في حديث أم حرام أن ناسًا من أمته يركبون ثبج البحر الأخضر ملوكًا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة، وكان ذلك في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
ولايته (1) .
ويحتمل أن تكون مراتب في الولاية: خلافة، ثم ملك. فتكون ولاية الخلافة للأربعة، وتكون ولاية الملك لابتداء معاوية (2) . وقد قال الله في--------------------------------------------
(1) أم حرام بنت ملحان صحابية من الأنصار من أهل قباء، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء استراح عندها، وهي خالة خادمه أنس بن مالك. روى البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه (ك 56 ب 3 - ج 3 ص 201) ومسلم في كتاب الإمارة (ك 33 ح 160) عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نام عندها القيلولة ثم استيقظ وهو يضحك لأنه رأى ناسا من أمته غزاة في سبيل الله يركبون ثبج البحر - أي وسطه ومعظمه - ملوكا على الأسرة. ثم وضع رأسه فنام واستيقظ وقد رأى مثل الرؤيا الأولى. فقالت له أم حرام: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال لها " أنت من الأولين ". قال الحافظ ابن كثير (8: 229) : يعني جيش معاوية حين غزا قبرس ففتحها سنة 27 أيام عثمان بن عفان (بقيادة معاوية عقب إنشائه الأسطول الإسلامي الأول في التاريخ) . وكانت معهم أم حرام في صحبة زوجها عبادة بن الصامت. ومعهم من الصحابة أبو الدرداء وأبو ذر وغيرهما. وماتت أم حرام في سبيل الله وقبرها بقبرس إلى اليوم. قال ابن كثير: ثم كان أمير الجيش الثاني يزيد بن معاوية في غزوة القسطنطينية. قال: وهذا من أعظم دلائل النبوة.
(2) الخلافة والملك والإمارة عناوين اصطلاحية تتكيف في التاريخ باعتبار مدلولها العملي، والعبرة دائما بسيرة المرء وعمله. ومعاوية قد ولي الشام للخلافة الراشدة مدة عشرين سنة، ثم اضطلع بمهمة الإسلام كلها عشرين سنة أخرى في الوطن الإسلامي الأكبر بعد بيعة الحسن بن علي له، فكان في الحالتين قَوَّاما بالعدل، محسنا إلى الناس من كل الطبقات، يكرم أهل المواهب ويساعدهم على تنمية مواهبهم، ويسع بحلمه جهل الجاهلين فيعالج بذلك نقائصهم، ويلتزم في الجميع أحكام الشريعة المحمدية بحزم ورفق ومثابرة وإيمان. يؤمهم في صلواتهم ويوجههم في مجتمعهم ومرافقهم ويقودهم في حروبهم. وفي منهاج السنة 3: 185 والمنتقى منه ص 389 قول الصحابي الجليل أبي الدرداء لأهل الشام " ما رأيت أحدا أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا " يعني معاوية. وقد رأيت في ص 205 قول الأعمش للذين ذكروا عنده عمر بن عبد العزيز وعدله. " كيف لو أدركتم معاوية؟ " قالوا في حلمه؟ قال: " لا والله، بل في عدله ". وقد بلغ من استقامته على جادة الإسلام أن قال فيه أمثال قتادة ومجاهد وأبي إسحاق السبيعي - وكلهم من الأئمة الأعلام -: كان معاوية هو المهدي (انظر ص 205) . والذي يتتبع سيرة معاوية في حكمه يرى أن حكومته في الشام كانت حكومة مثالية في العدل والتراحم والتآسي، لم يخير بين الطيب والأطيب إلا اختار الأطيب على الطيب. فإذا كان هذا المسلك في أربعين سنة يؤهل الأمير المسلم للخلافة على المسلمين وقد ارتضوه لذلك واغتبطوا به فهو خليفة، ومن سماه ملكا لا يستطيع أن يكابر في أنه من أرحم ملوك الإسلام وأصلحهم، كنا أيام طلب العلم في القسطنطينية في مجلس للطلبة يتناقشون فيه موضوع سيرة معاوية وخلافته. وكان ذلك في أيام السلطان عبد الحميد. فوقف صديقي الشهيد السعيد عبد الكريم قاسم الخليل - وكان شيعيا - فقال: " أنتم تسمون سلطاننا خليفة، وأنا أخوكم الشيعي أعلن أن يزيد بن معاوية كان بسيرته الطيبة أحق بالخلافة وأصدق عملا بالشرع المحمدي من خليفتنا، فكيف بأبيه معاوية ". على أن معاوية كان يقول عن نفسه - فيما رواه خيثمة عن هارون بن معروف عن ضمرة عن ابن شوذب -: " أنا أول الملوك وآخر خليفة ". وتقدم في ص 77 حديث معمر عن الزهري " أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه ". وقد أشرنا هناك إلى اختلاف البيئة وتأثيره في أنظمة الحكم، بل إن معاوية نفسه ذكر ذلك لعمر لما قدم عمر الشام وتلقاه معاوية في موكب عظيم، فاستنكر عمر ذلك، واعتذر له معاوية بقوله: إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام وأهله ونرهبهم به ". فقال عبد الرحمن بن عوف لعمر: " ما أحسن ما صدر عما أوردته فيه يا أمير المؤمنين "، فقال عمر: من أجل ذلك جشمناه ما جشمناه " (البداية والنهاية 8: 124 - 125) ، وسيرة عمر التي حاول معاوية أن يسير عليها سنتين كانت المثل الأعلى في بيته، وكان يزيد يحدث نفسه بالتزامها. روى ابن أبي الدنيا عن أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني الحافظ عن رشدين المصري عن عمرو بن الحارث الأنصاري المصري عن بكير بن الأشج المخزومي المدني ثم المصري أن معاوية قال ليزيد: كيف تراك فاعلا إن وليت؟ قال: كنت والله يا أبة عاملا فيهم عمل عمر بن الخطاب. فقال معاوية: سبحان الله يا بني، والله لقد جهدت على سيرة عثمان فما أطقتها، فكيف بك وسيرة عمر (ابن كثير 8: 229) . والذين لا يعرفون سيرة معاوية يستغربون إذا قلت لهم: إنه كان من الزاهدين والصفوة الصالحين. روى الإمام أحمد في كتاب الزهد (ص 172 طبع مكة) عن أبي شبل محمد بن هارون عن حسن بن واقع عن ضمرة بن ربيعة القرشي عن علي بن أبي حملة عن أبيه قال: رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس وعليه ثوب مرقوع. وأخرج ابن كثير (8: 134) عن يونس بن ميسر الحميري الزاهد (وهو من شيوخ الإمام الأوزاعي) قال: رأيت معاوية في سوق دمشق، وهو مردف وراءه وصيفا وعليه قميص مرقوع الجيب، يسير في أسواق دمشق، وكان قواد معاوية وكبار أصحابه يستهدونه ملابسه للتبرك بها، فكان إذا حضر أحدهم إلى المدينة وعليه هذه الملابس يعرفونها ويتغالون في اقتنائها. روى الدارقطني عن محمد بن يحيي بن غسان أن القائد الشهير الضحاك بن قيس الفهري قدم المدينة، فأتى المسجد فصلى بين القبر والمنبر، وعليه برد مرقع قد ارتدى به من كسوة معاوية، فرآه أبو الحسن البراد فعرف أنه برد معاوية فساومه عليه وهو يظنه أعرابيا من عامة الناس، حتى رضي أبو الحسن البراد أن يدفع له ثلاثمائة دينار. فانطلق به الضحاك بن قيس إلي بيت حويطب بن عبد العزى فلبس رداء آخر وأعطى أبا الحسن البراد ذلك البرد بلا ثمن وقال له " قبيح بالرجل أن يبيع عطافه، فخذه فالبسه " فأخذه أبو الحسن فباعه فكان أول ما أصابه (ابن عساكر 7: ص 6) وقد أوردنا هذه الأمثلة ليعلم الناس أن الصورة الحقيقية لمعاوية تخالف الصورة الكاذبة التي كان أعداؤه وأعداء الإسلام يصورونه بها، فمن شاء بعد هذا أن يسمي معاوية خليفة وأميرا للمؤمنين، فإن سليمان بن مهران الأعمش - وهو من الأئمة الأعلام الحفاظ، وكان يسمى " المصحف " لصدقه - كاد يفضل معاوية على عمر بن عبد العزيز حتى في عدله. ومن لم يملأ معاوية عينه وأراد أن يضن عليه بهذا اللقب، فإن معاوية مضى إلى الله عز وجل بعدله وحلمه وجهاده وصالح عمله، وكان وهو في دنيانا لا يبالي أن يلقب بالخليفة أو الملك، وإنه في آخرته لأكثر زهدا بما كان يزهد به في دنياه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
داود - وهو خير من كل معاوية (1) -: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 251] (البقرة: من الآية 251) فجعل النبوة ملكًا. فلا تلتفتوا إلى أحاديث ضعف سندها ومتنها (2) .
ولو اقتضت الحال النظر في الأمور لكان - والله أعلم - رأي آخر للجمهور، ولكن انعقدت البيعة لمعاوية بالصفة التي شاءها الله، على--------------------------------------------
(1) إن داود في نبوته - كما يعرفها المسلمون في دينهم - تجعله خيرا من كل معاوية. وأما داود اليهود - كما يعرفه الناس من توراتهم الموجودة الآن في الأيدي - فإن معاوية خير منه. ومن شقاء اليهود ألا يعرفوا للقرآن والإسلام فضلهما عليهم في تنزيه أنبياء بني إسرائيل عما وصموا به في كتبهم.
(2) يشير إلى حديث سفينة، وقد مضى الكلام عليه في ص 201.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
الوجه الذي وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم مادحًا له، راضيًا عنه راجيًا هدنة الحال فيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (1) .
[إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه]
وقد تكلم العلماء في إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه، فليست المسألة في الحد الذي يجعلها فيه العامة، وقد بيناها في موضعها (2) .
فإن قيل: قتل حجر بن عدي - وهو من الصحابة مشهور بالخير - صبرًا أسيرًا، يقول زياد: وبعثت إليه عائشة في أمره فوجدته قد فات بقتله، قلنا: علمنا قتل حجر كلنا، واختلفنا: فقائل يقول قتله ظلمًا، وقائل--------------------------------------------
(1) تقدم الكلام على هذا الحديث في ص 200.
