كما يذكر عن ابن عربي قوله:
«اعلم أن العلوم الذوقية الحاصلة لأهل الله، مختلفة باختلاف القوى الحاصلة مع كونها ترجع إلى عين واحدة».
والمعروف عن التصوف أنه على نوعين:
النظري «الإشراقي»: والغاية منه معرفة الله «بالذوق» واكتناه أسرار ربوبيته بالمواجيد.
التصوف العملي: وهو قائم على الرياضيات والمجاهدات، أي على الذكر والزهد والعبادة وفي الحقيقة لا يمكن التفرقة بينهما، لأن النظري وليد العملي، لأن النظرية وليدة التطبيق(1).
ولقد أكثر الصوفية في كلامهم عن الحديث عن المحبة والفناء، وجعلوا الذوق هو طريق المعرفة الحقة، وأن الشريعة للعوام، وأن الحقيقة للخواص، وأن لكل شيء ظاهر وباطن، فمن ثم اتسم فكرهم عن الجانب الإلهي بالغموض والإبهام، وظهرت فيه آثار الغنوصية(2) والباطنية، مما دعى بعض الباحثين إلى التساؤل، عما إذا كان هناك علاقة بين غلاة الصوفية والباطنية والإسماعيلية والفلاسفة(3).--------------------------------------------
(1) هذه هي الصوفية (ص 166).
(2) انظر الغنوصية فصل وسيلة المعرفة عند الصوفية.
(3) يقول الدكتور محمد السيد الجليند في كتاب «من قضايا التصوف» (ص 86): ومن يقرأ تاريخ القرن الثالث والرابع الهجريين وظروف نشأة هذه الفرق لابد أن يدرك الخيوط القوية بين هذه التيارات الجديدة الغريبة على الحياة الإسلامية، ولابد أن يدرك أن هناك خيوطاً مشتركة وعقلاً يفكر وينظم فليس من قبيل المصادفة، أن تجد فكرة الظاهر والباطن قاسماً مشتركاً بين كل هذه الطوائف وليس من قبيل المصادفة أن تجد خصائص وأوصاف الإمام عند الشيعة هي أوصاف القطب، والولي عند الصوفية، وهذه العلاقة القوية أشار إليها ابن خلدون في المقدمة (ص 223)، ويقول الدكتور الجليند أيضاً (ص 79): ومن جهة أخرى لو قارنا بين فكرة الظاهر والباطن عند الباطنية، والحقيقة والشريعة عند الصوفية، سوف نجد صلة قوية بين الفكرتين. [فتحي عثمان].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 351)
«ومن زعم أن صفاته قائمة بصفاته-ويشير في ذلك إلى غير الأيد والعصمة والتوفيق والهداية-وأشار إلى صفاته عز وجل القديمة-فهو حلولي قائل باللاهوتية(1) والالتحام، وذلك كفر لا محالة».
هذا هو الحلول والاتحاد الخاص؛ وهو أن يتحد اللاهوت بالناسوت، فهم يرون أن صفات الخالق تَحل في صفات المخلوق، فعند ذلك يزعمون أن الله حَلَّ في شخصه، وقد صرخ أحدهم في بعض جلساته، وزعم أنه هو الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهل هنالك كفر أعظم من ذلك؟! والله المستعان.--------------------------------------------
(1) اللاهوتية: نسبة إلى (لاهوت)، وهو عند النصارى: العلم الذي يبحث في وجود الله وذاته وصفاته. انظر: «المعجم الفلسفي» (ص 160).
ويقصد المؤلف هنا: أن من زعم أن صفات الله قائمة بصفته فهو قائل بمذهب فرقة (النسطورية) من النصارى القائلين: إن اللاهوت حلَّ في الناسوت كحلول الماء في الإناء. ومعنى اللاهوت: أي: الإله، والناسوت: عيسى. انظر: «مجموع الفتاوى» (2/ 171)، و «الملل والنحل» (1/ 268 - 270).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 352)
«و (الفراسة) حق على أصول ما ذكرناها، وليس ذلك مما سميناه في شيء».
تعريف الفراسة:
• قال الراغب الأصفهاني: هي الاستدلال بهيئات الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله على أخلاقه وفضائله ورذائله.
• وقال فخر الدين الرازي: الفراسة هي الاستدلال بالأحوال الظاهرة على الأخلاق الباطنة.
