4) كتاب: (الكشوف في الإعجاز القرآني وعلم الحروف)، لأحمد بدر يعقوب غريب.
الاتجاه الثاني: الذين ردوا على أرباب الإعجاز العددي، وبينوا حقيقة مذهبهم، وحققوا أمثلة القائلين به، ودققوها وبينوا عوارها، ومن ذلك:
1 - كتاب: (رسم المصحف والإعجاز العددي)، لأشرف عبد الرزاق قطنة.
2 - كتاب: (ما يسمى الإعجاز العددي في القرآن تكلف واضح وتعسف بيِّن) لعمر عبد الله الحلبي.
وغيره من الأبحاث والمؤلفات التي اتخذت من الإعجاز العددي موقفاً رافضاً.
المطلب الثالث مناقشة أدلة تأصيل الإعجاز العددي عند القائلين به
الأصل أن يأتي ترتيب هذا المطلب في المطالب المتقدمة لمبحث الإعجاز العددي، ولكني أرجأته لما فيه من تطبيق عملي وبيانٍ لمنهج أرباب الإعجاز العددي في طريقة عملهم في التمثيل العلمي لنظرية الإعجاز. وأبدأ بذكر الأدلة التي ذكرها أرباب الإعجاز العددي، وكررها أكثر من كتب في ذلك مؤيدين نظريتهم بها ومنها:
الأثر الأول: ما أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب جلس في رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
المهاجرين، فذكروا ليلة القدر، فتكلم منهم من سمع فيها بشيء مما سمع، فتراجع القوم فيها الكلام. فقال عمر: ما لك يا ابن عباس صامت لا تتكلم. تكلم ولا يمنعك الحداثة، قال ابن عباس: فقلت يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى وتر يحب الوتر، فجعل أيام الدنيا تدور على سبع، وخلق الإنسان من سبع، وجعل فوقنا سماوات سبعاً، وخلق تحتنا أرضين سبعاً، وأعطى من المثاني سبعاً، ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع، وقسم الميراث في كتابه على سبع، ونقع في السجود من أجسادنا على سبع، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة سبعاً، وبين الصفا والمروة سبعاً، ورمي الجمار بسبع لإقامة ذكر الله في كتابه. فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان والله أعلم. قال: فتعجب عمر، وقال: والله ما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم تستو شئون رأسه. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: التمسوها في العشر الأواخر ثم قال: يا هؤلاء من يؤديني في هذا كأداء ابن عباس(1).
وللجواب عن هذا الاستدلال أقول:
1) هذا الأثر ضعفه كثير من أهل العلم، ومنهم ابن رجب في كتابه: (لطائف المعارف).
2) على فرض صحته، فإنه لا يدل على الإعجاز العددي من قريب ولا من بعيد، فأين تحقيق الاستدلال على خصوص الإعجاز العددي.--------------------------------------------
(1) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو عمرو الداني، ج 1، ص 317.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
3) ثمة فرق بين الرقمين: (سبعة) و (سبعة وعشرين)، والاستدلال بالرقم (سبعة) على الرقم (سبعة وعشرين) ليس له مسوغ، فليس هو هو. وليس هو من مضاعفاته أيضاً.
والأولى أن يكون الجواب بالرقمين (21) أو (28)، فهذان الرقمان هما أولى الأرقام بالرقم (7) بعد العشرين.
4) ليس ثمة علاقة بين ليلة القدر وبين أن تكون السماوات خلقت سبعاً، ومثلها الأرضون، ومثله كل ما ذكر في الأثر.
ولم لا تكون ليلةُ القدر ليلةَ الثالث والعشرين، على اعتبار أن هذه المدة هي مدة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟
ولم لا تكون ليلةُ القدر ليلةَ السادس والعشرين -على القول بأنها في ليلة زوجية- على اعتبار أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟
5) لو كان الاستدلال الوارد في الأثر صحيحاً، لكان الخلاف في كل مسألة شرعية يؤول إلى الرقم سبعة، بدلالة خلق السماوات والأرض سبعاً سبعاً.
وإذا قلنا: إن هذا في مسألة دون أخرى. فما الضابط في اعتماده دليلاً في هذه المسألة دون غيرها؟؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
إن لفظ الوتر يشمل الأرقام من (1) إلى (9) بعد العشرين، ولا دليل على الاستدلال به -إجمالاً- على رقم دون آخر.