(2) أي من مؤلفاته الأخرى. وهذه المسألة من مسائل الفقه الإسلامي الممحصة، المبنية أحكامها على النصوص والسنن والأسس الشرعية التي قام الدين على مثلها في باب جلب المصالح ودرء المفاسد وتقدير الضرورات بأقدارها. والقاضي أبو الحسن الماوردي في الأحكام السلطانية (ص 5) لم يذكر مخالفا في جواز إمامة المفضول إلا الجاحظ، وماذا يضر أئمة الدين إذا خالفهم، وهل العباسيون الذين عرف الجاحظ بالتقرب إليهم في حياتهم كانوا أفضل معاصريهم؟ أما جمهور الفقهاء والمتكلمين فقالوا تجوز إمامة المفضول وصحت بيعته، ولا يكون وجود الأفضل مانعا من إمامة المفضول إذا لم يكن مقصرا عن شروط الإمامة، كما يجوز - في ولاية القضاء - تقليد المفضول مع وجود الأفضل لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار وليست معتبرة في شروط الاستحقاق، ونحيل القارئ على كتاب " الإمامة والمفاضلة " لأبي محمد بن حزم المدرج في الجزء الرابع من كتاب " الفِصَل " ولا سيما الفصل المعقود لإمامة المفضول (ص 163 - 167 من طبعة مصر سنة 1320) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
يقول قتله حقًا (1) .
فإن قيل: الأصل قتله ظلمًا إلا إذا ثبت عليه ما يوجب قتله: قلنا:--------------------------------------------
(1) حجر بن عدي الكندي عده البخاري وآخرون من التابعين. وعده البعض الآخر من الصحابة. وكان من شيعة علي في الجمل وصفين. وروى ابن سيرين أن زيادا - وهو أمير الكوفة - خطب خطبة أطال فيها، فنادى حجر بن عدي " الصلاة! " فمضى زياد في خطبته، فحصبه حجر وحصبه آخرون معه. فكتب زياد إلى معاوية يشكو بغي حجر على أميره في بيت الله، وعد ذلك من الفساد في الأرض. فكتب معاوية إلى زياد أن سرح به إلي. . . فلما جيء به إلى معاوية أمر بقتله. فالذين يريدون أن معاوية قتله بحق يقولون: ما من حكومة في الدنيا تعاقب بأقل من ذلك من يحصب أميره وهو قائم يخطب على المنبر في المسجد الجامع، مندفعا بعاطفة الحزبية والتشيع. والذين يعارضونهم يذكرون فضائل حجر ويقولون: كان ينبغي لمعاوية أن لا يخرج عن سجيته من الحلم وسعة الصدر لمخالفيه. ويجيبهم الآخرون بأن معاوية يملك الحلم وسعة الصدر عند البغي عليه في شخصه، فأما البغي على الجماعة في شخص حاكمها وهو على منبر المسجد فهو ما لا يملك معاوية أن يتسامح فيه، ولا سيما في مثل الكوفة التي أخرجت العدد الأكبر من أهل الفتنة الذين بغوا على عثمان بسبب مثل هذا التسامح، فكبدوا الأمة من دمائها وسمعتها وسلامة قلوبها ومواقف جهادها تضحيات غالية كانت في غنى عنها لو أن هيبة الدولة حفظت بتأديب عدد قليل من أهل الرعونة والطيش في الوقت المناسب. وكما كانت عائشة تود لو أن معاوية شمل حجرا بسعة صدره، فإن عبد الله بن عمر كان يتمنى مثل ذلك. والواقع أن معاوية كان فيه من حلم عثمان وسجاياه، إلا أنه في مواقف الحكم كان يتبصر في عاقبة عثمان وما جر إليه تمادي الذين اجترأوا عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
الأصل أن قتل الإمام بالحق، فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل. ولو كان ظلمًا محضًا لما بقي بيت إلا لعن فيه معاوية. وهذه مدينة السلام دار خلافة بني العباس - وبينهم وبين بني أمية ما لا يخفى على الناس - مكتوب على أبواب مساجدها: " خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم معاوية خال المؤمنين رضي الله عنهم (1) .
ولكن حجرًا - فيما يقال - رأى من زياد أمورا منكرة (2) فحصبه، وخلعه، وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فجعله معاوية ممن سعى في الأرض فسادًا.
وقد كلمته عائشة في أمره حين حج، فقال لها: دعيني وحجرًا حتى نلتقي عند الله. وأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدي الله مع صاحبهما العدل الأمين المصطفى المكين، وما أنتم ودخولكم حيث لا تشعرون، فما لكم لا تسمعون؟
[فساد ما تقوله الشيعة في وفاة الحسن أهلية يزيد للولاية]
فإن قيل: قد دس على الحسن من سمه.--------------------------------------------
(1) المؤلف أقام في بغداد زمن الدولة العباسية كما ذكرنا في ترجمته، فهو يعرف مساجدها معرفة مشاهدة وعيان. ومعاوية خال المؤمنين لأنه أخو أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان المشتهرة بكنيتها (أم حبيبة) .
(2) كان زياد في خلافة علي واليا من ولاته، وكان حجر بن عدي من أولياء زياد وأنصاره يومئذ. ولم يكن ينكر عليه شيئا. فلما صار من ولاة معاوية صار ينكر عليه مدفوعا بعاطفة التحزب والتشيع. وكان حجر يفعل مثل ذلك مع من تولى الكوفة لمعاوية قبل زياد، فلمعاوية عذر إذا رأى أن حجرا ممن سعى في الأرض فسادا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
قلنا: هذا محال من وجهين: أحدهما أنه ما كان ليتقي من الحسن بأسًا وقد سلم الأمر. الثاني أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله فكيف تحملونه - بغير بينة - على أحد من خلقه في زمان متباعد لم نثق فيه بنقل ناقل، بين أيدي قوم ذوي أهواء، وفي حال فتنة وعصبية، ينسب كل واحد إلى صاحبه ما لا ينبغي، فلا يقبل منها إلا الصافي، ولا يسمع فيها إلا من العدل المصمم (1) .
