«ومما نعتقده أنا إذا رأينا مَنْ ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه؛ جائز أن يؤكل طعامه، والمعاملة في تجارته؛ فليس علينا الكشف عما ماله. فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط؛ جاز، إلا من داخل الظلمة.
ومن لا يزغ عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك: فالسؤال والتوقي؛ كما سأل الصديق غلامه؛ فإن كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك الأموال فاختلطا، فلا يطلق عليه اسم الحلال ولا الحرام، إلا أنه مشتبه؛ فمن سأل استبرأ لدينه كما فعل الصِّدِّيق(1). وأجاز ابن مسعود وسلمان وقالا: «كُلْ منه وعليه التبعة»(2)، والناس طبقات، والدين: الحنيفية السمحة».
وقال هنا: «ومَن لا يزغ عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك: فالسؤال والتوقي»؛ أي: إذا كان المال خليطاً من الحلال والحرام فعلى الإنسان أن يتوقَّى، واستشهد على ذلك بفعل أبي بكر رضي الله عنه مع غلامه في مسألة الكسب الذي أخذه، فلما علم أنه من كهانة أدخل أصبعه في فمه حتى قاءه.
فالإنسان يستبرأ لدينه، فإذا كان المال خليطًا؛ فبعض أهل العلم يُفتي بالحِل، والبعض يفتي بالحرمة من جهة أن على الإنسان أن يستبرأ لدينه.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (3842) عن عائشةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كانَ لأبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ غُلامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَراجَ، وكانَ أَبو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَومًا بِشَيءٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلامُ: تَدْرِي مَا هَذا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ومَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ في الجاهِلِيَّةِ، ومَا أُحْسِن الكَهَانَةَ إِلا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيني، فَأَعْطَاني بِذلكَ هَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَه، فَقَاءَ كُلَّ شَيءٍ فِي بَطْنِهِ».
(2) روى الأثرين عبد الرزاق في «مصنفه» (8/ 150)، برقم (14675)، و (14677).
ومعنى التبعة: ما فيه إثم يتبع به صاحبه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 331)
وقوله: «وإن مما نعتقده: أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه؛ فلا يسقط عنه الخوف والرجاء، فكل مَنْ ادعى الأمن فهو جاهل بالله وبما أخبر به عن نفسه: {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]، وقد أفردت كشف عوار كل من قال بذلك».
وقال هنا: «وإن مما نعتقده: أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه؛ فلا يسقط عنه الخوف والرجاء»،
ولا شك أن المؤمن يَعيش بين الخوف والرجاء، كما قال تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}، فإن الإنسان يعيش بين المقامين إلا في حالة واحدة عند انقطاع العمل والإقبال على الله سبحانه وتعالى؛ فيُغَلِّب في هذا الحال جانب الرجاء على جانب الخوف؛ لأن العمل قد انتهى.
فلا بد أن تكون العبودية مبنية على الحب والخوف والرجاء، ومتى اختلَّ ركن من هذه الأركان اختلت العبودية، ويبعث على تحقيق العبودية أمران اثنان: مشاهدة منة الله تعالى ونعمه، ومطالعة عيوب النفس والعمل؛ قال ابن القيم رحمه الله: «قال شيخ الإسلام: العارفُ يَسير إلى الله بين مشاهدة المِنَّة ومطالعة عيب النَّفس والعمل، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصَّحيح من حديث شَدَّاد بن أوس رضي الله تعالى عنه: «سَيِّدُ الاستغفار أن يَقول العبدُ: اللهم أنتَ ربِّي لا إله الا أنت، خَلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك مِنْ شَرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لَكَ بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ إنَّه لا يَغفر الذنوب إلا أنت»(1)، فجمع في قوله صلى الله عليه وسلم: «أَبُوءُ لَكَ بنعمتك عليَّ وأَبُوء بذنبي» مشاهدةَ المِنَّة ومطالعةَ عيب النفس والعمل. فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليِّ النِّعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل تُوجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (6306) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 332)
وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلسًا، وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس؛ فلا يرى لنفسه حالًا ولا مقامًا ولا سببًا يتعلق به ولا وسيلة منه يَمُنُّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرف والإفلاس المحض، دخول مَنْ كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه؛ فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربِّه عز وجل، وكمال فاقته وفقره إليه، وأنَّ في كل ذَرَّة مِنْ ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى، وأنه إن تخلى عنه طَرفة عين هلك وخسر خسارة لا تُجبر، إلا أن يَعود الله تعالى عليه ويَتداركه برحمته. ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حِجاب أغلظ من الدَّعوى»(1). ولما كان رسولنا صلى الله عليه وسلم أحسن افتقارًا إلى الله كان أتم الخلق عبودية له عز وجل.
وهذا حال الأئمة والصالحين، وقد قال ابن القيم عن افتقار شيخه ابن تيمية لربِّه: «ولقد شاهدتُ من شيخ الإسلام ابن تيمية قَدَّس الله روحه من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء».
ومن نَظم شيخ الإسلام رحمه الله:
أنا الفقير إلى رب البريات … أنا المُسيكين في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي … والخير إن يأتنا من عنده ياتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة … ولا عن النفس لي دفع المضرات
وليس لي دونه مولى يُدَبِّرني … ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي
إلا بإذن من الرحمن خالقنا … إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات
ولست أملك شيئًا دونه أبدًا … ولا شريك أنا في بعض ذرات
ولا ظهير له كي يستعين به … كما يكون لأرباب الولايات
والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا … كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم … وكلهم عنده عبد له آتي
فَمَنْ بغى مطلبًا من غير خالقه … فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي
والحمد لله ملء الكون أجمعه … ما كان منه وما من بعد قد ياتي»(2).--------------------------------------------
(1) «الوابل الصيب» (ص 7، 8).
