يوضّحه الوجه الثالث: أن الله سبحانه أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصوم رمضان، وجاء البيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقادير ذلك وصفاته وشروطه؛ فوجب على الأمة قبولُه، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب عليها قبول الأصل المُفصَّل، وهكذا أمر الله(1) سبحانه بطاعته وطاعة رسوله؛ فإذا أمر الرسول بأمرٍ كان تفصيلًا وبيانًا للطاعة المأمور بها، وكان فرضُ قبولِه كفرض قبول الأصل المُفصَّل، ولا فرق بينهما.
يوضّحه الوجه الرابع: أن البيان من النبي صلى الله عليه وسلم أقسام:
أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيًّا.
الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك، كما بيَّن أن الظلم المذكور في قوله: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] هو الشرك(2)، وأن الحساب اليسير هو العرض(3)، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل(4)، وأن الذي رآه نزلةً أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل(5)، وكما فسَّر قوله: {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] أنه طلوع الشمس من مغربها(6)، وكما فسر قوله: {مَثَلًا(7) كَلِمَةً طَيِّبَةً--------------------------------------------
(1) لفظ الجلالة ليس في ت، ع.
(2) تقدم تخريجه.
(3) رواه البخاري (103) ومسلم (2876) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4) تقدم تخريجه.
(5) رواه مسلم (175) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(6) رواه البخاري (4635) ومسلم (157) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(7) في النسخ: «ومثل» سهوًا.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 230)
كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: 24] بأنها(1) النخلة(2)، وكما فسَّر قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] أن ذلك في القبر حين يُسأل مَن ربك وما دينك(3)، وكما فسَّر الرعد بأنه مَلَك من الملائكة موكَّل بالسحاب(4)،
وكما فسَّر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابًا، وذلك استحلال ما أحلُّوه لهم من الحرام وتحريم ما حرَّموه عليهم من الحلال(5)، وكما فسَّر القوة التي أمر الله أن نُعِدَّها لأعدائه بالرمي(6)، وكما فسَّر قوله: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] بأنه ما يُجزى به(7) العبد في الدنيا من النَّصَب والهمّ والخوف واللأواء(8)،--------------------------------------------
(1) ت: «أنها».
(2) رواه الترمذي (3119)، وصححه ابن حبان (475) والحاكم (2/ 352) والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (2207) من حديث أنس رضي الله عنه، وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجح الوقف على الرفع الترمذي (3119) والضياء المقدسي (2207).
(3) تقدم تخريجه.
(4) رواه الترمذي وحسنه (3117) وأحمد (2483) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث في إسناده بكير بن شهاب ذكره ابن حبان في «الثقات» (6/ 106). وتفسير الرعد بالملك الموكل بالسحاب ثابت. انظر: «مسند أحمد» ط الرسالة (4/ 285) ..
(5) تقدم تخريجه.
(6) رواه مسلم (1917) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(7) «به» ليست في ع.
(8) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 231)
وكما فسَّر الزيادة بأنها النظر إلى [71/ب] وجه الله(1)، وكما فسَّر الدعاء في(2) قوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] بأنه العبادة(3)، وكما فسَّر أدبار النجوم بأنه الركعتان قبل الفجر، وأدبار السجود بالركعتين بعد المغرب(4)، ونظائر ذلك.
الثالث: بيانه بالفعل، كما بيَّن أوقات الصلاة للسائل بفعله(5).
الرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل القرآن ببيانها، كما سئل عن قَذْف الزوجة(6) فجاء القرآن باللعان ونظائره.
الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنًا، كما سئل عن رجل أحرم في جُبَّةٍ بعدما تضمَّخَ بالخَلوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبَّة ويغسل أثر الخَلوق(7).
السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداءً من غير سؤال، كما حرَّم عليهم--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (181) من حديث صهيب رضي الله عنه.
(2) «الدعاء في» ليست في ع.
(3) رواه أبو داود (1479) والترمذي وصححه (2969) وابن ماجه (3828) وأحمد (18352)، وصححه ابن حبان (890) والحاكم (1/ 490) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
(4) رواه الترمذي (3275)، وفي إسناده رشدين بن كريب متكلم فيه، والحديث ضعفه الترمذي بقوله: «حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه».
(5) رواه مسلم (613) من حديث بريدة رضي الله عنه.
(6) تقدم تخريجه.