ويقسمها ابن القيم (في كتاب مدارج السالكين)(1) إلى ثلاثة أقسام:
• الفراسة الإيمانية: وهي نور يقذفه الله في قلب عبده يفرق به بين الحق والباطل، والحالي والعاطل، والصادق والكاذب.
وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب كوثوب الأسد على الفريسة، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن كان أقوى إيمانا فهو أحدُ فراسة … وهذا النوع مصاحب للأنبياء والصالحين وأهل العلم والايمان.
• فراسة الرياضة والجوع: فراسة الرياضة والجوع والسهر والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان ولا على ولاية، وهي من أبطل الباطل، وللرهبان فيها وقائع معلومة، وهي فراسة لا تكشف عن حق نافع ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها جزئي من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبارة الرؤيا والأطباء ونحوهم.
• الفراسة الخلقية: وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم واستدلوا بالخِلق على الخلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل وبكبره على كبر العقل، وبسعة الصدر وبعد ما--------------------------------------------
(1) مدارج السالكين 2/ 453 - 456
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 353)
بين جانبيه على سعة خلق صاحبه واحتماله وبسطته، وبخمود العين وكلال نظرهما على بلادة صاحبها، وبتدويرها مع حمرتها وكثرة تقلبها على خيانته ومكره وخداعه …
• وقال ابن القيم " فراسة المتفرس تتعلق بثلاث " بعينه وأذنه وقلبه:
• فعينه: للسيماء والعلامات … أي لملاحظة العلامات الوجهية والجسدية والخلقية والتفرس فيها.
• وأذنه: للكلام وتصريحه وتعريضه ومنطوقه ومفهومه وفحواه وإشارته ولحنه وإيمائه ونحو ذلك.
• وقلبه: للعبور والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيه … بمعنى إدراك القول الملفوظ والفعل المفعول، وفهم المقصود من وراءه في النية والقلب.(1)
ولإتقان الفراسة سببان كما يرى ابن القيم:
• أحدهما: جودة ذهن المتفرس، وحدة قلبه، وحسن فطنته.
• والثاني: ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه … أي ظهور العلامات الوجهية والجسدية والخلقية.
فإذا اجتمع السببان، لم تكد تخطئ للعبد فراسة، وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة، وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراسته بين بين.
الفراسة في الكتاب والسنة:
• قال تعالى " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ " (الحجر: 75) - ذكر عدد من أهل العلم أن هذه الآية عن أهل الفِراسة، وهم المتفرسون الآخذون بالسيما، وهي العلامة (السمات الخلقية).
• قال تعالى: " وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ " (محمد: 30)
• قال تعالى: " تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ " (البقرة: 273)
• قال عليه الصلاة والسلام " إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم(2) " رواه--------------------------------------------
(1) مدارج السالكين 2/ 456
(2) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد: 10/ 271 وإسناده حسن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 354)
البزار(1) والطبراني في الأوسط(2)
• جاء في الأثر عن رسول الله انه قال " اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله " رواه الترمذي(3).--------------------------------------------
(1) البحر الزخار المعروف بمسند البزار: 13/ 326 وقال: لا نعلم رواه عن ثابت، عن أنس إلا أبو بشر.
(2) المعجم الأوسط: 3/ 207 وقال: لم يروه عن ثابت إلا أبو بشر ولا عن أبي بشر إلا أبو عبيدة.
(3) سنن الترمذي: 3127
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 355)
وقوله: «ونعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (روح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم.
وكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال في (كتاب اللقط) لما تكلم على خلق الروح، قال: "النسم الأرواح، قال: وأجمع الناس أن الله خالق الجثة وبارئ النسمة، أي: الروح".
وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: "سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة، قال: هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب"، إلى أن قال: "والروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة".
وصنف الحافظ أبو عبد الله بن مندة في ذلك كتاباً كبيراً في (الروح والنفس) وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئاً كثيراً، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره، والشيخ أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في عيسى ابن مريم، لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في (الرد على الزنادقة والجهمية) "(1)
يقول ابن تيمية: (والأرواح مخلوقة بلا شك، وهي لا تعدم ولا تفنى، ولكن موتها بمفارقة الأبدان، وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان)(2)--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 4/ 216 - 217
(2) مجموع الفتاوى 4/ 279
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 356)
«ومن قال: إنها غير مخلوقة فقد ضاهى قول النصارى-النسطورية-في المسيح، وذلك كفر بالله العظيم».