(2) انظر: «مدارج السالكين» (1/ 520، 521).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 333)
«ونعتقد: أن العبودية لا تَسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه مميز على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج من رِقِّ العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية بعلائق الآخرية».
فهذه كلها أفكار بعض الصوفية؛ إذ يزعمون أنهم في حالٍ من الترقي والتعبد حتى يصلوا إلى الكشف، وإذا وصلوا إلى مقام الكشف، فعند ذلك يسقطون عن أنفسهم جميع التكاليف.
فلا يرى الواحد منهم أنه مخاطب بأحكام العبودية، ويرى أنه قد وصل أي: قد انتهى، ورفعت عنه التكاليف. وهذا يفعله بعض المتصوفة اليوم، وهذا معلوم عند من يقرأ كلام المتصوفة، ويعلم أن عندهم في التعبد درجات، حتى يصل الإنسان إلى مثل هذه الدرجة فإذا وصل إليها لا يخاطب بحلالٍ ولا بحرام.
ومن ذلك قول قائلهم:
يُطالب بالأوراد مَنْ كان غافلًا فكيف بقلبٍ كل أوقاته وِرْدُ
فإذا سئل أحد هؤلاء: لماذا لا تصلي الجمعة مع الناس؟ ولماذا لا تشهد الجماعة مع الناس؟
قال: هذه صلاة الغافلين، أما أنا فمع الله دائمًا.
فيفتَرون على الله سبحانه وتعالى بمثل هذه المزاعم الكاذبة التي هي في حقيقتها افتراء وكذبٌ على دين الله سبحانه وتعالى، فأنبياء الله تعالى وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت له عندها عائشة رضي الله عنها: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غَفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟»(1).--------------------------------------------
(1) انظر: «صحيح البخاري»، كتاب (التهجد)، بَاب: (قِيَام النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اللَّيْلَ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ)، برقم (1130)، ومسلم كتاب (صِفَة القِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ)، بَاب (إِكْثَارِ الْأَعْمَالِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ) (2819)، والترمذي (412)، وابن ماجه (1419)، والنسائي (1644)، وأحمد في «المسند، (أَوَّل مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ) (18198).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 334)
فالنبي صلى الله عليه وسلم بلغ ما بلغ من الدرجة والمنزلة عند الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك كان أشد الأمة حرصًا على عبادة الله جل وعلا، ولم يزعم هذا الزعم الذي زعمه هؤلاء.
فالشاهد: أن المتصوفة عندهم كثير من الزَّلَّات والأخطاء التي في حقيقتها انحراف عن منهج النبوة، فهم قومٌ استدرجهم الشيطان وأوقعهم في هذه المزالق.
الشيطان استدرج بعض المتصوفة شيئًا فشيئًا حتى أوصلهم إلى هذه الحال.
فهذه المقالات هي مُحادَّة ومُعاداة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا لم تُعَظَّم- في الأمة- أوامر الله عز جل وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فكيف يُعرف المستقيم من غير المستقيم؟ وكيف يُعرف الصالح من الفاسد؟ وكيف يُعرف الخير من الشر؟
فوالله إنَّ من أعظم المحادة والمعاداة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم: أن لا يكون هناك تعظيم لأوامر الله ونواهيه.
فإذن: هذه الحال التي عليها هؤلاء هي محادَّة ومعاداة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإن كان بعض مَنْ يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك؛ لأنه ما عَرف من الدِّين إلا هذه المبادئ المتصوفة؛ فتَربى عليها ونشأ عليها، ولم يعرف من الدين إلا هذه الأمور، وهذه الحال التي هو عليه هي حال ضَلال؛ فنسأل الله العافية والسلامة.
فإذن: بعض هؤلاء قد يعتقد أنَّ الطريق الذي هو عليه هو طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنَّه طريق أولياء الله عز وجل المحققين؛ وقد يعتقد أن الصلاة وغيرها من التكاليف غير واجبة عليه؛ لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية.
وهذا الفكر موجود عند هؤلاء المتصوفة، وموجود كذلك عند بعض من تأثر بالفلسفة؛ فيرى أن دين الرسول هو خطاب لعَوَام الناس، ويَدَّعي أولئك المتفلسفة أن ما جاء به الرسول من أوامر ونواه هي تربية فلسفية تخص العوام، أمَّا هم فيقولون: إنهم ليسوا من العوام، وبالتالي قد وصلوا إلى المقصود، ووصلوا إلى ما يريده الرسول من الأوامر والنواهي، ولكن بطريق آخر.
وهذا الفكر قد فُتِن به-أيضًا-بعض المثقفين ممن تأثروا بالفلسفات اليونانية، أو درسوا في المدارس الغربية، ومع أن بعضهم قد بلغ مراتب عليا في الدراسات (الأكاديمية) والثقافة إلا أنه لا يصلي ولا يصوم، ولا يعظم الأمر والنهي، ويزعم أنه على الإسلام، ومن يخالط هؤلاء يجدهم على هذا الفكر، ويرى أنه مُستغن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 335)
ومستكف بالآراء الفلسفية عن التكاليف الشرعية، ويرى أنه ليس مخاطبًا ولا مطالبًا بالتكاليف الشرعية؛ لأنه صار أعلى من أن يُطالب بأداء الأوامر أو اجتناب النواهي.
