المثال الرابع والستون: ردّ السنة الثابتة الصريحة المحكمة في امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق، كما في «صحيح مسلم»(1) من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وقتُ صلاة الظهر ما لم تحضر العصرُ، ووقتُ العصر ما لم تصفرَّ الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثَوْرُ(2) الشفق، ووقت العشاء(3) إلى نصف [119/ب] الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس».
وفي «صحيحه» أيضًا(4) عن أبي موسى أن سائلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقيت فذكر الحديث، وفيه: «ثم أمره فأقام المغرب حين وَجَبتِ الشمس، فلما كان في اليوم الثاني قال: ثم أخَّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم قال: الوقت ما بين هذين».
وهذا متأخر عن حديث جبريل؛ لأنه كان بمكة، وهذا قول وذاك فعل، وهذا يدلّ على الجواز وذاك على الاستحباب، وهذا في «الصحيح» وذاك في «السنن»، وهذا يوافق قوله صلى الله عليه وسلم: «وقتُ كل صلاةٍ ما لم يدخل وقت التي بعدها»(5)، وإنما خُصَّ منه الفجر بالإجماع؛ فما عداها من الصلوات داخل في عمومه، والفعل إنما يدل على الاستحباب فلا يعارض العام ولا الخاص.--------------------------------------------
(1) رقم (612).
(2) في النسختين د، ت: «نور». والتصويب من «صحيح مسلم». وثور الشفق: ثورانه وانتشاره.
(3) ت: «صلاة العشاء».
(4) رقم (614).
(5) رواه مسلم (681) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه بمعناه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 390)
المثال الخامس والستون: ردُّ السنة الصريحة المحكمة الثابتة في وقت العصر، وأنه إذا صار ظلُّ كل شيء مثله، وأنهم كانوا يصلّونها مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يذهب أحدهم إلى العوالي قدرَ أربعة أميال والشمس مرتفعة(1)، وقال أنس: صلّى لنا(2) رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، فأتاه رجل من بني سَلِمَة فقال: يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جَزورًا لنا، وإنا نحبُّ أن تحضرها، قال: «نعم»، فانطلق وانطلقنا معه، فوجد الجَزور لم تُنْحَر، فنُحِرت ثم قُطِّعت ثم طُبخ منها ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس»(3). ومحالٌ أن يكون هذا بعد المثلين. وفي «صحيح مسلم»(4) عنه: «وقتُ صلاة الظهر ما لم تحضر العصر». ولا معارضَ لهذه السنن، لا في الصحة ولا في الصراحة والبيان.
فردَّتْ بالمجمل من قوله صلى الله عليه وسلم: «مثلكم ومثل أهل الكتاب قبلكم كمثل رجل استأجر أُجراءَ فقال: من يعمل لي إلى نصف [120/أ] النهار على قيراطٍ قيراطٍ؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراطٍ قيراطٍ؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي على قيراطينِ قيراطينِ، فعملتم أنتم(5)، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقلُّ أجرًا، فقال: هل ظلمتُكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أُوتيه من أشاء»(6).--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (550) ومسلم (621) من حديث أنس رضي الله عنه.
(2) كذا في د، ت. وهو موافق لما في «صحيح مسلم». وفي ط: «بنا».
(3) رواه مسلم (624).
(4) رواه مسلم (612).
(5) «أنتم» ليست في ت.
(6) رواه البخاري (2268) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 391)
ويا لله العجب! أيُّ دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظلُّ مثلين بنوعٍ من أنواع الدلالة؟ وإنما يدلُّ على أن(1) من صلاة العصر إلى غروب الشمس أقصرُ من نصف النهار إلى وقت العصر، وهذا لا ريبَ فيه.
المثال السادس والستون(2): ردّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في المنع من تخليل الخمر، كما في «صحيح مسلم»(3) عن أنس: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر تُتَّخذ خلًّا، قال: «لا».
وفي «المسند»(4) وغيره من حديث أنس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي حِجْره يتيم، وكان عنده خمر حين حُرِّمت الخمر، فقال: يا رسول الله أصنعُها خلًّا؟ قال: «لا»، فصَبَّها حتى سال الوادي.
وقال أحمد(5): ثنا وكيع ثنا سفيان عن السدّي(6) عن أبي هريرة عن أنس: أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتامٍ ورِثُوا خمرًا، فقال: «أهرِقْها»، قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: «لا».--------------------------------------------
(1) «أن» ساقطة من ت.