من طوائف النصارى: النسطورية واليعقوبية.
فالنسطورية: هم أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه، وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه الشريعة، قال: إن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: (الوجود والعلم والحياة)، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى عليه السلام لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة، وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم.
وأشبه المذاهب بمذهب نسطور في الأقانيم أحوال أبي هاشم من المعتزلة، فإنه يُثبت خواصَّ مختلفة لشيء واحد، ويعني بقوله: واحد، يعني الإله، قال: هو واحد بالجوهر. أي: ليس هو مركبًا من جنسين، بل هو بسيط وواحد.
ويعني بالحياة والعلم أقنومين جوهرين، أي: أصلين مبدأين للعالم، ثم فسَّر العلم بالنطق والكلمة، ويرجع منتهى كلامه إلى إثبات كونه تعالى موجودًا حيًّا ناطقًا، كما تقول الفلاسفة في حدِّ الإنسان، إلا أن هذه المعاني تتغاير في الإنسان؛ لكونه جوهرًا مركبًا، وهو جوهر بسيط غير مركب.
وبعضهم يُثبت لله تعالى صفات أُخر بمنزلة القدرة والإرادة ونحوهما، ولم يجعلوها أقانيم، كما جعلوا الحياة والعلم أقنومين.
ومنهم مَنْ أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حيٌّ ناطق إله، وزعم الباقون أن اسم الإله لا يُطلق على كل واحد من الأقانيم، وزعموا أن الابن لم يزل متولدًا من الأب، وإنما تجسَّد واتحد بجسد المسيح حين ولد، والحدوث راجع إلى الجسد والناسوت، فهو إله وإنسان اتَّحَدَا.
وهما جوهران أقنومان طبيعتان: جوهر قديم، وجوهر محدث إله تام وإنسان
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 357)
تام، ولم يبطل الاتحاد قدم القديم، ولا حدوث المحدث، لكنهما صارا مسيحًا واحدًا طبيعة واحدة، وربما بدَّلوا العبارة، فوضع مكان الجوهر الطبيعة ومكان الأقنوم الشخص، وأما قولهم في القتل والصلب فيخالف قول الملكانية واليعقوبية.
قالوا: إنَّ القتل وقع على المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته؛ لأن الإله لا تحلُّه الآلام.
ومن النسطورية قوم يُقال لهم: المصلين. قالوا في المسيح مثل ما قال نسطور، إلا أنهم قالوا: إذا اجتهد الرجل في العبادة وترك التغذي باللحم والدسم، ورفض الشهوات الحيوانية والنفسانية، تصفَّى جوهره حتى يبلغ ملكوت السموات، ويرى الله تعالى جهرة، وينكشف له ما في الغيب، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
ومن النسطورية مَنْ ينفي التشبيه، ويُثبت القول بالقَدَر خيره وشره من العبد، كما قالت القدرية(1).
وأمَّا اليعقوبية فهم أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة إلا أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحمًا ودمًا، فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده، بل هو هو.
وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 73].
فمنهم من قال: إن المسيح هو الله تعالى.
ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت، فصار الناسوت المسيح مظهر الجوهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو، وهذا كما يقال: ظهر الملك بصورة إنسان. أو: ظهر الشيطان بصورة حيوان، وكما أخبر التنزيل عن جبريل عليه السلام: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17].
وزعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد، أقنوم واحد إلا أنه من جوهرين، وربما قالوا: طبيعة واحدة من طبيعتين، فجوهر الإله القديم، وجوهر الإنسان المحدث تركَّبَا تركيبًا، كما تركبت النفس والبدن، فصارا جوهرًا واحدًا أقنومًا واحدًا، وهو إنسان كله وإله كله.--------------------------------------------
(1) «الملل والنحل» للشهرستاني (1/ 268).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 358)
فيقال: الإنسان صار إلهًا. ولا ينعكس فلا يقال: الإله صار الإنسان. كالفحمة تطرح في النار، فيقال: صارت الفحمة نارًا. ولا يقال: صارت النار فحمة. وهي في الحقيقة لا نار مطلقة، ولا فحمة مطلقة بل هي جمرة، وزعموا أن الكلمة اتحدت بالإنسان الجزئي لا الكلي، ولربما عبروا عن الاتحاد بالامتزاج والادراع، والحلول كحلول صورة الإنسان في المرآة المجلوة(1).--------------------------------------------
(1) «الملل والنحل» للشهرستاني (1/ 270).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 359)
«ومن قال: إن شيئًا من صفات الله عز وجل حالٌّ في العبد، أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر؛
دعوى أن الله يحل في بعض الصور ذكرها غير واحد من علماء الفرق ونسبوها إلى غلاة الروافض ونسوق ها هنا تصنيف عبد القاهر البغدادي رحمه الله-لفرق المشبهة مختصراً: (المشبهة الذين ضلوا بتشبيه ذاته بغيره أصناف مختلفة، وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة:
• فمنهم «السبئية»: الذين سموا عليا إلها، وشبهوه بذات الله …
• ومنهم «البيانية»: أتباع بيان بن سمعان(1) الذي زعم أن معبوده إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه، وأنه يفني كله إلا وجهه.