(7) رواه البخاري (1536) ومسلم (1180) من حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 232)
لحوم الحمر والمتعة(1) وصيد المدينة(2) ونكاح المرأة على عمتها وخالتها(3) وأمثال ذلك.
السابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له وعدم نَهْيهم عن التأسِّي به.
الثامن: بيانه جوازَ الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده أو(4) يعلمهم يفعلونه.
التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوًا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقًا.
العاشر: أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته، ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف، فيُحِيل الرب سبحانه وتعالى على رسوله في بيانها، كقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، فالحِلُّ موقوف على شروط النكاح وانتفاء موانعه وحضور وقته وأهلية المحلّ، فإذا جاءت السنة ببيان ذلك كلِّه لم يكن الشيء منه زائدًا على النص فيكون نسخًا له، وإن كان رفعًا لظاهر إطلاقه.
فهكذا كل حكمٍ منه صلى الله عليه وسلم زائد على القرآن، هذا سبيله سواء بسواء، وقد قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]،--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) رواه مسلم (1362) من حديث جابر رضي الله عنه.
(3) تقدم تخريجه.
(4) ع: «و».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 233)
ثم جاءت السنة بأن القاتل والكافر(1) والرقيق(2) لا يرِث، [72/أ] ولم يكن نسخًا للقرآن مع أنه زائد عليه قطعًا، أعني في موجبات الميراث؛ فإن القرآن أوجبه بالولادة وحدها، فزادت السنة مع وصف الولادة اتحاد الدين وعدم الرقّ والقتل، فهلَّا قلتم: إن هذا زيادة على النص فيكون نسخًا والقرآن لا ينسخ بالسنة؟ كما قلتم ذلك في كل موضع تركتم فيه الحديث؛ لأنه زائد على القرآن.
الوجه الخامس: أن تسميتكم للزيادة المذكورة نسخًا لا تُوجِب بل لا تُجوِّز مخالفتَها، فإن تسمية ذلك نسخًا اصطلاح منكم، والأسماء المتواضَع عليها التابعة للاصطلاح لا توجب رفع أحكام النصوص، فأين سمى الله أو رسوله ذلك نسخًا؟ وأين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم حديثي زائدًا على ما في كتاب الله فردُّوه ولا تقبلوه فإنه يكون نسخًا لكتاب الله؟ وأين قال الله: إذا قال رسولي قولًا زائدًا على القرآن فلا تقبلوه ولا تعملوا به ورُدُّوه؟ وكيف يَسُوغ ردُّ سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقواعد قعَّدتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان؟
الوجه السادس: أن يقال: ما تَعْنُون بالنسخ الذي تضمَّنته الزيادة بزعمكم؟ أتعنون أن حكم المزيد عليه من الإيجاب والتحريم والإباحة بطل بالكلية، أم تعنون به تغيُّرَ وصفه بزيادة شيء عليه من شرط أو قيد أو حال أو مانع أو ما هو أعمُّ من ذلك؟ فإن عنيتم الأول فلا ريبَ أن الزيادة لم تتضمن ذلك فلا تكون ناسخة، وإن عنيتم الثاني فهو حق، ولكن لا يلزم منها بطلان--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجهما.
(2) رواه البخاري (2379) ومسلم (1543) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 234)
حكم المزيد عليه ولا رفعه ولا معارضته، بل غايتها مع المزيد عليه(1) كالشروط والموانع والقيود والمخصصات، وشيء من ذلك لا يكون نسخًا يوجب إبطال الأول ورفعه رأسًا، وإن كان نسخًا بالمعنى العام الذي يسمِّيه السلف نسخًا، وهو رفع الظاهر بتخصيص أو تقييد(2) أو شرط [72/ب] أو مانع؛ فهذا كثير من السلف يسميه نسخًا، حتى سمَّى الاستثناء نسخًا. فإن أردتم هذا المعنى فلا مُشاحَّةَ في الاسم(3)، ولكن ذلك لا يُسوِّغ ردَّ السنن الناسخة للقرآن بهذا المعنى، ولا ينكر أحد نسخ القرآن بالسنة بهذا المعنى، بل هو متفق عليه بين الناس، وإنما تنازعوا في جواز نسخه بالسنة النسخَ الخاص الذي هو رفع أصل(4) الحكم وجملته، بحيث يبقى بمنزلة ما لم يُشرَع البتةَ. وإن أردتم بالنسخ ما هو أعمُّ من القسمين ــ وهو رفع الحكم بجملته تارةً وتقييد مطلقه وتخصيص عامه وزيادة شرط(5) أو مانع تارة ــ كنتم قد أدرجتم في كلامكم قسمين مقبولًا ومردودًا كما تبين؛ فليس الشأن في الألفاظ فسَمُّوا الزيادة ما شئتم(6)، فإبطالُ السنن بهذا الاسم مما لا سبيل إليه.