(2) بياض في ت مكان العدد.
(3) رقم (1983).
(4) لم أجده في «المسند». ورواه أبو عوانة (7976) والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (3335) والبيهقي في «السنن الكبرى» (6/ 37). وفي إسناده أبو حذيفة موسى بن مسعود متكلم فيه، وللحديث طرق يصحح بها، انظر ما بعده.
(5) رواه أحمد (12189) وأبو داود (3675) والترمذي وصححه (1294).
(6) ت: «السري» تصحيف.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 392)
وروى الحاكم والبيهقي(1) من حديث أنس أيضًا قال: كان في حِجْر أبي طلحة يتامى، فاشترى لهم خمرًا، فلما أنزل الله تحريم الخمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال: أجعلُه خلًّا؟ قال: «لا»(2)، فأَهراقَه.
وفي الباب عن أبي الزبير(3) عن جابر(4)، وصحَّ ذلك عن عمر بن الخطاب(5)، ولا يُعلم له في الصحابة مخالف.
فرُدَّتْ بحديث مجمل لا يثبت، وهو ما رواه الفرج بن فَضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن أم سلمة أنها كانت لها شاة تَحلُبها(6)، ففقدَها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما فعلتْ شاتُك؟» فقلت: ماتت، قال: «أفلا انتفعتم بإهابها؟» قلت: إنها ميتة، قال: «فإن(7) [120/ب] دِباغَها يُحِلّ كما يُحِلُّ الخلُّ الخمرَ»(8).--------------------------------------------
(1) لم أجده في «المستدرك». وأخرجه أحمد (13733) والدارمي (2161) والبزار (7008) والبيهقي (6/ 37).
(2) ت: «له».
(3) ت: «أبي هريرة»، تحريف.
(4) رواه البيهقي (6/ 37)، وفي إسناده أبو جناب ضعيف ويدلس. انظر: «تهذيب الكمال» (31/ 284) ترجمة (6817).
(5) رواه عبد الرزاق (17111).
(6) في النسختين د، ت: «تحملها». والتصويب من مصادر التخريج.
(7) ت: «إن».
(8) رواه الطبراني في المعجم الأوسط (417) والدارقطني (125)، وأعله الدارقطني بتفرد الفرج بن فضالة وضعفه، ونقل البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (8/ 226) تضعيفه عن سائر أهل العلم بالحديث.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 393)
قال الحاكم(1): تفرَّد به الفرج بن فضالة عن يحيى، والفرج ممن لا يُحتجّ بحديثه، ولم يصحَّ تحليل خلّ الخمر من وجهٍ. وقد فسَّره راويه(2) الفرج فقال: يعني أن الخمر إذا تغيّرت فصارت خلًّا حلَّت. فعلى هذا التفسير الذي فسَّره راوي الحديث يرتفع الخلاف.
وقد قال الدارقطني(3): كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث عن فَرَج بن فَضالة، ويقول: حدَّث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة. وقال البخاري: الفرج بن فضالة منكر الحديث(4).
وردَّتْ بحديث واهٍ من رواية مغيرة بن زياد(5) عن أبي الزبير عن جابر يرفعه: «خيرُ خلِّكم خلُّ خمرِكم»(6). ومغيرة هذا يقال له أبو هشام المكفوف صاحب مناكير عندهم، ويقال: إنه حدث عن عطاء بن أبي رباح وأبي الزبير بجملة من المناكير، وقد حدّث عن عبادة بن نُسَي بحديث غريب موضوع(7)، فكيف يُعارَض بمثل هذه الرواية الأحاديث الصحيحة--------------------------------------------
(1) نقله البيهقي عن الحاكم، انظر «مختصر الخلافيات» (3/ 372 - 373).
(2) ت: «روايه».
(3) في «مختصر الخلافيات» (3/ 373) عزاه إلى عمرو بن علي الفلاس. وانظر: «الجرح والتعديل» (7/ 86) و «تاريخ دمشق» لابن عساكر (48/ 263).
(4) انظر هذه الأقوال في: «الجرح والتعديل» (7/ 86) و «التاريخ الكبير» (7/ 134).
(5) ت: «زيادة».
(6) رواه البيهقي (6/ 38)، ونقل عن الحاكم: «هذا حديث واهٍ، والمغيرة بن زياد صاحب مناكير». وانظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 485) و «السلسلة الضعيفة» (1199).