فالشيطان قد استدرج هؤلاء وهؤلاء، وهناك أوجه شبه كبيرة بينهما، ولهم جميعًا مبرراتهم الباطلة، التي يستمدونها من الأحوال القلبية، أو المبادئ الفلسفية، التي يرون أنها تغنيهم عن أن يؤدوا الصلاة مثلًا، وتبيح لهم شرب الخمر؛ إذ يرون أنها حرام على عوام الناس، حِلٌّ لهم؛ لكونهم من الخواص الذين لا يَضرهم شرب الخمر، بل ولا يضرهم فعل الفواحش؛ لأنهم صاروا كالبَحر لا تضرهم الذنوب وإن كثرت، حتى أصبحوا غير مبالين ولا مُعَظِّمين لأوامر الله تعالى ونواهيه.
فهل بعد هذا التلاعب من الشيطان بهؤلاء من تَلاعب؟!
أما المسلم فيحمد الله عز وجل؛ لأنَّه وَفَّقه لتعظيم الأمر والنهي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 336)
«ونعتقد: أن العبودية لا تَسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه مميز على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج من رِقِّ العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية(1) بعلائق الآخرية، فهو كافر لا محالة؛ إلا من اعتراه علة أو رأفة؛ فصار معتوهًا أو مجنونًا أو مبرسمًا(2)، وقد اختلط في عقله أو لحقه غشية ارتفع عنه أحكام العقل، وذهب عنه التمييز والمعرفة؛ فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة».
فالمتصوفة يرون أنه في حال وصول هذا الشخص إلى رُتبة مُعينة تسقط عنه الأوامر والنواهي، وقد يقولون: (مَنْ شهد الإرادة سقط عنه التكليف).
فإذا وصل إلى مرحلة شهود الله عز وجل وأنه الفاعل لكل شيء على الحقيقة وأنهم لا فعل لهم ولا مشيئة، على حدِّ زعمهم فهذا لا تكليف عليه، وكما سيأتي أنهم يقولون في هذا: إنه يصبح مثل البَحر؛ لا تضره الذنوب، كما أن الأوساخ لا تؤثر في البحر الخضم. أي: لا يتأثر بذنب ولا ينتفع بطاعة، وهذا من استدراج الشيطان لهم، والعياذ بالله.
ويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة؛ لأنه- من الأولياء، والأولياء لهم مَرتبة تُسقط عنهم التكاليف.
فيُفرقون بين العامَّة والخاصة؛ فالخواص تسقط عنهم الأوامر والنواهي، ويكتفون بشهود الحقيقة الكونية، قال المصنف: «وقد يفرقون بين مَنْ يعلم ذلك علمًا وبين مَنْ--------------------------------------------
(1) يقصدون بالأحدية: وحدة الوجود. فالأحدية تطلق عند الصوفية على كل موجود من إنسان وغيره.
والمبدئية: من المبدأ، والمبدأ عند الصوفي هو الله تعالى. انظر: «معجم المصطلحات الصوفية» (ص 224).
(2) البرسام: كلمة معربة، وتعني: علة تُصيب الرأس. انظر: «لسان العرب» (12/ 46).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 337)
يراه شهودًا»، أي: لا يكتفون بمجرد العلم؛ فبعضهم قال: إذا كان هذا الشخص علم هذه الأمور دون أن يشهد ذلك شهودًا، أي: تُكشف له الحجب، ويكون مع الحضرة الإلهية مشافهة، فإذا لم يصل إلى مرحلة الكشف، فيظل على التزام بالأوامر والنواهي، بمعنى: أنه لا يسقط عنه التكليف حتى يُكشف له الحجاب، وحتى يرى الله مشاهدة.
فلا يُسقطون التكليف عمن يعلم ذلك ويؤمن به فقط، وإنما لا بد من شهوده للحضرة الإلهية، على حدِّ زعمهم.
ولا شك أن هذا من استدراج الشيطان لهم
هذا اللوث العقلي يقع من هؤلاء الصوفية بسبب أنهم لا يعملون عقولهم، وإذا أردت أن ترى إسقاط العقل عند هؤلاء فشاهد حضرة من حضرات الصوفية في أذكارهم، تراهم كالبهائم-بل أقل منهم درجة-بحركاتهم وأفعالهم التي ما أنزل الله بما من سلطان.
ولذلك فإن الغرب الكافر يحارب الإسلام بطائفتين:
يحاربهم بالرافضة؛ لأفعالهم الشنيعة.
ويحاربهم بالمتصوفة؛ لأفعالهم القبيحة.
والغرب يأتي إلى هؤلاء وهؤلاء؛ فيصورهم على أحوالهم التي يفعلونها، ثم ينقل إلى أتباعه هذه الصور التي عندما يراها الإنسان فلا يُمكن أن يقبل بدين أتباعه يفعلون هذا؛ لأن أفعالهم كأفعال المجانين.
فلو أن هؤلاء الذين يصورون؛ صَوَّرُوا المسلمين في صلاتهم لرأوا خشوعًا وإيمانًا وسكينة، وكم من إنسان أسلم بسبب ما رأى من أفعال المسلمين في الصلاة؛ لأن الصلاة غاية في الدقة والإتقان، وعلى هيئة تملأ النفس بالخشوع والرهبة.
أما أفعال الروافض والمتصوفة فتجلب الجنون، ولكثرة قيامهم وقعودهم يفقد الإنسان منهم عقله حتى يسقط مغشيًّا عليه، يفعلون كل هذا باسم الدين، والدين من ذلك براء، والله المستعان.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 338)
«ومن زعم الإشراف على الخلق حتى يعلم مقاماتهم ومقدارهم عند الله-بغير الوحي المنزل من قول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الملة».
من تقسيمات المتصوفة أنهم يزعمون أن هناك أقطابًا وأوتادًا وأبدالًا وغوثًا، فالغوث عندهم هو رأس الهرم، ويتبعه الأقطاب، ثم يتبعه الأوتاد، ثم يتبعه الأبدال.