يوضِّحه الوجه السابع: أن الزيادة لو كانت ناسخةً لما جاز اقترانها--------------------------------------------
(1) «عليه» ليست في ع.
(2) ت: «بتقييد أو تخصيص».
(3) «في الاسم» ليست في ع.
(4) «أصل» ساقطة من ع.
(5) ع: «شرطة».
(6) «ما شئتم» ساقطة من ع.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 235)
بالمزيد؛ لأن الناسخ لا يقارن المنسوخ، وقد جوّزتم اقترانها به(1)، وقلتم: تكون بيانًا أو تخصيصًا، فهلّا كان حكمها مع التأخر كذلك، والبيان لا يجب اقترانه بالمبين، بل يجوز تأخيره إلى وقت حضور العمل؟ وما ذكرتموه من إيهام اعتقاد خلاف الحق فهو منتقضٌ بجواز بل وجوب تأخير الناسخ وعدم وجوب الإشعار بأنه سينسخه، ولا محذور في اعتقاد موجب النص ما لم يأتِ ما يرفعه أو يرفع ظاهره؛ فحينئذٍ يعتقد موجبه لذلك، فكان كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به؛ إذ لا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها.
يوضّحه الوجه الثامن: أن المكلَّف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيَّدًا بعدم ورود ما يرفع ظاهره، كما يعتقد المنسوخ مؤبَّدًا اعتقادًا مقيَّدًا بعدم ورود ما يُبطله، وهذا هو الواجب عليه الذي لا يمكنه سواه.
[73/أ] الوجه التاسع: أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخًا وإن تضمَّن رفع الإجزاء بدونه، كما صرَّح بذلك بعض أصحابكم وهو الحق؛ فكذلك إيجاب كل زيادة، بل أولى أن لا تكون نسخًا؛ فإن إيجاب الشرط يرفع إجزاء المشروط عن نفسه وعن غيره، وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة.
الوجه العاشر: أن الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا يكون نسخًا، وذلك أن الأحكام لم تُشرع جملةً واحدة، وإنما شرعها أحكم الحاكمين شيئًا بعد شيء، وكل منها زائد على ما قبله، وكان ما قبله جميعَ الواجب، والإثم محطوط عمّن اقتصر عليه، وبالزيادة تغيَّر هذان--------------------------------------------
(1) «به» ليست في ت.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 236)
الحكمان؛ فلم يبقَ الأولُ جميعَ الواجب، ولم يحطّ الإثم عمّن اقتصر عليه، ومع ذلك فليس الزائد ناسخًا للمزيد عليه؛ إذ حكمه من الوجوب وغيره باقٍ(1)؛ فهكذا الزيادة المتعلقة بالمزيد لا تكون ناسخًا له، حيث لم ترفع حكمه، بل هو باقٍ على حكمه وقد ضُمَّ إليه غيره.
يوضِّحه الوجه الحادي عشر: أن الزيادة إن(2) رفعتْ حكمًا خطابيًّا كانت نسخًا، وزيادة التغريب وشروط الحكم وموانعه وجزاؤه(3) لا ترفع حكم الخطاب، وإن رفع حكم الاستصحاب(4).
يوضِّحه الوجه الثاني عشر: أن ما ذكروه من كون الأول جميع الواجب وكونه مُجزِئًا وحده وكون الإثم محطوطًا عن المقتصر عليه إنما هو من أحكام البراءة الأصلية؛ فهو حكم استصحابي لم نستفده من لفظ الأمر الأول، ولا أريد به؛ فإن معنى كون العبادة مجزئة أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها، وحطُّ الذم عن فاعلها معناه أنه قد خرج من عهدة الأمر فلا يلحقه ذم، والزيادة وإن [73/ب] رفعت هذه الأحكام لم ترفع حكمًا دلَّ عليه لفظ المزيد.
يوضِّحه الوجه الثالث عشر: أن تخصيص القرآن بالسنة جائز، كما أجمعت الأمة على تخصيص قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها»(5)، وعموم قوله--------------------------------------------
(1) ت: «وغير مناف» تحريف.
