داود الظاهري، قال القاضي ابن العربي: وهو أنبل من لقيته. وأخذ عن أبي الحسين أحمد بن عبد القادر اليوسفي (411-492) ، وعن شيخ بغداد في الأدب أبي ذكريا يحيى بن علي التبريزي (421-502) ، وأبي محمد جعفر بن أحمد بن حسين السراج الحنبلي (416-500) مؤلف كتاب مصارع العشاق. وعن أبي بكر محمد بن طرخان التركي الشافعي (446-513) تلميذ إمام الشافعية أبي إسحاق الشيرازي صاحب التنبيه والمهذب. وأخذ عن مسند العراق نقيب النقباء أبي الفوارس طراد بن محمد بن علي العباس الزينبي (1) (398-491) وكان أعلى الناس منزلة عند الخليفة.
وكان يتردد على مجالس العلم العامة التي تعقد في دار وزير الخليفة عميد الدولة أبي منصور محمد بن فخر الدولة محمد بن محمد بن جهير المتوفى سنة 493 وسماه (الوزير العادل) . قال ابن العربي: كنت بمجلس الوزير، فقرأ القارئ: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [الأحزاب: 44] وكنت في الصف الثاني من الحلقة بظهر أبي الوفاء بن عقيل إمام الحنابلة بمدينة السلام (431-513) وكان (مع إمامته في مذهب الإمام أحمد) معتزلي الأصول (2) فلما سمعت الآية قلت لصاحب لي كان يجلس على يساري: هذه الآية دليل على رؤية الله في الآخرة، فإن العرب لا تقول (لقيت فلانا) إلا إذا رأته. فصرف أبو الوفاء وجهه مسرعا إلينا وقال ينتصر لمذهب الاعتزال في أن الله لا يرى في الآخرة " فقد قال الله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} [التوبة: 77] وعندك أن المنافقين لا يرون الله تعالى في الآخرة " قال ابن العربي: وقد شرحنا وجه الآية في (كتاب المشكلين) .
ويقول ابن سعيد أحد مترجمي ابن العربي أن ابن العربي أخذ عن ابن--------------------------------------------
(1) نسبة إلى جدته الكبرى زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس.
(2) تأثر بالاعتزال من شيخيه أبي علي محمد بن أحمد بن الوليد الكرخي، وأبي القاسم بن التبان. ولكن شيوخه من أئمة الحنابلة استتابوه بعد ذلك وصرفوه عن كثير مما تأثر به. وأبو الوفاء بن عقيل من كبار أئمة الإسلام. ومن مؤلفاته كتاب الفنون زاد على أربعمائة مجلد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
الأنماطي في الإسكندرية. والمعرفون بابن الأنماطي من العلماء كثيرون في مصر والعراق من أيام المزني تلميذ الشافعي في القرن الثالث إلى أواخر القرن السابع، لكني لم أهتد إلى واحد منهم في الإسكندرية زمن ابن العربي. والعالم المعاصر له من بني الأنماطي هو مفيد بغداد أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد الأنماطي الحنبلي (462-538) من كبار شيوخ الحافظ أبي الفرج بن الجوزي فلعله هو الذي أخذ عنه ابن العربي في بغداد والتبس الأمر على مترجميه المغاربة فظنوه من بني الأنماطي المصريين (1) .
وفي بغداد لقي ابن العربي محمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي (المتوفى سنة524) الذي ادعى بعد ذلك المهدوية والنسب العلوي وقام بالتوطئة لعبد المؤمن بن علي (490-558) وكان المؤسس الأول لدولة الموحدين. ويقول مترجمو ابن العربي: إنه صحب ابن تومرت بالمشرق، فأوصى عليه عبد المؤمن، (2) ولابد أن تكون هذه الوصاة بعد عودتهما إلى المغرب بزمن طويل، ولا شك عندنا أنه لم ينتفع بها، ولم يكن لها أثر في مجرى حياته. ولعل ذلك من نعم الله عليه، وفي آخر حياة ابن العربي أوذي بجيئته من الأندلس إلى مراكش دار سلطنة عبد المؤمن كما سترى في آخر هذا الفصل.
[اتصاله بأبي حامد الغزالي]
اتصاله بأبي حامد الغزالي: وقد لقي ابن العربي حجة الإسلام أبا حامد محمد الغزالي (450-505) في بغداد. وفي صحاري الشام بعد ذلك، والذي يظهر لي أنه عند وصول ابن العربي إلى بغداد في بداية رحلته -وكان الغزالي يدرس في النظامية وفي مجالسه العامة -اكتفى ابن العربي بالسماع منه في غمار الناس: ثم حج الغزالي ورحل في سنة 488 إلى دمشق متزهدا وألف فيها كتابه--------------------------------------------
(1) الأنماطي: بائع الأنماط، وهي المفروشات المنزلية، وما يسمى الآن (الموبيليات) .
