مثلُها، مع العلم القطعي ببراءة رحمها، وإسقاطه عمن(1) أراد وطء الأمة التي وطئها سيدها البارحة ثم اشتراها هو فملَّكها لغيره ثم وكَّله في تزويجها منه، فقالوا(2): يحلُّ له وطؤها، وليس بين وطء بائعها ووطئه هو إلا ساعةٌ من نهار.
ونظير هذا في التناقض إباحة نكاح المخلوقة من ماء الزاني مع كونها بعضه، مع تحريم المرضَعَة من لبن امرأته لكون اللبن ثاب بوطئه فقد صار فيه جزء منه. فيا لله العجب! كيف انتهض هذا الجزء اليسير سببًا للتحريم ثم يُباح له وطؤها وهي جزؤه الحقيقي وسُلالته؟ وأين تشنيعكم وإنكاركم لاستمناء الرجل بيده عند الحاجة خوفًا من العَنَت، ثم تجوِّزون له وطء بنته المخلوقة من مائه حقيقة؟
ونظير هذا لو ادَّعى على ذمي حقًّا وأقام به شاهدين عبدين عالمين صالحين مقبولةً شهادتُهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تُقبل شهادتهما عليه، فإن أقام به شاهدين كافرين حرَّين قُبِلت شهادتهما عليه مع كونهما من(3) أكذب الخلق على الله وأنبيائه ودينه.
ونظير هذا لو تداعيَا حائطًا لأحدهما [83/أ] عليه خشبتان، وللآخر عليه ثلاث خشبات، ولا بينةَ، فهو كله لصاحب الخشبات الثلاث؛ فلو كان لأحدهما ثلاث خشبات وللآخر مائة خشبة فهو بينهما نصفين.--------------------------------------------
(1) ع: «ممن».
(2) د: «فقالوا له».
(3) «من» ليست في ت.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 270)
ونظير هذا لو اغتصب نصراني رجلًا على ابنته أو امرأته أو حرمته وزنى بها، ثم شدَخَ رأسها بحجرٍ أو رمى بها من أعلى شاهقٍ حتى ماتت، فلا حدَّ عليه ولا قصاص؛ فلو قتله المسلم صاحب الحرمة بقصبة محدَّدةٍ قُتِل به.
ونظير هذا أنه لو أُكرِه على قتل ألفِ مسلمٍ أو أكثر بسَجْنِ شهرٍ(1) وأَخْذِ شيء من ماله فقَتلَهم فلا قوَدَ عليه ولا دية، حتى إذا أُكرِه بالقتل على عِتق أمته أو طلاق زوجته لزمه حكم العتق والطلاق(2)، ولم يكن الإكراه مانعًا من نفوذ حكمنا عليه(3)، مع أن الله سبحانه أباح التكلُّم بكلمة الكفر مع الإكراه، ولم يبح قتل المسلم بالإكراه أبدًا.
ونظير هذا إبطال الصلاة بتسبيحِ من نابَه شيء في صلاته، وقد أمر به(4) النبي صلى الله عليه وسلم(5)، وتصحيح صلاة من ركع ثم خرَّ ساجدًا من غير أن يقيم صلبه، وقد أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تُجزِئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صُلْبَه في ركوعه وسجوده»(6)، ودعوى أن ذلك مقتضى الأصول.
ونظيره أيضًا إبطال الصلاة بالإشارة لردّ السلام أو غيره، وقد أشار النبي--------------------------------------------
(1) ت: «يسجن شهرًا».
(2) د: «الطلاق والعتق».
(3) «عليه» ليست في ع.
(4) «به» ساقطة من ع.
(5) رواه البخاري (1218) ومسلم (421) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما.
(6) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 271)
- صلى الله عليه وسلم في صلاته بردِّ السلام(1)، وأشار الصحابة برؤوسهم تارةً(2) وبأكفِّهم تارة(3)، وتصحيحها مع ترك الطمأنينة وقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ونفى الصلاة بدونها(4)، وأخبر أن صلاة النَّقْر صلاة المنافقين(5)، وأخبر حذيفة أن من صلى كذلك لقي الله على غير الفطرة التي فطر الله عليها رسوله صلى الله عليه وسلم(6)، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من لا يُتِمُّ ركوعه ولا سجوده أسوأ الناس سرقةً(7)، [83/ب] وهذا يدلُّ على أنه أسوأ حالًا عند الله من سُرَّاق الأموال.--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (927) والترمذي وصححه (368) وأحمد (23886) من طريق هشام بن سعد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه. ورواه ابن ماجه (1017) وابن خزيمة أيضًا وصححه (888) وابن حبان (2258) من طريق ابن عيينة عن زيد بن أسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) روى البخاري (86) ومسلم (905) عن أسماء أن عائشة أشارت برأسها لها في قصة الكسوف.