[نقد ثلاثة أخبار ملفقة على وهب بن جرير في تمهيد معاوية لولاية يزيد]
فإن قيل: فقد عهد إلى يزيد وليس بأهل (2) . وجرى بينه وبين عبد الله--------------------------------------------
(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (2: 225) فيما تزعمه الشيعة من أن معاوية سم الحسن: (لم يثبت ذلك ببينة شرعية، ولا إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به. وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم) . قال: " وقد رأينا في زماننا من يقال عنه سم ومات مسموما من الأتراك وغيرهم. ويختلف الناس في ذلك حتى في نفس الموضع الذي مات فيه والقلعة التي مات فيها، فتجد كلا منهم يحدث بالشيء بخلاف ما يحدث به الآخر ". وبعد أن ذكر ابن تيمية أن الحسن مات بالمدينة وأن معاوية كان بالشام، ذكر للخبر احتمالات - على فرض صحته - منها أن الحسن كان مطلاقا لا يدوم مع امرأة. . . إلخ (وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال ص 266) .
(2) إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لا يبلغه خليفة في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز. وإن طمعنا بالمستحيل وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر. وإن كان مقياس الأهلية الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم وجماعاتهم، فإن يزيد يوم تمحص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
بن عمر وابن الزبير والحسن ما قصه [المؤرخون] عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه وعن غيره: لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد حج، فقدم مكة في نحو ألف رجل. فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد فقال: من أحق بهذا الأمر منه (1) . ثم--------------------------------------------
(1) شباب قريش المعاصرون ليزيد - ممن يحدثون أنفسهم بولاية الأمر لبعض الاعتبارات التي يعرفونها لأنفسهم - كثيرون جدا حتى سعيد بن عثمان بن عفان ومن هم دون سعيد كانوا يطمعون بولاية الأمر بعد معاوية. ومبدأ الشورى في انتخاب الخليفة أفضل بكثير من مبدأ ولاية العهد. لكن معاوية كان يتعلم بينه وبين نفسه أن فتح باب الشورى في انتخاب من يخلفه سيحدث في الأمة الإسلامية مجزرة لا ترقأ فيها الدماء إلا بفناء كل ذي أهلية في قريش لولاية شيء من أمور هذه الأمة. ومعاوية أحصف من أن يخفى عليه أن المزايا موزعة بين هؤلاء الشباب القرشيين، فإذا امتاز أحدهم بشيء منها على أضرابه ولداته، فإن فيهم من يمتاز عليه بشيء آخر منها. غير أن يزيد - مع مشاركته لبعضهم في بعض ما يمتازون به - يمتاز عليهم بأعظم ما تحتاج إليه الدولة، أعني القوة العسكرية التي تؤيده إذا تولى الخلافة، فتكون قوة للإسلام. كما تؤيده إذا أوقع الشيطان الفتنة على هذا الكرسي بين المتزاحمين عليه، فيكون ما لا يحب كل مسلم أن يكون. ولو لم يكن ليزيد إلا أخواله من قضاعة وأحلافهم من قبائل اليمن، لكان منهم ما لا يجوز لبعيد النظر أن يسقطه من قائمة الحساب عندما يفكر في هذه الأمور. أضف هذا إلى ما قرره ابن خلدون عند كلامه على مسير الحسن إلى العراق للخروج على يزيد حيث إن في فصل " ولاية العهد " من مقدمة تاريخه: " وأما الشوكة، فغلط يرحمه الله فيها، لأن عصبية مضر كانت في قريش، وعصبية قريش في عبد مناف. وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية، تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس ولا ينكرونه، وإنما نسي ذلك أول الإسلام لما شغل الناس من الذهول بالخوارق وأمر الوحي. . . حتى إذا انقطع أمر النبوة والخوارق المهولة تراجع الحكم بعض الشيء للعوائد. فعادت العصبية كما كانت ولمن كانت، وأصبحت مضر أطوع لبني أمية من سواهم ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
ارتحل، فقدم مكة فقضى طوافه، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهد وقال: " أما بعد يا ابن عمر، فقد كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير. وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم ". فلما سكت تكلم ابن عمر فحمد الله واثنى عليه ثم قال: " أما بعد فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير منهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار. وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين، ولم أكن لأفعل، وإنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا واحد منهم ". فخرج ابن عمر (1) .
وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهد ثم أخذ في الكلام فقطع عليه كلامه، فقال: " إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى--------------------------------------------
(1) هذا الخبر معارض بما في كتاب المغازي من صحيح البخاري (ك 64 ب 29 - ج 5 ص 48) عن ابن عمر أن أخته أم المؤمنين حفصة نصحت له بأن يسرع بالذهاب للبيعة وقالت: " الحق، فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة "، وانظر ص 223.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
الله، وإنا والله لا نفعل. والله لَتَرُدَّنَّ هذا الأمر شورى في المسلمين أو لتفرنها عليك جذعة (1) " ثم وثب فقام. فقال معاوية: " اللهم اكففه بما شئت ". ثم قال: " على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن لأهل الشام، فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك، حتى أخبر العشية أنك قد بايعت، ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك ".
ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: " يا ابن الزبير، إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل في آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما. فقال ابن الزبير: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه. أرأيت إذا بايعت ابنك معك لأيكما نسمع، لأيكما نطيع؟ لا تجتمع البيعة لكما أبدا " (2) . ثم قام.