(2) نفح الطيب 1: 335.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
الإحياء (1) وعاد إلى بغداد فنزل برباط أبي سعد بإزاء النظامية، وحينئذ اتصل به ابن العربي ولازمه. وبعد أن حج ابن العربي -كما سنذكره في الفقرة التالية - وعاد من العراق إلى الشام في طريقه إلى وطنه لقي الغزالي في صحاري الشام وهو في طور آخر. وعندنا النصوص التالية عن ابن العربي فيما يتعلق بالغزالي:
النص الأول: نقله المقري في نفح الطيب (2-338) وفي أزهار الرياض (3-91) عن (قانون التأويل) لابن العربي قال (ورد علينا دانشمند-يعني الغزالي - فنزل برباط ابن سعد بإزاء المدرسة النظامية معرضا عن الدنيا، مقبلا على الله تعالى. فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة. . . . . إلخ) .
والنص الثاني: في نفح الطيب (1-343) عن ابن العربي أنه قال (وكان يقرأ معنا برباط أبي سعد على الإمام دانشمند من بلاد المغرب خنثى له لحية--------------------------------------------
(1) نقل ابن العماد في شذرات الذهب (4: 11) قول الأسنوي في طبقات الشافعية وهو يترجم الغزالي " وأقبل على العبادة والسياحة فخرج إلى الحجاز سنة 488 فحج ورجع إلى دمشق واستوطنها عشر سنين بمنارة دمشق، وصنف فيها كتبا يقال إن (الأحياء) منها ثم سار إلى القدس والإسكندرية ثم عاد إلى وطنه طوس " ونبهني الأستاذ الشيخ محمد صبري عابدين إلى أن في ترجمة الغزالي بكتاب الأنس الجليل (1: 265) ما نصه: " وأخذ في التصانيف المشهورة ببيت المقدس، فيقال إنه صنف في القدس (إحياء علوم الدين) وأقام بالزاوية التي على باب الرحمة المعروفة قبل ذلك بالناصرية شرقي بيت المقدس، فسميت بالغزالية نسبة إليه ". وقد أصاب الجمال الأسنوي في تحديد سنة مجيء الغزالي إلى دمشق، ويوافقه في ذلك ابن العماد في الشذرات (3: 383) ، غير أن الأسنوي وهم في تقديره إقامة الغزالي بعشر سنين، والغالب أنه قام سنتين ثم حج وعاد إلى بغداد في المدة التي لازمه فيها ابن العربي في رباط أبي سعد. ثم بدا له أن يكسر مغزله ويعود إلى دمشق وبيت المقدس سائحا فيما بينهما وبين الإسكندرية إن صح تردده إليها، وبعد هذا الطور انقلب إلى طوس ودعي منها إلى نظامية نيسابور فلم يستقم له الحال فيها فرجع إلى طوس ومات فيها سنة 505.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
وله ثديان وعنده جارية، فربك أعلم به، ومع طول الصحبة عقلني الحياء عن سؤاله، وبودي اليوم لو كاشفته حاله) .
والنص الثالث: في شذرات الذهب (4-13) قال: وذكر الشيخ علاء الدين علي بن الصيرفي في كتابه زاد السالكين: أن القاضي أبا بكر بن العربي قال: رأيت الغزالي في البرية وبيده عكازة وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة، وقد كنت رأيته في بغداد يحضر درسه أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون عنه العلم، فدنوت منه فسلمت عليه وقلت له: يا إمام أليس تدريس العلم ببغداد خيرا من هذا؟ فنظر إلي شزرا وقال: لما طلع بدر السعادة، في فلك الإرادة (أو قال: في سماء الإرادة) وجنحت شمس الوصول. في مغارب الأصول:
تركت هوى ليلى وسعدى بمنزلي … وعدت إلى تصحيح أول منزل
ونادت بي الأشواق: مهلا فهذه … منازل من تهوى ، رويدك فانزل
غزلت لهم غزلا دقيقا ، فلم أجد … لغزلي نساجا ، فكسرت مغزلي
ومن شيوخ ابن العربي في بغداد دانشمند آخر كانوا يسمونه (دانشمند الأكبر) وهو إسماعيل الطوسي، ويقولون للغزالي (دانشمند الأصغر) نقله المقري في أزهار الرياض (3-91) عن أبي عبد الله محمد بن غازي من المغرب. ومعنى دانشمند بالفارسية (العارف) .
