والمخالفة.
ثم يقال: إذا خصصتم عمومَ قوله: «فيما سَقَتِ السماء العشْرُ» بالقَصَب والحشيش ولا ذكْرَ لهما في النص فهلّا خصصتموه بقوله: «لا زكاةَ في حبٍّ ولا ثَمَرٍ حتى يبلغ خمسةَ أوسُقٍ»(1)؟ وإذا كنتم تخصّون العموم بالقياس فهلّا خصصتم هذا العام بالقياس الجلي الذي هو من أجلى القياس وأصحِّه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة(2)؟ فإن الزكاة الخاصة لم يشرعها الله في مال إلا وجعل له نصابًا كالمواشي والذهب والفضة.
ويقال أيضًا: هلَّا أوجبتم الزكاة في قليل كل مال وكثيرِه عملًا بقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]، وبقوله صلى الله عليه وسلم: [89/ب] «ما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ لا يؤدِّي زكاتها إلا بُطِحَ لها يوم القيامة بقَاعٍ قَرْقَرٍ»(3)، وبقوله: «ما من صاحب ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدِّي زكاتَها إلا صُفِّحَتْ له يومَ القيامة صَفائحُ من نارٍ»(4). وهلَّا كان هذا العموم عندكم مقدّمًا على أحاديث النُّصُب الخاصة؟ وهلَّا قلتم: هناك تعارضُ مُسقِطٍ(5) ومُوجِبٍ فقدمنا(6) الموجب احتياطًا؟ وهذا في غاية الوضوح، وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (979) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2) ت: «الزكاة فيه».
(3) رواه مسلم (987) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وبُطح أي أُلقي على وجهه. والقاع القرقر: المستوي الواسع من الأرض.
(4) رواه مسلم ضمن الحديث السابق.
(5) ت: «سقط».
(6) ت: «فقد قدمنا».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 290)
المثال الثامن والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز النكاح بما قلَّ من المهر ولو خاتمًا من حديد(1)، مع موافقتها لعموم القرآن في قوله: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24]، وللقياس في جواز التراضي(2) بالمعاوضة على القليل والكثير، بأثرٍ لا يثبت وقياسٍ(3) من أفسد القياس على قطع يد السارق، وأين النكاح من اللصوصية؟ وأين استباحة الفرج به إلى قطع اليد في السرقة؟ وقد تقدَّم مرارًا أن أصحَّ الناس قياسًا(4) أهلُ الحديث، وكلَّما كان الرجل إلى الحديث أقربَ كان قياسه أصحَّ، وكلّما كان عن الحديث أبعدَ كان قياسه أفسدَ.
المثال التاسع والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فيمن أسلم وتحته أختان أنه يخيَّر في إمساك من شاء منهما وتَرْكِ الأخرى، بأنه خلاف الأصول، وقالوا: قياس الأصول يقتضي أنه إن نكح(5) واحدة بعد واحدة فنكاح الثانية هو المردود، ونكاح الأولى هو الصحيح من غير تخيير، وإن نكحهما معًا فنكاحهما باطل، ولا تخييرَ، وكذلك حديث من أسلم على عَشْرِ نسوة، وربما أوَّلوا التخيير بتخييره في ابتداء العقد على من شاء من المنكوحات. ولفظ الحديث يأبى هذا التأويل أشدَّ الإباء؛ فإنه قال: «أمسِكْ أربعًا وفارِقْ سائرهن»، رواه [90/أ] معمر عن الزهري عن سالم عن--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (5029) ومسلم (1425) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما.
(2) ع: «الرضا».
(3) ع: «وبقياس».
(4) ع: «أصح القياس قياس».
(5) ت: «يقتضي أن ينكح».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 291)
أبيه أن غيلان أسلم فذكره(1).
قال مسلم(2): هكذا روى معمر هذا الحديث بالبصرة، فإن رواه عنه ثقة خارج البصريين حكمنا له بالصحة، أو قال: صار الحديث حديثًا وإلا فالإرسال أولى.
