يتعرض لهم (1) .
ثم يفارقهم، مرارًا (2) قالوا: ما لك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر (3) . ففتشوه، فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم ويقطع أيديهم وأرجلهم (4) .--------------------------------------------
(1) أي للمصرين وحدهم.
(2) ولا يتعرض لهم ثم يفارقهم ويكرر ذلك إلا ليلفت أنظارهم إليه. ويثير شكوكهم فيه. وهذا ما أرداه مستأجرو هذا الرجل لتمثيل هذا الدور، ومدبرو هذه المكيدة لتجديد الفتنة بعد أن صرفها الله وأراح المسلمين من شرورها. ولا يعقل أن يكون تدبير هذا الدور التمثيلي صادرا عن عثمان أو مروان أو أي إنسان يتصل بهما، لأنه لا مصلحة لهما في تجديد الفتنة بعد أن صرفها الله، وإنما المصلحة في ذلك للدعاة الأولين إلى إحداث هذا الشغب، ومنهم الأشتر وحكيم بن جبلة اللذان لم يسافرا مع جماعتهما إلى بلديهما، بل تخلفا في المدينة (الطبري 5: 120) ولم يكن لهما أي عمل يتخلفان في المدينة لأجله إلا مثل هذه الخطط والتدابير التي لا يفكران يومئذ في غيرها.
(3) وقد صرحوا بأنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح (الطبري 5: 120) ولا يعقل أن يكتب إليه عثمان أو مروان؛ لأنه كان عقب حركة الثوار من مصر متوجهين إلى المدينة كتب إلى عثمان يستأذنه بالقدوم عليه (الطبري 5: 122) ، وخرج بالفعل من مصر نحو العريش وفلسطين وأيلة (العقبة) وتغلب محمد بن أبي حذيفة على الحكم في مصر، وهو عدو الله ورسوله، وخارج على خليفة المسلمين. فكيف يكتب عثمان أو مروان إلى عبد الله بن سعد وعندهما كتابه الذي يستأذن به في القدوم إلى المدينة؟ .
(4) الأخبار التي جاء فيها أن الراكب غلام عثمان، وأن الجمل جمل الصدقة، وأن عثمان اعترف بذلك، كلها أخبار مرسلة لا يعرف قائلها. أو مكذوبة أذاعها رواة مطعون في صدقهم وأمانتهم. ومضمون الكتاب اضطربت الروايات فيه، ففي بعض الروايات: "إذا قدم عليك عبد الرحمن بن عديس فاجلده مائة واحلق رأسه ولحيته وأطل حبسه حتى يأتيك أمري. وعمرو بن الحمق فافعل به مثل ذلك. وسودان بن حمران مثل ذلك، وعروة بن التباع الليثي مثل ذلك". وفي رواية: "إذا أتاك محمد بن أبي بكر الصديق ـ وفلان وفلان ـ فاقتلهم وأبطل كتابهم وقر على عملك حتى يأتيك رأيي". وفي رواية ثالثة أن مضمون الكتاب أمر عامله بالقتل والقطع والصلب على هؤلاء الثوار. وهذا الاختلاف في مضمون كتاب واحد مما يزيد الريبة في أمره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
فأقبلوا حتى قدموا المدينة (1) فأتوا عليًّا فقالوا له: ألم تر إلى عدو الله.--------------------------------------------
(1) وأعجب العجب أن قوافل الثوار العراقيين التي كانت متباعدة في الشرق عن قوافل الثوار المصريين في الغرب عادتا معًا إلى المدينة في آن واحد، أي أن قوافل العراقيين التي كانت بعيدة مراحل متعددة عن قوافل المصريين ولا علم لها بالرواية المسرحية التي مثلت في البويب رجعت إلى المدينة من الشرق وقت رجوع المصريين من الغرب ووصلتا إلى المدينة معًا كأنما كانوا على ميعاد! ومعنى هذا أن اللذين استأجروا الراكب ليمثل دور حامل الكتاب أمام قوافل المصريين استأجروا راكبًا آخر خرج من المدينة معه قاصدًا قوافل العراقيين ليخبرهم بأن المصريين اكتشفوا كتابًا بعث به عثمان إلى عبد الله بن سعد في مصر بقتل محمد بن أبي بكر. قال الطبري (5: 105) : فقال لهم علي: ((كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة!)) (يشير كرم الله وجهه إلى تخلف الأشتر وحكيم في المدينة، وأنهما هما اللذان دبرا هذه المسرحية. قال الثوار العراقيون بلسان رؤسائهم: ((فضعوه على ما شئتم. لا حاجة لنا إلى هذا الرجل. ليعتزلنا)) وهذا تسليم منهم بأن قصة الكتاب مفتعلة، وأن الغرض الأول والأخير هو خلع أمير المؤمنين عثمان وسفك دمه الذي عصمه الله بشريعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