(7) هذا الكلام للحاكم موجود في «تاريخ دمشق» (13/ 60)، وتعقبه المزي في «تهذيب الكمال» (28/ 363) قائلًا: وفي هذا القول نظر، فإن جماعة من أهل العلم قد وثقوه كما تقدم، ولا نعلم أحدًا منهم قال إنه متروك الحديث، ولعله اشتبه عليه بغيره، فإن أصرم بن حوشب يكنى أبا هشام أيضًا، وهو من الضعفاء المتروكين، فلعله اشتبه عليه به، والله أعلم.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 394)
المحفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن تخليل الخمر؟ ولم يزل أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينكرون ذلك.
قال الحاكم(1): سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الحِيري يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: قدمتُ المدينة أيام مالك، فتقدَّمتُ إلى فامِيٍّ(2) فقلت: عندك خلُّ خمر؟ فقال: سبحان الله! في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ثم قدمتُ بعد موت مالك، فذكرت ذلك لهم، فلم ينكر عليّ.
وأما ما روي عن علي رضي الله عنه من اصطباغه بخلِّ الخمر، وعن عائشة أنه لا بأس به(3)؛ فهو خلُّ الخمر الذي تخلّلْت بنفسها لا باتخاذها.
المثال السابع والستون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة في تسبيح المصلّي إذا نابه شيء في صلاته، كما في «الصحيحين»(4) من حديث أبي--------------------------------------------
(1) رواه البيهقي في «مختصر الخلافيات» (3/ 374) عن الحاكم، ورواه أبو نعيم في الحلية (6/ 319).
(2) د: «قاض». ت: «قاص». وكلاهما تحريف. والتصويب من «حلية الأولياء» (6/ 319) و «مختصر الخلافيات» (3/ 374). والفامي: بائع الحنطة والحمّص.
(3) أثر علي عند عبد الرزاق (17107)، وأثر عائشة عند ابن أبي شيبة (24569).
(4) رواه البخاري (1203) ومسلم (422).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 395)
سلمة عن أبي هريرة [121/أ] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التسبيح في الصلاة للرجال، والتصفيق للنساء». وفي «الصحيحين»(1) أيضًا عن سهل بن سعد الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فذكر الحديث وقال في آخره: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مالي أراكم أكثرتم التصفيقَ؟ مَن نابَه شيء في صلاته فليسبِّح؛ فإنه إذا سبَّح التفتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء». وذكر البيهقي(2) من حديث إبراهيم بن طهمان عن الأعمش عن ذكوان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استُؤذِن على الرجل وهو يصلِّي فإذنه التسبيح، وإذا استُؤذِن على المرأة وهي تصلِّي فإذنها التصفيق». قال البيهقي: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات(3).
فردَّت هذه السنن بأنها معارضة لأحاديث تحريم الكلام في الصلاة، وقد تعارض مبيح وحاظر(4)، فيقدَّم الحاظر. والصواب أنه لا تعارضَ بين سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجه، وكلٌّ منها له وجه، والذي حرَّم الكلام في الصلاة ومنعَ منه هو الذي شرع(5) التسبيح المذكور، وتحريم الكلام كان قبل الهجرة، وأحاديث التسبيح بعد ذلك؛ فدعوى نسخها بأحاديث تحريم الكلام محال. ولا تعارضَ بينهما بوجهٍ ما؛ فإن «سبحان الله» ليس من الكلام الذي مُنِع منه المصلّي، بل هو مما أُمر به أمرَ إيجاب أو استحباب(6)،--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (684) ومسلم (421).
(2) في «السنن الكبرى» (2/ 247). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (497).
(3) «مختصر الخلافيات» (2/ 151).
(4) د: «حاظر ومبيح».
(5) د: «تشرع».
(6) ت: «واستحباب».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 396)
فكيف يُسوَّى بين المأمور والمحظور؟ وهل هذا إلا من أفسدِ قياسٍ واعتبار؟
المثال الثامن والستون: ردُّ السنة الثابتة في إثبات سجدات المفصَّل، والسجدة الأخيرة من سورة(1) الحج، كما روى أبو داود في «السنن»(2): حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي ثنا ابن أبي مريم أنا نافع بن يزيد عن الحارث بن سعيد العُتَقِي عن عبد الله بن مُنَين(3) عن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمسَ عشرة سجدةً في القرآن، منها ثلاثة في المفصّل، [121/ب] وفي سورة(4) الحج سجدتان».
