الصفوف فلم يسمع البسملة، وابنُ عباس أصغرُ سنًّا منه بلا شك، وقدَّمتم عدمَ سماعه للجهر على من سمعه صريحًا، فهلّا قلتم: كان صغيرًا فلعله صلّى خلف الصف فلم يسمعه جهر(1)؟
وأعجبُ من هذا قولكم: إن أنسًا كان صغيرًا لم يحفظ تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لبيك حجًّا وعمرةً»، وقدّمتم قول ابن عمر عليه أنه أفرد الحج(2)، وأنس إذ ذاك له عشرون سنة، وابن عمر لم يستكملها وهو بِسنِّ أنس، وقوله: «أفرد الحج» مجمل، وقولُ أنس: سمعته يقول: «لبيك عمرة وحجًّا»(3) محكم مبين(4) صريح لا يحتمل غير ما يدل عليه، [102/ب] وقد قال ابن عمر: «تمتَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، وبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج»(5)، فقدَّمتم على حديث أنس ــ الصحيح الصريح المحكم الذي لم يُختلف عليه فيه ــ حديثًا(6) ليس مثلَه في الصراحة والبيان، ولم يَذكُر رواية لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختُلِف عليه فيه.
المثال الثاني والخمسون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الاكتفاء في بول الغلام الذي لم يَطْعَم بالنَّضْح دون الغسل، كما في--------------------------------------------
(1) ت: «جهرا».
(2) رواه مسلم (1231).
(3) رواه مسلم (1232). وفي ت: «حجا وعمرة».
(4) ع: «بين».
(5) رواه البخاري (1691) ومسلم (1227).
(6) ت: «حديث».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 330)
«الصحيحين»(1) عن أم قيس أنها أتت بابنٍ لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حِجْره، فبال عليه(2)، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فنضَحَه ولم يغسِلْه.
وفي «الصحيحين»(3) أيضًا عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم ويُحنِّكهم، فأُتي بصبي فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه ولم يغسله.
وفي «سنن أبي داود»(4) عن أُمامة(5) بنت الحارث قالت: كان الحسين بن علي في حِجْر النبي صلى الله عليه وسلم، فبال عليه، فقالت: الْبَسْ ثوبًا وأعطني إزارك حتى أغسِلَه، فقال: «إنما يُغسَل من بول الأنثى، ويُنضَح من بول الذكر».
وفي «المسند»(6) وغيره عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بول الغلام--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (223) ومسلم (287).
(2) ع: «على ثوبه».
(3) رواه البخاري (6355) ومسلم (286).
(4) رواه أبو داود (375) وابن ماجه (522)، وصححه ابن خزيمة (282) والحاكم (1/ 166) والبيهقي (2/ 414). انظر: «صحيح أبي داود» - الأم (2/ 221).
(5) كذا في النسخ، والصواب: «لبابة».
(6) رواه أحمد (757) وأبو داود (378) والترمذي وحسنه (610) وابن ماجه (525) وصححه ابن خزيمة (284) وابن حبان (1375) والحاكم (1/ 165 - 166) والبيهقي (2/ 415)، والضياء (496)، وقد اختلف في رفعه ووقفه وإرساله ووصله، ورجح البخاري صحته والدارقطني. انظر: «التنقيح» (1/ 130) و «الفتح» (1/ 326) و «التلخيص الحبير» (1/ 60 - 62) و «صحيح أبي داود» - الأم (2/ 225).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 331)
الرضيع يُنضَح، وبول الجارية يُغسَل». قال قتادة: هذا ما لم يطعما، فإذا طَعِما غُسِلا جميعًا. قال الحاكم أبو عبد الله(1): «هذا حديث صحيح الإسناد، فإن أبا الأسود الدؤلي صحّ سماعه عن علي». وقال الترمذي: حديث حسن.
وفي «سنن أبي داود»(2) من حديث أبي السَّمْح خادم النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُغسَل من بول الجارية، ويُرَشُّ من بول الغلام».
وفي «المسند»(3) من حديث أم كُرْز الخزاعية قالت: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بغلام فبال عليه، فأمر به فنُضِح، [103/أ] وأُتي بجارية فبالت عليه، فأمر به فغُسِل.