كتب فينا بكذا؟ وقد أحل الله دمه، قالوا له: فقم معنا إليه، قال: والله لا أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم، فنظر بعضهم إلى بعض (1) وخرج علي من المدينة.--------------------------------------------
(1) الطبري (5: 108) . وهذا الحوار بين علي والثوار مجمع عليه في كل الروايات وهو نص قاطع على أن اليد التي زورت الكتاب على عثمان وبعثت إلى العراقيين تخبرهم بذلك وتطلب منهم أن يعودوا إلى المدينة، هي اليد التي زورت على علي كتابًا إلى الثوار العراقيين بأن يعودوا. وقد قلنا في ص 125 أن الثوار فريقان - خادع ومخدوع - فالذين نظر بعضهم إلى بعض عندما حلف علي بأنه لم يكتب إليهم هم من الفريق المخدوع يتعجب كيف لم يكتب علي إليهم وقد جاءهم كتابه. ومن ذا الذي يكون قد كتب الكتاب على لسانه إذا لم يكن هو الذي كتبه؟ وسيأتي في ص 136 أن مسروق بن الأجدع الهمداني - وهو من الأئمة الأعلام المقتدى بهم - عاتب أم المؤمنين عائشة بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان، فأقسمت له بالذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون أنها ما كتبت إليهم سوادًا في بياض. قال سليمان بن مهران الأعمش - أحد الأئمة الأعلام الحفاظ -: ((فكانوا يرون أنه كتب على لسانها)) . أيها المسلمون في هذا العصر وفي كل عصر، إن الأيدي المجرمة التي زورت الرسائل الكاذبة على لسان عائشة وعلي وطلحة والزبير هي التي رتبت هذا الفساد كله، وهي التي طبخت الفتنة من أولها إلى آخرها، وهي التي زورت الرسالة المزعومة على لسان أمير المؤمنين عثمان إلى عامله في مصر في الوقت الذي كان يعلم فيه أنه لم يكن له عامل في مصر، وقد زورت هذه الرسالة على لسان عثمان بالقلم الذي زورت به رسالة أخرى على لسان علي، كل ذلك ليرتد الثوار إلى المدينة بعد أن اقتنعوا بسلامة موقف خليفتهم، وأن ما كان قد أشيع عنه كذب كله، وأنه كان يتصرف في كل أمر بما كان يراه حقًا وخيرًا.
ولم يكن صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم المبشر منه بالشهادة والجنة هو المجني عليه وحده بهذه المؤامرة السبئية الفاجرة، بل الإسلام نفسه كان مجنيًا عليه قبل ذلك. والأجيال الإسلامية التي تلقت تاريخ ماضيها الطاهر الناصع مشوهًا ومحرفًا هي كذلك ممن جنى عليهم ذلك اليهودي الخبيث، والمنقادون له بخطام الأهواء والشهوات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
فانطلقوا إلى عثمان فقالوا له: كتبت فينا كذا. قال لهم إما أن تقيموا اثنين من المسلمين، أو يميني - كما تقدم ذكره - فلم يقبلوا ذلك منه (1) . ونقضوا عهده (2) وحصروه.
[وقائع ومحاورات بين عثمان والبغاة عليه]
وقد روي أن عثمان جيء إليه بالأشتر، فقال له: يريد القوم منك إما أن تخلع نفسك، أو تقص منها، أو يقتلوك! فقال: أما خلعي فلا أترك أمة محمد بعضها على بعض. وأما القصاص، فصاحباي قبلي لم يقصا من أنفسهما، ولا يحتمل ذلك بدني (3) .
وروي أن رجلًا قال له: نذرت دمك. قال: خذ جبتي. فشرط فيها شرطة بالسيف أراق منه دمه، ثم خرج الرجل وركب راحلته وانصرف في الحين (4) .--------------------------------------------
(1) لأنهم ما جاءوا ليقبلوا حقًا أو يرجعوا إلى شرع، وإنما جاءوا ليخلعوه أو يسفكوه دمه.