ذهابه إلى الحج، وعودته إلى بغداد: وذهب ابن العربي مع أبيه من بغداد إلى الحرمين الشريفين في موسم سنة 489 فحج بيت الله الحرام، وأخذ في مكة عن محدثها ومفتيها أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين الطبري الشافعي (418-498) . ومما تحدث به ابن العربي عن مكة قوله (كنت بمكة مقيما في ذي الحجة سنة 489، وكنت أشرب من ماء زمزم كثيرا، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان، ففتح الله لي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
ببركته في المقدار الذي يسره لي من العلم، ونسيت أن أشربه للعمل، ويا ليتني شربته لهما حتى يفتح الله لي فيهما، ولم يقدر فكان صغوي للعلم أكثر منه للعمل، وأسأل الله تعالى الحفظ والتوفيق برحمته) .
وعاد ابن العربي إلى بغداد مع أبيه، فلبث فيها قريبا من سنتين قضاهما في صحبة الغزالي وهو في طوره الأوسط، بين حالة الظهور الأولى وحالة العزلة والسياحة في النهاية.
[العودة بطريق دمشق وفلسطين والإسكندرية]
العودة بطريق دمشق وفلسطين والإسكندرية: وفي سنة 492 كان والد ابن العربي قد أثرت فيه الشيخوخة، فخرجا من بغداد متوجهين إلى الشام وفلسطين، فجدد ابن العربي العهد - في دمشق وبيت المقدس وكثير من المدن الشامية - مع من كان عرفهم وأخذ عنهم من شيوخ هذه البلاد، وتعرف بآخرين غيرهم. ثم جاء إلى الإسكندرية، وكانت فيها منية أبيه في أوائل سنة 493 فدفن في الثغر الإسكندري. وكان الإمام أبو بكر الطرطوشي في تلك المدة قد نزل الإسكندرية واستوطنها وكثر فيها تلاميذه ومريدوه من أهل السنة حتى بلغوا المئات لما وجدوا فيه من العزم على إحياء طريق أهل السنة بعد أن اعتراها الوهن وأصيبت بالإهمال تحت حكم العبيديين، فأقلق نشاط الطرطوشي ولاة الأمور العبيديين في القاهرة، وكانت رئاستهم قد آلت من سنة 487 إلى المستعلي أحمد بن المستنصر أبي تميم معد، وأخذ نجمهم بالأفول في الشام باستيلاء الأتراك على بعض البلاد، والإفرنج على البعض الآخر. ولم يكن للمستعلي حل ولا ربط مع وزيره الأفضل، فاضطهد الأفضل أبا بكر الطرطوشي فيما بعد بسبب كثرة أتباعه مما لا محل لذكره هنا. فلما توفي والد ابن العربي بالإسكندرية رحل عنه عائدا إلى وطنه في سنة 493، ويقول الحافظ ابن عساكر: إن ابن العربي ابتدأ بتأليف كتابه (عارضة الأحوذي) عندما غرب من الإسكندرية فكان أول مؤلفاته على ما نعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
[وصوله إلى إشبيلية]
وصوله إلى إشبيلية: ولما وصل ابن العربي إلى وطنه إشبيلية كان الحكم فيها لا يزال ليوسف بن تاشفين، واستمر على ذلك إلى أن مات سنة 500. فاستقبل العلماء ورجال الثقافة والأدب في إشبيلية وما جاورها من عواصم الأندلس هذا الغائب القادم بعلوم المشرق استقبالا لا نظير له، وقصده طلاب العلم وأذكياء الأندلس من كل حدب وصوب، وتحول منزله إلى جامعة، وعقدت له حلقات الدرس في الجوامع، وكان ممن أخذ عنه وتلقى عليه طائفة من كبار علماء الإسلام: منهم قاضي المغرب وحافظه القاضي عياض بن موسى اليحصبي مؤلف (الشفا) و (مشارق الأنوار) ، وابنه القاضي محمد بن عياض، والحافظ المؤرخ أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال، والإمام الزاهد العابد أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد الإشبيلي، وأبو جعفر بن الباذش، وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم الخزرجي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن خليل القيسي، وأبو الحسن بن النعمة، وأبو بكر محمد بن خير الأموي الإشبيلي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حبيش، والإمام عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي شارح السيرة، وأبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الصقر