6) إن المحرمات من النساء أكثر من سبع، فلو جمعنا المحرمات بالنسب والمحرمات بالمصاهرة، والمحرمات بالرضاع، لكان العدد عندنا أكثر من ذلك بكثير. بل إن المحرمات بالنسب فقط أكثر من سبع، فالبنت محرمة، وكذلك ابنتها، والأم وأمها، وهكذا.
الأثر الثاني: أثر ابن عباس الذي فيه أنه عد ليلة القدر ليلة السابع والعشرين، على اعتبار أن كلمة (هي) هي الكلمة السابعة والعشرين ضمن ترتيب الكلمات السورة.
قلت: وهذا الكلام غير صحيح، ولبيان عدم صحته أورد الجدول الآتي، وقد بينت فيه ترتيب كل كلمة من كلمات السورة، حتى لا يكون الرد مجملاً مبهماً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
جدول بترتيب كلمات سورة القدر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
بعد هذا الجدول يتبين لنا ما يأتي:
1) إذا عددنا البسملة من السورة كانت كلمة: (هي) في الترتيب: (41).
2) إذا لم نعد البسملة من السورة كانت كلمة: (هي) في الترتيب: (35).
3) لا تكون كلمة (هي) في الترتيب الكلمة السابعة والعشرين إلا بالشروط الآتية:
أ- عدم اعتبار البسملة من السورة.
ب- عد (إنّا) كلمة واحدة، والصحيح أنها كلمتان: (إن)، و (الضمير المتصل: (الألف) العائد على الله سبحانه وتعالى.
ج- عد: (أنزلناه) كلمة واحدة، وهذا مخالف للمعلوم الواضح من اللغة، فكلمة أنزلناه، مكونة من فعل وفاعل ومفعول به، فهي ثلاث كلمات وليست كلمة واحدة.
د- عد (وما) كلمة واحدة، والصحيح أنها كلمتان: (واو العطف)، و (ما).
هـ- عد (أدراك) كلمة واحدة، والصحيح أنها كلمتان: (أدرى)، و (ضمير المخاطب (الكاف». هذا إذا أغفلنا الضمير المستتر (الفاعل)، وإذا احتسبناه صارت (أدراك) ثلاث كلمات.
و- عد (والروح) كلمة واحدة، والصحيح أنها كلمتان: (واو العطف)، و (الروح).
ز- عد (بإذن) كلمة واحدة، والصحيح أنها كلمتان: (باء الجر)، و (إذن).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
ح- عد (ربهم) كلمة واحدة، والصحيح أنها كلمتان: (رب)، و (الضمير المتصل: هم).
ليس من المعقول -أبداً- أن نتغافل عما اتفق عليه علماء النحو والبلاغة واللغة عموماً في طريقة عدهم للكلمات مقابل عد لا أساس له في اللغة، فالمبتدئ الغر يعلم أن: (والروح) كلمتان لا كلمة. فالواو حرف والروح اسم.
المطلب الرابع اعتراضات العلماء والمحققين على الإعجاز العددي تأصيلاً وتطبيقاً
قدمت سابقاً أن الإعجاز العددي من أكثر أنواع الإعجاز التي اختلف في قبولها، وقد سبرت كماً كبيراً من إنتاج القائلين به، وسجلت عليه مجموعة من الاعتراضات التي تقف عقبة كؤوداً في طريق القائلين به، وأجملها في النقاط الآتية(1):--------------------------------------------
(1) أقول هنا كما قلت في مبحث الإعجاز العلمي، فإني قد أفدت كثيرا من كتابات من ناقش فكرة الإعجاز العددي، وخاصة في الأمثلة، وحاولت أن أناقشها بطريقتي ومن وجهة نظري، منتهجا في ذلك الاختصار والتمثيل بالقليل على الكثير حتى لا يطول الكلام على القارئ، وللشرح والإسهاب مواطن أخرى، والله الهادي إلى الحق والصواب.
ومن هذه الجهود الكتب التي أُلِّفت للرد على ما يسمى الإعجاز العددي، ومنها المقالات الكثيرة على المواقع المتخصصة في التفسير وعلوم القرآن مثل ملتقى أهل التفسير وغيره من المواقع.