(2) الذي تقدم في ص 125 أنهم قطعوه على أنفسهم بأن لا يشقوا عصًا ولا يفرقوا جماعة.
(3) هذا الخبر في تاريخ الطبري (5: 117 - 118) ، وفي البداية والنهاية (7: 184) ، وفي أنساب الأشراف للبلاذري (5: 92) .
(4) هذا الخبر في كتاب (التمهيد) للإمام أبي بكر الباقلاني ص 216. وأعجب من ذلك ما رواه الطبري (5: 137 - 138) أن عمير بن ضابئ البرجمي وكميل بن زياد النخعي حضرا إلى المدينة ليغتالا عثمان تنفيذا لقرار اتخذوه في الكوفة مع بقية عصابتهم، فلما وصلا إلى المدينة نكل عمير، وترصد كميل للخليفة حتى مر به، فلما التقيا ارتاب منه عثمان، ووجأ وجهه فوقع على استه، فقال لعثمان: أوجعتنى يا أمير المؤمنين، قال عثمان: أولست بفاتك؟! قال: لا والله الذي لا إله إلا هو. فاجتمع الناس وقالوا: نفتشه يا أمير المؤمنين فقال: لا. قد رزق الله العافية، ولا أشتهي أن أطلع منه على غير ما قال. ثم قال لكميل: ((إن كان كما قلت فاقتد مني (وجثَا) فوالله ما حسبتك إلا تريدني)) وقال: ((إن كنت صادقًا فأجزل الله، وإن كنت كاذبًا فأذل الله)) وقعد له على قدميه وقال ((دونك!)) فقال كميل: ((تركت)) . أيها القارئ الكريم، إن هذا الموقف ليس موقف خليفة فضلًا عمن دونه، بل هو موقف المتخلقين بأخلاق الأنبياء. على أن الله يمهل ولا يهمل. فقد جاء الحجاج بعد أربعين سنة فقتل ضابئًا وقتل كميلا بما أراداه في هذا الحادث من الفتك برجل خلق قلبه من رحمة الله، و (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
[فتوى ابن عمر لعثمان بألا يخلع نفسه لئلا تتخذ عادة]
ولقد دخل عليه ابن عمر، فقال [له عثمان] : انظر ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلع نفسك أو نقتلك، قال له [ابن عمر] : أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا، قال: هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا. قال: هل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال: لا. قال: فلا تخلع قميص الله عنك، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم خلعوه أو قتلوه (1) .--------------------------------------------
(1) أورد البلاذري هذا الخبر في أنساب الأشراف (5: 76) من حديث نافع عن ابن عمر. وقبل أن يفتي ابن عمر لخليفته بذلك ويدعوه إلى هذه التضحية النبيلة كان عثمان على بينة من ذلك ونور من الله، فقد أخرج ابن ماجه في مقدمة سننه (رقم 112 الباب 11 ج ص 41) من حديث النعمان بن بشير عن أم المؤمنين عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعثمان: ((يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يومًا فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه)) يقول ذلك ثلاث مرات. وفي مسند الإمام أحمد (ج 6 الطبعة الأولى: ص 75 و 86 و 114 و 149) حديث عائشة هذا بألفاظ مختلفة يرويه عنها ابن أختها عروة بن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
[إشراف عثمان على الناس واستشهاده إياهم بسوابقه]
وقد أشرف عليهم عثمان، واحتج عليهم بالحديث الصحيح في بنيان المسجد وحفر بئر رومة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم حين رجف بهم أحد. وأقروا له به في أشياء ذكرها (1) .
وقد ثبت أن عثمان أشرف عليهم وقال: أفيكم ابنا محدوج؟ أنشدكما الله ألستما تعلمان أن عمر قال: إن ربيعة فاجر أو غادر وإني والله لا أجعل فرائضهم وفرائض قوم جاءوا من مسيرة شهر، وإنما مهر أحدهم عند طبيبه. وإني زدتهم في غزاة واحد خمسمائة، حتى ألحقتهم بهم؟ قالوا: بلى.
قال: أذكركما الله ألستما تعلمان أنكما أتيتماني فقلتما، إن كندة أكلة رأس، وإن ربيعة هي الرأس، وإن الأشعث بن قيس قد أكلهم فنزعه واستعملتكما؟ قالا: بلى.