الأنصاري، وأبو الحسن علي بن عتيق القرطبي، وأبو القاسم أحمد بن محمد بن خلف الحوفي، وأبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الخراط، وأبو بكر محمد بن محمد اللخمي البلنقي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الغاسل الغرناطي، وأبو الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي، وأبو العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشد، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد العبدري شارح صحيح مسلم، وأبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن عياد، والحافظ أبو الحجاج يوسف بن إبراهيم العبدري، والقاضي أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء اللخمي وأبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن قرقول شارح مشارق الأنوار، وعالم لا يحصى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
من نمط هؤلاء الأجلاء منهم من ذكر مترجمو ابن العربي أسماءهم ومنهم من لم يسموهم لكثرتهم أو لأنهم من تلاميذه المتأخرين في الزمن عندما بلغ هذا الأمام سن الشيخوخة. ولعل من هؤلاء راوي كتابه (العواصم من القواصم) صالح بن عبد الملك بن سعيد الذي ذكر في أول الكتاب أنه قرأه على ابن العربي. وقد قلنا إن أبا بكر بن العربي كان بعد عودته من المشرق إلى الأندلس جامعة يصدر عنها العلم إلى كل معاصر له ممن يستطيع لقاءه، فهو مربي الجيل الذي عاش معه في تلك الديار. قال مترجموه: بقي ابن العربي يفتي ويدرس أربعين سنة، وقبل أن يتولى القضاء صدر له التقليد من السلطات الرسمية بأن يتولى منصب المشاور للقضاء، وهو منصب رفيع يصدر به ما يسمى الآن في الديار المصرية (مرسوما) وما يسمى في المغرب (ظهيرا) ومن نماذج مرسوم هذا المنصب ما تراه في هامش ص89 من كتاب (غابر الأندلس وحاضرها) للأستاذ محمد كرد علي وفي هامش (01، 162) من (شجرة النور الزكية) لمخلوف. وكان لا يباح للعالم في الأندلس أن يفتي إلا إذا استظهر (الموطأ) و (المدونة) أو عشرة آلاف حديث، ويتميز حينئذ بلبس القلنسوة ويقال له المقلس.
ولما كنت حلقة ابن العربي تخرج علماء الجيل، كانت مملكة على بن يوسف بن تاشفين تزداد اتساعا واستفحالا بما كان يستحلفه من بلاد ملوك الطوائف، وبما استرده أو فتحه من الأسبانيين. وكان الوالي على شرق الأندلس وجنوبها لعلي بن يوسف بن تاشفين أخوه تميم بن يوسف، وفي سنة 513 انتعش الأسبانيون وأخذوا في إزعاج البلاد الإسلامية فجاز علي بن يوسف بن تاشفين من المغرب إلى الأندلس وقاتلهم وانتصر عليهم وعاد سنة 515، فاستمرت الحال على ذلك إلى أن توفي تميم بن يوسف سنة 520، فولى علي بن يوسف بن تاشفين على الأندلس ابنه تاشفين بن علي، وفي هذا الدور كان ابن العربي قد بلغ القمة في مكانته العلمية بما ظهر من مؤلفاته العظيمة، وما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
انتشر في ربوع الأندلس والمغرب من تلاميذه ومريديه، فدعي في رجب سنة 528 لتولي القضاء في إشبيلية. وقد أجمعت كلمة الذين تحدثوا عنه- كالقاضي عياض، وابن بشكوال، وابن سعيد وجميع مؤرخي الأندلس-على أنه كان مثال العدل والاستقامة وحسن القيام بأمر القضاء، قال القاضي عياض: فنفع الله به أهل إشبيلية لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهقة، مع الرفق بالمساكين، والتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واستمر في هذه المدة على إلقاء دروسه مع القيام بأمر القضاء ومواصلة التأليف. إلا أن وقته أصبح ضيقا حتى اضطر تلميذه الإمام الزاهد العابد أبو عبد الله الإشبيلي إلى أن ينقطع عن درسه. فقيل له في ذلك، فقال: (كان يدرس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب إلى السلطان) .