ومن ذلك أيضاً الأبحاث الموجودة على المواقع الشخصية لأهل العلم، وأمثّل على ذلك بما كتبه الدكتور خالد السبت بعنوان (الإعجاز العددي) فهو بحث لطيف نافع بإذن الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
1) اعتماد بعضهم على قراءة واحدة دون النظر إلى القراءات الأخرى، ونحن نعلم أن القراءات المتواترة تمثل القرآن الكريم، كما هو معلوم في بدهيات التفسير، فإنه لا يجوز الاعتماد على قراءة واحدة حال وجود قراءات أخرى من الممكن أن تضيف معنى آخر للقراءة الأولى. وإن كثيراً من هؤلاء -يا للأسف- يتناسون القراءات الأخرى؛ لأنها لا تتوافق مع ما يريدونه من العدد.
وأضرب على ذلك مثالاً قراءة: (مالك) في قوله تعالى: (مالك يوم الدين) فإنها قرئت: (مالك) كما هو عند عاصم وغيره، وقرئت: (مَلِك) عند غيرهم، ونحن نعلم الفرق الدقيق بين القراءتين.
والشاهد: أن أرباب الإعجاز العددي إذا أرادوا العدد (أربعة) اعتمدوا قراءة: (مالك)، وإذا كان لا يتناسب معهم إلا العدد (ثلاثة) اعتمدوا قراءة: (ملك)؛ لأنها ثلاثة أحرف.
ومثال آخر: قوله تعالى: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}. قرأها ابن كثير بزيادة (من) وجر (تحتها)، وقرأها الباقون بحذف (من) ونصب (تحتها).
فالفرق هنا ليس بعدد الحروف فقط، بل هو بالكلمات أيضا، فثمة زيادة كلمة كاملة هي: (من) لأنها من حروف المعاني، وهي من الكلمات. فلا يجوز لهم أن يعتمدوا قراءة ويهملوا القراءة الأخرى.
ففي هذا نفي لكل مثال اعتمد على عدد كلمات سورة التوبة وكذلك حروفها، للاختلاف في إثبات (من) وعدم إثباتها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
وقس على ذلك جميع القراءات القرآنية التي تختلف الآية فيها من قراءة إلى قراءة أخرى من حيث عدد حروفها أو عدد كلماتها.
2) تناسوا اختلاف العلماء في عدّ آيات القرآن الكريم عموماً، وعدّ آي السورة الواحدة خصوصاً، علماً أن هذا الأمر معروف مشهور في كتب التفسير وكتب علوم القرآن الكريم.
والأسوأ من ذلك أن بعضهم يعتمد العد الشامي -مثلاً- في مثال، ثم إذا لم يناسبه هذا العد في مثال آخر، تركه واعتمد غيره كالعد الكوفي أو البصري أو نحو ذلك.
3) تجاهلوا اختلاف العلماء والقراء والمفسرين والفقهاء في عد البسملة من القرآن الكريم أو عدم عدّها، فمنهم من يعدها آية مستقلة من القرآن الكريم وليست من السور، ومنهم من يعدها آية أو بعض آية من كل سورة سوى سورة التوبة، ومنهم من يعدها آية من الفاتحة فقط، ومنهم من لا يعدها آية من القرآن مطلقاً. وإذا نظرنا إلى صنيع أرباب الإعجاز العددي وجدناهم لا يلتزمون قولا واحدا من هذه الأقوال، بل يأخذون من ذلك ما يوافق فكرتهم. علماً أن هذا الاختلاف بين الأقوال يتعدى إلى تغير واضح واختلاف أوضح في عد الآيات وعددها، ومن ذلك:
أ- الاختلاف في عدد آيات السورة. فمن عدها آية مستقلة زاد عنده عدد آيات السورة آية واحدة.
ب- الاختلاف في عدد كلمات السورة. فمن عدها آية مستقلة من السورة، أو جزء آية، زاد عنده عدد كلمات السورة بقدر عدد كلمات البسملة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
ج- الاختلاف في عدد أحرف السورة. فمن عدها آية مستقلة من السورة، أو جزء آية، زاد عنده عدد أحرف السورة بعدد أحرف البسملة.
د- الاختلاف في عدد أحرف الآية الأولى عند من يرى أن البسملة جزء من الآية الأولى.
وهذا الأمر من أكثر الاعتراضات نقضاً لأمثلة الإعجاز العددي، فإن أغلب أمثلتهم مبنية على عدد الآيات في السورة الواحدة أو عدد الكلمات.