ويزعمون أن هذا الغوث هو الذي يُصَرِّف مجريات الكون، ويعلم ما تدور عليه هذه الأكوان، بمساعدة الأقطاب، ثم بعد ذلك الأوتاد، ثم الأبدال، فهذه درجات عند الصوفية. والله المستعان.
ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذه الترتيب .... وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به، ثم مع هذا يقولون: إنه كان صبيا دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة، ولا يعرف له عين ولا أثر، ولا يدرك له حس ولا خبر.
وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجوه، بل هذا الترتيب والاعتداد يشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق والأساس والحدّ وغير ذلك من الترتيب الذي ما أنزل الله به من سلطان"(1)
قال ابن خلدون في هذا الخصوص، والمسائل الأخرى التي ذكرناها بأن المتصوفة أخذوها من التشيع، فيقول: (إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول--------------------------------------------
(1) انظر «مجموعة الرسائل والمسائل» للإمام ابن تيمية (1/ 57 - 60) ط بيروت 1983 م، كذلك «مجموعة فتاوى ابن تيمية» (11/ 433، 434، 439).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 339)
والوحدة كما أشرنا إليه وملأوا الصحف من مثل الهروي في كتاب (المقامات) له وغيره، وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهباً لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم وظهر في كلام المتصوفة القول في القطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب (الإشارات) في فصول التصوف منها فقال جل جناب الحق أن يكون شرعه لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء(1)
هذا وقد أقر بذلك أحمد أمين المصري، فكتب: (إن الصوفية اتصلت بالتشيع اتصالاً وثيقاً، وأخذت فيما أخذت عنه فكرة المهدي، وصاغتها صياغة جديدة وسمته (قطبا)، وكونت مملكة من الأرواح على نمط مملكة الأشباح، وعلى رأس هذه المملكة الروحية القطب، وهو نظير الإمام أو المهدي في التشيع، والقطب هو الذي (يدبر الأمر في كل عصر، وهو عماد السماء، ولولاه لوقعت على الأرض)، ويلي القطب النجباء"(2).
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين والنجباء الثلاثمائة، فهذه الأسماء ليست مدرجة في كتاب الله، ولا هي أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل إلا بلفظ الأبدال، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد(3) عن علي بن أبي طالب مرفوعاً إلى--------------------------------------------
(1) (انظر «مقدمة ابن خلدون» الفصل الحادي عشر في علم التصوف (ص 473) ط القاهرة.)
(2) ضحى الإسلام لأحمد أمين (ص 245) ط القاهرة 1952 م.
(3) تأمل عدالة ابن تيمية في النقد وتحريه أبعد غايات النزاهة، وقد ذكر ابن تيمية قيمة الحديث بقوله: «منقطع الإسناد مرفوع» وحديث هذا شأنه لا يصلح أن يكون حجة أو دليلاً على شيء!! وقد جاء في الوجيز: «حديث الأبدال أورده عن ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة، والكل لا تخلو عن مجهول وضعيف وواضع»، وفي المقاصد: «حديث الأبدال له طرق عن أنس بألفاظ مختلفة كلها ضعيفة».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 340)
النبي صلى الله عليه وسلم، ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب ولا هي مأثورة على هذا الترتيب والمعاني عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً، وإما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ، ثم قال: «وأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله تعالى فهو غياث المستغيثين لا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرب ولا نبي مرسل، ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضر ونزول الرحمة بهم إلى الثلاثمائة والثلاثمائة إلى السبعين والسبعين إلى الأربعين والأربعين إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الغوث، فهو كاذب ضال مشرك، فقد كان المشركون كما أخبر الله عنهم بقوله: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه}، وقال: {أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}، فكيف يكن المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعدة وسائط من الحجاب؟ وهو القائل تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}.
وتتمة لذكر أحوال القطب وعلاماته ومقامته وأعوانه وغير ذلك فإن مما يعتقده الصوفية في تلك المملكة الباطنية وحول تلك الأسطورة من العقائدية الثابتة عند الصوفية كبيرهم وصغيرهم، والتي كانت من النتائج المباشرة لاعتناق فكرة الغنوصية(1)، أن وجدت خرافة المملكة الباطنية، بجناحيها القطب الغوث والمحكمة الباطنية أو «الديوان» أرضاً خصبة عند أولئك الذين يستهويهم الضلال والإضلال، وعمى البصر والبصيرة.
ويحسن إعطاء نبذة عن فكرة الديوان الصوفي الباطن، وأين مكان اجتماعه؟ ومن له حق الحضور، وفيما يقضي هذا الديوان حسب زعمهم،(2) حتى يستبين لك الأثر السيئ الذي تجره تلك المضامين الباطلة، التي لا تستند إلى دليل من كتاب الله ولا--------------------------------------------
(1): «الغنوص كلمة يونانية في الأصل «المعرفة»، غير أنها أخذت بعد ذلك معنى اصطلاحياً خاصاً هو إدراك الأسرار الإلهية بواسطة الكشف؛ والذي أعطاها هذا المعنى طائفة من المفكرين، عاشوا في القرون الأربعة الأولى من ميلاد المسيح، ومنهم يهود ومسيحيون ووثنيون، وأهم ما يدينون به هو الثنائية بين المادة والذات الإلهية، ومحاولة اجتياز الفاصل بينهما عن طريق سلسلة الوسطاء.