إن المكانة التي وصل إليها ابن العربي في العلم وعزته وسيادته على القلوب-قبل ولايته القضاء-كانت مثار الحسد له والإحنة عليه من العلماء الرسميين الذين يتجرون بقشور العلم ليبنوا بها دنياهم، فلما ازدادت مكانته رفعة بالقضاء مضى فيه مجاهدا في سبيل العدل والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلها من سبيل الله، يجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة، ولين الكنف، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود. فازداد غيظ حاسديه، واشتد ضغن صغار النفوس عليه، ولا سيما أهل الجور والظلم والغصب الذين كان شديد الأحكام عليهم والأخذ منهم للمظلومين، منضما إليهم أهل المجون والفسقة الذين تناولهم ابن العربي بطريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما كان أكثر أهل المجون يومئذ في إشبيلية. يدلك على ذلك حوار عن إشبيلية وقرطبة دار في مجلس منصور بن عبد المؤمن بين أبي الوليد بن رشد وأبي بكر بن زهر، فقال ابن رشد لابن زهر: ما أدري ما نقول، غير أنه إذا مات عالم في إشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حملت إلى إشبيلية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
وشعر ابن العربي في مدة قضائه بأن سور إشبيلية لا يقاوم أحداث الدهر إذا ألمت بالبلد ملمة، فعزم على ترميمه، وسد بعض الثلم الواقعة فيه. واتفق وقوع ذلك في زمن انصرفت فيه الحكومة عن مثل هذا الأمر. أو أن المال اللازم لذلك لم يكن متوافرا لديها، فخرج ابن العربي عن كل ما تحت يده من ماله الخاص ورصده لتحقيق هذا الواجب الملي العام، ودعا الأمة إلى البذل فيه، وأقبلت في خلال ذلك الأيام الأولى من شهر ذي الحجة، فكان ابن العربي أول من خطر على باله الاستفادة من جلود الأضاحي في المصالح العامة، فحض الناس على أن يتبرعوا بجلود أضاحيهم لبناء هذا السور، فكان في ذلك موفقا، إلا أن أعداءه ومبغضي طريقته أثاروا العامة عليه بأساليبهم الخبيثة حتى نابه بداره في أحد الأيام مثل الذي ناب أمير المؤمنين عثمان بن عفان لما تألب البغاة عليه وهاجموه في داره. ولا شك أن هذه الحادثة وقعت له في آخر ولايته للقضاء، وقد أشار إليها في كتابنا هذا (العواصم من القواصم) الذي ألفه في سنة 536 فهي إذن وقعت بعد سنة 530 وقبل سنة 536 وقد قال في كتابنا هذا ص137-138 يصفها (ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يك في الأرض منكر. واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب فتألبوا وألبوا وثاروا إلي، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي فعاثوا علي، ولولا ما سبق من حسن المقدار، لكنت قتيل الدار. وكان الذي حملني على ذلك ثلاثة أمور: أحدها وصاية النبي صلى الله عليه وسلم (أي بالكف عن القتال في الفتنة) . الثاني الاقتداء بعثمان. والثالث سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي (1) .--------------------------------------------
(1) أي لما أراد عمر بن الخطاب أن يقتل ابن سلول عند عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق لقول ابن سلول " إذا رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأزل " فمنع النبي صلى الله عليه وسلم عمر من قتله وقال " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
فنكب ابن العربي في هذه الثورة ونهبت كتبه كلها. وانصرف أو صرف عن القضاء، وتحول مؤقتا إلى قرطبة. وكان له فيها تلاميذ ومريدون، فازداد بهذه الرحلة تلاميذه من أذكيائها ومريدوه.
وكان من حكمة الله في هذه النازلة أن تفرغ ابن العربي للعلم، وواصل إكمال مؤلفاته الكبيرة، وقد آن لنا أن نشير إلى تراثه العلمي. فمن مؤلفاته:
1 -أنوار الفجر في تفسير القرآن: ألفه في عشرين سنة وبلغ ثمانين ألف ورقة (أي مائة ألف وستين ألف صفحة) ورآه يوسف الحزام المغربي في القرن الثامن في خزانة أمير المسلمين السلطان أبي عنان فارس بمدينة مراكش (وكان يخدم السلطان في حزم كتبه ورفعها) فعد أسفاره فبلغت ثمانين سفرا، وقال بعض مترجمي ابن العربي إنه في تسعين مجلدا، وكان الناس يتداولون هذا التفسير أثناء تأليفه، فكلما انتهى من تأليف مقدار منه تناسخه الناس وتناقلوه.
2 -قانون التأويل في تفسير القرآن: كتاب كبير، كان موجودا ومنتشرا إلى القرن الحادي عشر الهجري، ونقل عنه المقري في نفح الطيب، ونقلنا عنه شيئا منه في هذه الترجمة.
3 -أحكام القرآن: كتاب نفيس طبعه سلطان المغرب مولاي عبد الحفيظ في إحدى المطابع المصرية.
4 -الأحكام الصغرى، منه مخطوط بمكتبة عبد الحي الكتاني بالمغرب.
5 -الناسخ والمنسوخ في القرآن: توجد منه مخطوطة بخزانة القرويين.
6 -كتاب المشكلين: مشكل الكتاب ومشكل السنة.
7 -كتاب النيرين: في الصحيحين.
8 -القبس: في شرح موطأ مالك بن أنس. وهو من أواخر مؤلفاته. ذكر فيه تفسيره (أنوار الفجر) وفي مكتبة الكتاني بالمغرب مخطوطة من القبس وفي مكتبة الجلاوي بمراكش مخطوطة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
9 -ترتيب المسالك في شرح موطأ مالك: في مكتبة طلعت (793 حديث) .
