فكانوا وسطًا بين غلو الرافضة وجفاء الخوارج(1).
ومحبتهم لأهلِ بيتِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم محبةٌ شرعيَّة دونَ إفراطٍ أو تَفْريطٍ؛ فهم يَعْرِفُونَ لهم حَقَّهم، ويَحفظونَ وَصِيَّةَ رسولِ اللهِ فيهم، ولا يُغالونَ في مَحَبَّتِهِم؛ ولا يَرفعونهم فوق منزلتهم البشرية غلوًّا فيهم، وكذلك لا ينتقصونهم قدرهم جفاء لهم.
وما وقع بين الأصحاب الكرام من خلاف فيجب الإمساك عن الخوض فيه، والتماس العذر لهم؛ يقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «موقف أهل السنة في الخلاف والفتن التي حصلت بين الصحابة رضي الله عنهم: موقفهم في ذلك: أن ما جرى بينهم فإنه باجتهاد من الطرفين، وليس عن سوء قصد، والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وليس ما جرى بينهم صادر عن إرادة علو ولا فساد في الأرض؛ لأنَّ حال الصحابة ?م تأبى ذلك، فإنهم أوفر الناس عقولًا، وأقواهم إيمانًا أشدهم طلبًا للحق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيرُ النَّاس قَرْني»(2). وعلى هذا فطريق السلامة: أن نسكت عن الخوض فيما جرى بينهم، ونَرُدَّ أمرهم إلى الله؛ لأن ذلك أسلم من وقوع عداوة أو حقد على أحدهم»(3).--------------------------------------------
(1) انظر «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» لعبد العزيز السلمان (505 - 508)، المملكة العربية السعودية، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الطبعة الحادية عشرة، 1402 هـ.
(2) أخرجه البخاري (3651) ومسلم (2533) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(3) «مذكرة على العقيدة الواسطية» لابن عثيمين (ص 82)، مدار الوطن للنشر-الرياض، 1426 هـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 312)
«ونَترحم على عائشة ونترضى عنها».
ونص على الترحم والترضي على أم المؤمنين؛ عائشة رضي الله عنها بالذات؛ لأن الرافضة يتبرؤون منها، ولأن بعض الجهلة قد ربما تكلم في عائشة؛ لما حصل في وقعة الجمل ودخولها في ذلك.
وإنما ذهبت أمنا عائشة رضي الله عنها للصلح، ولحقن الدماء؛ فكانت غايتها أعظم غاية؛ لقول الله سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1]، فكانت ساعية في تقوى الله وإصلاح ذات البين ومنع الاقتتال بين المؤمنين والتوفيق بين علي رضي الله عنه وبين المخالفين؛ لكن حصلت الحرب والقتال لا باختيار أمنا عائشة رضي الله عنها؛ وإنما بسعي الخوارج وأهل الفتن.
وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «أَنتِ زوجتي في الدنيا والآخرة»(1).
فأزواجه صلى الله عليه وسلم هن أمهات المؤمنين، فيجب أن يعلم ما لهن من الفضل والمكانة؛ فهناك مكانة لخديجة رضي الله عنها، ومكانة لعائشة رضي الله عنها، وكذلك باقي زوجاته رضي الله عنهن جميعاً.
فمحبتهن والترضي عنهن هو من محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وفضائلهن مذكورة مبثوثة في كتب أهل السنة، فقَلَّما نجد كتابًا من كتب أهل الحديث إلا وفيه مِنْ ذِكر فضائلهن؛ فمثلًا كتب السنة ك «صحيح البخاري» و «صحيح مسلم» والكتب الستة وغيرها مليئة ومرصعة ومزينة بتلك المناقب التي تدل على سلامة قلوب أهل السنة تجاه هؤلاء النسوة اللائي اختارهن الله لأن يكن زوجات لنبيه صلى الله عليه وسلم.