(3) روى مسلم (430، 431) عن جابر بن سمرة أنهم كانوا يشيرون بأيديهم عند السلام، فأنكر عليهم ولم يُبطل صلاتهم.
(4) تقدم تخريجه في حديث المسيء صلاته.
(5) رواه مسلم (622) من حديث أنس رضي الله عنه.
(6) رواه البخاري (791).
(7) رواه أحمد (11532) وأبو داود الطيالسي (2333) من حديث أبي سعيد الخدري، وإسناده ضعيف؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان، وله شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن خزيمة وصححه (663)، وصححه الحاكم أيضًا (1/ 229)، وله شاهد آخر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند ابن حبان وصححه (1888)، وصححه الحاكم (1/ 229).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 272)
ونظير هذا قولهم: لو أن رجلًا مسلمًا طاهر البدن عليه جنابة غمس يده في بئرٍ بنية رفع الحدث صارت البئر كلها نجسة، يحرم شرب مائها والوضوء منه والطبخ به(1)؛ فلو اغتسل فيها مائة نصراني قُلْفٌ(2) عابدو الصليب(3) أو مائة يهودي فماؤها باقٍ على حاله طاهرٌ مطهِّر يجوز الوضوء به وشربه والطبخ(4) به.
ونظيره لو ماتت فأرة في ماء فصُبَّ ذلك الماء في بئر لم يُنزَح منها إلا عشرون دلوًا فقط، وتطهر بذلك، ولو توضأ رجل مسلم طاهر الأعضاء بماء فسقط ذلك الماء في البئر فلا بدَّ أن تُنزح كلها.
ونظير هذا قولهم: لو عقد على أمه أو أخته أو ابنته ووطئها وهو يعلم أن الله حرَّم(5) ذلك فلا حدَّ عليه؛ لأن صورة العقد شبهة، ولو رأى امرأة في الظلمة ظنَّها امرأته فوطئها فعليه الحدُّ، ولم يكن ذلك شبهة.
ونظيره قولهم: لو أنه رَشَا شاهدين فشهدا بالزور المحض أن فلانًا طلّق امرأته ففرّق الحاكم بينهما جاز له أن يتزوجها ويطأها حلالًا، بل ويجوز لأحد الشاهدين ذلك؛ فلو حكم حاكم بصحة هذا العقد لم يجز نقض حكمه، ولو حكم حاكم بالشاهد واليمين لنقض(6) حكمه وقد حكم به--------------------------------------------
(1) ت: «منه».
(2) جمع أقلف بمعنى غير المختون.
(3) ع: «الصلبان».
(4) د: «والطبيخ».
(5) ع: «حرم عليه».
(6) ع: «ينقض».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 273)
رسول الله صلى الله عليه وسلم(1).
ونظير ذلك قولهم: لو تزوَّج امرأة فخرجت مجنونة بَرْصاء من قَرْنِها(2) إلى قدمها مُجذَّمةً عمياء مقطوعة الأطراف فلا خيار له، وكذلك إذا وجدت هي الزوج كذلك فلا خيار لها، وإن خرج الزوج من خيار عباد الله(3) وأغناهم وأجملهم وأعلمهم وليس له أبوان في الإسلام وللزوجة أبوان في الإسلام فلها الفسخ بذلك.
ونظيره [84/أ] قولهم: يصح نكاح الشِّغار، ويجب فيه مهر المثل، وقد صح نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وتحريمه إياه، ولا يصح نكاح من أعتق أمة وجعل عِتقَها صداقَها وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونظيره قولهم: يصح نكاح التحليل، وقد صحّ لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن فعله من رواية عبد الله بن مسعود وأبي هريرة وعلي بن أبي طالب(4)، ولا يصح نكاح الأمة لمضطرٍّ خائف العَنَت عادمِ الطَّول إذا كان تحته حرّة ولو كانت عجوزًا شوهاءَ لا تُعِفُّه.
ونظيره قولهم: يجوز بيع الكلب، وقد منع منه رسول الله(5) صلى الله عليه وسلم، وتحريم بيع المدبَّر وقد باعه رسول الله(6) صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) ت، ع: «فرقها».
(3) ت: «عبد الله».
(4) تقدم تخريجها.
(5) رواه البخاري (2237)، ومسلم (1567) من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه.