(2) د، ت: «وإن».
(3) «وجزاؤه» ليست في ع.
(4) ت: «الاستحباب».
(5) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 237)
تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرِث المسلم الكافر»(1)، وعموم قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا قطْعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ»(2)، ونظائر ذلك كثير؛ فإذا جاز التخصيص ــ وهو رفع بعض ما تناوله اللفظ، وهو نقصان من معناه ــ فلأن تجوز الزيادة التي لا تتضمن رفعَ شيء من مدلوله ولا نقصانه بطريق الأولى والأحرى.
الوجه الرابع عشر: أن الزيادة لا توجب رفعَ المزيد لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا(3) ولا عقلًا، ولا تقول العقلاء لمن ازداد خيره أو ماله أو جاهه أو علمه أو ولده: إنه قد ارتفع شيء مما في الكيس.
بل نقول في الوجه الخامس عشر: إن الزيادة قررت حكم المزيد وزادته بيانًا وتأكيدًا؛ فهي كزيادة العلم والهدى والإيمان، قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] وقال: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22]، وقال: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]، وقال: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76]. فكذلك زيادة الواجب على الواجب إنما يزيد قوةً وتأكيدًا وثبوتًا، فإن كانت متصلة به اتصالَ الجزاء والشرط كان ذلك أقوى له وأثبت وآكد، ولا ريب أن هذا أقرب إلى المعقول والمنقول والفطرة من جَعْلِ الزيادة مبطلة للمزيد عليه ناسخة له.--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه.
(3) «ولا عرفا» ليست في ع.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 238)
الوجه السادس عشر: أن الزيادة لم تتضمن النهي عن المزيد ولا المنع منه، وذلك حقيقة [74/أ] النسخ، وإذا انتفت حقيقة النسخ استحال ثبوته.
الوجه السابع عشر: أنه لا بدّ في النسخ من تنافي الناسخ والمنسوخ، وامتناع اجتماعهما، والزيادة غير منافية للمزيد عليه ولا اجتماعهما ممتنع.
الوجه الثامن عشر: أن الزيادة لو كانت نسخًا لكانت إما نسخًا بانفرادها عن المزيد أو بانضمامها إليه، والقسمان محال؛ فلا يكون نسخًا. أما الأول فظاهر؛ فلأنها(1) لا حكم لها بمفردها البتةَ؛ فإنها تابعة للمزيد عليه في حكمه. وأما الثاني فكذلك أيضًا؛ لأنها إذا كانت ناسخة بانضمامها إلى المزيد كان الشيء ناسخًا لنفسه ومُبطلًا لحقيقته، وهذا غير معقول. وأجاب بعضهم عن هذا بأن النسخ يقع على حكم الفعل دون نفسه وصورته، وهذا الجواب لا يُجدي عليهم شيئًا، والإلزام قائم بعينه؛ فإنه يوجب أن يكون المزيد عليه قد نسخَ حكم نفسه وجعل نفسه إذا انفرد(2) عن الزيادة غير مُجزِئ بعد أن كان مجزئًا.
الوجه التاسع عشر(3): أن النقصان من العبادة لا يكون نسخًا لما بقي منها، فكذلك الزيادة عليها لا تكون نسخًا لها، بل أولى؛ لما تقدم.
الوجه العشرون: أن نسخ الزيادة للمزيد عليه إما أن يكون نسخًا لوجوبه، أو لإجزائه، أو لعدم وجوب غيره، أو لأمر رابع، وهذا كزيادة--------------------------------------------
(1) ت: «فإنها».
(2) ت: «انفردت».
(3) د: «الثامن عشر»، وهكذا يستمر نقص العدد فيما بعد، بسبب التكرار هنا.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 239)
التغريب مثلًا على المائة جلدة، لا يجوز أن تكون ناسخةً لوجوبها فإن الوجوب بحاله، ولا لإجزائها لأنها مجزئة عن نفسها، ولا لعدم وجوب الزائد لأنه رفعٌ لحكم عقلي وهو البراءة الأصلية؛ فلو كان رفعها نسخًا كان كلما أوجب الله شيئًا بعد الشهادتين قد نسخ به ما قبله، والأمر الرابع غير متصوَّر ولا معقول فلا يُحكم عليه.
فإن قيل: بل ههنا أمر رابع معقول، وهو الاقتصار على الأول؛ [74/ب] فإنه نسخ بالزيادة، وهذا غير الأقسام الثلاثة.