(2) كتاب هذه هي الصوفية (ص 159 - 160) ومجلة الهدي النبوي العدد 5 سنة 1386 هـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 341)
من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل ولا يوجد واقع يؤيدها، وبذلك تكتمل عندك سورة «المملكة الباطنية» وما فيها من أساطير، وأول ما نبدأ به من حديث عن هذه العقائد الباطنية ما يسمى:
الديوان أو المحكمة الباطنية:
ولأقطاب الصوفية محكمة باطنية، أو ديوان يجتمع فيه القطب ورجاله، لتصريف أقدار الوجود، ومكان الديوان غار حراء، ووقته ساعة الاستجابة من ثلث الليل الأخيرة ورئيس الديوان هو القطب الغوث، ومكان جلوسه خارج الغار، وعن يمينه يجلس أربعة أقطاب على مذهب مالك، وعن يساره ثلاثة أقطاب من كل مذهب واحد، أما وكيل القطب، ويسمى قاضي الديوان، فيجلس أمام القطب، ومن يتكلم نائباً عن جميع أهل الديوان، وهنالك ستة صفوف من وراء الوكيل، ويتكون الصف الأول من سبعة الأقطاب، ويحضر الديوان بعض الكمل من الأموات، وقد رآهم الدباغ واستقبلوه أحسن استقبال في الديوان، وكيف يحضر الموتى إلى هذا الديوان؟ يجيب الدباغ بأنهم يطيرون إليه من البرزخ بطيران الروح حتى إذا شارفوا الديوان هبطوا إلى الأرض، ومشوا على أقدامهم.
ويشهد جلسات الديوان الملائكة والجن؛ ليعينوا أهل الديوان في تصرفاتهم وأحياناً يحضره النبي صلى الله عليه وسلم، فيتخذ مكان الغوث، ويتخذ الغوث مكان الوكيل، ويدخل الملائكة في نور النبي صلى الله عليه وسلم فلا يظهر منهم ملك، أما في ليلة القدر، فيشهده جميع الرسل والملائكة والرسول وزوجاته جميعاً، والصغار من الأولياء يحضرونه بذواتهم، أما الولي الكبير فيحضره بذات من ذواته، وتبقى في البلد الذي هو فيه ذاته لا تغيب عن أهل البلد.
ويكون الديوان في موضع آخر غير غار حراء مرة في العام في موضع يقال له زاوية «أسا» خارج أرض سوس، بينها وبين أرض غرب السودان، فيحضره أولياء السودان، ويجتمعون في غير هذين الموضعين السابقين؛ لأن الأرض لا تطيقهم(1).
هذا هو الديوان الصوفي، كما وصفه كاهن صوفي كبير نقلته بلفظه نفسه، بل قل: هذه هي أسطورة الوثنية المخبولة الحمقاء، وكم للصوفية مثلها من أساطير.
ومن هذه الأساطير المخزية ما يدعونه من أن غياب القطب الغوث يسبب اضطراباً--------------------------------------------
(1) (ص 2 - 9 ج 2) الإبريز للدباغ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 342)
في الديوان ويحدث بين أهله ما يوجب اختلافهم(1).
وسبب غياب القطب يكون لأمرين(2):
أحدهما: سكره وفناؤه في مشاهدة الحق.
والآخر: كونه في بداية توليته عقب موت الغوث الذي كان قبله.
وأما عن عمل أهل الديوان: فيزعمون أنه حين يجتمع الأقطاب يتكلمون في تصريف أقدار الوجود وفيما يحفظ عليه بقاؤه، وفيما يحتاج إليه أهله في اليوم المستقبل والليلة التي تليه، ولهم التصرف في ملكوت السماوات والأرض، وفي عرش الله وفيما فوق العرش، وفي خواطر الناس وهواجسهم.
وهذه «الأسطورة أتفه من أن يبذل الحق جهداً، ليقضي عليها ببرهان، غير أن وراءها كتباً، وكبار شيوخ، والذين عميت بصائرهم، وعقولهم يظنون أنه لا يوجد في الكتب إلا الحق، وأن كبار الشيوخ لا يكذبون، يظنون أن الأمر ما دام في كتاب فهو حق، وما دام يجري على لسان شيخ كبير فهو صدق بيِّن، آمنوا بكتب الناس وبالشيوخ، وكفروا بكتاب الله وبالرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هذا أُتي المقلدون في دينهم وعقولهم».
يقول ربنا سبحانه: {الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون * يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون * ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم}، وهؤلاء الشيوخ يحكمون بأن لهم أولياء من دون الله يدبرون الأمر من السماء إلى الأرض، مما فوق العرش، وأن الأمر كله يعرج إلى القطب الغوث الذي يعلم الغيب والشهادة.--------------------------------------------
(1) هذه هي الصوفية ص 193.
(2) مجلة الهدي النبوي عدد 5 لسنة 1386 هـ ص 17.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 343)
«ومَن ادَّعى أنه يعرف ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد باء بغضب من الله، ومن ادَّعى أنه يعرف مآل الخلق ومنقلبهم، وأنهم على ماذا يموتون عليه ويختم لهم-بغير الوحي من قول الله وقول رسوله-فقد باء بغضب من الله».
وعن دعاوى هؤلاء قال ابن عربي في الفتوحات المكية: (وهم اثنا عشر نقيباً في كل زمان، لا يزيدون ولا ينقصون، على عدد بروج الفلك الاثني عشر، كل نقيب عالم بخاصية كل برج وبما أودع الله تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات …
واعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة، ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها، ومعرفة مكرها وخداعها، وإبليس مكشوف عندهم، يعرفون منه ما لا يعرفه من نفسه، وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم وطأة شخص في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقيّ مثل العلماء بالآثار والقيافة"(1)
وقال الجرجاني في تعريفاته: "القطب، وهو الغوث: عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان ومكان، وهو على قلب إسرائيل عليه السلام.
الإمامان: هما شخصان، أحدهما عن يمين الغوث ونظره في الملكوت، والآخر عن يساره، ونظره في الملك، وهو أعلى من صاحبه، وهو الذي يخلف الغوث.
الأوتاد: عبارة عن أربعة رجال منازلهم على منازل أربعة أركان من العالم: شرق وغرب وشمال وجنوب، مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة.