وعند ابن ماجه(4) عن أم كُرز أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بول الغلام يُنْضَح، وبول الجارية يُغْسَل».
وصحّ الإفتاء بذلك عن علي بن أبي طالب وأم سلمة(5)، ولم يأتِ عن--------------------------------------------
(1) في «المستدرك» (1/ 166).
(2) رواه أبو داود (376) والنسائي (304) وابن ماجه (526)، وصححه ابن خزيمة (283) والحاكم (1/ 166)، وحسّنه البخاري كما نقله ابن حجر في «التلخيص الحبير» (1/ 61).
(3) رواه أحمد (27370) ومن طريقه الطبراني (408)، وفيه انقطاع، عمرو بن شعيب لم يسمع من أم كرز، ورواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (824) من حديث عبد الله بن عمرو، وفي إسناده عبد الله بن موسى التيمي متكلم فيه. انظر: «ميزان الاعتدال» (2/ 508) و «التلخيص» (1/ 62).
(4) في «سننه» (527)، وفيه انقطاع، وقد سبق بيانه قريبًا.
(5) أثر علي رضي الله عنه رواه أبو داود (377) وأثر أم سلمة رواه أبو داود (379).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 332)
صحابي خلافهما.
فرُدَّتْ هذه السنن(1) بقياس متشابه على بول الشيخ، وبعموم لم يُرَدْ به هذا الخاصّ، وهو قوله: «إنما يُغسَل الثوب من أربعٍ: من البول والغائط والمني والدم والقيء»(2). والحديث لا يثبت؛ فإنه من رواية علي بن زيد بن جُدعان عن ثابت بن حماد. قال ابن عدي(3): «لا أعلم رواه عن علي بن زيد غير ثابت بن حماد، وأحاديثه مناكير ومعلومات(4)». ولو صحّ وجب العمل بالحديثين، ولا يُضرب أحدهما بالآخر، ويكون البول فيه مخصوصًا ببول الصبي(5)، كما خص منه بول ما يؤكل لحمه بأحاديث دون هذه في الصحة والشهرة.
المثال الثالث والخمسون: ردّ السنة الثابتة الصحيحة الصريحة(6) المحكمة في الوتر بواحدةٍ مفصولة، كما في «الصحيحين»(7) عن ابن عمر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال: «مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلَّى ركعة واحدة تُوتِر له ما قد صلى».--------------------------------------------
(1) ت: «السنة».
(2) رواه أبو يعلى (1611).
(3) في «الكامل» (2/ 302 - 303)، وبه أعله البيهقي (1/ 14).
(4) كذا في النسخ. وفي «الكامل» «مقلوبات». وفي المطبوع: «معلولات».
(5) في ع بعلامة ظ: «غير الصبي».
(6) «الصحيحة» ليست في ع. و «الصريحة» ليست في ت.
(7) رواه البخاري (990) ومسلم (749).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 333)
وفي «الصحيحين»(1) أيضًا من حديث عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلِّم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة.
وفي «صحيح مسلم»(2) عن أبي مِجْلَز قال: سألت ابن عباس عن الوتر، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ركعة من آخر الليل».
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم»(3). فإذا صلى القاعد(4) ركعتين وجب بهذا النص أن تَعدِلَ صلاة القائم ركعة، فلو لم تصح لكانت صلاة القاعد [103/ب] أتمَّ من صلاة القائم، والاعتماد(5) على الأحاديث المتقدمة.
وصحَّ الوتر بواحدةٍ مفصولة عن عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي أيوب ومعاوية بن أبي سفيان(6).
وقال الحاكم أبو عبد الله: ثنا عبد الله بن سليمان ثنا أحمد بن صالح ثنا عبد الله بن وهب عن سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن--------------------------------------------
(1) هذا اللفظ عند مسلم (736).
(2) رقم (753).
(3) بهذا اللفظ عند النسائي (1659) من حديث ابن عمرو، وأصله عند مسلم (735).
(4) ت: «القائم» خطأ.
(5) ت: «وللاعتماد».