(6) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 274)
ونظيره قولهم: للجار أن يمنع جاره أن يَغْرِز خشبةً هو محتاج إلى غَرْزها في حائطه وقد نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منعه(1)، وتسليطهم إياه على انتزاع داره كلها منه بالشفعة بعد وقوع الحدود وتصريف الطرق وقد أبطلها رسول الله صلى الله عليه وسلم(2).
ونظيره قولهم: لا يُحكم بالقسامة لأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يحلف الذين وُجِد القتيل في محلّتهم ودارهم خمسين يمينًا ثم يُقضى عليهم بالدية. فيا لله العجب! كيف(3) كان هذا وَفْق الأصول وحكمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف الأصول؟
ونظيره قولهم: لو تزوج امرأة فقالت له امرأة أخرى: أنا أرضعتُك وزَوْجتَك، أو(4) قال له رجل: هذه أختك من الرضاعة، جاز له تكذيبها ووطء الزوجة، مع أن هذه هي الواقعة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن الحارث بفراق امرأته لأجل قول الأمة السوداء إنها أرضعتْهما(5).
ولو اشترى [84/ب] طعاما أو ماء(6) فقال له رجل: هذا ذبيحة مجوسي(7) أو نجس لم يسَعْه أن يتناوله، مع أن الأصل في الطعام والماء--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (2463)، ومسلم (1609) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) رواه البخاري (2213)، ومسلم (1608) من حديث جابر رضي الله عنه.
(3) ت: «فكيف».
(4) ت: «و».
(5) تقدم تخريجه.
(6) «أو ماء» ليست في ع.
(7) ع: «يهودي».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 275)
الحلُّ، والأصل في الأبضاع التحريم، ثم قالوا: لو قال المخبر(1): هذا الطعام والشراب لفلان سرقه أو غصَبَه منه فلان، وسِعَه أن يتناوله.
ونظير هذا قولهم: لو أسلم وتحته أختان وخيَّرناه فطلّق إحداهما كانت هي المختارة، والتي أمسكها هي المفارقة(2)، قالوا: لأن الطلاق لا يكون إلا في زوجة، وأصحاب أبي حنيفة تخلَّصوا من هذا، فإنه(3) إن عقدَ على الأختين في عقد واحد فسد نكاحهما واستأنف نكاح من شاء منهما، وإن تزوج واحدة بعد واحدة فنكاح الأولى هو الصحيح، ونكاح الثانية فاسد.
ولكن لزمهم نظيره في مسألة العبد إذا تزوّج بدون إذن سيده كان موقوفًا على إجازته، فلو قال له: طلِّقها طلاقًا رجعيًّا، كان ذلك إجازة منه(4) للنكاح، فلو قال له: طلِّقها، ولم يقل: رجعيًّا، لم يكن إجازةً للنكاح، مع أن الطلاق في هذا النكاح لا يكون إلّا رجعيًّا إلّا(5) بعد الإجازة وقبل الدخول، وأما قبل الإجازة والدخول فلا ينقسم إلى بائن ورجعي.
المثال الثامن والعشرون: ردّ السنة الصحيحة الصريحة(6) المحكمة في أن من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح(7)،--------------------------------------------
(1) «المخبر» ليست في ع.
(2) «والتي أمسكها هي المفارقة» ساقطة من ع.
(3) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «بأنه».
(4) ت: «منه إجازة».
(5) كذا بتكرار «إلا» في جميع النسخ، والأولى حذف إحداهما.
(6) د، ع: «الصريحة الصحيحة».
(7) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 276)
بكونها خلاف الأصول، وبالمتشابه من نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس(1)، قالوا: والعامّ عندنا يعارض الخاص؛ فقد تعارض حاظر ومبيح، فقدّمنا الحاظر احتياطًا؛ فإنه يوجب عليه إعادة الصلاة، وحديث الإتمام يجوز له المضيُّ فيها، وإذا تعارضا [85/أ] صرنا إلى النص الذي يوجب الإعادة لتتيقَّن براءة الذمة.
فيقال: لا ريبَ أن قوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمَّ صلاتَه، ومن أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتمَّ صلاتَه»(2) حديث واحد، قاله صلى الله عليه وسلم في وقت واحد(3)، وقد وجبت طاعته في شطره؛ فتجب طاعته في الشطر الآخر، وهو محكم(4) خاص لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، لا يحتمل غيرَه البتةَ، وحديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي(5) عام مجمل قد خُصَّ منه عصرُ يومه بالإجماع، وخُصَّ منه قضاء الفائتة والمَنْسِيّة بالنص(6)، وخُصَّ منه ذوات الأسباب بالسنة، كما قضى النبي صلى الله عليه وسلم سنة الظهر بعد العصر(7)، وأقرَّ من قضى سنة الفجر بعد صلاة--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (583) ومسلم (828) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) رواه البخاري (556) ومسلم (608) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) «في وقت واحد» ساقطة من ع.