• ومنهم «المغيرية» أتباع المغيرة بن سعيد العجلي، الذي زعم أن معبوده ذو أعضاء وأن أعضاءه على صور حروف الهجاء.
• ومنهم «المنصورية»، أتباع أبي منصور العجلي(2)، الذي شبه نفسه بربه وزعم أنه صعد إلى السماء …
• ومنهم «الخطابية»، الذين قالوا بإلهية الأئمة، وبإلهية أبي الخطاب الأسدي(3)،--------------------------------------------
(1) بيان بن سمعان التيمي النهدي اليمني، ظهر بالعراق في أوائل القرن الثاني الهجري، زعم أن جزءاً إلهياً حل في علي ثم في محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبي هاشم ثم في بيان نفسه، فلما ظفر به خالد بن عبد الله القسري قتله. الفرق بين الفرق 237، الملل والنحل 1/ 152، مقالات الإسلاميين 5.
(2) أبو منصور العجلي، رجل من عبد القيس، عزا نفسه إلى أبي جعفر الباقر أولا، فلما تبرأ منه زعم أنه هو الإمام ودعا الناس إلى نفسه. وزعم أن عليا هو الكسف الساقط، وأنه عرج به إلى السماء، حتى وقف على قصته يوسف بن عمر الثقفي فصلبه. الملل والنحل 1/ 178، مقالات الإسلاميين 9، الفرق بين الفرق 243.
(3) محمد بن أبي زينب الأسدي، كان يزعم أولا أن الأئمة أنبياء، ثم زعم أنهم آلهة، ثم ادعى الألوهية لنفسه، وخرج في أيام المنصور فقتله عيسي بن موسي والي الكوفة سنة 143 هـ. الملل والنحل 1/ 179، الفرق بين الفرق 247، مقالات الإسلاميين 10.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 360)
ومنهم الذين قالوا بإلهية عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر(1).
• ومنهم «الحلولية»، الذين قالوا بحلول الله في أشخاص الأثمة، وعبدوا الأئمة لأجل ذلك.
• ومنهم «الحلولية الحلمانية»، المنسوبة إلى أبي حلمان الدمشقي(2) الذي زعم أن الإله بحل في كل صورة حسنة، وكان يسجد لكل صورة حسنة.
• ومنهم «المقنعية المبيضة» في دعواهم أن المقنع(3) كان إلها، وأنه مصور في كل زمان بصورة مخصوصة.
• ومنهم «العذافرة»، الذين قالوا بإلهية ابن أبي العذافر المقتول ببغداد.
وهذه الأصناف خارجون عن دين الإسلام وإن انتسبوا في الظاهر إليه"(4)
ولم يقتصر الأمر على الروافض وإنما شاركهم في ذلك غلاة المتصوفة الذين قالوا بوحدة الوجود كالحلاج وبن عربي وابن سبعين وابن الفارض والعفيف التلمساني.
فالاتحادية يقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
"عين ما ترى ذات لا ترى … وذات لا ترى عين ما ترى".--------------------------------------------
(1) عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب. كان فتاكا سيء الحاشية واتهم بالزندقة، طلب الخلافة في أواخر دولة بني أمية سنة 127 هـ بالكوفة. مات سنة 131 هـ. الأعلام 4/ 139، تاريخ ابن خلدون 3/ 121، لسان الميزان 3/ 263.
(2) أبو حلمان الدمشقي، كان أصله من فارس، ومنشؤه حلب، وأظهر بدعته بدمشق، وكان يقول بحلول الإله في الأشخاص ذوي الصور الحسنة، وكان يقول بالإباحية. الفرق بين الفرق 259.