فخرج معاوية فصعد المنبر فقال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار. وزعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر لم يبايعوا ليزيد قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له.
فقال أهل الشام: لا والله: لا نرضى حتى يبايعوا على رءوس الأشهاد، وإلا ضربنا أعناقهم.--------------------------------------------
(1) أي لتنكشفن عليك الفتنة في أشد حالاتها. ويلاحظ أن الذين انتحلوا هذه الأقوال في الاستطالة على معاوية لم يطعنوا في كفاءة يزيد وأهليته لأنها آخر ما يرتابون فيه.
(2) ابن الزبير أذكى من أن يفوته أن البيعة ليزيد بعد معاوية، وليست لهما معا في حياة معاوية. والذين اخترعوا هذه الأخبار وأضافوها إلى وهب بن جرير بن حازم يكذبون كذبا مفضوحا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
فقال: " مه، سبحان الله، وما أسرع الناس إلى قريش بالشر. لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم ". ثم نزل.
فقال الناس: بايعوا. ويقولون هم: لم نبايع. ويقول الناس: قد بايعتم.
وروى وهب من طريق آخر قال: خطب معاوية فذكر ابن عمر فقال: " والله ليبايعن أو لأقتلنه ". فخرج عبد الله بن عبد الله بن عمر إلى أبيه وسار إلى مكة ثلاثًا وأخبره (1) فبكى ابن عمر. فبلغ الخبر إلى عبد الله بن صفوان، فدخل على ابن عمر فقال: أخطب هذا بكذا؟ قال: نعم. قال فما تريد، أتريد قتاله؟ قال: يا ابن صفوان، الصبر خير من ذلك. فقال ابن صفوان: والله لو أراد ذلك لأُقَاتِلَنَّهُ (2) . فقدم معاوية مكة فنزل ذا طوى، وخرج إليه عبد الله بن صفوان فقال: أنت تزعم أنك تقتل--------------------------------------------
(1) هذا الخبر عن وهب بن جرير بن حازم يشعر بأن معاوية خطب هذه الخطبة وهو في المدينة قادما إليها من دمشق قبل أن يصل إلى مكة، وأن ابن عمر كان يومئذ في مكة فركب إليه ابنه حتى لقيه بمكة وأخبره بهذه الخطبة. وفي الخبر الذي قبل هذا - وهو مروي عن وهب بن جرير بن حازم أيضا - التصريح بأن ابن عمر كان بالمدينة عند وصول معاوية إليها من دمشق، وأنه كان مع الأعيان الذين خرجوا لاستقباله. فالخبران متناقضان يكذب أحدهما الآخر مع أنهما عن راوٍ واحد. ولا أدري من أين جاء بهما المؤلف؟ ولم ينقلهما الطبري مع أنه يعتني بأخبار وهب بن جرير لأنه ثقة، ووهب مات سنة 206 وأبوه سنة 170 بعد أن اختلط، فبينهما وبين هذه الحوادث رواة آخرون، وبينهما وبين الطبري وغيره من المؤرخين رواة كثيرون. وأعتقد أن هذه الأخبار غير صحيحة لتناقضها، ولو عرفنا رواتها إلى وهب وبعد وهب لعرفنا من أين جاء الكذب.
(2) عبد الله بن صفوان حفيد أمية بن خلف الجمحي. قتل مع ابن الزبير سنة 73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
ابن عمر إن لم يبايع لابنك؟ قال: أنا أقتل ابن عمر؟ إني والله لا أقتله.
وروى وهب من طريق ثالث (1) قال: إن معاوية لما راح عن بطن مُرّ قاصدا إلى مكة قال لصاحب حرسه: لا تدع أحدًا يسير معي إلا من حملته. فخرج يسير وحده، حتى إذا كان وسط الأراك لقيه الحسين بن علي، فوقف وقال: مرحبًا وأهلًا بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد شباب المسلمين. دابة لأبي عبد الله يركبها. فأتي ببرْذوْن، فتحول عليه. ثم طلع عبد الرحمن بن أبي بكر (2) فقال: مرحبا بابن شيخ قريش وسيدهم وابن صديق هذه الأمة. دابة لأبي محمد يركبها. فأتي ببرذون فركبه. ثم طلع ابن عمر فقال: مرحبًا وأهلًا بصاحب رسول الله وابن الفاروق وسيد المسلمين، ودعا له بدابة فركبها. ثم طلع ابن الزبير فقال: مرحبا وأهلًا بابن حواري رسول الله وابن الصديق وابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له بدابة فركبها، ثم أقبل يسير بينهم لا يسايره غيرهم حتى دخل مكة، ثم كانوا أول داخل وآخر خارج ليس في الأرض صباح إلا لهم فيه حباء وكرامة، لا يعرض لهم بذكر شيء مما هو فيه حتى قضى نسكه وترحلت أثقاله وقرب مسيره إلى الشام--------------------------------------------
(1) وهذا الخبر أيضا ليس عند الطبري. وأظنه مصنوعا في المصنع الذي خرج منه الخبران السابقان.