4) إن عدم اعتمادهم قولاً واحداً فيما سبق في البسملة ونحوها يوقعهم في تناقض ظاهر، فمنهم من بنى إعجازاً قرآنياً معتمداً على عد البسملة من السورة، ومنهم من بنى إعجازاً قرآنياً معتمداً على عدم عدها من السورة، والقول بأحد المثالين ناقض -بلا شك- للمثال الآخر.
5) ومن أسوأ ما وجدته عند بعضهم: أنه يعتمد في عد كلمات السورة على قراءة عاصم، ولكنه لا يعد معها كلمات البسملة، علماً أنها عند عاصم آية. وهذا -والله- تلاعب واضح بالقرآن الكريم لا يجوز.
6) اعتمد أكثرهم على الرسم العثماني للمصحف، على اعتبار أنه توقيفي، والحقيقة أن خلافاً كبيراً بين أهل العلم في كونه توقيفياً أو اجتهادياً(1)، فكيف يبنون قضية عظيمة كالإعجاز القرآني على رسم مختلف في كونه اجتهادياً أو توقيفياً.--------------------------------------------
(1) الذي أراه أن الرسم العثماني اجتهادي، وليس هذا مكان بسط الأدلة وتحقيقها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
7) وعلى فرض أن الرسم العثماني توقيفي(1)، فإنهم لم يأخذوا بجميع المرسوم في المصاحف العثمانية كلها. وأقول: إن من رأى أن الرسم العثماني توقيفي، ثم بنى عليه شيئاً من أمور الإعجاز؛ فإنه يلزمه أن يلتزم بكل ما رسم في المصاحف العثمانية كلها، على اعتبار أنها كلها توقيفية. وما أبعد أرباب الإعجاز العددي ودعاته عن هذا التحقيق العلمي الذي يعكر صفو نظريتهم.
8) تذبذب أرباب الإعجاز العددي في عد الأحرف في الكلمات التي تقرأ على غير الرسم، وأذكر لك مثالاً واحداً يبين اختلافهم في عد الأحرف في الكلمة الواحدة، وهو كلمة (الزكاة).
أ- منهم من يعدها (8) أحرف بناء على كتابتها في بعض المواطن: (الزكاوة) مع اعتبار المشدد حرفين.
ب- ومنهم يعدها (7) أحرف بناء على كتابتها: (الزكاوة) مع عدم اعتبار المشدد حرفين.
ج- ومنهم من يعدها (5) أحرف بناء على ظاهر كتابتها: (الزكاة) مع عدم اعتبار اللام لأنها غير منطوقة، وباعتبار الحرف المشدد حرفاً واحداً.
د- ومنهم من يعدها (6) أحرف بناء على كتابتها: (الزكاة) مع عدم اعتبار اللام لأنها غير منطوقة، وباعتبار الحرف المشدد حرفين اثنين.--------------------------------------------
(1) وهو ليس كذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
هـ- ومنهم من يعدها (7) أحرف بناء على كتابتها: (الزكاة) مع اعتبار اللام حرفا لكونه مكتوباً، وباعتبار الحرف المشدد حرفين اثنين.
وقس على هذا المثال عشرات الأمثلة التي خرقوا فيها هيبة القرآن وعظمته.
9) الاعتماد في عد الكلمات على المكتوب شكلاً، وترك الشكل إذا لم يسعفهم والاعتماد على الأصل.
مثال ذلك كلمة: (بئسما)، يعدونها أحياناً كلمة واحدة على اعتبار أنها كتبت على شكل كلمة واحدة، ولكن إذا احتاجوا لأن تكون هي ومثيلاتها كلمتين عدوها كلمتين اثنتين، على اعتبار أنها في الأصل كلمتان اثنتان.
ومثل ذلك: كلمة (إنما) المكونة من (إن) و (ما)، وغيرها من الكلمات المركبة في كلمة واحدة شكلاً، وأصلها كلمتان.
10) اختلاف طريقتهم في معالجة الكلمات المبدوءة بهمزة وصل، فيعدون الهمزة حرفاً أحياناً، ولا يعدونها إذا اكتمل العدد دونها. ومن أشهر الأمثلة على ذلك: كلمة (بسم) أصلها: (باسم)، ولو تتبعت أبحاثهم لوجدت بعضهم يعتبرها بشكل وبعضهم الآخر يعتبرها بشكلها الآخر.