(4) ع: «حديث محكم».
(5) رواه البخاري (588) ومسلم (825) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(6) رواه البخاري (597) ومسلم (684) من حديث أنس رضي الله عنه.
(7) رواه البخاري (1233) ومسلم (834) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 277)
الفجر، وقد أعلمه(1) أنها سنة الفجر(2)، وأمر من صلَّى في رحله ثم جاء مسجدَ جماعة أن يصلِّي معهم وتكون له نافلة، قاله في صلاة الفجر، وهي سبب الحديث(3)، وأمر الداخل والإمام يخطب أن يصلِّي تحية المسجد قبل أن يجلس(4).
وأيضًا فإن الأمر بإتمام الصلاة وقد طلعت الشمس فيها(5) أمرٌ بإتمام لا بابتداء، والنهي عن الصلاة في ذلك الوقت نهيٌ عن ابتدائها لا عن استدامتها؛ فإنه لم يقل: «لا تُتمِّوا الصلاة في هذا الوقت»، وإنما قال: «لا تصلُّوا». وأين أحكام الابتداء من الدوام وقد فرَّق النص والإجماع والقياس بينهما؟ فلا تؤخذ أحكام الدوام من أحكام الابتداء ولا أحكامُ الابتداء من أحكام الدوام في عامة مسائل الشريعة؛ فالإحرام ينافي ابتداءَ النكاح والطيب دونَ استدامتهما، والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتهما، والحدث ينافي ابتداء المسح على الخفين دون استدامته، وزوال خوف العَنَت ينافي ابتداء النكاح [85/ب] على الأمة دون استدامته عند الجمهور، والزنا من--------------------------------------------
(1) ت: «أعلم».
(2) رواه أحمد (23761)، وصححه ابن خزيمة (1116) وابن حبان (2471) والحاكم (1/ 274 - 275) من حديث قيس بن قَهْد، ويقال: قيس بن عمرو رضي الله عنه.
(3) رواه أبو داود (575) والنسائي (858) والترمذي وصححه (219)، وأحمد (17475)، وصححه ابن حزيمة (1279) وابن حبان (2395) والحاكم (1/ 244) من حديث يزيد بن الأسود رضي الله عنه.
(4) رواه البخاري (1166) ومسلم (875) من حديث جابر رضي الله عنه.
(5) «فيها» ليست في ت.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 278)
المرأة ينافي ابتداء عقد(1) النكاح(2) دون استدامته عند الإمام أحمد ومن وافقه، والذهول عن نية العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها، وفَقْد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في الابتداء دون الدوام، وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداء(3) ولا ينافيه دوامًا. وحصول الحَجْر بالسَّفَه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ينافي دوامه، وطَريانُ ما يمنع الشهادة والفسق والكفر والعداوة بعد الحكم بها لا يمنع العمل بها في الدوام ويمنعه في الابتداء، والقدرة على التكفير بالمال تمنع التكفير بالصوم ابتداءً لا دوامًا، والقدرة على هَدْي التمتع تمنع الانتقال إلى الصوم ابتداءً لا دوامًا، والقدرة على الماء(4)
تمنع ابتداء التيمم اتفاقًا، وفي منعه لاستدامة الصلاة بالتيمم خلافٌ بين أهل العلم، ولا يجوز إجارة العين المغصوبة ممن لا يقدر على تخليصها، ولو غَصَبها بعد العقد من لا يقدر المستأجر على تخليصها منه لم تنفسخ الإجارة، وخُيِّر المستأجر بين فسخ العقد وإمضائه، ويُمنع أهل الذمة من ابتداء إحداث كنيسة في دار الإسلام ولا يُمنعون من استدامتها، ولو حلف لا يتزوج أو لا يتطيَّب أو لا يتطهَّر فاستدام ذلك لم يحنث وإن ابتدأه حنث، وأضعاف أضعاف ذلك من الأحكام التي يُفرَّق فيها بين الابتداء والدوام؛ فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها، وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه.--------------------------------------------
(1) «عقد» ليست في د.
(2) «النكاح» ليست في ع.