ولذلك نتبرأ من الروافض الذين أبغضوا وسَبُّوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وطعنوا في بعض أزواجه بمطاعن يَستحي الإنسان من التلفظ بها وذِكرها، فضلًا عن أن تكون مُستقرة في قلب أيِّ مُسلم.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (7095)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه الألباني في «التعليقات الحسان» (7053).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 313)
فأولئك ما حَفظوا عِرضَ النبي صلى الله عليه وسلم في عائشة رضي الله عنها، وما حفظوا حقَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما لهم من المنزلة والمكانة، وكما قال الشَّعبي لمالك بن معاوية-عند ذكر الرافضة-: «يا مالك، لو أردتُ أن يُعطوني رقابَهم عبيدًا وأن يملؤوا بيتي ذهبًا على أن أكذب لهم على عليٍّ كذبة واحدة لفعلوا، ولكني والله لا أكذب عليه أبدًا. يا مالك، إني درستُ الأهواء كلها، فلم أَرَ قومًا أحمق من الرافضة … ».
«ثم قال: أُحَذِّرُك الأهواء المضلَّة، شرُّها الرافضة، فإنها يهود هذه الأمة، يُبغضون الإسلام كما يُبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتًا لأهل الإسلام وبغيًا عليهم .... ».
إلى أن قال: «ولليهود والنصارى فضيلةٌ على الرَّافضة في خصلتين: سئل اليهود: مَنْ خير أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى، فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة: مَنْ شَرُّ أهل مِلتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد. أَمَرَهم بالاستغفار لهم فشَتَموهم»(1).--------------------------------------------
(1) «العقد الفريد» لابن عبد ربه (2/ 249، 250)، دار الكتب العلمية-بيروت، الطبعة: الأولى، 1404 هـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 314)
«والقول في اللفظ والملفوظ، وكذلك في الاسم والمسمى بدعة، والقول في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق بدعة».
ثم بين قضية اللفظ والملفوظ؛ يعني مسألة: هل اللفظ بالقرآن مخلوق أو لا؟ هل يجوز أن يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق؟
واللفظ يأتي بمعنى: التلفظ، ويأتي بمعنى الملفوظ؛ هل هو الملفوظ الخارج، أو حركة اللسان التلفظ؟
فمعلوم أنه إن أريد الأول وهو التلفظ: فالتلفظ من أفعال العبد، وأفعال العباد مخلوقة.
وإن عُني باللفظ الملفوظ فالملفوظ هو القرآن.
لهذا صارت الكلمة محتملة، واستعمال المحتملات في العقيدة بدعة؛ فإنه لا يجوز أن تستعمل مثل هذه العبارة التي قد تحتمل شيئًا آخر؛ فيفهم الناس منها فهمًا غير سليم.
ولهذا كان الإمام أحمد يقول: «مَنْ قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع أيضًا»؛ لأنها تحتمل هذه وهذه، وقد سكت السلف عن الإطلاق؛ لأنَّ الألفاظ المحتملة فيما يتصل بذات الله جل وعلا أو صفاته أو أفعاله أو أمور العقيدة والغيبيات لا يجوز استعمالها، وينهى عنها.
ولهذا قال ابن القيم رحمه الله:
وَعَلَيْكَ بِالتَّفْصِيلِ وَالتَّبْيِينِ فَالْ … إِطْلَاقُ وَالإِجْمَالُ دُونَ بَيَانِ
قَدْ أَفْسَدَا هَذَا الوُجُودَ وَخَبَّطَا ال … أَذْهَانَ وَالآرَاءَ كُلَّ زَمَانِ(1)
أمَّا الاسم والمسمى، فهذا متعلق بشيئين إما بأسماء الله جل وعلا؛ يعني هل الاسم هو عين المسمى؟ أو هو غيره؟ هل اسم الله الديان أو اسم الله الرحيم هل هو عين الله؟ أو هو غير الله؟--------------------------------------------
(1) انظر: «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية» لابن القيم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 315)
إن قلنا: الاسم هو عين المسمى؛ فهذا صحيح باعتبار؛ لأن اسم الله جل وعلا دالٌّ على ذلك؛ فالرحيم هو الله جل وعلا، والقدير هو الله جل وعلا، فالاسم دال على المسمى.
وإن قلنا هنا: الاسم غير المسمى فأيضًا صحيح؛ لأن الاسم زائد على الذات.
فالأسماء والصفات زائدة على الذات؛ فالاسم مشتمل على صفة، وصفات الله جل وعلا قائمة بذاته، فهي ليست هي الذات باعتبار، ولا هي غير الذات باعتبار آخر، لهذا صار المقام يحتاج إلى تفصيل.
فَمِنْ أهل البدع من قال: الاسم هو عين المسمى. ومنهم من قال: الاسم ليس عين المسمى.