(2) نحن نعلم من الخبر الأول عن وهب أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان في المدينة، وكان مع الذين استقبلوا معاوية عند وصوله إليها من دمشق، فما الذي طار به إلى مكة حتى صار في مستقبلي معاوية عند وصوله إليها؟ حقا إن الذين يكذبون على معاوية أغبياء لا يجيدون صناعة الكذب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
وأنيخت رواحله، فأقبل بعض القوم على بعض فقالوا: أيها القوم لا تخدعوا إنه والله ما صنع هذا لحبكم ولا لكرامتكم ولا صنعه إلا لما يريد، فأعدوا له جوابًا، أقبلوا على الحسين فقالوا: أنت يا أبا عبد الله. قال: وفيكم شيخ قريش وسيدها؟ هذا أحق بالكلام. فقالوا: أنت يا أبا محمد - لعبد الرحمن بن أبي بكر - فقال. لست هناك، وفيكم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن سيد المسلمين - يعني ابن عمر - فقالوا لابن عمر: أنت! فقال: لست بصاحبكم، ولكن أولوا الكلام ابن الزبير يكفكم. قالوا: أنت يا ابن الزبير. قال: نعم، إن أعطيتموني عهودكم ومواثيقكم أن لا تخالفوني كفيتكم الرجل. فقالوا: فلك ذلك. فخرج الإذن، فأذن لهم. فدخلوا.
فتكلم معاوية فحمد الله واثنى عليه ثم قال: لقد علمتم سيرتي فيكم، وصلتي لأرحامكم، وصفحي عنكم، وحلمي لما يكون منكم، ويزيد ابن أمير المؤمنين أخوكم وابن عمكم وأحسن الناس لكم رأيًا. وإنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونوا أنتم الذين تنزعون وتؤمّرون وتجبون وتقسمون لا يدخل عليكم في شيء من ذلك.
فسكت القوم. فقال: ألا تجيبوني؟ فسكت القوم. فقال: ألا تجيبوني؟ فسكتوا: فأقبل على ابن الزبير فقال: هات يا ابن الزبير، فإنك لعمري صاحب خطبة القوم، فقال: نعم يا أمير المؤمنين أخيرك بين ثلاث خصال أيها أخذت فهي لك رغبة: قال: لله أبوك، اعرضهن: قال: إن شئت صنعت ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن شئت صنعت ما صنع أبو بكر فهو خير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن شئت صنعت ما صنع عمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
فهو خير هذه الأمة بعد أبي بكر: قال: لله أبوك، ما صنعوا؟ قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستخلف أحدًا، فارتضى المسلمون أبا بكر، فإن شئت أن تدع أمر هذه الأمة حتى يقضي الله فيه قضاءه فيختار المسلمون لأنفسهم. فقال: إيه ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر، وإني لا آمن عليكم الاختلاف. قال: فاصنع كما صنع أبو بكر، عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه فاستخلفه. قال: لله أبوك. الثالثة؟ قال: تصنع ما صنع عمر، جعل الأمر شورى في ستة نفر من قريش ليس أحد منهم من ولد أبيه. قال: عندك غير هذا؟ قال: لا. قال: فأنتم؟ قالوا: ونحن أيضًا. قال. أما لا، فإني أحببت أن أتقدم إليكم، إنه قد أعذر من أنذر، وإن كان يقوم القائم منكم إلي فيكذبني على رءوس الأشهاد فأحتمل له ذلك. وإني قائم بمقالة، فإن صدقت فلي صدقي وإن كذبت فعلي كذبي. وإني أقسم بالله لكم لئن رد علي إنسان منكم لا ترجع إليه كلمته حتى يسبق إلي رأسه. ثم دعا بصاحب حرسه فقال: أقم على كل رجل من هؤلاء رجلين من حرسك فإن ذهب رجل يرد علي كلمة بصدق أو كذب فليضرباه بسيفهما (1) ثم خرج وخرجوا معه، حتى رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا نستبد بأمر دونهم، ولا نقضي أمرًا إلا عن مشورتهم. وإنهم ارتضوا وبايعوا ليزيد ابن أمير المؤمنين من بعده، فبايعوا باسم الله. فضربوا على يده، ثم جلس على راحلته وانصرف.--------------------------------------------
(1) أورد المؤلف هذه الأخبار المفضوح كذبها ليعارضها في ص 224 بحديث البخاري عن الموقف السليم لابن عمر في هذا الحادث، حتى يعلم الناس أن الحق في واد وهؤلاء الرواة الكاذبون في واد غيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
فلقيهم الناس فقالوا: زعمتم وزعمتم، فلما أرضيتم وحبيتم فعلتم قالوا: إنا والله ما فعلنا. قالوا: فما منعكم أن تردوا على الرجل إذ كذب؟ ثم بايع أهل المدينة والناس، ثم خرج إلى الشام.
قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه : لسنا ننكر، ولا بلغت بنا الجهالة، ولا لنا في الحق حمية جاهلية، ولا ننطوي على غل لأحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، بل نقول: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10] إلا أن نقول، إن معاوية ترك الأفضل في أن يجعلها شورى، وألا يخص بها أحدًا من قرابته فكيف ولدًا، وأن يقتدي بما أشار به عبد الله بن الزبير في الترك أو الفعل (1) فعدل إلى ولاية ابنه وعقد له البيعة وبايعه الناس، وتخلف عنها من تخلف (2) فانعقدت البيعة شرعًا، لأنها تنعقد بواحد وقيل باثنين (3) .
فإن قيل: لمن فيه شروط الإمامة، قلنا: ليس السن من شروطها ولم يثبت أنه يقصر يزيد عنها.