(6) أثر عثمان عند عبد الرزاق (4653)، وأثر سعد في البخاري (6356)، وأثر ابن عمر في «الموطأ» (19)، وأثر ابن عباس ومعاوية في البخاري (3764)، وأثر أبي أيوب عند عبد الرزاق (4633).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 334)
الفضل عن الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُوتِروا بثلاثٍ تشبّهوا بالمغرب، أوتروا بخمسٍ أو سبعٍ»(1). رواه ابن حبان والحاكم في «صحيحيهما»، وقال الحاكم: رواته كلهم ثقات.
وله شاهد آخر بإسناد صحيح: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا طاهر بن عمرو بن الربيع بن طارق ثنا أبي ثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عِراك بن مالك عن أبي هريرة، فذكر مثله سواء، وزاد: «أوتروا بخمس أو سبع أو تسع أو بإحدى عشرة ركعة أو أكثر من ذلك»(2).
فردَّتْ هذه السنن(3) بحديثين باطلين وقياس فاسد:
أحدهما: «نهى عن البُتَيراء»(4) وهذا لا يُعرف له إسناد لا صحيح ولا ضعيف، وليس في شيء من كتب الحديث المعتمد عليها، ولو صحّ فالبتيراء صفة للصلاة التي قد بُتِر ركوعها وسجودها فلم يُطمَأَنَّ فيها.
الثاني: حديث يُروى عن ابن مسعود مرفوعًا: «وِتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب». وهذا الحديث وإن كان أصلح من الأول فإنه في--------------------------------------------
(1) رواه الدارقطني (1650) ووثق رواته كلهم، وابن حبان (2429) والحاكم (1/ 304). وانظر: «التلخيص الحبير» (2/ 30).
(2) رواه الحاكم (1/ 304) والبيهقي (3/ 31)، وفي إسناده طاهر بن عمرو له ذكرٌ دون جرح ولا تعديلٍ. انظر: «تاريخ مولد العلماء ووفياتهم» لابن زبر (2/ 596) و «المؤتلف والمختلف» للدارقطني (2/ 949) و «توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين (3/ 68).
(3) ت: «السنة».
(4) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 335)
«سنن الدارقطني»(1)، فهو من رواية يحيى بن زكريا. قال الدارقطني: «يقال له ابن أبي الحواجب، ضعيف، ولم يروِه عن الأعمش مرفوعًا(2) غيرُه». ورواه الثوري في [104/أ] «الجامع» وغيره عن الأعمش موقوفًا على ابن مسعود، وهو الصواب.
وأما القياس الفاسد فهو أن قالوا: رأينا المغرب وتر النهار، وصلاة الوتر(3) وتر الليل، وقد شرع الله سبحانه وتر النهار موصولًا فهكذا وتر الليل.
وقد صحَّت السنة بالفرق بين الوترين من وجوه كثيرة:
أحدها: الجمع بين الجهر والسر في وتر النهار دون وتر الليل.
الثاني: وجوب الجماعة أو مشروعيتها فيه دون وتر الليل.
الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم فعل وتر الليل على الراحلة(4) دون وتر النهار.
الرابع: أنه قال في وتر الليل إنه ركعة(5) واحدة(6) دون وتر النهار.
الخامس: أنه أوتر بتسع وسبع وخمس موصولة(7) دون وتر النهار.--------------------------------------------
(1) رقم (1653).
(2) ع: «موقوفًا» خطأ.
(3) ت، د: «المغرب». وكتب فوقها في د: كذا. وصحح في هامشها: لعله «الوتر». وهو الصواب.
(4) تقدم تخريجه.
(5) «ركعة» ليست في ت.
(6) تقدم تخريجه.
(7) أما التسع فعند مسلم (746)، وأما السبع فعند أبي داود (1342) والنسائي (1721)، وصححه ابن خزيمة (1078). وأما الخمس فعند مسلم (737). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (5/ 87).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 336)
السادس: أنه نهى عن تشبيه وتر الليل بوتر النهار كما تقدم.
السابع: أن وتر الليل اسم للركعة وحدها، ووتر النهار اسم لمجموع صلاة المغرب، كما في «صحيح مسلم»(1) من حديث ابن عمر وابن عباس أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الوتر ركعة من آخر الليل».