(3) بعدها في د: «دون دوامه»، وكتب «ينافيه دوامًا» في الهامش.
(4) «الماء» ساقطة من ع ..
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 279)
وأيضًا فهو مستصحب بالأصل.
وأيضًا فالدفْع أسهل من الرفْع.
وأيضًا [86/أ] فأحكام التبع يثبت فيها ما لا يثبت في المتبوعات، والمستدام تابع لأصله الثابت؛ فلو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي صحة ما ورد به النص، فكيف وقد توارد عليه النص والقياس؟
فقد تبيَّن أنه لم يتعارض في هذه المسألة عام وخاص ولا نص وقياس، بل النصّ فيها والقياس متفقان، والنص العام لم يتناول مورِدَ(1) الخاص ولا هو داخل تحت لفظه، ولو قُدّر صلاحية لفظه له فالخاص بيان لعدم إرادته، فلا يجوز تعطيل حكمه وإبطاله، بل يتعين إعماله واعتباره، ولا تُضرَب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض، وهذه القاعدة أولى من القاعدة التي تتضمن إبطال إحدى السنتين(2) وإلغاء أحد الدليلين، والله الموفق.
ثم نقول: الصورة التي أبطلتم فيها الصلاة وهي حالة طلوع الشمس وخالفتم السنة، أولى بالصحة من الصورة التي وافقتم فيها السنة؛ فإنه إذا ابتدأ العصر قبل الغروب فقد ابتدأها في وقت نهي، وهو وقت ناقص، بل هو أولى الأوقات بالنقصان، كما جعله النبي صلى الله عليه وسلم وقت صلاة المنافقين حين تصير الشمس بين قَرْنَي شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار(3)، وإنما كان النهي عن الصلاة قبل ذلك الوقت حَريمًا(4) له وسدًّا للذريعة، وهذا بخلاف--------------------------------------------
(1) «مورد» ليست في ت.
(2) ت: «الشيئين».
(3) رواه مسلم (832) من حديث عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه.
(4) في المطبوع: «تحريمًا» خلاف النسخ. والحريم من كل شيء: ما تبعه، فحرُم بحرمته من مرافق وحقوق.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 280)
من ابتدأ الصلاة قبل طلوع الشمس؛ فإن الكفّار حينئذٍ لا يسجدون لها، بل ينتظرون بسجودها(1) طلوعها، فكيف يقال: تبطُل صلاة من ابتدأها في وقت تام لا يسجد فيها(2) الكفار للشمس، وتصح صلاة من ابتدأها وقت سجود الكفار للشمس سواء، وهو الوقت الذي تكون فيه بين قرني شيطان، فإنه حينئذٍ يقارنها ليقع السجود له كما يقارنها وقت الطلوع ليقع السجود(3) له؟ فإذا كان ابتداؤها وقتَ مقارنة الشيطان لها غيرَ مانعٍ من صحتها فلأن تكون استدامتها [86/ب] وقتَ مقارنة الشيطان غيرَ مانع من الصحة بطريق الأولى والأحرى، فإن كان في الدنيا قياس صحيح فهذا من أصحِّه. فقد تبيَّن أن الصورة التي خالفتم فيها النص أولى بالجواز قياسًا من الصورة التي وافقتموه فيها.
وهذا مما حصّلته عن شيخ الإسلام ــ قدس الله روحه ــ وقت القراءة عليه، وهذه كانت طريقته، وإنما يقرّر أن القياس الصحيح هو ما دل عليه النص، وأن من خالف النصّ للقياس فقد وقع في مخالفة القياس والنص معًا، وبالله التوفيق.
ومن العجب أنهم قالوا: لو صلَّى ركعة من العصر ثم غربت الشمس صحت صلاته وكان مدركًا لها؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» وهذا شطر الحديث، وشطره--------------------------------------------
(1) كذا في النسخ، ولعل الصواب: «بسجودهم».
(2) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «فيه».
(3) «السجود» ليست في ع.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 281)
الثاني: «ومن أدرك ركعةً من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر»(1).