(3) اسمه عطاء ويعرف بالمقنع الخراساني مشعوذ مشهور، ادعى الربوبية من طريق التناسخ، وتبعه قوم وقاتلوا في سبيله وكان مشوه الخلقة فاتخذ وجهاً من ذهب تقنع به، واشتهر أمره سنة 161 هـ فثار الناس عليه فاعتصم بقلعة فاحتسي سما فمات بها سنة 163 هـ.
الأعلام 4/ 235، الكامل 6/ 17، وفيات الأعيان 1/ 319.
(4) الفرق بين الفرق 225 - 230، مختصراً. وانظر: مقالات الإسلاميين 1/ 106، 281، والملل والنحل 1/ 103.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 361)
وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقاً بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود.(1)
وفي هذا يقول ابن عربي:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيداً … وإن قلت بالتشبيه كنت محدداً
وإن قلت بالأمرين كنت مسدداً … وكنت إماماً في المعارف سيداً
فمن قال بالإشفاع كان مشركاً … ومن قال بالإفراد كان موحداً
فإياك والتشبيه إن كنت ثانياً … وإياك والتنزيه إن كنت مفرداً
فما أنت هو بل أنت هو وتراه … في عين الأمور مسرحا ومقيداً(2)
لقد كان الحلاج من أعظم المصرحين بوحدة الوجود والفناء في ذات الله حتى أثر عنه ادعاء الربوبية، وضبطوا عليه كلمات قمة في الكفر كقوله «أنا الحق» و «سبحاني ما أعظم شأني» و «ما في الجبة الا الله».
وقوله:
مزجت روحك في روحي كما … تمزج الخمرة في الماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني … فإذا أنت أنا في كل حال(3)
وقوله(4) الذي استحسنه الدوسري صاحب (الرحمة الهابطة):
أنا من أهوى ومن أهوى أنا … نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته … وإذا أبصرته أبصرتنا--------------------------------------------
(1) -بغية المرتاد ص 473.
(2) -بغية المرتاد ص 527.
(3) البداية والنهاية لابن كثير: 11/ 134، تاريخ بغداد 8/ 115.
(4) «أخبار الحاج» (16) «الطواسين للحلاج» (134) «تاريخ بغداد» (8/ 129). «الرحمة الهابطة في ذكر اسم الذات وتحقيق الرابطة» (ص 112) بهامش المكتوبات.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 362)
«أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام عن أصناف المثبتين للصفات في مسألة التبعيض: (ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:
(الصنف الأول): صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا، كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.
الصنف الثاني: وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء، وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.
الصنف الثالث: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم، وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 363)
الصنف الرابع: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام، فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم)(1).--------------------------------------------
(1) بيان تلبيس الجهمية 1/ 269.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 364)
«والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ولا حال في مخلوق؛ وأنه كيف ما تُلي وقرئ وحفظ فهو صفة الله عز وجل؛ وليس الدرس من المدروس، ولا التلاوة من المتلو؛ لأنه عز وجل بجميع أسمائه وصفاته غير مخلوق، ومن قال بغير ذلك فهو كافر».
اعتقاد السلف الصالح مِنْ أولهم إلى آخرهم: أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، منه بدأ جل وعلا قوله وإليه يعود سبحانه وتعالى، وهو كلام الله إذا تلي، وهو كلام الله إذا كتب، وهو كلام الله جل وعلا إذا حفظ، ففي أيِّ صفة كان تناوله العبد فهو كلام الله ليس بمخلوق.
ومعلوم أنه ثَمَّ فرق ما بين التلاوة وبين المتلو، وما بين الدراسة والمدروس، وما بين القراءة والمقروء، فكما قال أئمة السلف: الصوت صوت القاري والكلام كلام الباري جل وعلا، فالجهة منفكة لا تلازم بين التلاوة والمتلو؛ لأن التلاوة فِعل العبد والمتلو كلام الله جل وعلا، ولهذا بدَّع السلف من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأن كلمة (لفظي) تحتمل أن يكون المراد التلفظ الذي هو عمل العبد؛ فتكون الكلمة صحيحة، وأما الملفوظ فهو كلام الحق جل وعلا فليس بمخلوق.