قال البيهقي(3): فوجدنا سفيان بن سعيد الثوري وعبد الرحمن بن محمد المحاربي وعيسى بن يونس ــ وثلاثتهم كوفيون ــ حدّثوا به عن معمر متصلًا، وهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير وهو يماني(4) وعن الفضل بن موسى وهو خراساني عن معمر متصلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فصح الحديث بذلك. وقد روي عن أيوب السختياني عن نافع وسالم عن ابن عمر متصلًا. قال أبو علي الحافظ: تفرد به سوار(5) بن مُجشِّر عن أيوب، وسوار بصري ثقة، قال--------------------------------------------
(1) رواه الترمذي (1128) وابن ماجه (1953) وأحمد (4609)، ووهَّم جمع من الحفاظ معمرًا فيه ورجحوا الإرسال ومنهم البخاري، نقل ذلك عنه الترمذي في «السنن» (1128) وفي «العلل الكبير» (ص 164)، ورجّح الحاكم الوصل (2/ 193) حيث قال: معمر بن راشد حدث به على الوجهين أرسله مرة، ووصله مرة، والدليل عليه أن الذين وصّلوه عنه من أهل البصرة، فقد أرسلوه أيضًا، والوصل أولى من الإرسال. والحديث صحيح بالمتابعات. انظر: «الإرواء» (6/ 291).
(2) رواه عنه البيهقي في «السنن الكبرى» (7/ 182)، وذكره أيضًا في «مختصر الخلافيات» (4/ 145).
(3) في «مختصر الخلافيات» (4/ 145 - 146).
(4) د: «يمامي».
(5) كذا في النسخ، والصواب: «سرَّار» كما في «السنن الكبرى» (7/ 183) و «التقريب» (2228) وغيرهما.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 292)
الحاكم: رواة هذا الحديث كلهم ثقات تقوم الحجة بروايتهم. وقد روى أبو داود(1) عن فيروز الديلمي قال: قلت: يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان، قال: «طلِّقْ أيتَهما(2) شئت».
فهذان الحديثان هما الأصول التي(3) يُرَدُّ ما خالفها من القياس، أما أن نقعِّد(4) قاعدة ونقول هذا هو الأصل ثم نردّ(5) السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة، فلَعَمْر الله لهدْمُ ألفِ قاعدة لم يؤصِّلها الله ورسوله أفرضُ علينا من ردِّ حديث واحد. وهذه القاعدة معلومة البطلان من الدين؛ فإن أنكحة الكفّار لم يتعرّض لها النبي صلى الله عليه وسلم كيف وقعتْ، وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإسلام فتصح أم لم تصادفها فتبطل، وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج؛ فإن كان(6) ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرَّهما، ولو كان في الجاهلية قد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك، وإن لم يكن الآن ممن يجوز [90/ب] له الاستمرار لم يُقِرَّ عليه، كما لو أسلم وتحته ذاتُ رحمٍ محرمٍ أو أختان أو أكثر من أربع؛ فهذا هو الأصل الذي أصَّلَتْه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما خالفه فلا يُلتفت إليه، والله الموفق.--------------------------------------------
(1) في «السنن» (2243).
(2) ت: «أيهما».
(3) ع: «الأصل الذي».
(4) د: «يقعد».
(5) د: «يرد».
(6) «كان» ساقطة من ع.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 293)
المثال الأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يُفرِّق بين من أسلم وبين امرأته إذا لم تُسْلِم معه، بل متى أسلم الآخر فالنكاح بحاله ما لم تتزوَّج. هذه سنته المعلومة.
قال الشافعي(1):أسلم أبو سفيان بن حرب بمَرِّ الظهران، وهي دار خزاعة، وخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام، ورجع إلى مكة، وهند بنت عتبة مقيمة على غير الإسلام، فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضالَّ(2)، ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة، وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام، وأبو سفيان بها مسلم وهند كافرة، ثم أسلمت قبل انقضاء العدة واستقرَّا على النكاح؛ لأن عدتها لم تنقضِ حتى أسلمت، وكان كذلك(3) حكيم بن حزام وإسلامه(4). وأسلمت امرأة صفوان بن أمية وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت دارهما دارَ الإسلام وظهر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حرب، وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب، ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام، وشهد حنينًا وهو كافر، ثم أسلم، فاستقرت عنده امرأته(5) بالنكاح الأول، وذلك أنه لم تنقضِ ــ يعني ــ عدّتها(6). وقد حفظ أهل العلم--------------------------------------------
(1) في «الأم» (6/ 394 - 396).
(2) رواه الطبراني (7264) ومن طريقه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (144)، وإسناده حسن.
(3) ت: «وكذلك كان».
(4) «وإسلامه» ليست في ت.
(5) ت: «امرأته عنده».