وأهل السنة لا يُطلقون لا هذا ولا هذا؛ لأن هذه من المسائل المحدثة؛ ولأنها محتملة.
وأما الأقوال الواردة في مسألة الاسم والمسمى فالذي وقفت عليه من الأقوال في هذه المسألة ثمانية أقوال:
أربعة منها لأهل السنة.
وأربعة منها لأهل البدعة.
وهذه الأقوال كما يلي:
القول الأول: الإمساك عن القول في المسألة نفيا وإثباتا؛ فأسماء الله لا يُقالُ فيها: هي هو، ولا هي غيره.
وهذا قول بعض أهل السنة(1).
القول الثاني: الاسم للمسمى.
وهذا قوله أكثر أهل السنة(2).
القول الثالث: الاسم من المسمّى.
وهذا قولٌ منقولٌ عن أبي بكر بن أبي، داود السجستاني(3).
القول الرابع: الاسم هو المسمى (أي الاسم يُراد به المسمَّى).
وهذا قول بعض أهل السنة(4).--------------------------------------------
(1) «مجموع الفتاوى» (6/ 187).
(2) المصدر السابق (6/ 187)، و «شفاء العليل» (ص 277).
(3) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (2/ 212).
(4) «مجموع الفتاوى» (6/ 187، 188).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 316)
القول الخامس: الاسم عين المسمى (أي القول باتحاد الاسم والمسمى).
وهذا قول الأشاعرة والماتريدية(1).
القول السادس: الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون الاسم غير المسمى، وتارة لا يكون الاسم هو المسمى ولا غيره.
وهذا القول المشهور عن أبي الحسن الأشعري(2).
القول السابع: الاسم غير المسمى.
وهذا قول الجهمية والمعتزلة والخوارج، وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية(3).
القول الثامن: أسماء الباري لا هي الباري ولا هي غيره.
وهذا قول لبعض الكلابية(4).
وأصل هذه المسألة: هو مسألة (صفات الله تعالى)، فقول كل فريق مبنيٌّ على قوله في صفات الله تعالى على وجه العموم، وفي (صفة الكلام) على وجه الخصوص.
فلمسألة (الاسم والمسمى) ارتباطٌ وثيقٌ بمسألة (صفة الكلام)، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن القول في أسماء الله هو نوع من القول في كلام الله»(5).--------------------------------------------
(1) «مجموع الفتاوى» (6/ 188)، و «أصول الدين» للبغدادي (ص 114، 115)، و «تبصرة الأدلة» (ص 198).
(2) «مجموع الفتاوى» (6/ 188)، و «المواقف» للإيجي (ص 133).
(3) «مجموع الفتاوى» (6/ 186)، و «مقالات الإسلاميين» (ص 172).
(4) «مقالات الإسلاميين» (ص 172)، و «مجموع الفتاوى» (6/ 189).
(5) «مجموع الفتاوى» (6/ 186).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 317)
«واعلم أني ذكرتُ اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة والتابعين مجملًا من غير استقصاء؛ إذ قد تقدم القول عن مشايخنا المعروفين من أهل الإمامة والديانة إلا أني أحببت أن أذكر (عقود أصحابنا المتصوفة) فيما أحدثه طائفة انتسبوا إليهم مما قد تخرصوا من القول مما نَزَّه الله المذهب وأهله من ذلك.
إلى أن قال: وقرأت لمحمد بن جرير الطبري في كتاب سَمَّاه «التبصير» كتب بذلك إلى أهل طبرستان في اختلاف عندهم، وسألوه أن يُصَنِّف لهم ما يعتقده ويذهب إليه؛ فذكر في كتابه اختلاف القائلين برؤية الله تعالى؛ فذكر عن طائفة إثبات الرؤية في الدنيا والآخرة.
ونسب هذه المقالة إلى الصوفية قاطبة، لم يَخص طائفة دون طائفة؛ فتبين أن ذلك على جهالة منه بأقوال المحصلين منهم؛ وكان مَنْ نسب إليه ذلك القول-بعد أن ادعى على الطائفة-ابن أخت عبد الواحد بن زيد؛ والله أعلم بمحله عند المحصلين؛ فكيف بابن أخته؟!
وليس إذا أحدث الزائغ في نِحلته قولًا نسب إلى الجملة؛ كذلك في الفقهاء والمحدثين ليس من أحدث قولًا في الفقه؛ أو لبَّس فيه حديثًا ينسب ذلك إلى جملة الفقهاء والمحدثين.