قال، اللهم إنهم كفروا معروفي، وبدلوا نعمتي، فلا ترضهم عن--------------------------------------------
(1) انظر في مسند الإمام أحمد (1: 59 الطبعة الأولى رقم 420 الطبعة الثانية) حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن. وسنن النسائي (2: 124 - 125) وجامع الترمذي (4: 319 - 320) * وفي مسند أحمد (1: 70 الطبعة الأولى رقم 511 الطبعة الثانية من حديث الأحنف بن قيس التميمي. وسنن النسائي مطولًا ومختصرًا (2: 65 - 66 و 123 - 124) * وفي تاريخ الطبري (5: 225) من حديث أبي سعيد مولى أبي سيد الأنصاري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
إمامهم ولا ترض إمامًا عنهم.
[موقف عثمان من أمر الدفاع عنه أو الاستسلام للأقدار]
وقد روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه (1) . ثم قال: قم يا ابن عمر - وعلى ابن عمر سيفه متقلدًا - فأخبر به الناس (2) .--------------------------------------------
(1) الذي يدل عليه مجموع الأخبار عن موقف عثمان من أمر الدفاع عنه أو الاستسلام للأقدار، هو أنه كان يكره الفتنة، ويتقي الله في دماء المسلمين. إلا أنه صار في آخر الأمر يود لو كانت لديه قوة راجحة يهابها البغاة، فيرتدعون عن بغيهم، بلا حاجة إلى استعمال السلاح للوصول إلى هذه النتيجة. وقبل أن تبلغ الأمور مبلغها عرض عليه معاوية أن يرسل إليه قوة من جند الشام تكون رهن إشارته، فأبى أن يضيق على أهل دار الهجرة بجند يساكنهم (الطبري 5: 101) . وكان لا يظن أن الجرأة تبلغ بفريق من إخوانه المسلمين إلى أن يتكالبوا على دم أول مهاجر إلى الله في سبيل دينه. فلما تذاءب عليه البغاة واعتقد أن الدفاع عنه تسفك فيه الدماء جزافًا، عزم على كل من له عليهم سمع وطاعة أن يكفوا أيديهم وأسلحتهم عن مزالق العنف. والأخبار بذلك مستفيضة في مصدر أوليائه وشانئيه. على أنه لو ظهرت في الميدان قوة منظمة ذات هيبة تقف في وجوه البغاة، وتضع حدًا لغطرستهم، لارتاح عثمان لذلك وسر به، مع ما هو مطمئن إليه من أنه لن يموت إلا شهيدًا.
(2) في البداية والنهاية (7: 182) عن (مغازي ابن عقبة) أن ابن عمر لم يلبس سلاحه إلا يوم الدار في خلافة عثمان، ويوم أراد نجدة الحروري أن يدخل المدينة مع الخوارج أيام عبد الله بن الزبير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
فخرج ابن عمر و [الحسن بن] علي. ودخلوا فقتلوه (1) .
[اعتزام الأنصار الدفاع عن عثمان]
وجاء زيد بن ثابت فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله [مرتين] . قال [عثمان] لا حاجة بي في ذلك، كفوا (2) .--------------------------------------------
(1) في تاريخ الطبري (5: 129) : كان آخر من خرج عبد الله بن الزبير أمره عثمان أن يصير إلى أبيه بوصيته التي كتبها استعدادًا للموت، أمره أن يأتي أهل الدار (أي المدافعين عنه في ساحة القصر) فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم. فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم، فما زال يدعى بها ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه، وإنما أوصى عثمان إلى الزبير لأن الزبير كان محل الثقة من كبار الصحابة. روى الحافظ ابن عساكر (5: 362) أن سبعة من الصحابة أوصوا به: عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، والمقداد، ومطيع بن الأسود، وأبو العاص بن الربيع، فكان ينفق على أيتامهم من ماله، ويحفظ لهم أموالهم.