(6) انظر: «موطأ مالك» (2/ 543 - 545) وهي مراسيل وبلاغات، والشهرة تقضي على ذلك؛ لكونه معروفًا عند أهل المغازي كابرًا عن كابرٍ. قال الشافعي في «الأم»: ما وصفتُ لك من أمر أبي سفيان وحكيم بن حزام وأزواجهما، وأمر صفوان وعكرمة وأزواجهما أمر معروف عند أهل العلم بالمغازي. وروى البيهقي في «السنن الكبرى» (7/ 186) عن الشافعي أنه قال: أخبرنا جماعة من أهل العلم من قريش وأهل المغازى وغيرهم عن عدد قبلهم ....
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 294)
بالمغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجلٍ بمكة فأسلمتْ وهاجرت إلى المدينة، فقدِمَ زوجها وهي في العدة، فاستقرَّا [91/أ] على النكاح.
قال الزهري(1): لم يبلغني أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرَّقت هجرتُها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدَمَ زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدتها، وإنه لم يبلغنا أن امرأة فرّق بينها وبين زوجها إذا قدِمَ وهي في عدتها.
وفي «صحيح البخاري»(2) عن ابن عباس قال: كان المشركون على منزلتين من النبي صلى الله عليه وسلم: أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، وأهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه(3)؛ فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تُخطَبْ حتى تحيض وتطهر، فإذا طهُرتْ حلَّ لها النكاح، فإن هاجر زوجُها(4) قبل أن--------------------------------------------
(1) رواه مالك (2/ 544) دون قوله: «وإنه لم يبلغنا … »، ومن طريقه البيهقي بهذه الزيادة (7/ 187). قال ابن عبد البر في «التمهيد» (12/ 19): هذا الحديث لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير، وابن شهاب إمام أهل السير … وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.
(2) رقم (5286).
(3) «وأهل عهد … يقاتلونه» ساقطة من ع.
(4) «زوجها» ليست في د، ع. وهي ثابتة في ت والبخاري.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 295)
تنكح رُدَّت إليه.
وفي «سنن أبي داود»(1) عن ابن عباس قال: ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يُحدِث شيئًا بعد ستّ سنين. وفي لفظٍ لأحمد: «ولم يُحدِث شهادةً ولا صداقًا». وعند الترمذي: «ولم يُحدِث نكاحًا». قال الترمذي: هذا حديث ليس بإسناده بأس، وقد روي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّها على أبي العاص بنكاح جديد(2).
قال الترمذي: «في إسناده مقال». وقال الإمام أحمد: «هذا حديث ضعيف، والصحيح أنه أقرَّهما على النكاح الأول». وقال الدارقطني: «هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّها(3) بالنكاح الأول». وقال الترمذي في كتاب «العلل» له: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: «حديث ابن عباس في هذا الباب أصحُّ من حديث عمرو بن شعيب»(4).--------------------------------------------
(1) رقم (2240). ورواه أيضًا الترمذي (1143) وأحمد (1876)، وصححه أحمد تحت رقم (6938)، وصححه أيضًا ابن حبان (4159) والحاكم (3/ 638) والضياء المقدسي (362). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (7/ 10) و «الإرواء» (6/ 339).
(2) رواه الترمذي (1142) وقال: «في إسناده مقال»، وابن ماجه (2010) وأحمد (6938) وضعَّفه، والدارقطني (3625). وانظر: «الإرواء» (6/ 341).
(3) «ردّها» ساقطة من ت.
(4) انظر أحكام هؤلاء الأئمة في: «سنن الترمذي» (1142) و «مسند أحمد» (6938) و «سنن الدارقطني» (3625) و «العلل الكبير» (ص 166).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 296)
فكيف يُجعَل هذا الحديث الضعيف أصلًا تُردُّ به السنة الصحيحة المعلومة ويُجعل خلاف الأصول؟
فإن قيل: إنما(1) جعلناها خلاف الأصول لقوله [91/ب] تعالى: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10]، وقوله: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221]، ولقوله: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10]، ولأن اختلاف الدين مانع من ابتداء النكاح؛ فكان مانعًا من دوامه كالرضاع.
قيل: لا تخالف السنة شيئًا من هذه الأصول إلا هذا القياس الفاسد؛ فإن هذه الأصول إنما دلّت على تحريم نكاح الكافر والكافرة غير الكتابيينِ، وهذا حق لا خلاف(2) فيه بين الأمة، ولكن أين في هذه الأصول ما يوجب تعجيل الفرقة بالإسلام وأن لا تتوقف على انقضاء العدة؟ ومعلوم أن افتراقهما في الدين سبب لافتراقهما في النكاح، ولكن توقُّف السبب على وجود شرطه وانتفاء مانعه لا يخرجه عن السببية، فإذا وُجد الشرط وانتفى المانع عَمِلَ عمله واقتصَّ أثره. والقرآن إنما دلّ على السببية، والسنة دلّت على شرط السبب ومانعه كسائر الأسباب التي فصّلت السنة شروطها وموانعها، كقوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، وقوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]، وقوله: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا--------------------------------------------
(1) ع: «اننا».