لذا استعمل هذه اللفظة بعض أهل البدع والاعتزال والجهمية ليستروا قولهم بخلق القرآن؛ فاستعملوا قولًا محتملًا حتى لا يقعوا في المساءلة والعقاب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 365)
قوله: «ونعتقد: أن القراءة الملحنة بدعة وضلالة».
يقصد بالقراءة الملحنة ما تفعله الصوفية، من قراءة القرآن بنوع من الطرب، وليس المقصود بالقراءة التي تقوم على أحكام التجويد، وإنما هي نوع من التطريب، فالمتصوفة بلغوا من الانحراف مبلغًا كبيرًا، بحيث يستمعون إلى من صورته جميلة وصوته جميل، وهيئته كهيئة النساء ويجتمعون عليه؛ ليقرأ لهم شيئًا من القرآن ببعض الألحان، وليس هذا من دين الله في شيء.
فعندهم قراءة ملحنة وقصائد ملحنة تصحبها المعازف يتمايلون عليها، وقد تكون مشتملة على بعض الشركيات.
وقد يفعلون هذ الغناء والإنشاد والمعازف في بيتٍ من بيوت الله سبحانه وتعالى، كل هذا تحت اسم الدين.
وبعض مجالس السماع تقتصر على الرجال والبعض الآخر يختلط فيها النساء مع الرجال.
ويسمون هذا ب "السماع" وهو مصطلح استعمله الصوفيون للدلالة على الإنشاد الديني والذي يكون ضمن مجالسهم والذي عادة ما يقترن باستعمال آلات الموسيقى وبالرقص على هيئة معينة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 366)
قوله: «وأن القصائد بدعة. ومجراها على قسمين:
فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله ونعمائه، وإظهار نعت الصالحين وصفة المتقين، فذلك جائز، وتركه والاشتغال بذكر الله والقرآن والعِلم أولى به، وما جرى على وصف المرئيات ونعت المخلوقات فاستماع ذلك على الله كفر، واستماع الغناء والرباعيات(1) على الله كفر، والرقص بالإيقاع ونعت الرقَّاصين على أحكام الدين فِسق، وعلى أحكام التواجد والنغام(2) لَهْوٌ ولعب».
أشار هنا إلى أن القصائد الشعرية تكون على قسمين:
قسم جائز.
وقسم ممنوع.
وقد أشار الله عز وجل إلى ذلك في محكم التنزيل بقوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ «227) الشعراء 224 - 227،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم «الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح»(3).
فالشعر يمكن القول بأنه تنطبق عليه الأحكام الخمسة:--------------------------------------------
(1) الرباعيات: هي منظومات شعرية تتألف من وحدات، كل واحدة منها أربعة أشطر تستقل بقافيتها. «معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب» (ص 174، 175).
(2) النغام: من النغمة، وجمعها: أنغام. وهي جرس الكلمة وحسن الصوت والطرب.
(3) هذا الحديث ذكره البخاري في: «الأدب المفرد» من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. وقد اختلف المحققون في الحكم عليه فقد حسَّنه جماعة منهم: الهيثمي رحمه الله في: «المجمع»، وضعفه آخرون كالحافظ ابن حجر رحمه الله في: فتح الباري. وله شاهد من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها أخرجه البيهقي السنن الكبرى للبيهقي 10/ 239 وصله جماعة والصحيح إرساله وقال الألباني (في السلسلة الصحيحة: 1/ 808): إذا لم يكن له علة غير ابن ثوبان فهو حسن الإسناد لأن ابن ثوبان صدوق يخطئ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 367)
فمنه ما هو مباح: -وهو الأصل في الشعر-كالشعر المشتمل على موضوعات أدبية لا تتضمن شيئاً مما حرم الشرع.
ومنه ما يكون مستحباً: وهو ما كان من الشعر في وصف الله جل وعلا وصف آلائه، ووصف الصالحين، والتذكير بالدار الآخرة، والجهاد وأشباه ذلك من المعاني الإسلامية والدينية العظيمة، فإن هذا مما أمر به؛ فإن الشعر الذي يحث الناس على مكارم الأخلاق، والفضائل، ويرشدهم لما ينفعهم، يعتبر من الكلام الحسن الذي يثاب عليه قائله، فالنبي عليه الصلاة والسلام أنشدت الأشعار بين يديه، وقال عليه الصلاة والسلام لحسّان بن ثابت «اهْجُ المُشْرِكِينَ، فإنَّ جِبْرِيلَ معكَ»(1) وهذا أمر ثابت متفق عليه بين أهل العلم.