واعلم أن لفظ الصوفية وعلومهم تختلف؛ فيُطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم ومرموزات وإشارات تجري فيما بينهم؛ فمَن لم يداخلهم على التحقيق، ونازل ما هم عليه رجع عنهم خاسئًا وهو حسير.
ثم ذكر إطلاقهم لفظ الرؤية بالتقييد؛ فقال: كثير ما يقولون: رأيت الله. وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل: هل رأيت الله حين عبدتَه؟ قال: رأيت الله ثم عبدته. فقال السائل: كيف رأيته؟ فقال: لم تَره الأبصار بتحديد العيان؛ ولكن رأته القلوب بتحقيق الإيقان. ثم قال: يرى في الآخرة كما أخبر في كتابه وذكره رسوله صلى الله عليه وسلم. فهذا قولنا وقول أئمتنا دون الجهال من أهل الغباوة فينا».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 318)
في هذا الموطن ذكر الإمام أبي عبد الله بن خفيف رحمه الله-ما يُنسب إلى بعض المتصوفة من أمورٍ باطلة، ومن هذه الأمور قول بعض المتصوفة: إن الله عز وجل يُرى في هذه الحياة الدنيا؛ حيث يزعمون أنه من خلال اجتهاده في التعبُّد والأذكار على وجهٍ معين سيُكشف له الحجاب بينه وبين الله سبحانه وتعالى.
ومعلومٌ أن معتقد أهل السنة في هذه المسألة: أن الله عز وجل لا يُرى في هذه الحياة الدنيا، كما جاء في «صحيح مسلم» قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الدَّجَّال: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عز وجل حَتَّى يَمُوتَ»(1)، فلا سبيل إلى رؤية الله سبحانه وتعالى والاطلاع عليه في هذه الحياة الدنيا، وليس ذلك حتى للنبي صلى الله عليه وسلم، وسائر الناس ليس لهم ذلك مِنْ باب أولى.
فهنا ذكر أن هذا يُنسب للمتصوفة، والأحرى أن يقال: يُنسب لبعضهم وليس لكلهم، وإن كانت وردت بعض العبارات الموهمة لبعضهم فإنها لا تُحمل على الرؤيا العيانية، وإنما تحمل على رؤية قلبية، بمعنى أن الإنسان يكون عنده من الإيمان بالله سبحانه وتعالى حتى يصل إلى درجة الإحسان، وهي كما عرفها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فما يُنسب لبعض المتصوفة لا شك أنه خطأ منهم، ولكن كما هو معلوم أن التصوف المنحرف اليوم يجنح إلى هذه المسائل كثيرًا، فكثيرٌ من المتصوفة يرون أنهم من خلال خلواتهم ومن خلال أذكارهم يمكن لهم أن يروا الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن هذا أمرٌ مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة.
فإذاً لا يُنسب هذا لجميعهم وإنما ينسب لبعضهم، وهذا غالبٌ على كثيرٍ منهم اليوم.--------------------------------------------
(1) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ)، برقم (2930)، والترمذي (2235).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 319)
«وإن مما نعتقده أن الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وذكر ذلك في حَجَّة الوداع؛ فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يُبيح الحق له ما حظر على المؤمنين-إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس-وإن بلغ العبد ما بلغ من العلم والعبادات، فذلك كفر بالله والقائل بذلك قائل بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة».
وذكر كذلك أمورًا تتعلق بأن بعض المتصوفة يعتقدون أن الإنسان إذا بلغ درجة من العبودية أنه تسقط عنه التكاليف، ولا يُخاطب بالحلال والحرام، ويقولون: إنه إذا وصل إلى مرحلة معينة من الصوفية فإنه لا يمكن أن يُخاطب بالأمور التكليفية من العبادات والمعاملات، وعند ذلك لا يمكن أن يُحل حلالًا أو يحرم حرامًا.
وقال في إشارة لهذا: «وإن مما نعتقده أنَّ الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وذكر ذلك في حجة الوداع؛ فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يُبيح الحق له ما حظر على المؤمنين-إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس-وإن بلغ العبد ما بلغ من العلم والعبادات، فذلك كفر بالله والقائل بذلك قائل بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة».