الثامن: أن وتر النهار فرض ووتر الليل ليس بفرض باتفاق الناس.
التاسع: أن وتر النهار يُقضى بالاتفاق، وأما وتر الليل فلم يقم على قضائه دليل؛ فإن المقصود منه قد فات، فهو كتحية المسجد ورفع اليدين في محل الرفع والقنوت إذا فات، وقد توقف الإمام أحمد في قضاء الوتر، وقال شيخنا(2): لا يقضى؛ لفوات المقصود منه بفوات وقته، قال: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجعٌ صلّى من النهار اثنتي عشرة ركعة(3)، ولم يذكر الوتر.
العاشر: أن المقصود [104/ب] من وتر الليل فِعْلُ ما تقدّمه من الأشفاع كلها وترًا، وليس المقصود منه إيتار الشفع الذي يليه خاصة. وكان الأقيس ما جاءت به السنة أن يكون ركعة مفردة توتر جميع ما قبلها، وبالله التوفيق.
المثال الرابع والخمسون: ردّ السنة الصحيحة الصريحة أنه لا يجوز--------------------------------------------
(1) رقم (753).
(2) انظر: «مجموع الفتاوى» (23/ 91، 197).
(3) رواه مسلم (746) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 337)
التنفُّل إذا أقيمت صلاة الفرض، كما في «صحيح مسلم»(1) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». وقال الإمام أحمد في روايته: «إلا التي أُقيمت»(2).
وفي «الصحيحين»(3) عن عبد الله بن مالك ابن بُحَينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا وقد أقيمت الصلاة يصلّي ركعتين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثَ به الناس(4)، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آلصبحَ أربعًا آلصبح أربعًا».
وفي «صحيح مسلم»(5) عن عبد الله بن سَرجِسَ قال: دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، فصلّى ركعتين قبل أن يصل إلى الصف، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «يا فلانُ، بأيّ صلاتَيْك اعتددتَ(6)؟ بالتي صلّيتَ وحدَك أو بالتي صلَّيت معنا؟».
وفي «الصحيحين»(7) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ برجل، فكلَّمه بشيء لا ندري ما هو، فلما انصرف أحَطْنا به نقول: ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قال لي: «يُوشِك أن يصلّي أحدكم الصبحَ أربعًا». وعند مسلم(8): «أقيمت--------------------------------------------
(1) رقم (710).
(2) «المسند» (8623)، وفي إسناده ابن لهيعة متكلم فيه.
(3) رواه البخاري (663) ومسلم (711).
(4) أي اجتمعوا حوله.
(5) رقم (712).
(6) ع: «اعددت».
(7) بل في «صحيح مسلم» (711/ 65) من حديث عبد الله بن مالك ابن بحينة رضي الله عنه. وليس عند البخاري بهذا اللفظ.
(8) رقم (711/ 66).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 338)
صلاة الصبح، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يصلّي والمؤذّن يقيم الصلاة، فقال: «أتصلِّي الصبح أربعًا؟».
وقال أبو داود الطيالسي في «مسنده»(1): ثنا أبو عامر الخزّاز عن ابن أبي مُليكة عن ابن عباس قال: كنت أصلّي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني(2) النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أتصلّي الصبح أربعًا؟». وكان عمر بن الخطاب إذا رأى رجلًا يصلّي وهو يسمع الإقامة ضربه(3).
وقال [105/أ] حماد بن سلمة: عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه أبصر رجلًا يصلّي الركعتين والمؤذّن يقيم، فحَصَبه وقال: «أتصلِّي الصبحَ أربعًا؟»(4).
فردّت هذه السنن كلّها بما رواه حجّاج بن نُصير المتروك عن عبّاد بن كثير الهالك عن ليث عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وزاد: «إلا ركعتي الصبح»(5). فهذه--------------------------------------------
(1) رقم (2859)، ورواه أيضًا أحمد (2130). وفي إسناده صالح بن رستم متكلم عليه، ولكن له شواهد من حديث ابن بحينة وأبي هريرة رضي الله عنهما، والحديث صححه ابن خزيمة (1124) وابن حبان (2469) والحاكم (1/ 307) والضياء المقدسي (100). انظر: «السلسلة الصحيحة» (2588).