(2) ع: «اختلاف».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 297)
غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، وقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، ونظائر ذلك؛ فلا يجوز أن يُجعل بيان الشروط والموانع معارضةً لبيان الأسباب والموجبات فتعود السنة كلها أو أكثرها معارضة للقرآن، وهذا محال.
المثال الحادي والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه(1)، بأنها خلاف الأصول وهي تحريم الميتة، [92/أ] فيقال: الذي جاء على لسانه تحريم الميتة هو الذي أباح الأجنَّة المذكورة؛ فلو قُدِّر أنها ميتة لكان استثناؤها بمنزلة استثناء السمك والجراد من الميتة، فكيف وليست بميتة؟ فإنها جزء من أجزاء الأم، والذكاة قد أتت على جميع أجزائها، فلا يحتاج أن يفرد كل جزء منها بذكاة، والجنين تابع للأم جزء منها؛ فهذا هو مقتضى الأصول الصحيحة لو لم تَرِد السنة بالإباحة، فكيف وقد وردت بالإباحة الموافقة للقياس والأصول؟
فإن قيل: فالحديث حجة عليكم؛ فإنه قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، والمراد التشبيه، أي ذكاته كذكاة أمه، وهذا يدلُّ(2) على أنه لا يباح إلا بذكاةٍ تُشبِه ذكاة الأم.--------------------------------------------
(1) ورد فيه عدة أحاديث، منها ما أخرجه أحمد (11260) وأبو داود (2827) والترمذي (1476) من حديث أبي سعيد الخدري، وفي إسناده مجالد بن سعيد، ولكن تابعه يونس بن أبي إسحاق عند أحمد (11343)، وهو ثقة. وحسَّنه الترمذي، وصححه ابن حبان (5889)، والحديث صحيح. انظر: «إرواء الغليل» (8/ 172).
(2) ع: «دليل».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 298)
قيل: هذا السؤال شقيقُ قولِ القائل كلمةً تكفي العاقلَ، ولو تأملتم الحديث لم تستحسنوا إيراد هذا السؤال؛ فإن لفظ الحديث هكذا: عن أبي سعيد قال(1): قلنا: يا رسول الله، ننحرُ الناقة ونذبحُ البقرة والشاة وفي بطنها الجنين أنلقيه(2) أم نأكله؟ قال: «كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمّه». فأباح لهم أكلَه معلّلًا بأن ذكاة الأم ذكاة له؛ فقد اتفق النص والأصل والقياس، ولله الحمد.
المثال الثاني والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في إشعار الهدي(3)، بأنها خلاف الأصول؛ إذ الإشعار مثلة، ولعمرُ الله إن هذه السنة خلاف الأصول الباطلة، وما ضرَّها ذلك شيئًا، والمثلة المحرَّمة هي العدوان الذي لا يكون عقوبة ولا تعظيمًا لشعائر الله؛ فأما شقُّ صفحة(4) سَنام البعير المستحبّ أو الواجب ذبحُه ليسيل دمه قليلًا فيظهر شعار الإسلام، وإقامة هذه السنة التي هي من أحب الأشياء إلى الله= فعلى وفق الأصول، وأيُّ كتاب أو سنة(5) حرَّم ذلك حتى يكون خلافًا للأصول؟ وقياس الإشعار [92/ب] على المثلة المحرمة من أفسد قياس(6) على وجه الأرض؛ فإنه قياس ما يحبه الله ويرضاه على ما يبغضه ويسخطه وينهى(7)--------------------------------------------
(1) «قال» ليست في ت.
(2) د، ت: «أنلقه».
(3) رواه البخاري (1698) ومسلم (1321) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4) «صفحة» ليست في ع.
(5) د: «وأي سنة».
(6) ت: «القياس».
(7) ت: «ونهى».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 299)
عنه، ولو لم يكن في حكمة الإشعار إلا تعظيم شعائر الله وإظهارها وعِلْم(1) الناس بأن هذه قرابين الله عز وجل تُساق إلى بيته، تُذبح له ويُتقرب بها إليه عند بيته كما يُتقرب إليه بالصلاة إلى بيته، عكس ما عليه أعداؤه المشركون الذين يذبحون لأربابهم ويصلّون لها؛ فشُرِع لأوليائه وأهل توحيده أن يكون نُسكهم وصلاتهم لله وحده، وأن يُظهِروا شعائر توحيده غاية الإظهار ليعلو دينه على كل دين؛ فهذه هي(2) الأصول الصحيحة(3) التي جاءت السنة بالإشعار على وَفْقها، ولله الحمد.