10 -عارضة الأحوذي، شرح جامع الترمذي: وهو من أول مؤلفاته، ويقول الحافظ ابن عساكر: إنه بدأ بتأليفه في منقلبه إلى المغرب عائدا من رحلته الكبرى. وقد اطلعنا على مخطوطة منه في مكتبة جمعية الهداية الإسلامية جاء بها من تونس صديقنا العلامة الجليل السيد محمد الخضر حسين. ثم طبع هذا الكتاب في مصر سنة 1350 مع جامع الترمذي في 14 جزءا.
11 -شرح حديث جابر في الشفاعة.
12 - حديث الإفك.
13 - العواصم من القواصم.
14 -شرح حديث أم زرع.
15 -الكلام على مشكل حديث السبحات والحجاب.
16 -السباعيات.
17 - المسلسلات.
18 -الأمد الأقصى بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا.
19 -تفصيل التفضيل، بين التحميد والتهليل.
20 -التوسط في معرفة صحة الاعتقاد، والرد على من خالف السنة وذوي البدع والإلحاد في مجموع مخطوط بمكتبة عبد الحي الكتاني في المغرب (عقيدة ابن العربي) .
21 -المحصول في علم الأصول.
22 -الإنصاف، في مسائل الخلاف: عشرون مجلدا.
23 - شرح غريب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني.
24 -كتاب ستر العورة.
25 -الخلافيات.
26 - مراقي الزلف.
27 - سراج المريدين (وهو ينقل عنه ويشير إليه في العواصم من القواصم) ومنه مخطوطة بمكتبة عبد الحي الكتاني وبأولها خط المؤلف.
28 - نواهي الدواهي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
29 - العقل الأكبر للقلب الأصغر.
30 - الكافي في أن لا دليل على النافي.
31 -سراج المهتدين.
32 - تبيين الصحيح، في تعيين الذبيح.
33 - ملجأة المتفقهين، إلى معرفة غوامض النحويين.
34 -أعيان الأعيان.
35 -تخليص التلخيص.
36 - ترتيب الرحلة للترغيب في الملة: منه مخطوطة ناقصة في مكتبة عبد الحي الكتاني بالمغرب.
وفى خلال اشتغال ابن العربي بالتدريس والتأليف في العشر الأواخر من سني حياته، كان يتردد على الأدباء، ويساجلهم الأدب والشعر بقريحة وقادة، وبيان جزل، ولا يتسع هذا المقام لوصف مقامه الأدبي، ونكتفي بإيراد المثل الآتي لهذه الناحية: دخل عليه الأديب ابن صارة الشنتريني وبين يدي القاضي أبي بكر نار علاها رماد فقال لابن صارة: قل في هذه. فقال:
شابت نواصي النار بعد سوادها … وتسترت عنا بثوب رماد
ثم قال لابن العربي: أجز. فقال:
شابت كما شبنا وزال شبابنا … فكأنما كنا على ميعاد
ونختم هذه الترجمة قبل ذكر وفاته، بفصل عقده وصاف أدب أدباء الأندلس الوزير أبو نصر الفتح بن خاقان القيسي في كتابه (المطمح) فقال يصف الفقيه الأجل الحافظ أبا بكر بن العربي:
(علم الأعلام الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء إياس. وترك التقليد للقياس، وانتجع الفرع من الأصل، وغدا في يد الإسلام أمضى من النصل، سقى الله به الأندلس بعدما أجدبت من المعارف، ومد عليها من الظل الوارف. فكساها رونق نبله، وسقاها ريق وبله، وكان أبوه أبو محمد بإشبيلية بدرا في فلكها. وصدرا في مجلس ملكها. واصطفاه معتمد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
بني عباد، اصطفاء المأمون لابن أبي داود وولاه الولايات الشريفة وبوأه المراتب المنيفة. فلما أقفرت حمص من ملكهم وخلت (1) وألقتهم منها وتخلت. رحل به إلى المشرق، وحل فيه محل الخائف الفرق. فجال في أكنافه، وأجال قداح الرجاء في استقبال العز واستئنافه. فلم يسترد ذاهبا، ولم يجد كمعتمده باذلا له وواهبا فعاد إلى الرواية والسماع. وما استفاد من إجالة تلك الأطماع. وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب ما دوَّح، وفي روض الشباب زهر ما صوَّح، فألزمه مجالس العلم رائحا وغاديا، ولازمه سائقا إليها وحاديا، حتى استقرت به مجالسه، واطردت له مقايسه. فجد في طلبه، واستجد به أبوه منخرق أربه ثم أدركه حمامه ووارته هناك رجامه. وبقي أبو بكر متفردا، وللطلب متجردا، حتى أصبح في العلم وحيدا، ولم تجد عنه الرياسة محيدا، فكر إلى الأندلس فحلها والنفوس إليه متطلعة، ولأنبائه متسمعة، فناهيك من حظوة لقي، ومن عزة سقي، ومن رفعة سما إليها ورقي، وحسبك من مفاخر قلدها، ومن محاسن أنس أنبتها فيها وخلدها.