11) لم يعتمدوا ترتيباً معينا للمصحف، فمنهم من اعتمد على ترتيب المصحف بالطريقة التي اعتمدها عثمان رضي الله عنه، ومنهم من اعتمد على ترتيب المصحف وفق ترتيب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
النزول، ومنهم من اعتمد على ترتيب علي بن أبي طالب أو ابن مسعود أو غيرهم من الصحابة}.
12) ولو أننا افترضنا أنهم جميعاً اعتمدوا على الترتيب الذي رتبه عثمان رضي الله عنه، فهل اتفق العلماء على أن ترتيب السور ترتيب توقيفي لا يجوز خلافه، ثم هل يجوز لهم أن يدللوا بالمختلف فيه بين المسلمين أنفسهم على قضية خطيرة مثل إعجاز القرآن.
13) يخطئ كثير منهم في ذكر أعداد الكلمات، فتجدهم يقولون: إن هذه الكلمة وردت كذا مرة في القرآن الكريم، ثم إذا تتبعتها وجدتها إما أقل وإما أكثر، ولقد تتبع كثير من الباحثين أغلب ما ذكروه من أعداد ورود الكلمة في القرآن فوجدوه مغايراً تمام التغاير لما ذكروه، وإنني أحذر هؤلاء القوم من فعلتهم هذه، فإنها تلاعب بالقرآن الكريم بلا خلاف بين أهل العلم المعظمين لكتاب الله تعالى.
14) تناقضهم في اعتبار اشتقاقات الكلمة وعدم اعتبارها، فمنهم:
أ- من يأخذ في عدد ورود الكلمة اشتقاقاً واحداً تاركاً الاشتقاقات الأخرى.
ب- ومنهم من يأخذ أكثر من اشتقاق معتمداً في الانتقاء على العدد الذي يحتاجه.
ج- ومنهم من يأخذ جميع الاشتقاقات في مثال، ولكنه إذا جاء إلى مثال آخر انتقى انتقاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
ومثال ذلك: الذين قالوا إن كلمة: (يوم) وردت في القرآن الكريم (365) مرة، ولم يعدوا معها: (يومئذ) و (يومكم) و (يومهم).
ومثال آخر: يقولون إن الاستعاذة وردت (11) مرة، معتبرين في ذلك على: (أعوذ) و (فاستعذ)، ولكنهم لم يعتمدوا: (يعوذون) و (أعيذها) و (معاذ)، وإذا بحثت عن سبب علمي أو لغوي مقنع لتسوّغ موقفهم فإنك لن تجد، وإنما هو التحكم الذي لا دليل عليه ولا مَقنَع فيه.
15) رميهم اللغة العربية وقواعدها وراء ظهورهم، فإن أهل العربية مجمعون على أن حروف المعاني كلمات، ولكنك تجد دعاة الإعجاز العلمي لا يعدونها كلمات في كثير من الأحايين، وأخص بالذكر هنا حرف الواو، فإنني لم أجد من يعتبرها كلمة منهم إلا العدد القليل النادر. ففي قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2)} [القدر: 2]، تجد أكثرهم يعدون (وما) كلمة واحدة، ولا خلاف في أنهما كلمتان اثنتان.
16) عدم عدهم الضمائر المتصلة من الكلمات، ومنهم من يعد الضمير كلمة في مثال، ولا يعده في مثال آخر. ففي الآية السابقة: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2)} [القدر: 2]، نجدهم يعدون (أدراك) كلمة واحدة، متناسين أن الكاف مفعول به، وهي كلمة أخرى غير الفعل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
ومن ذلك أيضاً الضميران المتصلان المجروران في (فِيهَا) وفي (رَبِّهِمْ) في قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4)} [القدر: 4]، عدوا (فِيهَا) كلمة واحدة والصحيح أنها كلمتان، كما عدوا (رَبِّهِمْ) كلمة واحدة والصحيح أنها كلمتان، ولا شك أن هذا لا يجوز.
والأمثلة على هذه القادح أكثر من أن تذكر، وإنني أرى أن بعض القوم قد تلاعبوا بكتاب الله تعالى أيما تلاعب، وعرضوه للطعن واللمز والتشكيك، بسبب جهلهم أو عنادهم وتجاهلهم.