البدلاء: هم سبعة، ومن سافر من القوم من موضعه وترك جسدا على صورته حتى لا يعرف أحد أنه فقد، فذلك هو البدل لا غير، وهم على قلب إبراهيم عليه السلام.
النجباء: أربعون، وهم المشغولون بحمل أثقال الخلق فلا يترفون إلا في حق الغير.--------------------------------------------
(1) ضحى الإسلام لأحمد أمين (ص 245) ط القاهرة 1952 م.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 344)
النقباء: هم الذين استخرجوا خبايا النفوس، وهم ثلاثمائة"(1)
وقال داود بن محمود القيصري: "ولهم مراتب. الأولى مرتبة القطبية، ولا يكون فيها أبداً إلا واحد بعد واحد، ويسمى غوثا، لكونه مغيثاً للخلق في أحوالهم.
ثم مرتبة الإمامين، وهما كالوزيرين للسلطان. أحدهما صاحب اليمين، وهو المتصرف بإذن القطب في عالم الملكوت والغيب، وثانيهما صاحب اليسار، وهو المتصرف في عالم الملك والشهادة. وعند ارتحال القطب إلى الآخرة، لا يقوم مقامه، منهما وإلا صاحب اليسار، لكونه أكمل في السير من صاحب اليمين: لأنه، بَعْدُ، ما نزل في السير من عالم الملكوت إلى عالم الملك، وصاحب اليسار نزل إليه، وكملت دائرته في السير والوجود.
ثم مرتبة الأربعة، كالأربعة من الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين! ثم مرتبة البدلاء السبعة، الحافظين للأقاليم السبعة. وكل منهم قطب للإقليم الخاص به.
ثم مراتب الأولياء العشرة، كالعشرة المبشرة. ثم مراتب الاثني عشر، الحاكمين على البروج الاثني عشر، وما يتعلق بها ويلزمها من حوادث الأكوان. ثم العشرين والأربعين والتسعة والتسعين، مظاهر الأسماء الحسنى، إلى الثلاثمائة والستين.
وهؤلاء قائمون في العالم على سبيل البدل، في كل زمان، ولا يزيد عددهم ولا ينقص إلى يوم القيامة. وغيرهم من الأولياء يزيدون وينقصون، بحسب ظهور التجلي الإلهي وخفائه.
وبعدهم: مرتبة الزهاد والعبّاد والعلماء من المؤمنين، الكائنين في كل زمان إلى يوم الدين.
وجميع هؤلاء المذكورين، داخلون في حكم القطب.
والأفراد الكمّل، الذين تعادل مرتبتهم مرتبة القطب إلا في الخلافة، هم الخارجون من حكمه. فإنهم يأخذون من الله، سبحانه، ما يأخذون من المعاني والأسرار الإلهية بخلاف الداخلون في حكمه، فإنهم لا يأخذون شيئا إلا منه"(2)
إلى غير ذلك من الترهات التي جاء بها هؤلاء.
ومما يدِّعيه هؤلاء من أن لهم علم الباطن وهذا حالُ الباطنية، وهذا موجود عند--------------------------------------------
(1) التعريفات للجرجاني ص 154.
(2) «شرح مقدمة التائية الكبرى» للقيصري مخطوط (ص 104) نقلا عن كتاب «ختم الأولياء» للترمذي الحكيم (ص 495) ط بيروت.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 345)
المتصوفة وغيرهم؛ أنهم يقولون نحن علماء الباطن وأنتم علماء الظاهر، أو نحن علماء الحقيقة وأنتم علماء الشريعة، فهذا كله من الدعاوى الباطلة، وهؤلاءِ أرادوا أن يُفسدوا الدين من جهةِ أن يجعلوا له معانٍ ظاهرة ومعانٍ باطنة، فهذه النصوص واضحةُ المعاني معلومةُ المعاني والله عز وجل خاطبنا بما يظهرُ منها.
وإن من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف المتصوفة هو تفريقهم بين الحقيقة والشريعة وادعاؤهم بأن الحقيقة غير الشريعة.
ومصطلح الشريعة والحقيقة مصطلح خاص بهم وكل من قرأ في كتب المتصوفة يجد بأن المتصوفة يكررون هذا المصطلح بكثرة وهو في الحقيقة لا يبعد كثيرا عن مصطلح الظاهر والباطن الذي وضعه الباطنية كمصطلح خاص بهم إلا أن الصوفية قد شاركوا الباطنية في مصطلح الظاهر والباطن أيضا، وكلا المصطلحين وضعهما الصوفية والباطنية ليهدموا بهما الشريعة الإسلامية ويقضوا عليها.
ويعني المتصوفة بهذين المصطلحين بأن هناك في الإسلام علمين علم يخص أهل الظاهر وهي الشرعية الإسلامية التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم بكل ما فيها من عقائد وعبادات وآداب وأخلاق وسلوك وهذا علم يرتفع عنه المتصوفة ويرون الوقوف عند هذا العلم انحطاطا وأن الإنسان الذي تعلم العلم الشرعي " الكتاب والسنة " يعتبر في نظر المتصوفة في درجة العوام الذين لا يعتد بفتواهم.
والعلم الثاني العلم الذي يطلق عليه المتصوفة علم الحقيقة وهو الذي يعبرون عنه بالعلم اللدني ويعتقد المتصوفة بأن هذا هو العلم النافع وهو الذي من عرفه يستحق أن يسمى عالما في زعمهم.
وأما الكيفية التي ينال بها هذا العلم اللدني حسب زعم المتصوفة فهي المجاهدة التي إذا استمر عليها الإنسان ينزل عليه علم الحقيقة من الله والذي يقولون عنه أنه سر من أسرار الله لا ينزله إلا على قلوب الخاصة ويعنون بهذا أنفسهم لأنهم يقولون لا ينزل هذا العلم إلا على أولياء الله وقد حصروا الولاية في أنفسهم.
