها الشارع؟ فلا نصّ ولا قياس.
ومما يدلُّ على أن من أدّى عن غيره واجبًا أنه يرجع عليه به قولُه تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60]، وليس من جزاء هذا--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (3535) والترمذي وحسنه (1264) والبزار (9002)، وصححه الحاكم (2/ 46)، وفي الباب عن أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما. وانظر: «الإرواء» (5/ 381) و «السلسلة الصحيحة» (423).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 416)
المحسن بتخليصه من أحسن إليه(1) بأداء دَينه وفكِّ أسْره منه وحلِّ وثاقِه أن يضيع عليه معروفُه وإحسانه، وأن يكون جزاؤه منه بإضاعة ماله ومكافأته عليه بالإساءة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أسدى إليكم معروفًا فكافِئوه»(2)، وأيُّ معروفٍ فوق معروف هذا الذي افْتكَّ أخاه من أَسْر الدين؟ وأي مكافأة أقبح من إضاعة ماله عليه وذهابه؟ وإذا كانت الهدية التي هي تبرُّعٌ محض قد شُرِعت المكافأة عليها وهي من أخلاق المؤمنين، فكيف يُشرع جواز ترك المكافأة على ما هو من أعظم المعروف؟ وقد عقد الله سبحانه الموالاة بين المؤمنين وجعل بعضهم أولياء بعض، فمن أدّى عن وليّه واجبًا كان نائبَه فيه بمنزلة وكيلِه ووليِّ من أقامه الشرع للنظر في مصالحه لضعفه أو عجزه.
ومما يوضِّح ذلك أن الأجنبي لو أقرض ربَّ الدين قدْرَ دينه وأحاله به(3) على المدين ملك ذلك، وأيُّ فرقٍ شرعي أو معنوي بين أن يوفِّيه ويرجع به على المدين أو يُقرِضه ويحتال به على المدين؟ وهل تفرِّق الشريعة المشتملة على مصالح العباد بين الأمرين؟ ولو تعيَّن عليه ذبح هدي أو أضحية فذبحها أجنبي بغير إذنه أجزأَتْ(4) وتأدَّى الواجب بذلك، ولم تكن ذبيحة غاصب، وما ذاك إلا لكون الذبح قد وجب عليه فأدَّى هذا--------------------------------------------
(1) «بتخليصه من أحسن إليه» ساقطة من ت.
(2) رواه أبو داود (1672) والنسائي (2567) وأحمد (5365)، وصححه ابن حبان (3408) والحاكم (1/ 412) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. انظر: «السلسلة الصحيحة» (254).
(3) «به» ليست في ت.
(4) ت: «أجزأ».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 417)
الواجبَ غيرُه وقام مقام تأديته هو بحكم النيابة عنه شرعًا. وليس الشأن [128/ب] في هذه المسألة لوضوحها واقتضاء أصول الشرع وفروعه لها، وإنما الشأن فيمن عمِلَ في مال غيره عملًا بغير إذنه ليتوصَّل بذلك العمل إلى حقه، أو فَعَله حفظًا لمال المالك واحترازًا له من الضياع؛ فالصواب أنه يرجع عليه بأجرة عمله.
وقد نص عليه الإمام أحمد رضي الله عنه في عدة مواضع:
منها: أنه إذا حصد زرعه في غَيبته فإنه نص على أنه يرجع عليه بالأجرة. وهذا من أحسن الفقه، فإنه إذا مرض أو غابَ أو حُبِس(1) فلو ترك زرعه بلا حصاد لهلك وضاع، فإذا علم من يحصده له أنه يذهب عليه عمله ونفقته ضياعًا لم يقدم على ذلك، وفي ذلك من إضاعة المال وإلحاق الضرر بالمالك ما تأباه الشريعة الكاملة؛ فكان من أعظم محاسنها أن أذنت للأجنبي في حصاده والرجوع على مالكه بما أنفق عليه حفظًا لماله ومال المحسن إليه، وفي خلاف ذلك إضاعة لماليهما أو مال أحدهما.
ومنها: ما نص عليه فيمن عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء، قال: لهذا الذي عمِلَ نفقتُه.
ومنها: لو انكسرت سفينته فوقع متاعه في البحر فخلَّصه رجل فإنه لصاحبه، وله عليه أجرُ مثلِه. وهذا أحسن من أن يقال: لا أجر له؛ فلا تطيب نفسه بالتعرُّض للتلَف والمشقة(2) الشديدة ويذهب عمله باطلًا أو يذهب--------------------------------------------
(1) ت: «أو حبس أو غاب».