(2) د، ت: «فحدثني». والمثبت عند الطيالسي.
(3) رواه عبد الرزاق (3988)، وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي متكلم فيه.
(4) رواه البيهقي (2/ 483)، ورواه عبد الرزاق (4006) عن معمر عن أيوب به. ورجاله كلهم ثقات، والإسناد صحيح.
(5) رواه البيهقي (2/ 483) وأعلّه بضعف حجَّاج وعباد.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 339)
الزيادة كاسمها زيادة في الحديث لا أصلَ لها.
فإن قيل: فقد كان أبو الدرداء يدخل المسجد والناس صفوف في صلاة الفجر فيصلّي الركعتين في ناحية المسجد، ثم يدخل مع القوم في الصلاة(1)، وكان ابن مسعود يخرج من داره لصلاة الفجر ثم يأتي الصلاة فيصلي ركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل معهم في الصلاة(2).
قيل: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله في مقابلة أبي الدرداء وابن مسعود، والسنة سالمة لا معارض لها، ومعها أصحُّ قياسٍ يكون؛ فإن وقتها يضيق بالإقامة فلم يقبل غيرها، بحيث لا يجوز لمن حضر أن يؤخّرها ويصلّيها بعد ذلك، والله الموفق.
المثال الخامس والخمسون: ردُّ السنة الصحيحة المحكمة في استحباب صلاة النساء جماعةً لا منفرداتٍ، كما في «المسند» و «السنن» من حديث عبد الرحمن بن خلّاد(3) عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذّنًا كان يؤذّن لها، وأمرها أن تؤمَّ أهلَ دارها». قال عبد الرحمن: فأنا رأيتُ مؤذّنَها شيخًا كبيرًا. وقال الوليد بن جُمَيع: حدثتني جدتي عن أم ورقة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها ــ أو أذِن لها ــ أن تؤمَّ أهلَ دارها، وكانت قد قرأت القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم(4).--------------------------------------------
(1) رواه ابن أبي شيبة (6482).
(2) رواه عبد الرزاق (4021، 4022). وفي إسناده أبو إسحاق سمع منه معمر بعد الاختلاط.
(3) «بن خلاد» ليست في ت.
(4) رواه أبو داود (592) وأحمد (27283) والبيهقي (3/ 130)، وصححه ابن خزيمة (1676). انظر: «التنقيح» لابن عبد الهادي (2/ 82) و «صحيح أبي داود» - الأم (3/ 142).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 340)
وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع ثنا سفيان عن مَيْسرة أبي حازم عن رائطة الحنفية أن عائشة [105/ب]رضي الله عنها أمَّتْ نسوة في المكتوبة، فأمَّتْهن بينهن وسطًا(1). تابعه ليث عن عطاء عن عائشة(2).
وروى الشافعي عن أم سلمة أنها أمَّتْ نساء فقامت وسطَهن(3). ولو لم يكن في المسألة(4) إلا عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «تَفْضُل صلاة الجماعة على صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة»(5) لكفى.
وروى البيهقي من حديث يحيى بن يحيى أنا ابن لهيعة عن الوليد بن أبي الوليد عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا خيرَ في جماعة النساء إلا في صلاة أو جنازة»(6). والاعتماد على ما تقدم.--------------------------------------------
(1) رواه أحمد في «العلل» برواية عبد الله (2/ 552) والدارقطني (1507) والبيهقي (3/ 131). وفي إسناده رائطة الحنفية لم يوثقها إلا العجلي في «الثقات» (2335)، وللأثر شواهد ومتابعات سيأتي بعضها. انظر: «تمام المنة» (ص 153).
(2) رواه البيهقي (1/ 131)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم متكلم فيه لكنه مُتابع بما قبله.
(3) رواه الشافعي في «مسنده» (315) ومن طريقه البيهقي (3/ 131). وفي إسناده حجيرة ذكرها ابن سعد في «الطبقات» (8/ 484) دون جرح أو تعديل، ولكنها توبعت بأم الحسن خيرة عند ابن أبي شيبة (4989).
(4) ع: «السنة».