فبعض المتصوفة-وللأسف الشديد-نراهم يستبيحون الأعراض والأموال، ويتركون الفرائض، وبالتالي لا يشهدون جمعة ولا جماعة، ويَستحلون بعض الأعراض وبعض الأموال، ويستحلون بعض المحرمات بدعوى أنهم قد وصلوا إلى درجة من الولاية؛ أباحت لهم مثل هذه الأمور.
فكما قال المصنف هنا: «فذلك كفرٌ بالله»، فمن اعتقد هذا فقد كفر، وقائلُ ذلك قائلٌ بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة.
فهذه بعض تصورات بعض الصوفية، ومعروف عنهم أنهم يبيحون لأنفسهم الكثير من المحرمات في أحوالٍ معينة، وكذلك يُسقطون عن أنفسهم الواجبات، بدعوى أنهم قد وصلوا إلى درجة لا يُخاطبون فيها بأحكام الشرع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 320)
«وإن مما نعتقده ترك إطلاق العشق على الله، وبين أن ذلك لا يجوز لاشتقاقه، ولعدم ورود الشرع به. وقال: أدنى ما فيه أنه بدعة وضلالة، وفيما نص الله من ذِكر المحبة كفاية».
اختلف الناسُ: هل يُطلق هذا الاسم في حقِّ الله تعالى؟
فقالت طائفة من الصوفية: لا بأس بإطلاقه، وذكروا فيه أثرًا لا يَثبت، وفيه: «فإذا فعل ذلك عَشقني وعشقتُه».
وقال جمهور الناس: لا يُطلق ذلك في حقِّه سبحانه وتعالى؛ فلا يُقال: إنه يَعشق، ولا يقال: عشقه عبدُه.
ثم اختلفوا في سبب المنع على ثلاثة أقوال:
أحدها: عدم التوقيف بخلاف المحبة.
الثاني: أن العشق إفراط المحبة، ولا يمكن ذلك في حقِّ الرب تعالى؛ فإنَّ الله تعالى لا يُوصف بالإفراط في الشيء، ولا يبلغ عبده ما يستحقه من حبِّه؛ فضلًا أن يقال: أفرط في حبه.
الثالث: أنَّه مأخوذ من التغير؛ لأنه قيل: هو مأخوذ من شجرة يقال لها: عاشقة تخضَّر ثم تدق وتصفَّر، ولا يُطلق ذلك على الله سبحانه وتعالى»(1).--------------------------------------------
(1) «روضة المحبين» (1/ 27 - 29) باختصار.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 321)
«وإن مما نعتقده: أنَّ الله لا يَحل في المرئيات، وأنه المتفرد بكمال أسمائه وصفاته، بائن من خلقه، مستو على عرشه، وأن القرآن كلامه غير مخلوق؛ حيث ما تُلي وحفظ ودرس».
معلوم أن بعض المتصوفة يَعتقدون أن الله سبحانه وتعالى يَحل في أشخاصٍ بأعيانهم، وبالتالي يرون أنهم يَصلون إلى درجة أن ذات الله سبحانه وتعالى تَحل في أعيان أفرادٍ منهم.
ومن ذلك كما ورد عن الحَلَّاج أنه كان يقول: «ما في الجُبَّة إلا الله»(1)، وهذا هو القول بالاتحاد، والاتحاد نوعان:
اتحاد عام، واتحاد خاص.
فالاتحاد العام: هو الاعتقاد بأنَّ الله سبحانه وتعالى حَلَّ في جميع المخلوقات واتَّحد بها، وهذا قول الاتحادية؛ كابن عربي.