(2) ت: «المشفقة».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 418)
مال الآخر ضائعًا، وكل منهما فساد محض، والمصلحة في خلافه ظاهرة. والمؤمنون يرون قبيحًا أن يذهب عملُ هذا ضائعًا ومال هذا ضائعًا، ويرون من أحسن الحسن أن يَسلَم مال هذا وينجح سعي هذا، والله الموفق.
المثال الحادي والسبعون: ردُّ السنة الثابتة الصريحة المحكمة في صحة(1) ضمان دَين الميت الذي لم يُخلِّف وفاء، كما في «الصحيحين» عن أبي قتادة قال: [129/أ] أُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة ليصلّي عليها، فقال: «أعليه دين؟» فقالوا: نعم، ديناران، فقال: «أتركَ لهما وفاءً؟» قالوا: لا، قال: «صلُّوا على صاحبكم»، فقال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسول الله، فصلَّى عليه(2).
فردّت هذه السنة برأي لا يقاومها، وهو أن الميت قد خَرِبتْ ذمته؛ فلا يصح ضمان شيء خراب في محل خراب، بخلاف الحي القادر فإن ذمته بصدد العمارة، فصحَّ ضمان دينه وإن لم يكن له(3) وفاء في الحال، وأما إذا خلَّف وفاء فإنه يصح الضمان تنزيلًا لذمته بما خلَّفه من الوفاء منزلةَ الحي القادر. قالوا: وأما الحديث فإنما هو إخبار عن ضمان متقدم على الموت؛ فهو إخبار منه بالتزام سابق، لا إنشاء للالتزام حينئذٍ.--------------------------------------------
(1) «صحة» ليست في د.
(2) رواه النسائي (1962) والترمذي (1069) وأحمد (22543)، وصححه الترمذي وابن حبان (3058). وأخرجه أبو داود (3343) من حديث جابر، وصححه ابن حبان (3064) والحاكم (2/ 58). وأما البخاري (2289) فرواه من حديث سلمة بن الأكوع بلفظ: «قالوا عليه ثلاثة دنانير». وأخرجه مسلم (1619) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) «له» ليست في ت.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 419)
وليس في ذلك ما تُردُّ به السنة الصحيحة(1) الصريحة، ولا يصحّ حملها على الإخبار لوجوه:
أحدها: أن في بعض ألفاظ الحديث: «فقال أبو قتادة: أنا أتكفَّل به يا رسول الله، فصلى عليه». رواه النسائي(2) بإسناد صحيح.
الثاني: أن في بعض طرق البخاري(3): «فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينُه». فقوله: «وعليَّ دينُه» كالصريح في الالتزام أو صريح فيه؛ فإن هذه الواو للاستئناف، وليس قبلها ما يصح أن يُعطف ما بعدها عليه، كما لو قال: صلِّ عليه وأنا ألتزم ما عليه أو وأنا ملتزم ما عليه.
الثالث: أن الحكم لو اختلف لقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل ضمِنتَ ذلك في حياته أو بعد موته؟ ولا سيما فإن الظاهر منه الإنشاء، وأدنى الأحوال أن يحتملهما على السواء، فإذا كان أحدهما باطلًا في الشرع والآخر صحيحًا فكيف يُقِرُّه على قول محتمل لحق وباطل ولم يستفصله عن مراده به(4)؟
الرابع: أن القياس يقتضي صحة الضمان وإن لم يُخلِّف وفاء، فإن من صح ضمان دينه إذا خلَّف وفاء صح ضمانه وإن لم يكن له مال كالحي. وأيضًا [129/ب] فمن صحَّ ضمان دينه حيًّا صح ضمان دينه ميتًا. وأيضًا فإن الضمان لا يوجب الرجوع، وإنما يوجب مطالبة ربّ الدين للضامن، فلا فرق--------------------------------------------
(1) «الصحيحة» ليست في د.
(2) رقم (4692).
(3) رقم (2289).