ومن هنا بعد القوم عن الشريعة الإسلامية الغراء التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله وفيها هدى ونور أصبحوا يبحثون عن الهداية والوصول إلى مرضاة الله عن طريق علمهم المزعوم والذي وصفوه بأنه بعيدا كل البعد عن المعاني التي تدل عليها النصوص القرآنية والحديثية على حسب الأساليب المعروفة في اللغة العربية وكل من اعترض على تفسيرهم الباطل سدوا عليه الباب بأن هذا علم الحقيقة أو علم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 346)
الباطن وأن هذا العلم لا يدركه إلا أهل الحقيقة ويعنون أنفسهم ولذا لا ينبغي لأهل الرسوم أن يعترضوا عليهم لأنهم يجهلون هذا العلم ولقد صرح المتصوفة بأن هناك علما يسمى علم الحقيقة يختلف تماما عن علم الشريعة الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإليك النصوص من كتبهم أنفسهم.
قال المنوفي في كتابه (جمهرة الأولياء): "إن القوم يرجعون بسند طريقهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث إن جبريل عليه السلام نزل بالشريعة أولاً فلما تقررت ظواهر الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة والحكمة المرجوة … من أعمال الشريعة فخص الرسول صلى الله عليه وسلم بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض" ثم قال في نفس الصفحة:
"وأول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا علي وذكر السلسلة الصوفية في تلقي العلوم اللدنية إلى أن وصل إلى الجنيد الذي قال عنه أنه صحب الشافعي في علوم الظاهر ثم صحب وأخذ عن خاله السري السقطي علوم الباطن وعن الجنيد أخذ المحاسبي ثم انتشر هذا الطريق انتشارا لا ينقطع حتى ينقطع عمر الدنيا"(1).
وقد ذكر ابن عجيبة في " الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية" شرح الحديث المكذوب على الرسول صلى الله عليه وسلم والذي هو: «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة بالله»(2) ثم ذكر في نفس الكتاب شرح هذا الحديث المكذوب فقال: "قال بعضهم في شرح هذا الحديث هي أسرار الله يبديها الله إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص فإذا سمعها العوام أنكروها ومن جهل شيئا عاداه"(3).
وينبغي أن نتذكر جيدا بأن المتصوفة يقصدون بكلمة العوام علماء الأمة الإسلامية من محدثين ومفسرين وفقهاء.
فمن النصوص المتقدمة نخرج بالنتائج الآتية:
أثبتنا بأن المتصوفة يقولون بأن هناك حقيقة تختلف عن الشريعة ومع هذا فإننا--------------------------------------------
(1) «جمهرة الأولياء» للمنفوي (1/ 159).
(2) قال ابن تيمية في «درء التعارض» (5/ 85) ليس له إسناد صحيح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (1/ 39) إسناده ضعيف، وقال الألباني في «الضعيفة» (870) ضعيف جدا.
(3) «الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية» لابن عجيبة على هامش «إيقاظ الهمم في شرح الحكم» لابن عجيبة على هامش (1/ 29).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 347)
نلاحظ أيضا بأن البعض منهم قالوا إنها نزلت على الرسول بعد استكمال الشرعية.
والبعض الآخر قال: إنها أسرار الله يبديها الله لأوليائه.
وكلا القولين تترتب عليهما أمورا خطيرة.
وادعاء أن لها علم باطن هذا فيه اتهامٌ للنبي صلى الله عليه وسلم أنه كتمَ الحق فأظهرَ لنا أمراً وأخفى عنا غيره، وهذا الذي يزعمه هؤلاء؛ أن الذي أظهره النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو الظاهر، وأن ما عندهم هو علم الباطن، فكل هذا من الافتراء والكذب ومحاولة تشويه دين الإسلام.
فالله تعالى أنزلَ كتاباً وأرسلَ رسولاً، وهذه الآيات وهذه النصوص وهذه المعاني واضحة بيِّنة لأنها بلسانٍ عربيٍّ مبين {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، وقال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] فهو بيِّن واضح ليس للأمرِ ظاهر وباطن كما يزعم هؤلاء الذين أرادوا تحريفَ دينِ الإسلام.
وفي سبيل ترويج باطلهم أظهروا ما يسمى بالذوق والكشف والوجد
فجعلت الصوفية «الذوق» هو وسيلة المعرفة، دون الشرع والعقل، فقصرت رحمة الله على فئة قليلة في عباده، وصيَّرت الإنسان كمن يمشي في ضوء الشمس وهو مغمض عينيه، فلا يستفيد من ضوئها، أو كمن يحاول أن يبصر في الظلام فلا يستفيد من عينيه.
وبذلك اختلفت طرائقهم وأفكارهم، وصارت مصادر المعرفة عند الصوفية مختلفة ومتباينة؛ لأن كل صوفي يتحدث عنها من واقع تجربته الخاصة.
ومن هذا المنطلق كتب الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله في كتابه «هذه هي الصوفية» عن مفهوم الذوق عند الصوفية، يقول: إن الصوفية تعتقد أن الذوق الفردي لا الشرع، ولا العقل هو وحده وسيلة المعرفة ومصدرها لمعرفة الله وصفاته، وما يجب له، فهو - أي الذوق - الذي يقوم حقائق الأشياء ويحكم عليها بالخَيْرِيَّة أو الشَّرِّية، بالحُسُنِ والقُبْحِ، بأنها حق أو باطل، فلا جَرَمَ أن تدين الصوفية بعدد عديد من أرباب وآلهة، ولا عجب أن ترى النِّحلَةَ منها تخضع لصنم يكفر به سواها من النِّحل الصوفية، لا عجب في ذلك كله ما دامت تجعل «الذوق»(1) الفردي حاكماً وقيماً على المسميات وأسمائها(2).--------------------------------------------
(1) يعني الذوق الخاص بكل إنسان ونتيجة لهذا يصبح الدين والأخلاق بلا معيار ولا ميزان.