المثال الثالث والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن امرأً اطَّلعَ عليك بغير إذنٍ فخذفتَه بحصاة ففقأتَ عينَه ما كان عليك جناح». متفق عليه(4)، وفي أفراد مسلم(5): «من اطَّلعَ في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يَفْقَؤوا عينَه». وفي «الصحيحين»(6) من حديث سهل بن سعد: اطَّلع رجل من جُحرٍ في حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه مِدْرًى يَحُكُّ بها رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنتُ به في عينك، إنما جُعِل الاستئذان من أجْلِ النظر».--------------------------------------------
(1) في هامش ع: «اعلام».
(2) «هي» ليست في ت.
(3) «الصحيحة» ليست في ع.
(4) رواه البخاري (6902) ومسلم (2158/ 44) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) برقم (2158/ 43).
(6) رواه البخاري (6241) ومسلم (2156).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 300)
وفي «صحيح مسلم»(1) عن أنس: أن رجلًا اطَّلعَ من بعض حجر رسول الله(2) صلى الله عليه وسلم، فقام إليه بمِشْقَصٍ أو بمشاقص، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يَخْتِلُه ليطعنَه.
وفي «سنن البيهقي»(3) بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اطَّلعَ على قوم بغير إذنهم فرمَوه فأصابوا عينه فلا ديةَ له [93/أ] ولا قصاصَ».
فرُدَّت هذه السنن بأنها خلاف الأصول؛ فإنّ الله إنما أباح قَلْعَ العين بالعين، لا بجناية النظر، ولهذا لو جنى عليه بلسانه لم يقطع، ولو استمع عليه بأُذُنه لم يجز له أن يقطع أذنه.
فيقال: بل هذه السنن من أعظم الأصول؛ فما خالفها فهو خلاف الأصول. وقولكم: إنما شرع الله سبحانه أخْذَ العين بالعين، فهذا حق في القصاص، وأما العضو الجاني المتعدّي الذي لا يمكن دفعُ ضرره وعدوانه إلا برميه، فإن الآية لا تتناوله(4) نفيًا ولا إثباتًا، والسنة جاءت ببيان حكمه بيانًا ابتدائيًّا لِما سكت عنه القرآن، لا مخالفًا لما حكم به القرآن، وهذا قسم آخر غير فَقْء العين قصاصًا، وغير دفع الصائل الذي يُدفع بالأسهل فالأسهل؛ إذ المقصود دفع ضررِ صِياله، فإذا اندفع بالعصا لم يدفع بالسيف.--------------------------------------------
(1) رقم (2157)، ورواه البخاري (6242) أيضًا.
(2) د: «النبي».
(3) (8/ 338)، ورواه أيضًا النسائي (4860) وأحمد (8997)، وصححه ابن حبان (6004).
(4) ت: «لا تتناول له».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 301)
وأما هذا المتعدي بالنظر المحرّم الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإنه إنما يقع على وجه الاختفاء والخَتْل؛ فهو قسم آخر غير الجاني وغير الصائل الذي لم(1) يتحقّق عدوانه(2)، ولا يقع هذا غالبًا إلا على وجه الاختفاء وعدم مشاهدة غير الناظر له؛ فلو كُلِّف المنظور إليه إقامةَ البينة على جنايته تعذَّرت عليه، ولو أمر بدفعه بالأسهل فالأسهل ذهبت جناية عدوانه(3) بالنظر إليه وإلى حريمه هدرًا، والشريعة الكاملة تأبى هذا وهذا؛ فكان أحسنُ ما يمكن وأصلحه وأكفُّه لنار الجاني(4) ما جاءت به السنة التي لا معارضَ لها ولا دافعَ لصحتها من حذف(5) ما هنالك، وإن لم يكن هناك بصرٌ عادٍ لم يضرَّ(6) حَذْف الحصاة، وإن كان هناك بصرٌ عادٍ لا يلومَنَّ إلا نفسه(7)؛ فهو الذي عرَّضه صاحبه للتلف، فأدناه إلى الهلاك، والحاذف(8) ليس بظالم [93/ب] له، والناظر خائن ظالم، والشريعة أكمل وأجلُّ من أن تُضيع(9)
حقَّ هذا الذي قد هُتِكَتْ حرمته وتُحِيله في(10) الانتصار على التعزير بعد إقامة--------------------------------------------
(1) «لم» ساقطة من ع.