ومنه ما يكون واجباً: إذا كان دفاعاً عن الإسلام ومبادئه في مقابل الشعر الذي يحارب القيم والأخلاق والمبادئ الإسلامية، فإذا حورب الإسلام شعراً وجب التصدي له من جنسه، وهذا ما كان يفعله شعراء الصحابة كحسان بن ثابت وغيره في مقابل شعراء الكفار الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويطعنون في الدين.
ومنه ما هو مكروه: وهو الذي يحصل بالتشاغل به عن غيره أيضا من العلم الواجب أو من العلم المستحب هذا لا ينبغي؛ بل الانشغال بالعلم الواجب والمستحب هذا لا شك أولى بل آثر أن ينشغل عنه بإنشاد الأشعار في المعاني الإسلامية العامة.
ولذلك ورد في السنة ذم لبعض حالات الشعر، والمقصود به الإكثار من ذلك حتى يشغله عن القرآن والسنة والتفقه في الدين.
عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً(2) "
وقد بوب البخاري باباً عن كراهة أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله.
ومنه ما هو محرم: كالشعر المشتمل على ما يخل بالعقيدة، أو ينافي الأخلاق الحميدة أو الأدب الرفيع، أو فيه دعوة إلى الباطل والمنكر والفحشاء، أو فيه هتك لأعراض المسلمين أو أذيتهم أو نحو ذلك، فكل هذا قبيح مذموم، ويعظم الجُرم فيه حسب الموضوع المشتمل عليه.--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري: 4123
(2) صحيح البخاري تحقيق طه عبد الرؤوف الدار الذهبية من ص 1261 إلى ص 1263
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 368)
بل ومنه ما هو كفر وإلحاد كالشعر المشتمل على الدعوة لنبذ الأديان والتحرر من العقيدة والإباحية واستحلال الخمور والزنا وغيرها من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة.
وقد يكون الشعر من النوع الأول المباح أو المستحب لكن يصاحبه أحوال محرمة مثل الغناء والمعازف والرقص والاختلاط واجتماع المردان ونحو ذلك فحرمته تأتي من هذا الوجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 369)
«وحرام على كل مَنْ سمع القصائد والرباعيات الملحنة الجاري بين أهل الأطباع على أحكام الذِّكر، إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد، ومعرفة أسمائه وصفاته وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك مما لا يليق به عز وجل، مما هو منزه عنه، فيكون استماعه كما قال: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} الآية [الزمر: 18]
وكل مَنْ جهل ذلك وقصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر لا محالة، فكل مَنْ جمع القول وأصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز إلا لمن عرف ما وصفت من ذكر الله ونعمائه وما هو موصوف به عز وجل ما ليس للمخلوقين فيه نعت ولا وصف؛ بل ترك ذلك أولى وأحوط، والأصل في ذلك: أنها بدعة، والفتنة فيها غير مأمونة».
قال ابن القيم: "حال كثير من السالكين أنه يجري مع ذوقه ووجده وما يراه ويهواه، غير متبعٍ لسبيل الله التي بعث بها رسوله، وهذا هو اتباع الهوى بغير هدًى من الله. "(1)
وقال ابن القيم: "الأعمال أربعة: فواحد منها مقبول، وثلاثة أرباعها مردودة، فالمقبول ما وافق الأمر وأريد به وجهُ الله، ولا يقبل الله عملًا سواه.
والمردود أن لا يكون خالصًا لله ولا موافقًا لأمره، أو ينتفي عنه أحدهما.
فالمقبول ما وُجِد فيه الأمران، والمردود ما انتفى عنه الأمران أو أحدهما، ولهذا اشتدت وَصاة الشيوخ المستقيمين بهذا الأصل، وأخبروا أن من عدل عنه فهو مطرود وعن طريق قصده مصدود.
فقال ابن أبي الحواري: من عمل عملًا بلا اتباع سنة فباطل عمله"(2).
وعن تطور هذه بدعة السماع يحدثنا ابن القيم رحمه الله فيقول: "فإنَّ أصل سماع القصائد كان تلحينًا بإنشاد قصائد مُرقِّقة للقلوب، تتضمن تحريكَ المحبة والشوق والخشية--------------------------------------------
(1) الكلام على مسألة السماع ص 160
(2) الكلام على مسألة السماع ص: 158
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 370)