تابعه محمد بن إسماعيل السلمي عن سعيد بن أبي مريم، وقال ابن وهب: أخبرنا ابن لهيعة عن مِشْرَح بن هَاعَان(5) عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فُضِّلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجد فيهما فلا يقرأهما»(6).--------------------------------------------
(1) «سورة» ليست في د.
(2) رقم (1401). ورواه أيضًا ابن ماجه (1057). وفي إسناده الحارث بن سعيد لا يعرف حاله، وعبد الله بن منين متكلم فيه، والحديث ضعفه عبد الحق الإشبيلي وابن القطان. انظر: «التلخيص الحبير» (2/ 18) و «ضعيف أبي داود» - الأم (2/ 72).
(3) في النسختين د، ت: «منير» تحريف. والتصويب من مصادر التخريج. وانظر: «التقريب».
(4) «سورة» ليست في ت.
(5) ت: «عاهان»، تحريف.
(6) رواه أبو داود (1402) والترمذي (578) وأحمد (17364). وفي إسناده ابن لهيعة، فإن تلميذه لم يثبت أخذه عنه قبل الاختلاط، وللشطر الأول من الحديث متابعات وشواهد تقويه. انظر: «صحيح أبي داود» - الأم (5/ 145).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 397)
وحديث ابن لهيعة يُحتجُّ منه بما رواه عنه العبادلة، كعبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئ. قال أبو زرعة: كان ابن المبارك وابن وهب يتبعان أصوله. وقال عمرو بن علي: من كتب عنه قبل احتراق كتبه مثل ابن المبارك والمقرئ أصحُّ ممن كتب عنه بعد احتراقها. وقال ابن وهب: كان ابن لهيعة صادقًا. وقد انتقى النسائي هذا الحديث من جملة حديثه، وأخرجه، واعتمده، وقال: ما أخرجتُ من حديث ابن لهيعة قطُّ إلا حديثًا واحدًا أخبرناه هلال بن العلاء ثنا معافى بن سليمان عن موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث عن ابن لهيعة، فذكره. وقال ابن وهب: حدثني الصادق البارُّ واللهِ عبد الله بن لهيعة. وقال الإمام أحمد: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه(1) وإتقانه؟ وقال ابن عيينة: كان عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة. وقال أحمد بن صالح الحافظ: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلَّابًا للعلم. وقال ابن حبان: كان صالحًا لكنه يدلِّس عن الضعفاء، ثم احترقت(2) كتبه، وكان أصحابنا(3) يقولون: سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة ابن وهب وابن المبارك والمقرئ والقعنبي فسماعهم صحيح(4).--------------------------------------------
(1) «وضبطه» ليست في ت.
(2) ت: «اخروقت» تحريف.
(3) ت: «صحابيًا» تحريف.
(4) انظر هذه الأقوال في: «الجرح والتعديل» (5/ 147) و «الضعفاء» لابن الجوزي (2/ 136) و «الكامل» لابن عدي (5/ 239) و «تاريخ ابن يونس» (1/ 282) و «المجروحين» لابن حبان (2/ 11).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 398)
وقد صح عن أبي هريرة أنه سجد مع النبي صلى الله عليه وسلم في: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الإنشقاق: 1](1)، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد [122/أ] في النجم، ذكره البخاري(2).
فرُدَّت هذه السنن برأي فاسد وحديث ضعيف:
أما الرأي فهو أن آخر الحج السجود فيها سجود الصلاة لاقترانه بالركوع، بخلاف الأولى؛ فإن السجود فيها مجرد عن ذكر الركوع، ولهذا لم يكن قوله تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] من مواضع السجدات بالاتفاق.
وأما الحديث الضعيف فإنه رواه أبو داود(3): ثنا محمد بن رافع ثنا أزهر بن القاسم ثنا أبو قدامة عن مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصّل(4) منذ تحوَّل إلى المدينة.
فأما الرأي فيدلُّ على فساده وجوه:--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (578).
(2) رواه البخاري (1067) ومسلم (576) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(3) في «السنن» (1403)، ورواه أيضًا الطبراني (11924). وفي إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد ومطر الوراق متكلم فيهما، والحديث ضعفه ابن حجر في «الفتح» (2/ 555). وانظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (2/ 75).
(4) د: «الفصل».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 399)
منها: أنه مردود بالنص.
ومنها: أن اقتران الركوع بالسجود في هذا الموضع لا يخرجه عن كونه سجودًا(1)، وقد صحّ سجوده صلى الله عليه وسلم في النجم، وقد قرن السجود فيها بالعبادة كما قرنه بالعبادة في سورة الحج، والركوع لم يزِدْه إلا تأكيدًا.