(5) رواه البخاري (645) ومسلم (650) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(6) ذكره في «مختصر الخلافيات» (2/ 304)، ورواه أحمد (24376) والطبراني في «المعجم الأوسط» (9359)، وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه كلام.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 341)
فردّت هذه السنن بالمتشابه من قوله: «لن يُفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة»(1). وهذا إنما هو في الولاية والإمامة العظمى والقضاء، وأما الرواية والشهادة والفتيا والإمامة فلا تدخل في هذا. والعجب أن من خالف هذه السنة جوَّز للمرأة أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين، فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ولم تُفلِح أخواتها من النساء إذا أمَّتْهن؟
المثال السادس والخمسون: ردُّ السنن الصحيحة الصريحة المحكمة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي رواها عنه خمسة عشر نفسًا من الصحابة(2): أنه كان يسلِّم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»(3). منهم عبد الله بن مسعود، وسعد(4) بن أبي وقاص، وجابر بن سمرة، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، ووائل بن حُجر، وأبو مالك الأشعري، وعدي بن عَمِيْرة(5) الضَّمري، وطَلْق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو رِمْثة. والأحاديث--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (4425) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
(2) انظر: «شرح معاني الآثار» (1/ 266 - 271) و «التلخيص الحبير» (1/ 486 - 488) و «مجمع الزوائد» (2/ 145 - 147).
(3) هذا حديث عبد الله بن مسعود أخرجه أبو داود (996) والنسائي (1324) والترمذي (295) وابن ماجه (914) وأحمد (3699)، وصححه ابن خزيمة (728) وابن حبان (1993). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (4/ 150).
(4) ت: «سعيد» خطأ.
(5) في جميع النسخ: «عمرة». والمثبت هو الصواب، كما في «الإكمال» (6/ 279) و «الإصابة» (7/ 132).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 342)
بذلك ما بين صحيح وحسن، فرُدَّ ذلك بخمسة أحاديث مختلف في صحتها:
أحدها: حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان [106/أ] يسلِّم تسليمةً واحدة. رواه الترمذي(1).
والثاني: حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلِّم في آخر الصلاة تسليمة(2) واحدة: السلام عليكم(3).
الثالث: حديث عبد المهيمن بن عباس عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلِّم تسليمة واحدة لا يزيد عليها. رواه الدارقطني(4).
الرابع: حديث عطاء بن أبي ميمونة(5) عن أبيه عن الحسن عن سمرة بن جندب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلِّم واحدةً في الصلاة قِبَلَ وجهه؛ فإذا سلَّم عن يمينه سلَّم عن يساره. رواه الدارقطني(6).--------------------------------------------
(1) رقم (296)، ورواه أيضًا ابن خزيمة (729)، وفي إسناده زهير بن محمد فيه كلام. وقد اختلف في وقفه ورفعه، ورجح أبو حاتم والبزار والدارقطني الوقف. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (2/ 430) و «العلل» للدارقطني (14/ 171) و «التلخيص الحبير» (1/ 485 - 486).
(2) ع: «بتسليمة».
(3) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 266).
(4) في «سننه» (1339)، ورواه أيضًا ابن ماجه (918)، وفي إسناده عبد المهيمن، وسيأتي الكلام عليه (ص 346).
(5) ع: «عطاء بن أبي ميمون»، خطأ.
(6) في «السنن» (1338).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 343)
الخامس: حديث يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلِّم(1) مرة واحدة(2).
وهذه الأحاديث لا تقاوِم تلك ولا تقارِبها حتى تُعارَض بها.
أما حديث عائشة فحديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث(3). قال البخاري(4): زهير بن محمد من أهل الشام يُروى عنه مناكير. وقال يحيى: ضعيف. والحديث من رواية عمرو بن أبي سلمة عنه. قال الطحاوي(5): «وهو وإن كان ثقةً فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تضعف جدًّا، هكذا قال يحيى بن معين فيما حكى لي عنه غير واحد من أصحابنا منهم علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، وزعم أن فيها تخليطًا كثيرًا». قال(6): والحديث أصله موقوف على عائشة، هكذا رواه الحفّاظ.