(4) «به» ليست في ت.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 420)
بين أن يخلّف الميت وفاء أو لم يخلّفه. وأيضًا فالميت أحوجُ إلى ضمان دَينه من الحيّ لحاجته إلى تبريد جلدته ببراءة ذمته وتخليصه من ارتهانه بالدين. وأيضًا فإن ذمة الميت وإن خرِبتْ من وجه ــ وهو تعذُّر(1) مطالبته ــ لم تخرَبْ من جهة بقاء الحق فيها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من ميّتٍ يموت إلا وهو مرتهنٌ بدَينه»(2)، ولا يكون مرتهنًا وقد خربت ذمته. وأيضًا فإنه لو(3) خرِبت ذمته لبطل الضمان بموته؛ فإن الضامن فرعه، وقد خربت ذمة الأصل، فلما استُدِيم(4) الضمان ولم يبطل بالموت عُلِم أن الضمان لا ينافي الموت؛ فإنه لو نافاه ابتداءً لنافاه استدامةً؛ فإن هذا من الأحكام التي لا يفرَّق فيها بين الدوام والابتداء لاتحاد سبب الابتداء والدوام فيها. فظهر أن القياس المحض مع السنة الصحيحة، والله الموفق.
المثال الثاني والسبعون: ترك السنن الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في جمع التقديم والتأخير بين الصلاتين للعذر، كحديث أنس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تَزِيغَ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما»(5). وفي لفظٍ له: «كان رسول الله(6) صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخَّر الظهر حتى يدخل وقت العصر،--------------------------------------------
(1) ت: «متعذر».
(2) رواه الدارقطني (2984) والبيهقي (6/ 73). قال البيهقي: عطاء بن عجلان ضعيف، والروايات في تحمل أبي قتادة دين الميت أصح.
(3) ت: «ولو».
(4) ت: «استدمتم».
(5) رواه البخاري (1111) ومسلم (704).
(6) د: «النبي».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 421)
ثم يجمع بينهما»(1). وهو في «الصحيحين».
وكقول معاذ بن جبل: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زَيْغ الشمس أخَّر الظهر حتى يجمعها مع العصر فيصلّيهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زَيْغ الشمس صلَّى [130/أ] الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخَّر المغرب حتى يصلِّيها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجَّل العشاء فصلّاها مع المغرب». وهو في السنن و «المسند»(2)، وإسناده صحيح، وعلته واهية(3).
وكقول ابن عباس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا زاغت الشمس في منزله جمعَ بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإذا لم تَزِغْ في منزله سار، حتى إذا حانت(4) العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تَحِنْ(5) في منزله ركب، حتى إذا كان العشاء نزل فجمع بينهما»(6). وهذا متابع لحديث معاذ، وفي بعض طرق هذا الحديث:--------------------------------------------
(1) هذا لفظ مسلم (704/ 47).
(2) رواه أبو داود (1220) والترمذي وقال: حسن غريب (553، 554) وأحمد (22094)، وصححه ابن حبان (1458) والبيهقي (3/ 162). انظر: «صحيح أبي داود» - الأم (4/ 381).
(3) كذا قال، وأشار إلى علته البخاري والترمذي وأبو حاتم وغيرهم. انظر: «تنقيح التحقيق» (2/ 536) ط. المعرفة، والتلخيص الحبير (2/ 102) و «المحرر» لابن عبد الهادي (2/ 4).
(4) د، ت: «جاءت» هنا وفيما يلي. والتصويب من «المسند».
(5) في النسختين: «لم تجيء». والتصويب من «المسند».
(6) رواه أحمد (3480) والطبراني (11522) والدارقطني (1450)، وفي إسناده حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس متكلم فيه، ولكن له شاهد من حديث معاذ، وروي عن ابن عباس من وجه آخر. انظر: «الإرواء» (3/ 28).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 422)
«وإذا سافر قبل أن تزول الشمس أخَّر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر»(1).
كقول ابن عمر وقد أخَّر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما ثم أخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك إذا جدَّ به السيرُ(2).
وكلُّ هذه سننٌ في غاية الصحة والصراحة، ولا معارضَ لها؛ فرُدَّت بأنها أخبار آحاد، وأوقات الصلوات ثابتة بالتواتر، كحديث إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم وصلاته به كلَّ صلاة في وقتها ثم قال: «الوقتُ ما بين هذين»(3). فهذا في أول الأمر بمكة، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالسائل في المدينة سواءً، صلَّى به كل صلاة(4) في أول وقتها وآخره وقال: «الوقت ما بين هذينِ»(5). وقال في حديث عبد الله بن عمرو: «وقتُ صلاة الظهر ما لم تحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط--------------------------------------------
(1) رواه الشافعي في مسنده (530) ومن طريقه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (4/ 293) والبغوي (4/ 195). وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى متكلم فيه، وحسين بن عبد الله السابق.