ومنها: أن أكثر السجدات المذكورة في القرآن متناولة لسجود الصلاة؛ فإن قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [الرعد: 15] يدخل فيه سجود المصلّين قطعًا، وكيف لا وهو أجلُّ السجود وأفرضه؟ وكيف لا يدخل في قوله: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 62]، وفي قوله: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]، وقد قال قبلُ: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى} [العلق: 9 - 10] ثم قال: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}، فأمره بأن(2) يفعل هذا الذي نهاه عنه عدوُّ الله، فإرادة سجود الصلاة بآية السجدة لا تمنع(3) كونها سجدة، بل تؤكِّدها وتقويها.
يوضِّحه أن مواضع السجدات في القرآن نوعان: إخبار وأمر؛ فالإخبار خبر من الله تعالى عن سجود مخلوقاته له عمومًا أو خصوصًا، فسنَّ للتالي والسامع(4)--------------------------------------------
(1) ت: «سجدة». وبعدها في ط وليست في النسخ: «كما أن اقترانه بالعبادة التي هي أعم من الركوع لا يخرجه عن كونه سجدة».
(2) ت: «أن».
(3) ت: «لا يمتنع».
(4) ت: «والمستمع».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 400)
وجوبًا أو استحبابًا أن(1) يتشبه بهم عند تلاوة السجدة أو سماعها، وآيات الأوامر بطريق [122/ب] الأولى. وهذا لا فرقَ فيه بين أمر وأمر، فكيف يكون الأمر بقوله: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} مقتضيًا للسجود دون الأمر بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77]؟ فالساجد إما متشبه بمن أُخبِر عنه، أو ممتثل لما أُمِر به، وعلى التقديرين يُسَنُّ له السجود في آخر الحج كما يُسَنُّ له في أولها؛ فكما سوَّت السنةُ بينهما سوَّى القياسُ الصحيح والاعتبار الحق بينهما. وهذا السجود شرعه الله ورسوله عبوديةً عند تلاوة هذه الآيات واستماعها، وقربةً إليه، وخضوعًا لعظمته، وتذللًا بين يديه، واقتران الركوع ببعض آياته مما يؤكّد ذلك، ويقوّيه، لا يضعفه ويُوهِيه، والله المستعان.
وأما قوله تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي} فإنما لم يكن موضع سجدة؛ لأنه خبر خاص عن قول الملائكة لامرأة بعينها أن تُدِيم العبادة لربها بالقنوت وتصلِّي له بالركوع والسجود؛ فهو خبر عن قول الملائكة لها ذلك، وإعلامٌ من الله لنا أن الملائكة قالت ذلك لمريم. فسياق ذلك غير سياق آيات السجدات.
وأما الحديث الضعيف فإنه من رواية أبي قدامة، واسمه الحارث بن(2) عبيد قال الإمام أحمد: هو مضطرب الحديث، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الأزدي: ضعيف، وقال ابن حبان: لا--------------------------------------------
(1) ت: «بأن».
(2) «الحارث بن» ساقطة من ت.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 401)
يحتجُّ به إذا انفرد(1). قلت: وقد أُنكِر عليه هذا الحديث وهو موضع الإنكار؛ فإن أبا هريرة شهد سجوده صلى الله عليه وسلم في المفصّل في: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الإنشقاق: 1] و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]. ذكره مسلم في «صحيحه»(2)، وسجد معه. حتى لو صح خبر أبي قدامة هذا لوجب تقديم خبر أبي هريرة عليه؛ لأنه مُثبِت فمعه زيادة علم، والله أعلم.
المثال التاسع والستون: [123/أ] ردُّ السنن الثابتة الصحيحة في سجود الشكر، كحديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج نحو صَدَقتِه، فخرَّ ساجدًا فأطال السجود، ثم قال: «إن جبريل أتاني وبشّرني فقال: إن الله عز وجل يقول لك: من صلَّى عليك صلّيتُ عليه، ومن سلَّم عليك سلّمتُ عليه، فسجدتُ لله شكرًا»(3).
وكحديث سعد بن أبي وقاص في سجوده صلى الله عليه وسلم شكرًا لربه لما أعطاه ثُلثَ أمته، ثم سجد ثانيةً فأعطاه الثلث الآخر، ثم ثالثةً فأعطاه الثلث الباقي(4).--------------------------------------------
(1) انظر هذه الأقوال في: «العلل» للإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (3/ 27) و «الكامل» لابن عدي (2/ 455) و «الضعفاء» للنسائي (ص 29) و «التنقيح» لابن عبد الهادي (2/ 335 - 336) و «المجروحين» لابن حبان (1/ 224).