فإن قيل(7): فإذا ثبت ذلك عن عائشة فبمن نعارضها في ذلك من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟--------------------------------------------
(1) إلى هنا انتهت نسخة ع.
(2) رواه ابن ماجه (920) والطبراني (6285) والبيهقي (2/ 179)، وفيه يحيى بن راشد، فيه كلام.
(3) ت: «أهل الحديث».
(4) في «التاريخ الكبير» (3/ 427). وانظر: «سنن الترمذي» (296). وفيهما: «زهير بن محمد، أهل الشام يروون عنه مناكير».
(5) في «شرح معاني الآثار» (1/ 270).
(6) أي الطحاوي في المصدر السابق.
(7) يتابع ابن القيم في نقل كلام الطحاوي من «شرح معاني الآثار» (1/ 270 - 271).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 344)
قيل له: بأبي بكر وعمر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسهل بن سعد الساعدي، وذكر(1) الأسانيد [106/ب] عنهم بذلك، ثم قال: فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار ومن ذكرنا معهم يسلِّمون عن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا ينكر ذلك عليهم غيرهم، على قرب عهدهم برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحِفْظهم لأفعاله، فما ينبغي لأحدٍ خلافه لو لم يكن رُوي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف وقد رُوي عنه ما يوافق فعلهم؟
وأما حديث سعد بن أبي وقّاص فحديث معلول، بل باطل، والدليل على بطلانه أن الذي رواه هكذا الدراوردي خاصة، وقد خالف في ذلك جميع من رواه عن مصعب بن ثابت كعبد الله بن المبارك ومحمد بن عمرو. ثم قد رواه إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد كما رواه الناس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلّم عن يمينه حتى يُرى بياض خدّه، وعن يساره حتى يُرى بياض خده. رواه مسلم في «صحيحه»(2)؛ فقد صح رواية سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلَّم تسليمتين ومعه من ذكرنا من الصحابة، وبان بذلك بطلانُ رواية الدراوردي.
وأما حديث عبد المهيمن بن عباس(3) بن سهل عن أبيه عن جده فقال--------------------------------------------
(1) أي الطحاوي في المصدر السابق.
(2) رقم (582).
(3) د، ت: «عياش» تصحيف.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 345)
الدارقطني(1): عبد المهيمن ليس بالقوي، وقال ابن حبان(2): بطل الاحتجاج به.
وأما حديث عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن فمن رواية رَوْح ابنه عنه. قال الإمام أحمد: «منكر الحديث»، وتركه يحيى(3).
وأما حديث يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة فقال يحيى: يحيى بن راشد ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف(4).
وقال أبو عمر بن عبد البر(5): روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلّم تسليمة واحدة من حديث سعد بن أبي وقّاص، [107/أ] ومن حديث عائشة، ومن حديث أنس، إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث؛ لأن حديث سعد أخطأ فيه الدراوردي، فرواه على غير ما رواه الناس بتسليمة واحدة، وغيرُه يروي فيه بتسليمتين(6). ثم ذكر حديثه عن مصعب بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلّم في الصلاة تسليمة واحدة. ثم قال: وهذا وهم عندهم وغلطٌ، وإنما الحديث كما رواه ابن المبارك وغيره عن مصعب بن ثابت عن--------------------------------------------
(1) «السنن» (1342).
(2) في «المجروحين» (2/ 149).
(3) انظر: «الجرح والتعديل» (3/ 497) و «المجروحين» (1/ 300) و «الضعفاء» لابن الجوزي (1/ 288).
(4) انظر: «الكامل» لابن عدي (9/ 47).
(5) في «الاستذكار» (1/ 489 - 491).
(6) ت: «تسليمتين».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 346)
إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: كان يسلّم عن يمينه وعن يساره(1). وقد روي هذا الحديث عن سعد من طريق مصعب، ثم ساق طرقه بالتسليمتين، ثم ساق من(2) طريق ابن المبارك عن مصعب عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلّم عن يمينه وعن شماله، كأني أنظر إلى صفحة خدِّه. فقال الزهري: ما سمعنا هذا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له إسماعيل بن محمد: أكلَّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعتَ؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: لا، قال: فاجعلْ هذا في النصف الذي لم تسمع(3).