والاتحاد الخاص عند الصوفية: إذ يعتقدون أن الله يَحل أو يتَّحد في ذواتٍ بعينها، وهو موجود كذلك عند الروافض الباطنية الذين يقولون: إنَّ الله حَلَّ في شخص عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
وكما يقول شيخ الإسلام: «إن القسمة في هذا رباعية؛ فهناك حلولٌ خاص، وهناك حلولٌ عام، وهناك اتحادٌ خاص، وهناك اتحادٌ عام. والفرق بين الحلول والاتحاد عمومًا:
أن الحلول مثل وضع الماء في الكأس، وأمَّا الاتحاد كاختلاط اللبن مع الماء، فأنت إذا وضعتَ اللبن مع الماء اتَّحدت أجزاء الاثنين؛ بحيث أصبحا شيئًا واحدًا، أمَّا وضع الماء في الكأس فإن هذا يعني أن لكل نوعٍ مكانه الذي لا يختلط فيه مع الشيء الآخر، وهذا الاتحاد الخاص والحلول الخاص أمور موجودة عند النصارى.--------------------------------------------
(1) انظر: «منهاج السنة النبوية» (5/ 357).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 322)
فمن النصارى من يقول: إن اللاهوت-أي: الإله-قد اتحد في الناسوت، بمعنى: أنه امتزج به فأصبحا شيئاً واحدًا، ومنهم مَنْ يقول: إنَّ اللاهوت حلَّ في الناسوت، وتدرع به، وهذا يُوجد في بعض مَنْ ينتسب إلى الإسلام.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 323)
«ونعتقد: أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلًا، واتخذ نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم خليلًا وحبيبًا، والخلة لهما منه على خلاف ما قاله المعتزلة: إن الخلة: الفقر والحاجة.
إلى أن قال: والخُلَّة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه».
ثم قال هنا: «والخلَّة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما»، لكن المحبة التي هي ميل النفس إلى المحبوب، هذا يكون في المخلوقين. أما صفات الله سبحانه وتعالى فإنَّا نُثبتها من غير تكييف، وبما أن الصفة ثابتة بنصِّ الشرع فإنا نثبتها على الوجه اللائق به دون تكييف أو تشبيه.
والدليل على إثبات صفة الخلة لله تعالى قوله تعالى: {ومن أحسن دينًا مِمَّنْ أسلمَ وجهه لله وهُو محسن واتَّبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا واتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا} [النِّساء: 125].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 324)
«وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف؛ وأما صفات الله تعالى فمعلومة في العلم وموجودة في التعريف، قد انتفى عنهما التشبيه، فالإيمان به واجب وحسم الكيفية عن ذلك ساقط».
نعلم أن إيمان أهل السنة بالصفات إيمان وجود، فإن كانت الخلة أو المحبة أمورًا شعورية وأكثر منها أمورًا حسية، فإن تعريف هذه الصفات هكذا إنما هو بالنسبة لاتصاف المخلوقين بها، ولا يعني أن يكون هذا هو تعريفها في حق الخالق سبحانه وتعالى؛ وإنما يكون إثباتها للخالق إثبات وجود لا إثبات كيف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 324)
«ومما نعتقده: أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم، وأن من قال بتحريم المكاسب فهو ضال مضل مبتدع؛ إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات في شيء، وإنما حرم الله ورسوله الفساد؛ لا الكسب والتجارة؛ فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة جائز إلى يوم القيامة.
وقال: «ومما نعتقده أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات»، وهذا ردٌّ على زعم بعض المتصوفة بوجوب ترك التجارة والمكاسب والزهد في الدنيا والانقطاع عنها، ومعلوم أن هناك فرقًا بين قول أهل السنة في الزهد وبين قول هؤلاء المتصوفة الذين انحرفوا في هذا الباب؛ إذ زعموا أن الزهد في الدنيا هو الانقطاع عنها، وزعموا كذلك أن الاشتغال بالتكسُّب والتجارة كله حرام، وزعموا أن هذه الأموال أموالٌ محرمة.
قال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) البقرة 275.
قال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: "كسبٌ فيه بعضُ الدنيِّة خيرٌ من الحاجةِ بين الناس"(1)
فهنا بَيَّنَ ابنُ خفيف رحمه الله معتقد أهل السنة في ذلك، فقال: «ومما نعتقده أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم، وأن من قال بتحريم تلك المكاسب فهو ضالٌ مضلٌّ مبتدع»، وهذا الأمر يوجد في أفهام الصوفية، ويروِّجون له؛ بزعم أن الاشتغال بالتكسب وبالتجارة مما حرمه الله.
فقال هنا: «إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات بشيء، وإنما حرم الله ورسوله الفساد لا الكسب والتجارات، فإنها على أصل الكتاب والسنة جائزة إلى يوم القيامة، وإن مما نعتقد أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من--------------------------------------------
(1) انظر كتاب الآداب الشرعية والمنح المرعية الجزء الثالث، صفحة (277).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 325)
جميع الجهات»، يعني: يجعل الخلقَ ممنوعين من الوصول إلى ذلك.