(2) أورده البلاذري في أنساب الأشراف (5: 73) من حديث ابن سيرين، وأخرج الحافظ ابن عساكر عن مؤرخ الصدر الأول موسى بن عقبة الأسدي (الذي قال فيه الإمام مالك: عليكم بمغازي ابن عقبة، فإنه ثقة، وهي أصح المغازي) أن أبا حبيبة الطائي (وهو ممن يروي عنهم أبو داود والنسائي والترمذي) قال: لما حصر عثمان جاء بنو عمرو بن عوف إلى الزبير فقالوا يا أبا عبد الله نحن نأتيك ثم نصير إلى ما تأمرنا به (أي من الدفاع عن أمير المؤمنين) قال أبو حبيبة: فأرسلنى الزبير إلى عثمان فقال: أقرئه السلام وقل ((يقول لك أخوك: إن بني عمرو بن عوف جاءوني ووعدوني أن يأتوني ثم يصيروا إلى ما أمرتهم به. فإن شئت أن آتيك فأكون رجلًا من أهل الدار يصيبني ما يصيب أحدهم، فعلت. وإن شئت انتظرت ميعاد بني عمرو فأدفع بهم عنك فعلت)) قال أبو حبيبة: فدخلت عليه - أي على عثمان - فوجدته على كرسي ذي ظهر ووجدت رياطًا مطروحة ومراكن مغلوة، ووجدت في الدار الحسن بن علي، وابن عمر وأبا هريرة، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، فأبلغت عثمان رسالة الزبير، فقال: ((الله أكبر، الحمد لله الذي عصم أخي. قل له: إنك إن تأت الدار تكن رجلًا من المهاجرين، حرمتك حرمة رجل، وغناؤك غناء رجل. ولكن انتظر ميعاد بني عمرو بن عوف فعسى الله أن يدفع بك)) . قال: فقام أبو هريرة فقال: أيها الناس، لقد سمعت أذناي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((تكون بعدي فتن وأحداث)) فقلت: وأين النجاء منها يا رسول الله؟ قال: ((الأمير وحزبه)) وأشار إلى عثمان. فقال القوم: ائذن لنا فلنقاتل، فقد أمكنتنا البصائر. فقال [عثمان] : ((عزمت على أحد كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل)) . قال: فبادر - أي سبق - الذين قتلوا عثمان ميعاد بني عمرو بن عوف فقتلوه (وانظر الخبر مختصرًا في كتاب ((نسب قريش)) للزبيري ص 103) .
وبنو عمرو بن عوف قبيلة كبيرة من الخزرج، أحد فرعي الأنصار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله إلى المدينة مهاجرًا من مكة نزل ضيفًا عليهم ثلاثة أيام ثم انتقل إلى بني النجار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
وقال له أبو هريرة: اليوم طاب الضرب معك. قال: عزمت عليك لتخرجن (1) .
وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان، فعزم عليهم في وضع سلاحهم وخروجهم، ولزوم بيوتهم.
فقال له ابن الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا لا نبرح. ففتح--------------------------------------------
(1) هذا الخبر في تاريخ الطبري (5: 129) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
عثمان الباب ودخلوا عليه في أصح الأقوال (1) .
فقتله المرء الأسود (2) .
وقيل: أخذ ابن أبي بكر بلحيته، وذبحه كنانة (3) وقيل: رجل من أهل مصر يقال له حمار (4) فسقطت قطرة من دمه على المصحف--------------------------------------------
(1) أصل هذا الخبر في تاريخ الطبري (5: 128) عن سيف بن عمر التميمي عن أشياخه.
(2) كذا في مطبوعة الجزائر. والذي في تاريخ الطبري (5: 125) ((الموت الأسود)) ، والأصول التي طبع عليها تاريخ الطبري أصح من الأصول التي طبع عليها كتابنا في الجزائر، ومن الثابت أن ابن سبأ كان من ثوار مصر عند مجيئهم من الفسطاط إلى المدينة (الطبري 5: 103 - 104) وهو في كل الأدوار التي مثلها كان شديد الحرص على أن يعمل من وراء ستار، فلعل ((الموت الأسود)) اسم مستعار له أراد أن يرمز به ليتمكن من مواصلة دسائسه لهدم الإسلام.
(3) هو كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي قائد إحدى الفرق المصرية الأربع وكان قبل ذلك أحد الذين التفوا بعمار بن ياسر في الفسطاط ليجعلوه سبئيًا، وهو أول داخل إلى دار عثمان بالشعلة من النفط ليحرق باب الدار، وهو الذي اخترط السيف ليضعه في بطن أمير المؤمنين، فوقته زوجته نائلة فقطع يدها واتكأ بالسيف عليه في صدره، وكانت عاقبة التجيبي القتل مخذولًا في المعركة التي نشبت في مصر بين محمد بن أبي بكر وعمرو بن العاص سنة 38.