المثال التاسع والعشرون: ردّ السنة الثابتة المحكمة الصريحة في دفع اللقطة إلى من وصف عِفَاصَها(2) ووِعاءها ووِكاءها(3)، وقالوا: هو مخالف للأصول، فكيف يُعطَى المدّعي بدعواه من غير بينة؟ ثم لم يَنْشَبوا(4) أن قالوا: من ادَّعى لقيطًا عند غيره ثم وصف علاماتٍ في بدنه فإنه يُقضى له به(5) بغير بينة، ولم يروا ذلك خلاف الأصول. وقالوا: من ادعى خُصًّا ومعاقدُ قِمْطِه(6) من جهته قُضي له به، ولم يكن ذلك خلاف الأصول، ومن ادعى حائطًا ووجوهُ الآجُرِّ من جهته قُضي له به، ولم يكن ذلك خلاف الأصول، ومن ادعى مالًا على غيره فأنكر ونكَلَ عن اليمين قُضِيَ له بدعواه، ولم يكن ذلك خلاف الأصول، وإذا ادَّعى الزوجان ما في البيت قُضِي لكل واحد منهما بما يناسبه، ولم يكن ذلك خلاف الأصول.
ونحن نقول: ليس في الأصول ما يُبطِل الحكم بدفع اللقطة إلى واصفها البتةَ، بل هو [87/أ] مقتضى الأصول؛ فإن الظن المستفاد بوصفه--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه، وهذا اللفظ عند أبي يعلى الموصلي (6302).
(2) العِفاص: وعاء من جلد أو خرقة أو غير ذلك يكون فيه زاد الراعي. والوِكاء: الخيط الذي يُشدّ به الوعاء.
(3) رواه البخاري (2372) ومسلم (1722) من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه.
(4) أي لم يلبثوا.
(5) «به» ليست في د.
(6) ت، ع: «قمط». وقد سبق شرحه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 282)
أعظم من الظن المستفاد بمجرد النكول، بل وبالشاهدين، فوصفُه بينةٌ ظاهرة على صحة دعواه، لا سيما ولم يعارضه معارض؛ فلا يجوز إلغاء دليل صدقه مع عدم معارضٍ أقوى منه؛ فهذا خلاف الأصول حقًّا(1) لا موجب السنة.
المثال الثلاثون: ردُّ السنة الثابتة المحكمة الصريحة في صحة صلاة من تكلم فيها جاهلًا أو ناسيًا(2)، بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: من أكل في رمضان أو شرب ناسيًا(3) صحّ صومه(4)، مع اعترافهم بأن ذلك على(5) خلاف الأصول والقياس، ولكن تبعنا فيه السنة، فما الذي منعكم بتقديم(6) السنة الأخرى على القياس والأصول كما قدَّمتم خبر القهقهة في الصلاة والوضوء بنبيذ التمر وآثار الآبار(7) على القياس والأصول؟
المثال الحادي والثلاثون: ردُّ السنة الثابتة المحكمة في اشتراط البائع منفعةَ المبيع مدةً معلومةً(8) بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يجوز بيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها بشرط القطع في الحال، مع العلم بأنها لو قُطعت لم تكن مالًا ينتفع به ولا يساوي شيئا البتةَ، ثم لهما أن يتفقا على بقائها(9) إلى حين--------------------------------------------
(1) ع: «مقالا».
(2) تقدم تخريجه.
(3) «ناسيًا» ليست في ت.
(4) تقدم تخريجه.
(5) «على» ليست في ع.
(6) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «من تقديم».
(7) تقدم تخريجها كلها.
(8) تقدم تخريجه.
(9) ت: «إبقائها».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 283)
الكمال، ودعوى أن ذلك موافق للأصول، وهو عين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم(1).
المثال الثاني والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تخيير النبي صلى الله عليه وسلم الولد بين أبويه(2)، وقالوا: هو خلاف الأصول، ثم قالوا: إذا زوَّج الوليُّ ــ غير الأب ــ الصغيرةَ صح وكان النكاح لازمًا، فإذا بلغت انقلب جائزًا وثبت لها الخيار بين الفسخ والإمضاء، وهذا وَفْق الأصول، فيا لله العجب! أين في الأصول التي هي كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة المستند(3) إلى الكتاب والسنة موافقةُ هذا الحكم للأصول ومخالفة [87/ب] حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخيير بين الأبوين للأصول؟
المثال الثالث والثلاثون: ردُّ السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في رجم الزانيين الكتابيين(4)، بأنها خلاف الأصول، وسقوط الحد عمن عقد على أُمِّه ووطئها، وأن هذا هو مقتضى الأصول. فيا عجبًا لهذه الأصول التي منعت الحدَّ على من أقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وأسقطَتْه عمن لم يُسقِطه عنه! فإنه ثبت عنه أنه أرسل البراء بن عازب إلى رجل تزوَّج امرأة أبيه أن يضرب عنقه ويأخذ ماله(5)،--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) رواه أبو داود (2277) و النسائي (3496) والترمذي (1357) وصححه وابن ماجه (2351)، وصححه الحاكم (4/ 97) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) ع: «مستند».