ويقول شارح «العقيدة الطحاوية»: «قد ظَنَّ بعضُ الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مُقَدَّرة فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا فاسد؛ فإن الاكتساب: منه فرض، ومنه مُستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، كما قد عُرف في موضعه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل المتوكلين- يَلبس لَأْمَةَ الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب، حتى قال الكافرون: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} [الفرقان: 7]. ولهذا تجد كثيرًا ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يُرزقون على يد مَنْ يُعطيهم؛ إمَّا صدقة، وإمَّا هدية … »(1).
وقال ابنُ القيم: «وفي الأحاديث الصَّحيحة الأمر بالتَّداوي، وأنَّه لا يُنافي التوكل، كما لا يُنافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتمُّ حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نَصَبَها الله مقتضيات لمسبباتها قَدَرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يَقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويُضعفه من حيث يظنُّ مُعطلها أنَّ تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يَضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلَّا كان معطلًا للحكمة والشرع؛ فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا»(2).
وقال ابنُ حَجَر: «المراد بالتوكل: اعتقاد ما دَلَّت عليه هذه الآية: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، وليس المراد به: ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين؛ لأنَّ ذلك قد يَجُرُّ إلى ضِد ما يَرَاه من التوكل، وقد سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئًا حتى يَأتيني رزقي! فقال: هذا رجل جَهِل العلمَ؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله جعل رزقي تحت ظلِّ رُمحي»(3)، وقال: «لو تَوكلتم على الله حقَّ تَوكله لرزقكم كما يَرزق الطير--------------------------------------------
(1) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (ص 270)، دار السلام، الطبعة المصرية الأولى، 1426 هـ-2005 م.
(2) «زاد المعاد في هدي خير العباد» (4/ 15)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1415 هـ/ 1994 م.
(3) جزء من حديث؛ أورده البخاري تعليقًا في باب (مَا قِيل فِي الرِّمَاحِ) (4/ 40)، وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (19401)، وأحمد في «المسند» (5114)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في «الإرواء» (1269). ولابن رجب الحنبلي رسالة ماتعة في شرح هذا الحديث، بعنوان: «الحِكَم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بُعِثتُ بالسَّيف بين يدي السَّاعة».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 326)
تَغدو خماصًا، وتَروح بِطانًا»(1)، فذكر أنَّها تَغدو وتروح في طلب الرزق، قال: وكان الصحابة يَتَّجِرون ويَعملون في نَخيلهم، والقدوةُ بهم»(2).--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد في «المسند» (205)، والترمذي (2344) من حديث عمر ?، وصححه الألباني في «الصحيحة» (310).
(2) «فتح الباري» (11/ 305، 306)، دار المعرفة، بيروت، 1379 هـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 327)
«وإن مما نعتقد أن الله لا يأمر بأكل الحلال، ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة. والمعتقد أن الأرض تخلو من الحلال، والناس يتقلبون في الحرام؛ فهو مبتدع ضال، إلا أنه يقل في موضع ويكثر في موضع؛ لا أنه مفقود من الأرض».
مسألة الحلال والحرام تتبين بأمور:
أولها: النصوص، فالحلال ما أحلّه الله والحرام ما حرمه الله، وقد جاءت النصوص في بيان أن الأصل في الأمور الحل، وأن الحرام ما نُص عليه أو دخل في قاعدة من القواعد التي يتبين بها الحرام من خلال النصوص الشرعية أو الإجماع، هذا أمر.
ثانيها: أن هناك درجة أخرى للتمييز بين الحلال والحرام بعد النصوص الشرعية، وهو الفطرة والعقل السليم، فإن الفطرة والعقل السليم رُكّبت على أنها توافق الشرع في الإقرار بما أحله الله عز وجل والنفور مما حرمه الله.
وهو هنا يشير إلى المعنى الفطري في المسلمين الذين هم على الاستقامة، وهم عامة المسلمين الذين لم تدخلهم الشبهات ولا الشهوات، أما إذا دخلت على الإنسان الشبهات والشهوات فإنه قد يحلف على الحلال بأنه حرام والعكس كذلك، لأنه مسخت فطرته، وفسد عقله، وتبع هواه.