(2) كتاب «هذه هي الصوفية» تأليف الشيخ عبد الرحمن الوكيل (ص 33).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 348)
وعن تعريف كلمة الذوق عند الصوفية، يذكر الشيخ الوكيل رحمه الله جانباً من التعريفات التي قالوها:
1 - يعرف القيصري الذوق بقوله(1): «ما يجده العالم على سبيل الوجدان والكشف، لا البرهان والكسب، ولا على طريق الأخذ بالإيمان والتقليد»(2).
2 - أو هو: «أول درجات شهود الحق بالحق في أثناء البوارق المتوالية عند أدنى لبث في التجلي البرقي»(3).
3 - ويقول ابن عربي: «اعلم أن العلوم الذوقية الحاصلة لأهل الله مختلفة باختلاف القوى الحاصلة مع كونها ترجع إلى عين واحدة»(4)(5).
وفي مجال إبراز مدى اعتقاد الصوفية في أن «الذوق» هو وسيلة المعرفة لديهم يقول الشيخ الوكيل يقول: «كل صوفي يؤمن بأن الذوق وحده وسيلة المعرفة، أما العقل عندهم فهو طاغوت أخرق، وأما الشرع فمادية تنشب مخالبها في الصخر دون أن ترمق السماء بنظرة واحدة، وهو نوع من عبادة التاريخ الميت، ولهذا تتباين عندهم قيم الأشياء تبعاً لتباين الذوق!! (5).
وأما الكشف فقد روجت الصوفية لفكرة الكشف، ويتفيهقون بأن مرتبة الكشف وراء طور العقل، وبأن مرتبة الكشف هي نيلُ ما ليس له العقل يَنَال، لا نَيْلُ ما هو ببديهة العقل محال.
ويشرح الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله معنى «الكشف» عند الصوفية قائلاً: يعرف الصوفية الكشف بأنه الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجوداً وشهوداً، والله سبحانه هو القائل: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله}.
ورداً على مقولتهم الباطلة: «وبالكشف يظهر ما ليس له العقل ينال». يقول رحمه الله: من الذي جعل من الشرع قسماً لا يناله العقل؟ بل الكشف، من قال هذا؟ ومن أين جاءوا بهذا؟ وهل في مقدور كل مسلم الكشف والمعاينة؟ يجيبون هم بأن هذا لخواص الخواص!! وهذا يستلزم أن الخواص والعوام لا يمكن أن يصلوا إلى معرفة--------------------------------------------
(1) طبقات الصوفية للسلمي ص 181.
(2) «مطلع خصوص الكلم» (ص 193).
(3) (جامع الأصول للكمشخانلي ص 101
(4) (فصوص الحكم ص 107).
(5) كتاب هذه هي الصوفية (ص 137). ويعني بالعين الواحدة: الذات الإلهية!!.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 349)
أهم حقائق الشرع، ثم ما هذا الذي لا يظهر إلا بالكشف؟! إن كان هو عين ما في الشريعة فما للكشف فائدة إذاً.
وإن كان غير ما فيها، قالوا بجواز عبادة الله بغير ما شرعه الله، وتلك هي الطامة الكبرى(1).
وكل صوفي يؤمن بالكشف، بل يزعمون أن الكشف أدنى مراتب الولي، والكشف يحصل بأسباب منها كما يروى عن الغزالي:
1 - التنبيه، وسماع الغناء منبهٌ.
2 - ومنها صفاء القلب، والسماع يؤثر في تصفية القلب.
3 - ومنها انبعاث نشاط القلب بقوة السماع.
إذاً فسماع الغناء أقوى الأسباب عند الغزالي للكشف؛ فأي كشف هذا؟ حسب الغزالي هوياً إلى أعماق الهاوية أن يزعم أن رؤية الله تحصل بسماع الغناء.
بل يرون مساواة الولي للنبي في انكشاف الحقائق:
فمن الصوفية من يفضل الولي على النبي؛ إذ يزعمون أن الولي يوحى إليه بلا واسطة، أما النبي فبواسطة، وزعيم هؤلاء ابن عربي، والغزالي يزعم أن الولي تنكشف له الحقائق، كما تنكشف للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا فرق بين الاثنين إلا في أن النبي كلف بإصلاح الخلق، وبذلك يقول: «إخبار الرسول عن الغيب وأمور في المستقبل، وإذا جاز للنبي جاز لغيره؛ إذ النبي عبارة عن شخص كوشف بحقائق الأمور وشغل بإصلاح الخلق، فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق، ولا يشتغل بإصلاح الخلق، وهذا لا يسمى نبّياً بل وليّاً».
وأما الذوق فإن الصوفية عندما تحدث عن وسيلة المعرفة عند الصوفية يعرفونها بأنها تقوم على الذوق والكشف، دون العقل والشرع، ساق في هذا المجال بعضاً من التعريفات التي اصطلح عليها كبار شيوخ الصوفية، كالقصيري، وابن عربي في تعريف الذوق.
فالقصيري يعرف الذوق بقوله: «ما يجده العارف على سبيل الوجدان والكشف لا البرهان والكسب، ولا عن طريق الأخذ بالإيمان والتقليد، وهو أول درجات شهود الحق بالحق. في أثناء البوارق المتتالية عند أدنى لبث من التجلي البرقي».--------------------------------------------
(1) مصرع التصوف للبقاعي (ص 188، 192) - تحقيق عبد الرحمن الوكيل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 350)