قال(4): وأما حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلّم تسليمة واحدة(5)، فلم يرفعه أحد إلا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة، رواه عنه عمرو بن أبي سلمة، وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا يُحتجُّ به، وذُكر ليحيى بن معين هذا الحديث فقال: عمرو بن أبي سلمة وزهير(6) ضعيفان لا حجة فيهما.
وأما حديث أنس فلم يأتِ إلا من طريق أيوب السختياني عن أنس، ولم--------------------------------------------
(1) سيأتي تخريجه قريبًا.
(2) «من» ليست في ت.
(3) رواه ابن خزيمة (727) وابن حبان (1992) والبيهقي (2/ 178)، وهو حديث صحيح. انظر: «الإرواء» (2/ 86).
(4) أي ابن عبد البر، والكلام متصل بما قبله.
(5) تقدم تخريجه.
(6) ت: «زهير بن محمد».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 347)
يسمع أيوب من أنس عندهم شيئًا(1).
قال(2): وقد روي عن الحسن مرسلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يسلّمون تسليمة [107/ب] واحدة(3)، ذكره وكيع عن الربيع عنه، قال: والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرًا عن كابرٍ، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد، لأنه(4) لا يخفى؛ لوقوعه في كل يوم مرارًا.
قلت: هذا أصل قد نازعهم فيه الجمهور، وقالوا: عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار، لا فرقَ بين عملهم وعمل أهل الحجاز والعراق والشام؛ فمن كانت السنة معهم فهم أهل العمل المتَّبع، وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة اتباع السنة، ولا تُترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خلافها أو عمل بها غيرهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها لتُرِكت السنن وصارت تبعًا لغيرها؛ فإن عَمل بها ذلك الغير عُمِل بها وإلا فلا. والسنة هي العِيار على العمل، وليس العمل عِيارًا على السنة، ولم تُضمَن لنا العصمة قطُّ في عمل مصر من الأمصار دون سائرها، والجدران والمساكن والبقاع لا تأثير لها في ترجيح الأقوال، وإنما التأثير لأهلها وسكّانها.--------------------------------------------
(1) انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (39) و «العلل» للإمام أحمد رواية المروذي (ص 41).
(2) أي ابن عبد البر.
(3) رواه ابن أبي شيبة (3081).
(4) ت: «فإنه».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 348)
ومعلوم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وظَفِروا(1) من العلم بما لم يَظفَرْ به مَن بعدهم؛ فهم المقدَّمون في العلم على من سواهم، كما هم المقدَّمون في الفضل والدين، وعملهم هو العمل الذي لا يُخالَف، وقد انتقل أكثرهم عن المدينة، وتفرقوا في الأمصار، بل أكثر علمائهم صاروا إلى الكوفة والبصرة والشام، مثل علي بن أبي طالب وأبي موسى وعبد الله بن مسعود وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ومعاذ بن جبل، وانتقل إلى الكوفة والبصرة نحو ثلاثمائة صحابي ونيِّف، وإلى الشام ومصر نحوهم، [108/أ] فكيف يكون عمل هؤلاء معتبرًا ما داموا في المدينة، فإذا خالفوا غيرهم لم يكن عمل من خالفوه معتبرًا، فإذا فارقوا جدران المدينة كان عمل من بقي فيها هو المعتبر، ولم يكن خلاف ما انتقل عنها معتبرًا؟ هذا من(2) الممتنع.
وليس جعلُ عمل الباقين معتبرًا أولى من جَعْل عمل المفارقين معتبرًا؛ فإن الوحي انقطع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبقَ إلا كتاب الله وسنة رسوله، فمن كانت السنة معه فعمله هو العمل المعتبر حقًّا. ثم كيف تُترك السنة المعصومة لعمل غير معصوم؟
ثم يقال: أرأيتم لو استمرَّ عمل أهل مصرٍ من الأمصار التي انتقل الصحابة(3) إليها على ما أدّاه إليهم من صار إليهم من الصحابة، ما الفرق بينه--------------------------------------------
(1) ت: «فظفروا».
(2) «من» ليست في د.
(3) ت: «من الصحابة».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 349)