ولا شك أن الوصول إلى الحلال إنما يكون بطريق التجارة، كما قال تعالى: {أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، فإذًا لابد من التكسب، ولا بد من التجارة، ومَن قال: وزعم أن الناس جميعًا يتقلبون في الحرام، فهو مبتدعٌ ضالٌّ، ولا شك أن هذا الأمر، أي: الحرام يَقل ويَكثر ويُوجد في بعض البيوع ويوجد في بعض التجارات، لكن لا نزعم أن كل التجارات وكل البيوع هي كسبٌ مُحَرَّم، ومما نعتقده أنا إذا رأينا مَنْ ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه.
فلذلك هذا ردٌّ على زعم مَنْ يزعم أنَّ كل إنسان عنده غنى أو في نعمة: أن كسبه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 328)
حرام يجب اجتنابه، فالبعض يُفتي أنه إذا دعا هذا الغنيُّ أحدًا من الناس أنه لا تُجاب دعوته، بزعم أن ماله مَشبوه، وأنه على أمرٍ قد حرمه الله سبحانه وتعالى من كسبه ومن التجارة، فيزعم هؤلاء أنهم لا يُجيبون دعوة الأغنياء من الناس تحت دعوى أن مال هؤلاء مالٌ مشبوه، وهذه دعوى البعض يَعتقدها، وهذا لا يقول به أهل السنة والجماعة.
فإن الأصل في أموال الناس الحلُّ، إلا إذا تبين لنا أن فيها حرامًا، فإذا تبين لنا فعند ذلك للإنسان أن يجتنب هذا المال؛ لأنه قد يكون مال شبهة، وهكذا الإنسان لو ابتلي بأبٍ أو بأسرة يوجد في أموالها ما هو حرام، فهل على الإنسان أن يجتنب ذلك كله، أو يقوم على أن الأصل هو الحل، وإنما وزر هذا الكسب يكون على مَنْ تسبب فيه .. وهذه أمور مبسوطة في كتب الفقه؛ يذكرها أهل العلم، ويبينون أن على الإنسان أن يستبرأ لدينه، وأن الإنسان إذا كسب مالًا حرامًا فوزره عليه.
فمعلومٌ أنه لا يحلُّ مال امرئٍ مسلم إلا بطيبةٍ من نفسه فليس لك الحق في أن تأخذَ من مالِ أخيك حتى وإن كان شيئاً يسيراً لم تطب به نفسه، لا يجوز لك أن تأخذه في هذا الشيء حتى لو كان المال الذي في يده مال حرام فهو ضامن له إلا إذا كان ولي أمر أو سلطان وأرادَ أن يًخرجَ هذا المال من يدِ هذا الذي اغتصبَ هذا المال فذاك في ولاية السلطان، أما أنت فليس لك حقٌ في أخذه فلعل الله عز وجل أن يتوبَ على هذا الشخص فيُرجِع هذا المال إلى أهله فلا تقول إنه مال حرام وأنا لي حق في أخذه، ليس لك الحق في أخذه مهما كان.
ثم المكاسب-بحمد الله تعالى-مطلقة إلا ما بانَ بيانُ تحريمه في هذا الشيء، ثم إن الأمر بالتكسُّب أمرٌ شرعي، وطلبُ القوت والرزق أمرٌ شرعي، وترك التكسُّب كما يدعو إليه المتصوفة؛ ويدعون إلى أن يعيشَ الناس على التكفف من غيرهم والسؤال من غيرهم والعيش بالأربطة وغير ذلك والتفرغ للعبادة، كل هذا ليس من دين الله عز وجل، ونحن نعلم أن أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم كان منهم التاجر، وكان منهم الفلاح المزارع، وكان منهم مَنْ يقوم بالاحتطاب؛ إلى غير ذلك فهم كانوا أهل صنعة وأهل حرفة.
وما كان من أصحاب السخرة فلأنهم من المهاجرين الذين لم يجدوا لهم فرصةً للعمل باعتبارِ أن المكاسب والأعمال في المدينة كانت في ذلك الوقت محدودة، ثم إن أهلِ السخرة بمجردِ أن تغير وجاءت الفتوحات على أهل الإسلام لم يبقوا في المسجد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 329)
فهذا أبو هريرة ممن كان في السخرة أصبحَ يوماً أميراً للمدينة فلم يكن حالُ أهل السخرة حالُ تعبد، وإنما كان حال اقتصادي دعا إليه الحال الذي كان عليه حالُ الناس في ذلك الوقت من قلةِ المكاسب، ثم لما فتحَ الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم لم يبقَ أحدٌ في السخرة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 330)