17) إنهم اعتمدوا في استنباط المعاني المترتبة على ما سموه إعجازاً عددياً على القرآن الكريم وحده، دون نظر إلى ما ورد في السنة الصحيحة، ومن ذلك منهجهم في ترجيح كون ليلة القدر هي الليلة السابعة والعشرين، متناسين الأحاديث الثابتة التي تصرح بوجودها في غير هذه الليلة في بعض السنوات.
ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم من رواية أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإني أريتها ليلة وتر، وأني أسجد صبيحتها في طين وماء، فأصبح من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء، فوكف المسجد، فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر)(1).--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الصيام، باب: باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها، برقم (1167).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
وفي رواية أخرى من حديث عبد الله بن أُنيسٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُريتُ ليلةَ القَدْر، ثمَّ أُنسيتُها، وأَراني صُبحَها أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ»، قال: فمُطِرْنا ليلةَ ثلاثٍ وعِشرين، فصلَّى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فانصرَف، وإنَّ أثَرَ الماء والطِّين على جَبهته وأنفِه. قال: وكان عبد الله بن أُنيسٍ يقول: ثلاث وعِشرين(1).
فأين هم من هذه الأحاديث الواضحة الصريحة في الدلالة على وقتها -في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على أقل تقدير-.
ومن باب ذكر الشيء بشبيهه فإنني أرى أن كثيراً من الدراسات القرآنية المعاصرة -يا للأسف- بُنيت على الدليل القرآني فقط دون الرجوع إلى السنة الصحيحة، وهذا خطأ منهجي واضح الفساد، وخاصة في الدراسات الموضوعية والدراسات المصطلحية، فإنه لا يجوز بحال من الأحوال أن تقتصر الدراسة في هذين النمطين وغيرهما على الدليل القرآني بمعزل عن السنة، لأن النص القرآني وحده لا يكفي في اعتماد الحقائق الشرعية بمنظومة مفرداتها ومباحثها.
18) جهلهم بالمشترك اللفظي، فيعدون الكلمتين مختلفتي المعنى كلمة واحدة، دون أن يدققوا في أن الأولى تختلف عن الثانية، ومن ذلك أننا وجدنا منهم من يعد الدنيا في قوله تعالى: {إِذْ أَنْتُمْ (بِالْعُدْوَةِ) الدُّنْيَا وَهُمْ (بِالْعُدْوَةِ) الْقُصْوَى} [الأنفال: 42]. وفي قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا (السَّمَاءَ الدُّنْيَا) بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6)} [الصافات: 6]، مع كلمة (الدنيا)--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الصيام، باب: باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها، برقم (1168).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
التي هي قسيم الآخرة. قال ابن كثير: ({إِذْ أَنْتُمْ (بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا)} أي: إذ أنتم نزول بعدوة الوادي الدنيا القريبة إلى المدينة)(1). فالكلام هنا عن منطقة من المناطق التي حل بها المسلمون يوم بدر.
وكذلك كلمة الآخرة، عدوا منها (الآخرة) في قوله تعالى: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)} [ص: 7]، ومن رجع إلى التفسير علم أن المراد بالملة الآخرة الملة النصرانية، أو دين قريش، أو نحو ذلك(2).، مما لا علاقة له باليوم الآخر. ولا أملك هنا إلا أن أقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
19) لا يعتمد أرباب الإعجاز العددي في عد المعاني إلا على اللفظ الذي يناسبُ عددُه العددَ الذي يريدون، ولا يأخذون بالألفاظ المترادفة -أقصد بها المتقاربة أو ما تعدد في الاسم للمسمى الواحد-.
ومن ذلك: عندما عدوا الملائكة اقتصروا على ما ورد بلفظ: (الملائكة) وتركوا كل الكلمات التي هي بنفس المعنى، ولكنها جاءت بلفظ آخر أو وصف آخر ومما تركوه:
أ- ما ورد على صيغة المثنى: (الملَكين)، (ملكين).
ب- ما كان المراد منه الملائكة، ولكنه جاء باسم آخر مثل: (الصافات).--------------------------------------------
(1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج 4، ص 66.
(2) جامع البيان، الطبري، ج 21، ص 152.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
ج- ما جاء من أسماء الملائكة مصرحاً به مثل: جبريل وميكائيل ومالك.
فكيف يصح في الأمانة العلمية أن نقول ورد ذكر الملائكة كذا مرة، ونحن لم نعد جبريل وميكائيل، ولم نعد موارد ذكرهم بغير خصوص اسم الملائكة.