وقد تحرف ((كنانة)) في مطبوعة الجزائر برسم ((رومان)) ومطبوعة الجزائر كثيرة التحريف.
(4) لم أر هذا الاسم فيمن اجترءوا على ارتكاب الجريمة العظمى، ولعل النساخ حرفوا اسم سودان بن ((حمران)) ، أو اسم عمرو بن ((الحمق)) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
على قوله: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ} [البقرة: 137] فإنها ما حكت إلى الآن.
[تزويرهم الكتب على لسان عائشة]
وروي أن عائشة رضي الله عنها قالت: ((غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف!؟ استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالقند المصفى، ومصتموه موص الإناء، وتركتموه كالثوب المنقى من الدنس ثم قتلتموه (1) .
قال مسروق (2) فقلت لها: ((عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه)) . فقالت عائشة: ((والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم سوادًا في بياض)) . قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها (3) .
وقد روي أنه ما قتله أحد إلا أعلاج من أهل مصر.
قال القاضي أبو بكر رحمه الله : فهذا أشبه ما روي في الباب وبه يتبين - وأصل المسألة سلوك سبيل الحق - أن أحدًا من الصحابة لم يسع عليه، ولا قعد عنه. ولو استنصر ما غلب ألف أو أربعة آلاف غرباء عشرين--------------------------------------------
(1) قالت ذلك أول مرة عند وصولها إلى المدينة عائدة من الحج، فاجتمع إليها الناس وخطبت فيهم خطبة بليغة وردت هذه الجملة في آخرها (الطبري 5: 165 -166) . والموص: الغسل بالأصابع. والقند: عسل قصب السكر إذا جمد.
(2) هو من أئمة التابعين المقتدى بهم، توفي سنة 63. وهو الذي قال لعمار بالكوفة قبل يوم الجمل: يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا. فقال مسروق: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لكان خيرًا للصابرين (الطبري 5: 187) .
(3) كما كتب على لسان علي ولسان عثمان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
ألفًا بلديين أو أكثر من ذلك، ولكنه ألقى بيده إلى المصيبة (1) .
[الحكم الفقهي في موقف عثمان من الدفاع عنه أو الاستسلام]
وقد اختلف العلماء فيمن نزل به مثلها: هل يلقي بيده، أو يستنصر (2) ؟ وأجاز بعضهم أن يستسلم ويلقي بيده اقتداء بفعل عثمان وبتوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في الفتنة (3) .
قال القاضي أبو بكر رحمه الله : ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يك يرى في الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب،--------------------------------------------
(1) لأنه اختار بذلك أهون الشرين فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين، وعثمان افتدى دماء أمته بدمه مختارًا فما أحسن الكثيرون منا جزاءه، وإن أوربا وأمريكا تعبدان بشرًا بزعم الفداء ولم يكن فيه مختارًا.
(2) من سياسة الإسلام أن يختار المرء في كل حالة أقلها شرًا وأخفها ضررًا، فإذا كانت للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته فالإسلام يهدي إلى قمع الشر بقوة الخير بلا تردد. وإن لم يكن للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته - كما كانت الحال في موقف أمير المؤمنين عثمان من البغاة عليه - فمصلحة الإسلام في مثل ما جنح إليه عثمان أعلى الله مقامه في دار الخلود.
(3) وهو قوله صلى الله عليه وسلم على ما رواه الإمام البخاري في كتاب المناقب (ك 61 ب 25 - ج 4 ص 177) وفي كتاب الفتن (ك 92 ب 9 - ج 8 ص 92) من صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به)) . وأعلن أبو موسى الأشعري في الكوفة قبل وقعة الجمل أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم (الطبري 5: 188) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
فتألبوا وألبوا، وثاروا إلي، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي فعاثوا علي، وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن المقدار لكنت قتيل الدار (1) .
[اقتداء المؤلف بعثمان في مثل موقفه]
وكان الذي حملني على ذلك ثلاثة أمور: أحدها وصاية النبي صلى الله عليه وسلم المتقدمة (2) والثاني الاقتداء بعثمان، الثالث سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي (3) . فإن من غاب عني، بل من حضر من الحسدة معي، خفت أن يقول: إن الناس مشوا إليه مستغيثين به فأراق دماءهم.