(2) د: «عداوته».
(3) د: «عداوته».
(4) ع: «لثار الجاني». وفي المطبوع: «وأكفه لنا وللجاني». والمثبت من د.
(5) كذا في النسخ بالحاء، وهو صحيح بها وبالخاء في اللغة بمعنى الرمي.
(6) ع: «لم يجز».
(7) ت: «لا يكون إلا من نفسه».
(8) د: «والخاذف».
(9) ت: «تضع» ..
(10) ت: «على».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 302)
البينة؛ فحكم الله فيه بما شرعه على لسان رسوله {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
المثال الرابع والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع الجوائح، بأنها خلاف الأصول، كما في «صحيح مسلم»(1) عن جابر يرفعه: «لو بعتَ من أخيك ثمرًا فأصابتْه جائحةٌ فلا يَحِلُّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ(2) تأخذُ مال أخيك بغير حق؟». وروى سفيان بن عيينة عن حُميد عن سليمان عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح(3). فقالوا: هذه خلاف الأصول؛ فإن المشتري قد ملك الثمرة وملك التصرف فيها، وتَمَّ نقلُ الملك إليه، ولو ربح فيها كان(4) الربح له، فكيف تكون من ضمان البائع؟ وفي «صحيح مسلم»(5) عن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمارٍ ابتاعها، فكثُر دَينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدَّقوا عليه»، فتصدّقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك». وروى مالك(6) عن--------------------------------------------
(1) رقم (1554).
(2) ت: «ثم».
(3) رواه أبو داود (3374) وأحمد (14320)، وروى مسلم الشطر الأول منه برقم (1436) والشطر الثاني برقم (1554).
(4) ع: «لكان».
(5) رقم (1556).
(6) في «الموطأ» (2/ 621)، ومن طريقه الشافعي في «الأم» (4/ 117) عن عمرة مرسلاً، ووصله أحمد (24405)، وصححه ابن حبان (5032) من حديث عائشة رضي الله عنها، وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني الوصل في «علله» (14/ 423).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 303)
أبي الرِّجال عن أمه عَمْرة أنه سمعها(1) تقول: ابتاع رجل ثمرَ حائطٍ في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعالجَه وأقام عليه حتى تبيَّن له النقصان، فسأل ربَّ الحائط أن يضعَ عنه، فحلف لا يفعل، فذهبتْ أمُّ المشتري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرتْ له ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تألَّى أن لا يفعلَ خيرًا»، فسمع بذلك ربُّ المال، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم[94/أ] فقال: يا رسول الله، هو له.
والجواب(2) أن وضع الجوائح لا يخالف شيئًا من الأصول الصحيحة، بل هو مقتضى أصول الشريعة، ونحن نبيِّن بحمد الله هذا بمقامين(3):
أما الأول فحديث وضع الجوائح لا يخالف كتابًا ولا سنةً ولا إجماعًا، وهو أصلٌ بنفسه؛ فيجب قبوله، وأما ما ذكرتم من القياس فيكفي في فساده شهادة النصّ له بالإهدار، كيف وهو فاسد في نفسه؟
وهذا يتبيّن بالمقام الثاني، وهو أن وضع الجوائح كما هو موافق للسنة الصحيحة الصريحة فهو مقتضى القياس(4) الصحيح؛ فإن المشتري لم يتسلَّم الثمرة ولم يقبضها القبضَ التامَّ الذي يوجب نقلَ الضمان إليه؛ فإن قبضَ كل شيء بحسبه، وقبضُ الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها شيئًا فشيئًا، فهو كقبض المنافع في الإجارة، وتسليمُ الشجرة إليه كتسليم العين المُؤْجَرة من الأرض والعقار والحيوان، وعُلَقُ البائع لم تنقطع عن المبيع، فإن له سقْيَ الأصل وتعاهُدَه، كما لم تنقطع عُلَقُ المُؤجِر عن العين--------------------------------------------
(1) ع: «أنها سمعتها»، خطأ ..
(2) ت: «فالجواب».
(3) ت: «هذين المقامين».