[فإن] قيل: كان منها العدالة والعلم، ولم يكن يزيد عدلًا ولا--------------------------------------------
(1) كان معاوية أعرف بابن الزبير من ابن الزبير نفسه، روى البلاذري في أنساب الأشراف (4 " 2 ": 53 - 54) عن المدائني عن مسلمة بن علقمة عن خالد عن أبي قلابة أن معاوية قال لابن الزبير: " إن الشح والحرص لن يدعاك حتى يدخلاك مدخلا ضيقا، فوددت أني حينئذ عندك فأستنقذك ". فلما حصر ابن الزبير قال: " هذا ما قال لي معاوية، وددت أنه كان حيا ".
(2) عدل عن الوجه الأفضل لما كان يتوجس من الفتن والمجازر إذا جعلها شورى، وقد رأى القوة والطاعة والنظام والاستقرار في الجانب الذي فيه ابنه.
(3) انظر ص 144، والفصل لابن حزم 4: 167 - 169.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
عالمًا. قلنا: وبأي شيء نعلم عدم علمه، أو عدم عدالته (1) ؟ ولو كان مسلوبهما لذكر ذلك الثلاثة الفضلاء الذين أشاروا عليه بأن لا يفعل، وإنما رموا إلى الأمر بعيب التحكيم، وأرادوا أن تكون شورى.
فإن قيل: كان هنالك من هو أحق منه عدالة وعلمًا، منهم مائة وربما ألف. قلنا: إمامة المفضول - كما قدمنا (2) - مسألة خلاف بين العلماء، كما ذكر العلماء في موضعه.
وقد حسم البخاري الباب، ونهج جادة الصواب، فروى في صحيحه ما يبطل جميع هذا المتقدم، وهو أن معاوية خطب وابن عمر حاضر في خطبته، فيما روى البخاري (3) عن عكرمة بن خالد أن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونوساتها تنطف (4) . قلت: قد كان في الأمر ما ترين، فلم يجعل لي من الأمر شيء. فقالت: " الحق، فإنهم ينتظرونك وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة ". فلم تدعه حتى ذهب.--------------------------------------------
(1) أما عن العدالة فقد شهد له محمد بن علي بن أبي طالب في مناقشته لابن مطيع عند قيام الثورة على يزيد في المدينة فقال عن يزيد: " ما رأيت منه ما تذكرون. وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبا على الصلاة، متحريا للخير، يسأل عنه الفقه، ملازما للسنة " (ابن كثير 8: 233) . وأما عن العلم فالذي يلزم منه لمثله في مثل مركزه كان فيه موضع الرضا وفوق الرضا: روى المدائني أن ابن عباس وفد إلى معاوية بعد وفاة الحسن بن علي، فدخل يزيد على ابن عباس وجلس منه مجلس المعزي، فلما نهض يزيد من عنده قال ابن عباس: إذا ذهب بنو حرب ذهب علماء الناس (ابن كثير 8: 228) .
(2) في ص 211.
(3) ك 64 ب 29 - ج 5 ص 48.
(4) أي وذوائبها تقطر ماء، سمى الذوائب " نوسات " لأنها تنوس، أي تتحرك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
فلما تفرق الناس خطب معاوية فقال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة (1) فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان. فقال حبيب: حُفظت وعُصمت.
[ابن عمر يعلن في الثورة على يزيد أن في عنقه البيعة الشرعية له]
وروى البخاري (2) أن أهل المدينة لما خلعوا يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يُنصب لكل غادر لواء يوم القيامة» وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله (3) وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن نبايع رجلًا على--------------------------------------------
(1) حبيب بن مسلمة الفهري مكي كان عند وفاة النبي صلي الله عليه وسلم صبيا، ثم التحق بالشام للجهاد فاشتهرت بطولته، ويعد فاتح أرمينية، ويقال إنه كان قائد النجدة التي خرجت من الشام لإنقاذ عثمان من أيدي البغاة عليه، فجاءه الخبر بشهادته وهي في الطريق فعادت.
(2) في كتاب الفتن من صحيحه (ك 92 ب 21 - ج 8 ص 99) .
(3) وهذا الخبر المنير الذي يرويه البخاري في صحيحه يفضح الذين زوروا على وهب بن جرير تلك الأخبار المتناقضة بأن ابن عمر وغيره لم يبايعوا ليزيد، وأن معاوية أقام على رءوسهم من يقطعها إذا كذبوه فيما افتراه عليهم من أنهم بايعوا لابنه. فتبين الآن أنه لم يفتر عليهم، وهذا ابن عمر يعلن في أحرج المواقف - أي في ثورة أهل المدينة على يزيد بتحريض ابن الزبير وداعيته ابن مطيع - أن في عنقه ما في أعناقهم بيعة شرعية لإمامهم على بيع الله ورسوله، وأن من أعظم الغدر أن تبايع الأمة إمامها ثم تنصب له القتال. ولم يكتف ابن عمر بذلك في تلك الثورة على يزيد بل روى مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه (ك 32 ح 58 - ج 6 ص 22) أن ابن عمر جاء إلى ابن مطيع داعية ابن الزبير ومثير هذه الثورة فقال ابن مطيع: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة. فقال ابن عمر: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله: " من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ". وكان لمحمد بن علي بن أبي طالب (المعروف بابن الحنفية) مثل هذا الموقف من داعية الثورة ابن مطيع سيراه القارئ في ص 227 - 228 عند الكلام على سيرة يزيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
بيع الله ورسوله ثم ننصب له القتال، وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه (1) .