(2) رقم (578).
(3) رواه أحمد (1664) والحاكم (1/ 550) والضياء المقدسي (926)، وفي إسناده عبد الواحد بن محمد لم يوثقه إلا ابن حبان، والاختلاف على عمرو بن أبي عمر، وللحديث طريق آخر يرتقي به إلى الحسن. انظر: «الإرواء» (2/ 228).
(4) رواه أبو داود (2775) والبيهقي (2/ 370)، وإسناده ضعيف؛ لجهالة يحيى بن الحسن بن عثمان، وشيخه الأشعث. انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (2/ 363) و «الضعيفة» (3230).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 402)
وكحديث أبي بكرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه أمر يُسَرُّ به خرَّ ساجدًا شكرًا(1) لله عز وجل، وأتاه بشيرٌ يبشِّره بظَفَر جندٍ له على عدوهم، فقام وخرَّ ساجدًا(2).
وسجد كعب بن مالك لما بُشِّر بتوبة الله عليه(3)، وسجد أبو بكر رضي الله عنه حين جاءه قتل مسيلمة(4)، وسجد علي رضي الله عنه حين وُجِد ذو الثُّدَيَّة(5) في الخوارج الذين قتلهم(6).
ولا أعلم شيئًا يدفع هذه السنن والآثار مع صحتها وكثرتها غير رأي فاسد، وهو أن نعم الله سبحانه لا تزال واصلةً إلى عبده، فلا معنى لتخصيص بعضها بالسجود.--------------------------------------------
(1) «شكرًا» ليست في ت.
(2) رواه أبو داود (2774) والترمذي (1578) وابن ماجه (1394) وأحمد (20455)، والحاكم (1/ 276). وفي إسناده بكار بن عبد العزيز متكلم فيه. وانظر: «الضعيفة» (436).
(3) رواه البخاري (4418) ومسلم (2769).
(4) رواه عبد الرزاق (5963) من طريق مسعر عن أبي عون، وإسناده منقطع. ورواه ابن أبي شيبة (33512) والبيهقي (2/ 371) من طريق مسعر عن أبي عون عن رجل، ولم يسم، والأثر ضعفه الألباني في «الإرواء» (2/ 230).
(5) د: «ذا الثدية».
(6) رواه أحمد (848)، وفي إسناده طارق بن زياد لم يوثقه إلا ابن حبان، ولكن له متابعان يحسن بهما الأثر. انظر: «الإرواء» (2/ 230).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 403)
وهذا من أفسدِ رأيٍ وأبطلِه؛ فإن النعم نوعان: مستمرة ومتجددة، فالمستمرة شكرُها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شُرِع لها سجود الشكر؛ شكرًا لله عليها، وخضوعًا له وذلًّا، في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها، وذلك من أكبر أدوائها؛ فإن الله لا يحبُّ الفَرِحين ولا الأَشِرين؛ فكان دواء هذا الداء الخضوع والذلّ والانكسار لرب العالمين، وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا المقصود ما ليس في غيره.
ونظير هذا السجودُ عند الآيات التي يخوِّف الله بها عباده، كما في الحديث: «إذا رأيتم آية(1) فاسجدوا»(2). وقد فَزِع النبي صلى الله عليه وسلم عند رؤية انكساف [123/ب] الشمس إلى الصلاة، وأمر بالفَزَع إلى ذكره(3)، ومعلوم أن آياته سبحانه لم تزل مُشاهَدةً معلومةً بالحسّ والعقل، ولكن تجدُّدها يُحدِث للنفوس من الرهبة(4) والفزع إلى الله(5) ما لا تُحدِثه الآيات المستمرة، فتجدُّد هذه النعم في اقتضائها لسجود الشكر كتجدُّد تلك الآيات في اقتضائها للفزع إلى السجود والصلاة.
ولهذا لما بلغ فقيهَ الأمة وترجمانَ القرآن عبد الله بن عباس موتُ ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم خرَّ ساجدًا، فقيل له: أتسجد لذلك؟ فقال: قال رسول--------------------------------------------
(1) «آية» ليست في ت.
(2) سيأتي تخريجه بعد حديث.
(3) تقدم تخريجه.
(4) ت: «الربنه»!