(4) رواه البخاري (3635) ومسلم (1699) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(5) رواه أبو داود (4457) والنسائي (3332) والترمذي وحسَّنه (1362)، وابن ماجه (2607) وأحمد (18578)، وصححه ابن حبان (4112) والحاكم (2/ 191).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 284)
فوالله ما رضي له بحد الزاني(1) حتى حكم عليه بضرب العنق وأخذ المال، وهذا هو الحق المحض؛ فإن جريمته أعظم من جريمة من زنى بامرأة أبيه من غير عقدٍ، فإن هذا ارتكب محظورًا واحدًا، والعاقد عليها ضمَّ إلى جريمة الوطء جريمة العقد الذي حرّمه الله، فانتهك حرمة شرعه بالعقد، وحرمة أُمِّه بالوطء، ثم يقال: الأصول تقتضي سقوط الحدّ عنه! وكذلك حُكْم النبي صلى الله عليه وسلم برجم اليهوديين هو من أعظم الأصول، فكيف رُدَّ هذا الأصل العظيم بالرأي الفاسد ويقال: إنه مقتضى الأصول؟!
فإن قيل: إنما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجم بما في التوراة إلزامًا لهما بما اعتقدا صحته.
قيل: هَبْ أن الأمر كذلك، أفحكمَ بحقٍّ يجب اتباعه وموافقته وتحرم مخالفته أم بغير ذلك؟ فاختاروا أحد الجوابين ثم اذهبوا إلى ما شئتم.
المثال الرابع والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الوفاء بالشروط في النكاح(2)، وأنها أحقُّ الشروط بالوفاء على الإطلاق، بأنها خلاف الأصول، والأخذ بحديث النهي عن بيع وشرط(3) [88/أ] الذي لا يُعلم له إسناد يصح، مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس--------------------------------------------
(1) ت: «ما أرضى له بحد الزنا».
(2) رواه البخاري (5151) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(3) رواه الطبراني في «الأوسط» (4361) والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص 128) وأبو نعيم في «مسند أبي حنيفة» (ص 160). وفي إسناده عبد الله بن أيوب القِربي، قال الدارقطني فيه: متروك. وانظر: «السلسلة الضعيفة» (491).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 285)
ولانعقاد(1) الإجماع على خلافه، ودعوى أنه موافق للأصول. أما مخالفته للسنة الصحيحة(2) فإن جابرًا باع بعيره وشرط ركوبه إلى المدينة(3)، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه(4) المبتاع»(5)، فجعله للمشتري بالشرط الزائد على عقد البيع، وقال: «من باع ثمرةً قد أُبِّرتْ فهي للبائع إلا أن يشترطها المبتاع(6)»(7)، فهذا بيع وشرط ثابت بالسنة الصحيحة الصريحة. وأما مخالفته للإجماع فالأمة مُجمِعة على جواز اشتراط الرهن والكفيل والضمين والتأجيل والخيار ثلاثة أيام ونقد غير نقد البلد، فهذا بيع وشرط متفق عليه، فكيف يُجعل النهي عن بيع وشرط موافقًا للأصول وشروط النكاح التي هي أحقُّ الشروط بالوفاء مخالفةً للأصول(8)؟
المثال الخامس والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في دفع الأرض بالثلث والربع مزارعةً(9)، بأنها خلاف الأصول، والأخذ--------------------------------------------
(1) ت: «وانعقاد».
(2) بعدها في ت: «الصريحة».
(3) تقدم تخريجه.
(4) ع: «يشترط».
(5) تقدم تخريجه.
(6) «فجعله للمشتري … المبتاع» ساقطة من ت.
(7) تقدم تخريجه.
(8) «وشروط … للأصول» ساقطة من ع.