(2) رواه البخاري (1091) ومسلم (903).
(3) رواه أبو داود (393) والترمذي (149) وأحمد (3081) من حديث ابن عباس، وإسناده حسن. وفي الباب عن جابر وغيره.
(4) «سواء … صلاة» ساقطة من ت.
(5) رواه مسلم (614) من حديث أبي موسى الأشعري.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 423)
ثَوْر(1) الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل»(2). وقال: «وقتُ كل صلاة ما لم يدخل وقتُ التي تليها»(3). ويكفي قوله للسائل وقد سأله عن المواقيت ثم بيَّنها له بفعله: «الوقتُ [129/ب] فيما بين(4) هذين». فهذا بيان بالقول والفعل.
وهذه أحاديث محكمة صحيحة صريحة(5) في تفصيل الأوقات مجمع عليها بين الأمة، وجميعهم احتجوا بها في أوقات الصلاة، فقدَّمتم عليها أحاديث مجملة محتملة في الجمع غير صريحة فيه؛ يجوز أن يكون المراد بها الجمع في الفعل، وأن يراد بها الجمع في الوقت، فكيف يُترك الصريح المبين للمجمل(6) المحتمل؟ وهل هذا إلا تركٌ للمحكم وأخذٌ بالمتشابه، وهو عين ما أنكرتموه في هذه الأمثلة؟
فالجواب(7) أن يقال: الجميع(8) حق؛ فإنه من عند الله، وما كان من عند الله فإنه لا يختلف، فالذي وقَّت هذه المواقيت وبيَّنها بقوله وفعله هو الذي شَرَع الجمع بقوله وفعله؛ فلا يؤخذ ببعض السنة ويُترك بعضها.--------------------------------------------
(1) د: «نور»، وليست في ت. والتصحيح من «صحيح مسلم». وثور الشفق: ثورانه وانتشاره.
(2) رواه مسلم (612).
(3) بمعناه عند مسلم (681) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
(4) ت: «ما بين».
(5) ت: «صريحة صحيحة».
(6) ت: «المجمل».
(7) ت: «الجواب».
(8) ت: «الجمع».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 424)
والأوقات التي بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله نوعان بحسب حال أربابها: أوقات السعة والرفاهية، وأوقات العذر والضرورة، ولكل منها أحكام تخصُّها. وكما أن واجبات الصلاة وشروطها تختلف باختلاف القدرة والعجز فهكذا أوقاتها، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم وقت النائم والذاكر حين يستيقظ ويذكر، أيّ وقتٍ كان(1)، وهذا غير الأوقات الخمسة. وكذلك جعل أوقات المعذورين ثلاثة: وقتين مشتركين، ووقتًا مختصًّا؛ فالوقتان المشتركان لأرباب الأعذار هما أربعة لأرباب الرفاهية، ولهذا جاءت الأوقات في كتاب الله نوعين(2) خمسة وثلاثة في نحو عشر آيات من القرآن، فالخمسة لأهل(3) الرفاهية والسعة، والثلاثة لأرباب الأعذار، وجاءت السنة بتفصيل ذلك وبيانه وبيان أسبابه، فتوافقت دلالة القرآن والسنة والاعتبار الصحيح الذي هو مقتضى حكمة الشريعة وما اشتملت [131/أ] عليه من المصالح.
فأحاديث الجمع مع أحاديث الإفراد بمنزلة أحاديث الأعذار والضرورات مع أحاديث الشروط والواجبات؛ فالسنة يبيِّن بعضُها بعضًا، لا يُردّ بعضُها ببعض. ومن تأمَّل أحاديث الجمع وجدها كلها صريحةً في جمع الوقت لا في جمع الفعل، وعَلِم أن جمع الفعل أشقُّ وأصعبُ من الإفراد بكثير؛ فإنه ينتظر بالرخصة أن يبقى من وقت الأولى قدرُ فعلِها فقط، بحيث إذا سلّم منها دخل وقت الثانية فأوقع كل واحدة منهما في وقتها، وهذا أمر(4) في غاية العسر--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (597) ومسلم (684) من حديث أنس رضي الله عنه.
(2) ت: «نوعان».
(3) ت: «الأهل و».