فالجواب: أنه لا معنى للاقتصار غير عدم وجوب غيره، وكونه جميع الواجب، وهذا هو القسم الثالث بعينه غيَّرتم التعبير عنه وكسَوتموه عبارة أخرى.
الوجه الحادي والعشرون: أن الناسخ والمنسوخ لا بدَّ أن يتواردا على محل واحد يقتضي المنسوخ ثبوته والناسخ رفعه، أو بالعكس، وهذا غير متحقق في الزيادة على النص.
الوجه الثاني والعشرون: أن كل واحد من الزائد والمزيد عليه دليل قائم بنفسه مستقلٌّ بإفادة حكمه، وقد أمكن العمل بالدليلين؛ فلا يجوز إلغاء أحدهما وإبطاله وإلقاء الحرب بينه وبين صاحبه وشقيقه؛ فإن كل ما جاء من(1) عند الله فهو حق يجب اتباعه والعمل به، ولا يجوز إلغاؤه وإبطاله إلا حيث أبطله الله ورسوله بنص آخر ناسخٍ له لا يمكن الجمع بينه وبين المنسوخ، وهذا بحمد الله منتفٍ في مسألتنا؛ فإن العمل بالدليلين يمكن، ولا--------------------------------------------
(1) ت: «عن».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 240)
تعارضَ بينهما ولا تناقضَ بوجه؛ فلا يسوغ(1) لنا إلغاء ما اعتبره الله ورسوله، كما لا يسوغ لنا اعتبار ما ألغاه، وبالله التوفيق.
الوجه الثالث والعشرون: أنه إن كان القضاء بالشاهد واليمين ناسخًا للقرآن، وإثبات التغريب ناسخًا للقرآن، فالوضوء بالنبيذ أيضًا(2) ناسخ للقرآن، ولا فرقَ بينهما البتةَ، بل القضاء بالنكول ومعاقد القِمْط يكون ناسخًا للقرآن، وحينئذٍ فنسخُ كتاب الله بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا مطعنَ فيها أولى من نسخه بالرأي والقياس والحديث الذي لا يثبت، وإن لم يكن نسخًا للقرآن لم يكن هذا نسخًا له، وأما أن يكون هذا نسخًا وذاك ليس بنسخ فتحكُّمٌ باطل وتفريق بين متماثلين.
الوجه الرابع والعشرون: [75/أ] أن ما خالفتموه من الأحاديث التي زعمتم أنها زيادة على نصّ القرآن إن كانت تستلزم نسخَه فقطعُ رِجل السارق في المرة الثانية نسخ؛ لأنه زيادة على القرآن، وإن لم يكن هذا نسخًا فليس ذلك نسخًا.
الوجه الخامس والعشرون: أنكم قلتم لا يكون المهر أقلَّ من عشرة دراهم، وذلك زيادة على ما في القرآن(3)؛ فإن الله سبحانه أباح استحلال البُضْع بكل ما يسمَّى مالًا، وذلك يتناول القليل والكثير، فزدتم على القرآن بقياسٍ في غاية الضعف، وبخبرٍ في غاية البطلان؛ فإن جاز نسخ القرآن بذلك فلم لا يجوز نسخه بالسنة الصحيحة الصريحة؟ وإن كان هذا ليس بنسخ لم يكن الآخر نسخًا.--------------------------------------------
(1) ت: «يجوز».
(2) ت: «أيضا بالنبيذ».
(3) «على ما في القرآن» ساقطة من ع.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 241)
الوجه السادس والعشرون: أنكم أوجبتم الطهارة للطواف بقوله: «الطواف بالبيت صلاة»(1)، وذلك زيادة على القرآن؛ فإن الله إنما أمر بالطواف ولم يأمر بالطهارة، فكيف لم تجعلوا ذلك نسخًا للقرآن وجعلتم القضاء بالشاهد واليمين والتغريب في حدّ الزنا نسخًا للقرآن؟
الوجه السابع والعشرون: أنكم مع الناس(2) أوجبتم الاستبراء في جواز وطء المَسْبيَّة بحديثٍ ورد زائدٍ على كتاب الله، ولم تجعلوا ذلك نسخًا له، وهو الصواب بلا شك، فهلّا فعلتم ذلك في سائر الأحاديث الزائدة على القرآن؟
الوجه الثامن والعشرون: أنكم وافقتم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها بخبر الواحد، وهو زائد على كتاب الله(3) قطعًا، ولم يكن ذلك(4) نسخًا، فهلّا فعلتم ذلك في خبر القضاء بالشاهد واليمين والتغريب(5) ولم تعدُّوه نسخًا؟ وكلّ ما تقولونه في محل الوفاق يقوله لكم منازعوكم في محلّ النزاع حرفًا بحرفٍ.--------------------------------------------
(1) رواه الترمذي (960) والدارمي (1889)، وصححه ابن خزيمة (2739) وابن حبان (3836) والحاكم (1/ 459) من حديث ابن عباس، واختلف في رفعه ووقفه، ورجح رفعَه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ورجح النسائي والبيهقي الوقف. انظر: «التلخيص الحبير» (1/ 225) و «الإرواء» (1/ 154).