وفي السنوات الأخيرة من حياة ابن العربي مات علي بن يوسف بن تاشفين صاحب المغرب والأندلس، فقام بعده (سنة537) ابنه تاشفين الذي كان واليا لأبيه على الأندلس. وفي زمنه استفحلت دعوة الموحدين التي كان دعا إليها ابن تومرت مدعي المهدوية فتولاها بعده صنيعته عبد المؤمن بن علي، وتغلب عبد المؤمن على المعز تاشفين وشرده إلى وهران في غرب الجزائر، ثم قتله في وهران في رمضان سنة 539، وحاصر أخاه إسحاق بن علي بن يوسف--------------------------------------------
(1) كانت إشبيلية في زمن الفتح الإسلامي منزل الفاتحين من أبناء " حمص " إحدى المدن الشامية، فسموا إشبيلية باسم بلدهم، ولذلك يقول فيها ابن عبدون:
هل تذكر العهد الذي لم أنسه … ومودتي مخدومة بصفاء
ومبيتنا في أرض حمص والحجى … قد حل عقد صباه بالصهباء
ودموع طل الليل يخلق أعينا … ترنو إلينا من عيون الماء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
بن تاشفين في مراكش سنة 540 مدة تسعة أشهر واستولى عليه وعليها في شوال سنة 541، فانقرضت دولة المرابطين أو الملثمين بعد أن حكمت 141 سنة. وهكذا شهد ابن العربي سقوط دولة آل عباد على يد يوسف بن تاشفين في أول شبابه. ثم شاهد سقوط دولة بني تاشفين على يد عبد المؤمن بن علي صاحب دولة الموحدين في أواخر شيخوخته. وعقب ذلك أخذت وفود مدائن الأندلس تفد على مراكش طالبة من عبد المؤمن الاستيلاء على بلادهم من بقايا المرابطين. وحضر في سنة 542 وفد (إشبيلية) برئاسة عظيمها وكبير علمائها الإمام أبي بكر بن العربي. ولسبب غامض لا نعرفه إلى الآن حبس عبد المؤمن هذا الوفد في مراكش نحو عام، ثم سرحوا، فأدركته منيته منصرفه من مراكش في موضع يسمي (أغلان) على مسيرة يوم من فاس غربا منها، فاحتمل ميتا إلى فاس في اليوم الثاني من موته، وصلى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج، ودفن في يوم الأحد 7 ربيع الأول سنة 543 خارج المحروق أعلى مدينة فاس بتربة القائد مظفر. رحمه الله وأعلى مقامه في دار الخلود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
[أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عدول]
بتعديل الله ورسوله لهم
ولا ينتقص أحدا منهم إلا زنديق عقد الإمام الحافظ المحدث أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (392-463) فصلا نفيسا في كتابه (الكفاية) الذي طبعه صاحب السمو نظام حيدر أباد الدكن بالهند سنة 1357 (ص46-49) واعتمده شيخ الإسلام الإمام الحافظ قاضي قضاة مصر شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني (773-852) في مقدمة كتابه (الإصابة) الذي طبعه في مصر سلطان المغرب مولاي عبد الحفيظ سنة 1328 (ج1ص10-11) ونحن نقتطف منه ما يلي:
عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن.
فمن ذلك قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]
وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]
وقوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18]
وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100]
وقوله: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ - أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ - فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الواقعة: 10 - 12]
وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64]
وقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ - وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8 - 9]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة مثل ذلك، وأطنب في تعظيمهم، وأحسن الثناء عليهم. فمن الأخبار المستفيضة عنه في هذا المعنى:
حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، ويشهدون قبل أن يستشهدوا» ورواه أبو هريرة وعمران بن حصين أيضا.
وحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» .
وحديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحدكم في تركه. فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية فإن لم يكن سنة مني ماضية فما قال أصحابي إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة» .
وحديث سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي فأوحى الله إلي: يا محمد، إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء: بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى» .
وحديث الإمام الشافعي بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري. وإنه سيجيء في آخر الزمان قوم ينتقصونهم، ألا فلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
تناكحوهم، ألا فلا تنكحوا إليهم، ألا فلا تصلوا معهم، ألا فلا تصلوا عليهم، عليهم حلت اللعنة» .