(5) ت: «الآية».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 404)
الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم آية فاسجدوا»، وأيُّ آيةٍ أعظمُ من ذهاب أزواج النبي(1) صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا؟(2) فلو لم تأتِ النصوص بالسجود عند تجدُّد النعم لكان هو محض القياس، ومقتضى عبودية الرغبة، كما أن السجود عند الآيات مقتضى عبودية الرهبة، وقد أثنى الله سبحانه(3) على الذين يسارعون في الخيرات ويدعونه رَغبًا ورهبًا.
ولهذا فرق الفقهاء بين صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء بأن(4) هذه صلاة رهبةٍ وهذه صلاة رغبةٍ، فصلوات الله وسلامه على من جاءت سنته وشريعته بأكملِ ما جاءت به شرائع الرسل وسننُهم.
المثال السبعون: ردُّ السنة الثابتة الصحيحة بجواز ركوب المرتهن للدابة المرهونة وشُربه لبنَها بنفقته عليها، كما روى البخاري في «صحيحه»(5): ثنا محمد بن مقاتل أنا عبد الله أنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرَّهن يُركَب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ يُشرَب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقةُ». وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها، ولا أصلح للراهنين منه، وما عداه ففسادٌ ظاهر؛ فإن الراهن قد يغيب [124/أ] ويتعذَّر على المرتهن مطالبته--------------------------------------------
(1) د: «رسول الله».
(2) رواه أبو داود (1197) والترمذي وحسنه (3891)، والضياء المقدسي (323)، وحسنه البغوي (1156). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (4/ 357).
(3) في سورة الأنبياء: 90.
(4) في النسختين د، ت: «فإن».
(5) رقم (2512).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 405)
بالنفقة التي تحفظ الرهن، ويشقُّ(1) عليه أو يتعذّر رفعُه إلى الحاكم وإثباتُ الرهن وإثباتُ غيبة الراهن وإثباتُ أن(2) قدر نفقته عليه هي قدر حلبه وركوبه وطلبُه منه الحكمَ له بذلك، وفي هذا من العسر والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة؛ فشرع الشارع الحكيم القيِّم بمصالح العباد للمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره وعليه نفقته، وهذا محض القياس لو لم تأتِ به السنة الصحيحة، وهو يخرج على أصلين:
أحدهما: أنه إذا أنفق على الرهن صارت النفقة دينًا على الراهن؛ لأنه واجب أدَّاه عنه، ويتعسَّر عليه الإشهاد على ذلك كلَّ وقت واستئذان الحاكم، فجوَّز له الشارع استيفاء دينه من ظَهر الرهن ودَرِّه، وهذا مصلحة محضة لهما، وهي بلا شك أولى من تعطيل منفعة ظَهْرِه وإراقة لبنه أو تركه يفسد في الحيوان ويُفسِده حيث يتعذّر الرفع إلى الحاكم، لا سيما ورَهْن الشاءِ ونحوها إنما يقع غالبًا بين أهل البوادي حيث لا حاكم، ولو(3) كان فلم يولِّ الله ولا رسوله الحاكمَ هذا الأمر.
الأصل الثاني: أن ذلك معاوضة في غَيبة أحد المعاوضين للحاجة والمصلحة الراجحة، وذلك أولى من الأخذ بالشفعة بغير رضا المشتري، لأن الضرر في ترك هذه المعاوضة أعظم من الضرر في ترك الأخذ بالشفعة. وأيضًا فإن المرتهن يريد حفظ الوثيقة لئلّا يذهب ماله، وذلك إنما يحصل ببقاء الحيوان، والطريق إلى ذلك إما النفقةُ عليه، وذلك مأذون فيه عرفًا كما--------------------------------------------
(1) د: «ويشتطّ».
(2) «أن» ليست في ت.
(3) ت: «فلو».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 406)
هو مأذون فيه شرعًا.