(2) «مع الناس» ليست في ع.
(3) د: «الكتاب».
(4) «ذلك» ليست في ت.
(5) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 242)
الوجه التاسع والعشرون: أنكم قلتم: لا يفطر المسافر ولا يقصر في أقل من [75/ب] ثلاثة أيام، والله تعالى قال: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، وهذا يتناول الثلاثة وما دونها، فأخذتم بقياس ضعيف أو أثر(1) لا يثبت في التحديد بالثلاث، وهو زيادة على القرآن، ولم تجعلوا ذلك نسخًا، فكذلك الباقي.
الوجه الثلاثون: أنكم منعتم قطع من سرق ما يُسرِع إليه الفساد من الأموال مع أنه سارقٌ حقيقة ولغة وشرعًا بقوله: «لا قطعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ»(2)، ولم تجعلوا ذلك نسخًا للقرآن وهو زائد عليه.
الوجه الحادي والثلاثون: أنكم رددتم السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسح على العمامة(3)، وقلتم: إنها زائدة على نصّ الكتاب(4) فتكون ناسخة له فلا تُقبل، ثم ناقضتم فأخذتم بأحاديث المسح على الخفين(5) وهي زائدة على القرآن، ولا فرقَ بينهما، واعتذرتم بالفرق بأن أحاديث المسح على الخفين متواترة بخلاف المسح على العمامة، وهو اعتذار فاسد، فإن من له اطلاعٌ على الحديث لا يشك في شهرة كل منهما وتعدُّدِ طرقها واختلافِ مخارجها وثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا.--------------------------------------------
(1) ت: «وأثر».
(2) تقدم تخريجه.
(3) رواه البخاري (205) من حديث عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه.
(4) ت: «القرآن».
(5) رواه البخاري (387) ومسلم (272) من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 243)
الوجه الثاني والثلاثون: أنكم قبلتم شهادة المرأة الواحدة على الرضاع والولادة وعيوب النساء، مع أنه زائد على ما في القرآن، ولم يصحّ الحديث به صحتَه بالشاهد واليمين، ورُدَّ(1) ونحوه بأنه زائد على القرآن.
الوجه الثالث والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه لا يحرِّم أقلُّ من خمس رضعات(2)، ولا تحرِّم الرضعة والرضعتان(3)، وقلتم: هي زيادة على القرآن، ثم أخذتم بخبر(4) لا يصح بوجهٍ ما في أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم أو تساويها، ولم تَروه زيادة على [76/أ] القرآن، وقلتم: هذا بيان للفظ السارق فإنه مجمل، والرسول بيَّنه بقوله: «لا تُقطع اليدُ في أقلَّ من عشرة دراهم»(5). فيا لله العجب! كيف كان هذا بيانًا ولم يكن حديث التحريم بخمس رضعات بيانًا لمجمل قوله: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23]! ولا تأتون بعذر في آية القطع إلا كان مثله أو أولى منه في آية الرضاع سواء بسواء(6).--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «ورددتم هذا».
(2) رواه مسلم (1452) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3) رواه مسلم (1451) من حديث أم الفضل رضي الله عنها.
(4) ع: «بحديث».
(5) رواه أحمد (6900) والدارقطني (3428) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، والإسناد ضعيف، فيه الحجاج بن أرطاة متكلم فيه وهو مدلس، وقد عنعن الحديث، ولم يصرح بالتحديث. وانظر: «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (4/ 553 - 555).
(6) «بسواء» ليست في ع.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 244)
الوجه الرابع والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسح على الجوربين(1)، وقلتم: هي زائدة على القرآن، وجوَّزتم الوضوء بالخمر المحرمة من نبيذ التمر المسكر بخبر لا يثبت(2) وهو خلاف القرآن.