(4) ت: «أمره».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 425)
والحرج والمشقة، وهو منافٍ لمقصود الجمع، وألفاظ السنة الصريحة تردُّه كما تقدم، وبالله التوفيق.
المثال الثالث والسبعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمسٍ متصلة وسبعٍ متصلة، كحديث أم سلمة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وبخمس لا يفصِلُ بينهن بسلام ولا كلام». رواه أحمد(1).
وكقول عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمسٍ، لا يجلس إلا في آخرهن». متفق عليه(2).
وكحديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلّي من الليل تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلّم، ثم يقوم فيصلّي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلّم تسليمًا يُسمِعنا، ثم يصلّي ركعتين بعدما يسلّم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول(3)»(4). وفي لفظٍ عنها: «فلما أسنَّ وأخذه اللحم أوتر(5)--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (26486) والنسائي (1714) وابن ماجه (1192)، وفي إسناده الحكم لم يسمع من مِقسَم إلا أربعة أحاديث وهذا ليس منها، وقد اختلف عنه فرواه بعضٌ عن الحكم عن مقسم عن أم سلمة، ورواه آخرون عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن أم سلمة رضي الله عنهم. انظر: «العلل» للدارقطني (15/ 205).
(2) رواه مسلم (737)، والشطر الأول منه عند البخاري (1140).
(3) ت: «صنيعه في الركعتين». وعند مسلم: «صنيعه الأول».
(4) رواه مسلم (746).
(5) ت: «صلى».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 426)
بسبع ركعات، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلِّم إلا في السابعة»(1). وفي لفظٍ: «صلَّى بسبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن»(2). وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض لها.
فرُدَّتْ [131/ب] بقوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل مثنى مثنى»(3). وهو حديث صحيح، ولكن الذي قاله هو الذي أوتر بالسبع والخمس، وسننه(4) كلها حق يصدِّق بعضُها بعضًا؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاب السائل له عن صلاة الليل بأنها مثنى مثنى، ولم يسأله عن الوتر، وأما السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر، والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها، وللخمس والسبع والتسع المتصلة، كالمغرب اسم للثلاث المتصلة، فإن انفصلت الخمس والسبع والتسع بسلامينِ كالإحدى عشرة كان الوتر اسم الركعة المفصولة وحدها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل مَثنى مَثنى، فإذا خشي الصبحَ أوتر بواحدة تُوتِر له ما صلَّى»(5). فاتفق فعله صلى الله عليه وسلم وقوله، وصدَّق بعضه بعضًا، وكذلك يكون ليس إلّا. وإن حصل تناقضٌ فلا بدَّ من أحد أمرين:
إمّا أن يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر، أو ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان الحديثان من كلامه وليس أحدهما منسوخًا فلا تناقضَ ولا--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (1342).
(2) رواه النسائي (1718).
(3) سيأتي تخريجه.
(4) د: «وسنته».
(5) رواه البخاري (472) ومسلم (749) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 427)
تضادَّ هناك البتة، وإنما يُؤتى من يُؤتى هناك(1) من قِبَلِ فهمه وتحكيمه آراء الرجال وقواعد المذهب على السنة؛ فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف، والله المستعان(2).
* * * *--------------------------------------------
(1) «هناك» ليست في ت.
(2) إلى هنا انتهت نسخة ت.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 428)
فصل(1)
في تغيُّر الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد
هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلطٌ عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليفِ ما لا سبيل إليه ما(2) يُعلَم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رُتَب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالحُ كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث= فليست من الشريعة وإن أُدخِلت فيها بالتأويل.
فالشريعة عدلُ الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظلُّه في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله أتمَّ دلالة وأصدقَها، وهي نوره الذي به أبصر المُبصِرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التامّ الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل. فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح؛ فهي لها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصلٌ بها، وكل نقصٍ في الوجود فسببه من إضاعتها. ولولا رسومٌ قد بقيتْ(3)، وهي--------------------------------------------
(1) من هنا بداية نسخة ز، والإحالة إلى أوراقها. وهو بداية النصف الثاني من الكتاب.
(2) د، ز: «وما».
(3) جواب لولا محذوف، يدل عليه قوله الآتي: «خراب الدنيا وطيّ العالم». وقد أثبتوا الجواب هنا في النسخ المطبوعة، وليس في الأصول.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 429)