وقد أُجرِي العرفُ مُجرَى النطق في أكثر من مائة موضع:
منها: نقد البلد في المعاملات، وتقديم الطعام إلى الضيف، وجواز تناول اليسير مما يسقط من الناس من مأكول وغيره، والشرب من خوابي [124/ب] السيل(1) ومصانعه في الطرق، ودخول الحمّام وإن لم يعقد عقد الإجارة مع الحمَّامي لفظًا(2)، وضرب الدابة المستأجَرة إذا حَرَنَتْ في السير، وإيداعها في الخان إذا قَدِمَ بلدة أو ذهب في حاجة، ودفع الوديعة إلى من جرت العادة بدفعها(3) إليه من امرأة أو خادم أو ولد، وتوكيل الوكيل لما لا يباشِر مثلَه بنفسه، وجواز التخلّي في دار من أذن له بالدخول إلى داره والشرب من مائه والاتكاء على الوسادة المنصوبة، وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي على الطريق، وإذن المستأجر للدار لمن شاء من أصحابه وأضيافه في الدخول والمبيت والثَّواء(4) عنده والانتفاع بالدار وإن لم يتضمَّنهم عقد الإجارة لفظًا اعتمادًا على الإذن العرفي، وغَسْل القميص الذي استأجره للُّبس مدة يحتاج فيها إلى الغسل. ولو وكَّل غائبًا أو حاضرًا في بيع شيء والعرف قبض ثمنه ملك ذلك. ولو اجتاز بحرثِ غيره في الطريق ودَعَتْه الحاجة إلى التخلِّي فيه فله ذلك إذا لم يجد موضعًا سواه، إما لضيقِ الطريق أو لتتابع المارِّين فيها، فكيف بالصلاة فيه والتيمم بترابه؟--------------------------------------------
(1) د: «السبيل».
(2) ت: «لفظًا مع الحمامي».
(3) د: «بدفع الوديعة».
(4) ت: «والتبوأ».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 407)
ومنها: ما لو رأى شاة غيره(1) تموت فذبحها حفظًا لماليتها عليه كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعًا، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع من ذلك ويقول: هذا تصرُّفٌ في ملك الغير، ولم يعلم هذا اليابس أن التصرف في ملك الغير إنما حُرِّم لما فيه من الإضرار به، وتركُ التصرُّف ها هنا هو الإضرار.
ومنها: لو استأجر غلامًا فوقعت الأَكِلَةُ(2) في طَرَفه فتيقَّن أنه إن لم يقطعه سرتْ إلى نفسه فمات، جاز له قطعُه ولا ضمانَ عليه.
ومنها: لو رأى السيل يمرُّ بدار جاره فبادر ونقبَ حائطه وأخرج متاعه فحفظه عليه جاز ذلك، ولم يَضمَن نَقْبَ الحائط.
ومنها: لو قصد العدو مالَ جاره فصالحه ببعضه [125/أ] دفعًا عن بقيته(3) جاز، ولم يَضْمَن ما دفعه إليه(4).
ومنها: لو وقعت النار في دار جاره فهدم جانبًا منها على النار لئلا تَسْرِي إلى بقيتها لم يَضْمَن.
ومنها: لو باعه صُبْرةً عظيمة(5) أو حطبًا أو حجارةً ونحو ذلك جاز له أن يدخل ملكه من الدوابّ والرجال ما ينقلها به، وإن لم يأذن له في ذلك لفظًا.--------------------------------------------
(1) «غيره» ليست في د.
(2) داء في العضو يأتكل منه.
(3) د: «نفسه» تحريف.
(4) هذه الفقرة ساقطة من ت.
(5) ت: «صبرة طعام».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 408)
ومنها: لو جَدَّ(1) ثماره أو حصدَ زرعه ثم بقي من ذلك ما يُرغَب عنه عادةً جاز لغيره التقاطُه وأخذه، وإن لم يأذن فيه لفظًا.
ومنها: لو وجد هَدْيًا مُشْعَرًا منحورًا ليس عنده أحد جاز له(2) أن يقتطع ويأكل منه.
ومنها: لو أتى إلى دار رجل جاز له طَرْقُ حلقة الباب عليه، وإن كان تصرفًا(3) في بابه لم يأذن له فيه لفظًا.
ومنها: الاستناد إلى جداره(4) والاستظلال به.
ومنها: الاستمداد من مِحْبرته، وقد أنكر أحمد على من استأذنه في ذلك.
وهذا أكثر من أن نحصره، وعليه يُخرَّج حديث عروة بن الجعد البارقي حيث أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى شاتين بدينار، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بالدينار والشاة الأخرى(5)، فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظي اعتمادًا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع، ولا إشكالَ بحمد الله في هذا الحديث بوجهٍ ما، وإنما الإشكال في استشكاله؛ فإنه جارٍ على محض القواعد كما عرفته.--------------------------------------------
(1) ت: «حذ».
(2) «له» ليست في ت.
(3) ت: «تصرف».
(4) ت: «داره».
(5) رواه البخاري (3642).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 409)