(9) رواه مسلم (1548) من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 286)
بالحديث الذي لا يثبت بوجهٍ أنه «نهى عن قَفيزِ الطحَّان»(1)، وهو: أن يدفع حنطتَه إلى من يطحنها بقفيزٍ منها، أو غَزْلَه إلى من يَنْسِجه ثوبًا بجزء منه، أو زيتونَه إلى من يَعْصِره بجزءٍ منه، ونحو ذلك مما لا غررَ فيه ولا خطرَ ولا قِمارَ ولا جهالةَ ولا أكلَ مالٍ بالباطل، بل هو نظير دفْع ماله إلى من يتَّجر فيه بجزء من الربح، بل أولى؛ فإنه قد لا يربح المال فيذهب عمله مجّانًا، وهذا لا يذهب عمله مجّانًا؛ فإنه(2) يطحن الحَبَّ ويَعْصِر الزيتون ويحصل على جزء منه يكون(3) به شريكًا لمالكه، فهو أولى بالجواز من المضاربة، فكيف يكون المنع منه موافقًا للأصول والمزارعة التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون خلافَ الأصول؟
[88/ب] المثال السادس والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة التي رواها بضعة وعشرون صحابيًّا(4) في أن المدينة حرَمٌ يحرم صيدها(5)، ودعوى أن ذلك خلاف الأصول، ومعارضتها بالمتشابه من قوله--------------------------------------------
(1) رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (711) والدارقطني (2985) والبيهقي (5/ 339) من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه عبد الحق الإشبيلي. وانظر: «الإرواء» (5/ 295).
(2) ت: «لأنه».
(3) ت: «ويكون».
(4) منهم علي، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو أيوب الأنصاري، وعبادة بن الصامت، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة رضي الله عنهم. انظر: «شرح معاني الآثار» للطحاوي في باب صيد المدينة (4/ 191 - 195)، و «الأحاديث الواردة في فضائل المدينة»، للدكتور صالح بن حامد الرفاعي (ص 62 وما بعدها).
(5) رواه مسلم (1362) من حديث جابر رضي الله عنه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 287)
- صلى الله عليه وسلم: «أبا عُميرٍ، ما فعل النُّغَير»(1). ويا لله العجب! أيُّ الأصول التي خالفتْها هذه السنن، وهي من أعظم الأصول؟ وهلّا ردَّ حديث أبي عمير لمخالفته لهذه الأصول؟ ونحن نقول: معاذَ الله أن نردَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة صحيحة غيرَ معلومة النسخ أبدًا. وحديثُ أبي عمير يحتمل أربعة أوجهٍ قد ذهب إلى كلٍّ منها طائفة:
أحدها: أن يكون متقدمًا على أحاديث تحريم المدينة فيكون منسوخًا.
الثاني: أن يكون متأخرًا عنها معارضًا لها فيكون ناسخًا.
الثالث: أن يكون النُّغَر مما صِيد خارجَ المدينة ثم أُدخِل المدينة كما هو الغالب من الصيود.
الرابع: أن يكون رخصة لذلك الصغير دون غيره، كما رُخِّص لأبي بردة في التضحية بالعَناق دون غيره(2)؛ فهو متشابه كما ترى، فكيف يُجعل أصلًا يُقدَّم على تلك النصوص الكثيرة المحكمة الصريحة التي لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا؟
المثال السابع والثلاثون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعشَّرات بخمسة أوسُقٍ(3)، بالمتشابه من قوله: «فيما سَقَتِ--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (6129) ومسلم (2150) من حديث أنس رضي الله عنه. والنُّغَير تصغير النُّغَر: فرخ العصفور.
(2) تقدم تخريجه.
(3) رواه البخاري (1447) ومسلم (979) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 288)
السماءُ العشْرُ، وما سُقِي بنَضْحٍ أو غَرْبٍ فنصفُ العشر»(1). قالوا: وهذا يعمُّ القليلَ والكثير، وقد عارضه الخاص، ودلالة العام قطعية كالخاص، وإذا تعارضا قُدِّم الأحوط وهو الوجوب(2).
فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما [89/أ] بالآخر وإلغاء أحدهما بالكلية؛ فإن طاعة الرسول فرضٌ في هذا وفي هذا. ولا تعارضَ بينهما بحمد الله بوجه من الوجوه؛ فإن قوله: «فيما سَقَتِ السماء العْشُر» إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه، فذكر النوعين مفرّقًا بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث، وبيَّنه نصًّا في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير(3) ما دلَّ عليه البتةَ إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يتعلَّق فيه بعموم لم يُقصَد. وبيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصّها من النصوص؟
ويالله العجب! كيف يخصّون عموم القرآن والسنة بالقياس الذي أحسنُ أحواله أن يكون مختلَفًا في الاحتجاج به وهو محلُّ اشتباهٍ واضطراب؟ إذ ما من قياسٍ(4) إلا ويمكن معارضتُه بقياس مثله أو دونه أو أقوى منه، بخلاف السنة الصحيحة الصريحة فإنها لا يعارضها إلا سنة ناسخة معلومة التأخُّر(5)--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (1483) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) ع: «الواجب».
(3) ت: «إلا».
(4) ت: «القياس».
(5) ت: «التأخير».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 289)