(4) ع: «مقتض للقياس».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 304)
المستأجرة، والمشتري لم يتسلَّم التسلُّم التام كما لم يتسلم المستأجر التسلُّم التام، فإذا جاء أمر غالب اجتاح الثمرة من غير تفريطٍ من المشتري لم يحلَّ للبائع إلزامُه بثمن ما أتلفه الله سبحانه منها قبل تمكُّنه من قبضها القبضَ المعتاد.
وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيتَ إن منعَ الله الثمرة؟ فبِمَ يأخذ أحدكم مالَ أخيه بغير حق؟»(1)، فذكر الحكم وهو قوله: «فلا يحلُّ له أن يأخذ(2) منه شيئًا»، وعلة الحكم وهو قوله: «أرأيتَ إن منع الله الثمرةَ» إلى آخره. وهذا الحكم نصٌّ لا يحتمل التأويل، والتعليل وصف مناسب لا يقبل الإلغاء ولا المعارضة. وقياس الأصول لا يقتضي غير ذلك، ولهذا لو تمكَّن من القبض المعتاد [94/ب] في وقته ثم أخَّره لتفريطٍ منه أو لانتظارِ غلاء السعر كان التلف من ضمانه، ولم تُوضَع عنه الجائحة.
وأما معارضة هذه السنة بحديث الذي أُصيب في ثمار ابتاعها فمن باب ردِّ المحكم بالمتشابه؛ فإنه ليس فيه أنه أصيب فيها بجائحة، بل لعله أصيب فيها بانحطاط سعرها. وإن قُدِّر أن المصيبة كانت بجائحةٍ فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة، بل لعلها جائحة خاصة كسرقة اللصوص التي يمكن(3) الاحتراز منها، ومثل هذا لا يكون جائحة تُسقِط الثمن عن المشتري، بخلاف نهب الجيوش والتلف بآفة سماوية. وإن قُدِّر أن الجائحة عامة فليس في الحديث ما يبيِّن أن التلف لم يكن بتفريطه في التأخير، ولو--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) ع: «لك أن تأخذ».
(3) ت: «لا يمكن».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 305)
قُدِّر أن التلف لم يكن بتفريطه فليس فيه أنه طلب الفسخ وأن توضع عنه الجائحة، بل لعله رضي بالمبيع ولم يطلب الوضع، والحق في ذلك له: إن شاء طلبه، وإن شاء تركه. فأين في الحديث أنه طلب ذلك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم منَعَه منه؟ ولا يتمُّ الدليل إلا بثبوت المقدمتين، فكيف يُعارَض نصُّ قوله الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير معنى واحد وهو نصٌّ فيه بهذا الحديث المتشابه؟ ثم قوله فيه: «ليس لكم إلا ذلك» دليل على أنه لم يبقَ لبائعي الثمار من ذمة المشتري غيرُ ما أخذه(1)، وعندكم المال كله في ذمته؛ فالحديث حجة عليكم.
وأما المعارضة بحديث مالك فمن أبطل المعارضات وأفسدِها، فأين فيه أنه أصابته جائحة بوجهٍ ما؟ وإنما فيه أنه عالجه وأقام عليه حتى تبيَّن له النقصان، ومثل هذا لا يكون سببًا لوضع الثمن، وبالله التوفيق.
المثال الخامس والأربعون: [95/أ] ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الإعادة على من صلّى خلف الصف وحده، كما في «المسند» بإسناد صحيح و «صحيحي ابن حبان وابن خزيمة» عن علي بن شيبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلِّي خلفَ الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال له: «استقبلْ صلاتَك، فلا صلاةَ لفردٍ خلفَ الصفّ»(2).--------------------------------------------
(1) ع: «أخذوه».
(2) رواه أحمد (16297) وابن ماجه (1003)، وصححه ابن خزيمة (1569) وابن حبان (2202). قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حديث ملازم بن عمرو ــ يعني هذا الحديث ــ في هذا أيضًا حسنٌ؟ قال: نعم. انظر: «المغني» (3/ 155) و «الإرواء» (2/ 329).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 306)
وفي «السنن» و «صحيح ابن حبان وابن خزيمة» عن وابصة بن معبد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلّي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد صلاته(1).
وفي «مسند الإمام أحمد»(2): سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل صلَّى وحدَه خلف الصف(3) قال: «يعيد صلاته».
فردَّت هذه السنن المحكمة بأنها خلاف الأصول، ولعمر الله إنها هي محض الأصول، وما خالفها فهو خلاف الأصول، وردَّت بالمتشابه من حديث ابن عباس حيث أحرم عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فأداره إلى يمينه، ولم يأمره باستقبال الصلاة(4).