الوجه الخامس والثلاثون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصوم عن الميت(3) والحج عنه(4)، وقلتم: هو زائد على قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، ثم جوَّزتم أن تُعمل أعمال الحج كلها عن المغمى عليه، ولم تروه زائدًا على قوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}. وأخذتم بالسنة الصحيحة وأصبتم في حمل العاقلة الديةَ عن القاتل خطأً(5) ولم تقولوا هو زائد على قوله: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15]، {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} [الأنعام: 164]، واعتذاركم بأن الإجماع ألجأكم إلى ذلك لا يفيد؛ لأن عثمان البتي ــ وهو من فقهاء التابعين ــ يرى أن(6) الدية على القاتل، وليس على العاقلة منها شيء(7)، ثم--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (159) والترمذي وصححه (99) وابن ماجه (559) وأحمد (18206)، وصححه ابن خزيمة (198) وابن حبان (1338) من حديث المغيرة رضي الله عنه، وضعفه آخرون. انظر: «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» (1/ 81).
(2) تقدم تخريجه.
(3) رواه البخاري (1952) ومسلم (1147) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4) رواه البخاري (1852) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(5) تقدم تخريجه.
(6) «أن» ليست في ت.
(7) انظر: «المحلى» (11/ 259).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 245)
هذا حجة عليكم أن تُجمِع الأمة على الأخذ بالخبر وإن كان زائدًا على القرآن.
الوجه السادس والثلاثون: أنكم(1) رددتم السنة الثابتة(2) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اشتراط المحرم أن يحلّ حيث حُبِس(3)، وقلتم: هو زائد على القرآن، فإن الله أمر بإتمام الحج والعمرة، والإحلال خلاف الإتمام، ثم أخذتم وأصبتم بحديث تحريم لبن الفحل(4)، وهو زائد على ما في القرآن [76/ب] قطعًا.
الوجه السابع والثلاثون: ردُّكم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوضوء من مس الفرج(5) وأكل لحوم الإبل(6)، وقلتم: ذلك زيادة على القرآن؛ لأن الله تعالى إنما ذكر الغائط، ثم أخذتم(7) بحديث ضعيف في إيجاب الوضوء من القهقهة(8)، وخبر ضعيف في إيجابه من القيء(9)، ولم يكن إذ ذاك زائدًا--------------------------------------------
(1) «أنكم» ليست في ع.
(2) «الثابتة» ليست في ع.
(3) رواه البخاري (5089) ومسلم (1207) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4) رواه البخاري (2644) ومسلم (1445) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(5) رواه أبو داود (181) والترمذي وصححه (82) وأحمد (27293) والدارقطني (528) وصححه ابن حبان (1116) والحاكم (1/ 136) من حديث بُسرة بنت صفوان رضي الله عنها.
(6) رواه مسلم (360) من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه.
(7) ع: «أخذوا».
(8) رواه ابن عدي في «الكامل» (4/ 101)، ولا يصح. انظر: «نصب الراية» (1/ 44 - 50).
(9) رواه ابن ماجه (1221)، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، في روايته عن الحجازيين كلام وهذه منها، والحديث ضعفه البيهقي (1/ 142)، ورجح جماعة من المتقدمين إرساله، منهم الذهلي وأبو حاتم والدارقطني. انظر: «سنن الدارقطني» (1/ 280 - 283) و «العلل» (14/ 361).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 246)
على ما في القرآن إذ هو قول متبوعكم؛ فمن العجب إذا قال من قلّدتموه قولًا زائدًا على ما في القرآن قبلتموه وقلتم: ما قاله إلا بدليل، وسهُلَ عليكم مخالفة ظاهر القرآن حينئذٍ، وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا زائدًا على ما في القرآن قلتم: هذا زيادة على النص، وهو نسخ، والقرآن لا يُنسخ بالسنة، فلم تأخذوا به، واستصعبتم خلاف ظاهر القرآن، فهان خلافُه إذا وافق قول من قلّدتموه، وصعُب خلافُه إذا وافق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم!