فانظروا معشر المسلمين إلى ما روى البخاري في الصحيح، وإلى ما سبق ذكرنا له في رواية بعضهم أن عبد الله بن عمر لم يبايع، وأن معاوية كذب وقال قد بايع. وتقدم إلى حرسه بأمره بضرب عنقه إن كذبه. وهو قد قال في رواية البخاري: " وقد بايعناه على بيع الله ورسوله " وما بينهما من التعارض، وخذوا لأنفسكم بالأرجح في طلب السلامة، والخلاص بين الصحابة والتابعين. فلا تكونوا - ولم تشاهدوهم، وقد عصمكم الله من فتنتهم - ممن دخل بلسانه في دمائهم، فيلغ فيها ولوغ الكلب بقية الدم على الأرض بعد رفع الفريسة بلحمها، لم يلحق الكلب منها إلا بقية دم سقط على الأرض.
وروى الثبت العدل عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد " إن كان--------------------------------------------
(1) انظر لوقعة الحرة ص 292 - 294 من (المنتقى من منهاج الاعتدال) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
خيرًا رضينا، وإن كان شرًا صبرنا ".
وثبت عن حميد بن عبد الرحمن قال: دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: تقولون إن يزيد بن معاوية ليس بخير أمة محمد، لا أفقهها فقهًا ولا أعظمها فيها شرفًا. وأنا أقول ذلك. ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق. أرأيتم بابًا دخل فيه أمة محمد ووسعهم، أكان يعجز عن رجل واحد لو كان دخل فيه؟ قلنا: لا. قال: أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم لا أريق دم أخي ولا آخذ ماله، أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: فذلك ما أقول لكم. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأتيك من الحياء إلا خير» .
فهذه الأخبار الصحاح كلها تعطيك أن ابن عمر كان مسلمًا في أمر يزيد، وأنه بايع وعقد له والتزم ما التزم الناس، ودخل فيما دخل فيه المسلمون، وحرم على نفسه ومن إليه بعد ذلك أن يخرج على هذا أو ينقضه.
وظهر لك أن من قال: إن معاوية كذب في قوله بايع ابن عمر ولم يبايع، وأن ابن عمر وأصحابه سئلوا فقالوا " لم نبايع " فقد كذب. وقد صدق البخاري في روايته قول معاوية في المنبر " إن ابن عمر قد بايع " بإقرار ابن عمر بذلك (1) وتسليمه له وتماديه عليه.
فأي الفريقين أحق بالصدق إن كنتم تعلمون؟ الفريق الذي فيه البخاري، أم الذي فيه غيره؟--------------------------------------------
(1) في ثورة المدينة على يزيد، وفي المناسبات الأخرى. انظر ص 224.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
فخذوا لأنفسكم بالأحزم، والأصح، أو اسكتوا عن الكل، والله يتولى توفيقكم وحفظكم.
و" الصاحب " الذي كنى عنه حميد بن عبد الرحمن هو ابن عمر، والله أعلم. وإن كان غيره فقد أجمع رجلان عظيمان على هذه المقالة، وهي تعضد ما أصَّلناه لكم من أن ولاية المفضول نافذة وإن كان هنالك من هو أفضل منه إذ عقدت له. ولما في حلها - أو طلب الفضل - من استباحة ما لا يباح، وتشتيت الكلمة، وتفريق أمر الأمة.
[الشهادة ليزيد له بالاستقامة والصلاح]
فإن قيل. كان يزيد خمارًا. قلنا: لا يحل إلا بشاهدين، فمن شهد بذلك عليه (1) بل شهد العدل بعدالته. فروى يحيى بن بكير، عن--------------------------------------------
(1) أن معاوية - مع شديد حبه ليزيد، لألمعيته واكتمال مواهبه - آثر أن ينشأ ابنه بعيدا عنه في أحضان الفطرة، وخشونة البداوة وشهامتها، ليستكمل الصفات اللائقة بالمهمة التي تنتظر أمثاله، فبعث به إلى أخبية البادية عند أخواله من قضاعة، ليكون على مذهب أمه ميسون بنت بحدل يوم قالت:
لبيت تخفق الأرواح فيه … أحب إلى من قصر منيف
وفي ذلك الوسط أمضى يزيد زمن صباه وصدر شبابه، وما لبث أن انتقل أبوه إلى رحمة الله حتى تولى المركز الذي أراده الله له. فلما خلا الجو لابن الزبير - بموت معاوية - صار دعاته يذيعون في الحجاز الأكاذيب على يزيد، وينسبون إليه ما لا يحل لهم، نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (8: 233) أن عبد الله بن مطيع (داعية ابن الزبير) مشى في المدينة هو وأصحابه إلى محمد بن علي بن أبي طالب (المعروف بابن الحنفية) فأرادوه على خلع يزيد، فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدى حكم الكتاب. فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته، وأقمت عنده، فرأيته مواظبا على الصلاة، متحريا للخير، يسأل عن الفقه، ملازما للسنة. قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعا لك. فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلى الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه. فقال لهم أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (الزخرف: 86) ، ولست من أمركم في شيء. قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك، فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحل القتال على ما تريدونني عليه تابعا ولا متبوعا. قالوا؟ فقد قاتلت مع أبيك؟ قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه. فقالوا: فمر ابنيك؟ أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا. قال: لو أمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقاما يحض الناس فيه على القتال. قال: سبحان الله. آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه؟ إذن ما نصحت لله في عباده. قالوا: إذن نكرهك. قال: إذن آمر الناس بتقوى الله، وألا يرضوا المخلوق بسخط الخالق (وخرج إلى مكة) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)