وهذا من أفسد الردّ؛ فإنه لا يشترط أن تكون تكبيرة الإحرام من المأمومين في حال واحد(5)، بل لو كبَّر أحدهم وحده ثم كبَّر الآخر بعده صحت القدوة ولم يكن السابق فذًّا وإن أحرم وحده، فالاعتبار بالمُصافَّة فيما تدرك به الركعة وهو الركوع. وأفسدُ من هذا الردّ ردُّ الحديث بأن الإمام يقف فذًّا، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلُّ وأعظمُ في صدور أهلها أن تُعارَض بهذا--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (682) والترمذي وحسنه (230، 231) ، ورواه ابن ماجه (1004) وأحمد (18000) ، وذكره ابن خزيمة بدون إسناد (1569)، وصححه ابن حبان (2198). وانظر: «الإرواء» (2/ 323).
(2) رقم (18004).
(3) ت، ع: «خلف الصف وحده».
(4) رواه البخاري (117) ومسلم (763).
(5) د: «واحدة».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 307)
وأمثاله. وأقبحُ من هذه المعارضة معارضتها بأن المرأة تقف خلف الصف وحدها؛ فإن هذا هو موقفها المشروع بل الواجب، كما أن موقف الإمام المشروع أن يكون وحده أمام الصف. وأما موقف الفذّ خلف الصف فلم يشرعه رسول الله [95/ب]صلى الله عليه وسلم البتةَ، بل شرع الأمر بإعادة الصلاة لمن وقف فيه، وأخبر أنه لا صلاة له.
فإن قيل: فهَبْ أن هذه المعارضات لم يسلم منها شيء، فما تصنعون بحديث(1) أبي بكرة حين ركع دون الصفّ ثم مشى راكعًا حتى دخل في الصف، فقال له النبي(2) صلى الله عليه وسلم: «زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ»(3). ولم يأمره بإعادة الصلاة وقد وقعت منه تلك الركعة فذًّا؟
قيل: نقبله على الرأس والعينين، ونمسك(4) قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تَعُدْ»، فلو فعل أحد ذلك غيرَ عالمٍ بالنهي لقلنا له كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء، فإن عاد بعد علمه بالنهي فإمّا أن يجتمع مع الإمام في الركوع في الصف أو لا، فإن جامعَه في الركوع وهو في الصف صحت صلاته؛ لأنه أدرك الركعة وهو غير فذٍّ كما لو أدركها قائمًا، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل في الصف، فقد قيل: تصح صلاته، وقيل: لا تصح له تلك الركعة ويكون فذًّا فيها. والطائفتان احتجُّوا بحديث أبي بكرة.--------------------------------------------
(1) ت: «في حديث».
(2) ت: «رسول الله».
(3) رواه البخاري (783).
(4) ع: «ونمتثل».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 308)
والتحقيق أنه قضية عينٍ، يحتمل دخوله في الصف قبل رفع الإمام، ويحتمل أنه لم يدخل فيه حتى رفع الإمام. وحكاية الفعل لا عمومَ لها؛ فلا يمكن أن يُحتَجَّ بها على الصورتين، فهي إذًا مجملة متشابهة، فلا يُترك لها النص المحكم الصريح، فهذا مقتضى الأصول نصًّا وقياسًا، وبالله التوفيق.
المثال السادس والأربعون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز الأذان للفجر قبل دخول وقتها، كما في «الصحيحين»(1) من حديث سالم بن عبد الله [عن أبيه](2) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذانَ ابنِ [96/أ] أم مكتوم». وفي «صحيح مسلم»(3) عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يغرَّنَّكم نداءُ بلال ولا هذا البياضُ حتى ينفجر(4) الفجر». وهو في «الصحيحين»(5) من حديث ابن مسعود، ولفظه: «لا يمنعنَّ أحدَكم أذانُ بلال من سحوره؛ فإنه يؤذِّن أو ينادي ليرجع قائمكم وينتبه نائمكم». قال مالك(6): «لم تَزَلِ الصبحُ يُنادَى لها قبل الفجر».
فرُدَّتْ هذه السنة لمخالفتها(7) الأصولَ والقياس على سائر الصلوات، وبحديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن بلالًا أذَّن قبل--------------------------------------------
(1) البخاري (617) ومسلم (1092).
(2) ليست في النسخ، وقد استدركت من «الصحيحين».
(3) رقم (1094).
(4) ت: «يفجر».
(5) البخاري (621) ومسلم (1093).
(6) في «الموطأ» (1/ 72).
(7) ع: «بمخالفتها».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 309)