قال الحافظ الكبير أبو بكر بن الخطيب البغدادي: والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم. فلا يحتاج أحد منهم - مع تعديل الله تعالى لهم، المطلع على بواطنهم، إلى تعديل أحد من الخلق له. . . . على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها - من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين - القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين.
أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسي الهمذاني، حدثنا صالح بن أحمد الحافظ قال: سمعت أبا جعفر أحمد بن عبدل يقول: سمعت أحمد بن محمد بن سليمان التستري يقول: سمعت أبا زرعة يقول: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة) .
وأبو زرعة الذي أعلن زندقة من ينتقص أحدا من الصحابة، هو عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، من موالي بني مخزوم، كان أحد أعلام الأئمة. قال عنه الإمام أحمد: ما جاز الجسر أحفظ من أبي زرعة. وقال الإمام أبو حاتم: إن أبا زرعة ما خلف بعده مثله. توفي سنة 264.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
[خطبة المؤلف]
العواصم من القواصم
في تحقيق مواقف الصحابة
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله قال صالح بن عبد الملك بن سعيد:
قرأت على الإمام محمد أبي بكر بن العربي رضي الله عنه قال:
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم إنا نستمد بك المنحة، كما نستدفع بك المحنة، ونسألك العصمة، كما نستوهب منك الرحمة.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ويسر لنا العمل كما علمتنا، وأوزعنا شكر ما آتيتنا، وانهج لنا سبيلا يهدي إليك وافتح بيننا وبينك بابا نفد منه عليك، لك مقاليد السماوات والأرض وأنت على كل شيء قدير (1) .--------------------------------------------
(1) بهذا التحميد والدعاء السديد، افتتح الإمام ابن العربي الجزء الأول من كتابه (العواصم من القواصم) . فافتتحنا به هذا القسم من جزئه الثاني (من ص 98 إلى ص 193 من مطبوعة الجزائر سنة 1347) وهو ما اخترنا إفراده بهذا السفر خاصا بتحقيق مواقف الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كما أشرنا إلى ذلك في تصدير الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
[قاصمة الظهر]
[وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ووقعها في نفوس الصحابة]
قاصمة الظهر بعد أن استأثر الله بنبيه صلى الله عليه وسلم وقد أكمل له ولنا دينه، وأتم عليه وعلينا نعمته، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] وما من شيء في الدنيا يكمل إلا وجاءه النقصان، ليكون الكمال الذي يراد به وجه الله خاصة، وذلك العمل الصالح والدار الآخرة، فهي دار الله الكاملة. قال أنس: " ما نفضنا أيدينا من تراب قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا " (1) .
واضطربت الحال، ثم تدارك الله الإسلام ببيعة أبي بكر، فكان موت النبي صلى الله عليه وسلم (قاصمة الظهر) ومصيبة العمر:
[استخفاء علي وإهجار عمر]
فأما علي فاستخفى في بيته مع فاطمة (2) .--------------------------------------------
(1) في مطبوعة الجزائر " نفوسنا " والمروي في الحديث " قلوبنا" من وجوه متعددة أشار إليها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5: 273 ـ 274) أحدها للإمام أحمد عن أنس: (لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء: قال: وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا) وهكذا رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. قال ابن كثير: وإسناده صحيح على شرط الصحيحين.
(2) لأن فاطمة وجدت على أبي بكر لما أصر على العمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا نورث، ما تركناه صدقة) وسيأتي تفصيل ذلك في ص 48 ـ 50، فعاشت فاطمة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر معتزلة في بيتها ومعها علي كرم الله وجهه قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (6: 333) : فلما مرضت جاءها الصديق فدخل عليها فجعل يترضاها فرضيت. رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي ثم قال. وهذا مرسل حسن بإسناد صحيح. وقال البخاري (ك 64 ب 38 ج 5 ص 82 - 83) من حديث عروة عن عائشة: " فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها، وكان لعلي من الناس وجه في حياة فاطمة فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته. . . إلخ ". وبيعة علي هذه هي الثانية بعد بيعته الأولى في سقيفة بني ساعدة. وأضاف الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5: 249) أن عليا لم ينقطع عن صلاة من الصلوات خلف الصديق، وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرا سيفه يريد قتال أهل الردة.
ويحتمل أن يكون مراد المؤلف باستخفاء علي ما كان منه ومن الزبير قبيل الاجتماع في سقيفة بني ساعدة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى ذلك في خطبته الكبرى التي خطبها في المدينة في عقب ذي الحجة بعد آخر حجة حجها عمر، وهذه الخطبة في مسند الإمام أحمد (1: 55 الطبعة الأولى - ج 1 رقم 391 الطبعة الثانية) من حديث ابن عباس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)