20) تناقضهم في عدّ الحروف المقطعة في فواتح السور، فتارة يعدون: (الم) ثلاثة أحرف، وتارة يعدونها تسعة أحرف على اعتبار أنها (ألف لام ميم). ويعدون: (حم) حرفين مرة، وخمسة أحرف (حا ميم) مرة أخرى.
21) إنهم غفلوا عن روح قضية الإعجاز وركنها، ألا وهو عجز الناس عن أن يأتوا بمثل وجه الإعجاز.
وأنا أسأل هؤلاء: ألا يستطيع أحدنا أن يأتي بنص نثري، يذكر فيه الأشهر اثنتي عشرة مرة، والسنة ثلاث مئة وخمساً وخمسين مرة، وأن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وعشرين مرة، وأن يذكر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة مرة، وأن يذكر الخلفاء أربع مرات؟ وهكذا ..
إنني أجزم بأن هذا يستطيعه أي مخلوق أخذ من علوم الأدب عشر معشارها. فكيف بأساطين الأدب وقامات النثر وزعماء القوافي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
وإذا كان الأمر مقدوراً للناس جميعا على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم، وعلى تفاوت درجاتهم في الفصاحة والبلاغة، فأي إعجاز هذا الذي يستطيعه كل أحد؟ ثم أي تحد هذا الذي هو مقدور لكل أحد؟!
هذه بعض الاعتراضات على صنيع أرباب الإعجاز العددي في نظريتهم، تأصيلاً وتمثيلاً، وعندي غيرها كثير، ولكن المقام لا يتسع، فأكتفي بدلالتها على غيرها، دلالة المثال على مثيله، وإلماحة النظير على نظيره.
المطلب الخامس شروط قبول نظرية الإشارات العددية
ذكرت فيما سبق أن النظرية العددية في الدرس القرآني في أكثر تطبيقاتها لا تصلح أن تكون نوعاً من أنواع إعجاز القرآن الكريم بحال من الأحوال.
ولكن يبقى السؤال: أمن الممكن أن نقبل ما ادعي كونه إشارات أو اتفاقات عددية في القرآن الكريم؟(1)--------------------------------------------
(1) للدكتور فهد الرومي حفظه الله بحث بعنوان: (ضوابط الإعجاز العددي في القرآن)، قدمه للمؤتمر الدولي الثاني للإعجاز العددي الذي نظمته الهيئة المغربية للإعجاز العلمي في القرآن والسنّة في الرباط خلال الفترة 8 - 9/ 11/ 1431 هـ الموافق 16 - 17/ 10/ 2010.
وهو بحث طيب نافع، ولكني أختلف مع الدكتور فهد في أن كلامه يوهم بأن التوافقات والإشارات العددية إذا تحققت فيها الضوابط العلمية التي ذكرها سميت إعجازاً، والذي أراه أنها لا تسمى كذلك، حتى لو تحققت فيها تلك الضوابط، لسببين، الأول: أنها مقدورة للبشر، والثاني: أنها موجودة في كلام البشر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
أقول: إنني لا أنفي عقلاً جواز وجود مثل هذه الإشارات، ولكني أشترط شروطاً لقبول هذه الإشارات القرآنية، وإليك بعضهاً:
1) موافقة جميع القراءات القرآنية المتواترة دون استثناء أي منها.
2) موافقة رسم جميع أشكال الكلمة في المصحف الواحد.
3) موافقة الرسم في جميع المصاحف العثمانية.
4) اعتماد الكلمة القرآنية بجميع مرادفاتها.
5) اعتماد جميع اشتقاقات الكلمة القرآنية، وعدم الاقتصار على اشتقاق دون اشتقاق آخر من غير سبب معتبر.
6) اعتماد حروف المعاني كواو العطف وحروف الجر وغيرها من الكلمات وإدخالها في العدد.
7) اعتماد الضمائر المتصلة على أنها كلمات، وعد كل ضمير منها كلمة، لأن هذا هو المعتبر في اللغة ولا يصح خلافه.
8) اعتبار لام التعريف حرفاً، سواء أكانت هذه اللام لاماً ساكنة يصح تجريدها، مثل لام: الشمس، القمر. أو كانت لاماً ساكنة لا يصح تجريدها، مثل لام: (التي) (الذي) (الآن).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)