الوجه الثامن والثلاثون: أنكم أخذتم بخبر ضعيف لا يثبت في إيجاب المضمضة والاستنشاق في الغسل من الجنابة(1)، ولم تروه زائدًا على القرآن، ورددتم السنة الصحيحة الصريحة في أمر المتوضئ بالاستنشاق(2)، وقلتم: هو(3) زائد على القرآن، فهاتوا لنا الفرقَ بين ما يُقبل من السنن الصحيحة وما يُردُّ منها، فإما أن تقبلوها كلها وإن زادت على القرآن، وإما أن تردّوها كلها إذا كانت(4) زائدة على القرآن. وأما التحكُّم في قبول ما شئتم منها وردّ ما شئتم، ممّا(5) لم يأذن به الله ولا رسوله، ونحن نشهد الله شهادة--------------------------------------------
(1) رواه الدارقطني (409)، وقال: هذا باطل، ولم يحدث به إلا بركة ، وبركة هذا يضع الحديث. وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 81).
(2) رواه مسلم (237) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) ت: «هذا».
(4) ت: «وإن كانت».
(5) ت: «فما».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 247)
يسألنا عنها يوم نلقاه أنا لا نردُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة واحدة صحيحة أبدًا إلا بسنة صحيحة(1) مثلها نعلم أنها ناسخة لها.
الوجه التاسع والثلاثون: أنكم رددتم السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم[77/أ] في القَسْم للبكر سبعًا يفضلها بها على من عنده من النساء وللثيِّب ثلاثًا إذا أعرس بهما(2)، وقلتم: هذا زائد على العدل المأمور به في القرآن ومخالف له، فلو قبلناه(3) كنا قد نسخنا به القرآن، ثم أخذتم بقياس فاسد واهي(4) لا يصح في جواز نكاح الأمة لواجدِ الطَّول غير خائفٍ العنتَ إذا لم تكن تحته حرة، وهو خلاف ظاهر القرآن وزائدٌ عليه قطعًا.
الوجه الأربعون: ردُّكم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسقاط نفقة المبتوتة وسكناها(5)، وقلتم: هو مخالف للقرآن، فلو قبلناه(6) كان نسخًا للقرآن به، ثم أخذتم بخبر ضعيف لا يصح أن عدة الأمة قُرْءانِ وطلاقها طلقتان(7)، مع كونه زائدًا على ما في القرآن قطعًا.--------------------------------------------
(1) «صحيحة» ليست في ت.
(2) رواه البخاري (5214) ومسلم (1461) من حديث أنس رضي الله عنه.
(3) ت: «قبلنا».
(4) كذا في د بإثبات الياء. وفي ت: «واهن».
(5) رواه مسلم (1480) من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها.
(6) ت: «قبلنا».
(7) رواه أبو داود (2189) والترمذي (1182)، وقال: «هذا حديث غريب»، ورواه ابن ماجه (2080) والحاكم (2/ 205) من حديث عائشة، وفي إسناده مظاهر بن أسلم المخزومي متكلم فيه، وقال البيهقي في «السنن الصغير» (3/ 130): إنه حديث أنكره عليه أهل البصرة، وضعَّفه البخاري وغيره من الحفاظ، وكيف يصح ذلك وفي رواية زيد بن أسلم عن القاسم بن محمد أنه سئل عن ذلك فقيل له: أبلغك عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا؟ فقال: لا.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 248)
الوجه الحادي والأربعون: ردُّكم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخيير وليِّ الدم بين الدية أو القَوَد أو العفو(1)، بقولكم: إنها زائدة(2) على ما في القرآن، ثم أخذتم بقياسٍ من أفسد القياس أنه لو ضربه بأعظم دبُّوس يوجد حتى ينثر دماغه على الأرض فلا قوَدَ عليه، ولم تروا ذلك مخالفًا لظاهر القرآن، والله تعالى يقول: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]، ويقول: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194].
الوجه الثاني والأربعون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا يُقتَل مسلم بكافر»(3)، وقوله: «المؤمنون تتكافأُ دماؤهم»(4)، وقلتم: هذا خلاف ظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى يقول: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}، وأخذتم بخبر لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه «لا قوَدَ إلا بالسيف»(5)، وهو مخالف لظاهر القرآن؛ فإنه سبحانه قال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، وقال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (112) ومسلم (1355) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) د: «زيادة».
(3) رواه البخاري (3047) من حديث علي رضي الله عنه.
(4) رواه أبو داود (4530) والنسائي (4734) وأحمد (993)، وصححه الحاكم (2/ 141) من طريق آخر. وانظر: «التلخيص الحبير» (4/ 217) و «الإرواء» (4/ 250).
(5) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 249)