وأمر عثمان كله سنة ماضية، وسيرة راضية. فإنه تحقق أنه مقتول بخبر الصادق له بذلك، وأنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه شهيد (4) .
وروي أنه قال له في المنام: إن شئت نصرتك، أو تفطر عندنا الليلة (5) .--------------------------------------------
(1) أشرنا إلى ظروف هذا الحادث في ترجمة المؤلف أول هذا الكتاب (ص 26) .
(2) وقد نقلناها آنفًا من حديث أبي هريرة في صحيح البخاري، ومن حديث أبي موسى في الكوفة قبل وقعة الجمل.
(3) وذلك لما قال ابن سلول في غزوة بني المصطلق ((إذا رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)) ، فأراد عمر أن يقتله فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ((لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)) .
(4) تقدم بيان ذلك في ص 55 و 56.
(5) هذه الرواية لابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن سلام في البداية والنهاية (7: 182 - 183) ، ومن طريق آخر عنه في أنساب الأشراف للبلاذري (5: 82) وفي مسند أحمد (1: 72 الطبعة الأولى، رقم 526 الثانية) من حديث مسلم أبي سعيد مولى عثمان قال: إن عثمان أعتق عشرين مملوكًا، ودعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في المنام ورأيت أبا بكر وعمر، إنهم قالوا لي: ((اصبر، فإنك تفطر عندنا القابلة)) . ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه. وروى الإمام أحمد هذا الحديث عن نائلة زوجة عثمان (1: 73 رقم 536) بقريب من هذا. وفي البداية والنهاية (7: 182) من حديث أيوب السختياني عن نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومن طرق أخرى متعددة. وانظر تاريخ الطبري (5: 125) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
[تشويه أخبار الصحابة وطريقتا المحدثين والمؤرخين في نقد الأخبار]
وقد انتدبت المردة والجهلة إلى أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه مشاغبًا مؤلبًا، وبما جرى عليه راضيًا. واخترعوا كتابًا فيه فصاحة وأمثال كتب عثمان به مستصرخًا إلى علي. وذلك كله مصنوع ليوغروا قلوب المسلمين على السلف الماضين والخلفاء الراشدين (1) .
قال القاضي أبو بكر: فالذي ينخل من ذلك أن عثمان مظلوم،--------------------------------------------
(1) هذه الكتب المصنوعة والأخبار المبالغ فيها أو المكذوبة شحنت بها أسفار الأخبار وكتب الأدب. ولتمييز الحق فيها من الباطل طريقان: أحدهما طريق أهل الحديث في ألا يقبلوا إلا الأخبار المسندة إلى أشخاص بأسمائهم ثم يستعرضون أحوال هؤلاء الأشخاص فيقبلون من صادقهم، ويضربون وجه الكذاب بكذبه. والطريق الثاني طريق علماء التاريخ وهو أن يعرضوا كل خبر على سجيا من يخبر عنه، ويقارنوه بسيرته، وهل هو ممن ينتظر وقوعه ممن نسب إليه ويلائم المعروف من سابقته وأخلاقه أم لا. وتمحيص تاريخنا يحتاج إلى هاتين الطريقتين معا يقوم بهما علماء راسخون فيهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
محجوج بغير حجة (1) . وأن الصحابة برآء من دمه بأجمعهم، لأنهم أتوا إرادته وسلموا له رايه في إسلام نفسه.
[تشويه أخبار الصحابة وطريقتا المحدثين والمؤرخين في نقد الأخبار]
ولقد ثبت - زائدًا إلى ما تقدم عنهم - أن عبد الله بن الزبير قال لعثمان: إنا معك في الدار عصابة مستبصرة ينصر الله بأقل منهم. فأذن لنا. فقال: أذكر الله رجلًا أراق لي دمه (أو قال دمًا) (2) .
وقال سليط بن أبى سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، فلو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم عن أقطارها (3) .--------------------------------------------
(1) كما تبين في هذا الكتاب بأسانيده القاطعة وانظر كتاب (التمهيد) للإمام أبي بكر الباقلاني (ص 220 - 227) .
(2) ولما بدأ حجاج بيت الله يعودون إلى المدينة كان أول المسرعين منهم المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي الصحابي، فأدرك عثمان قبل أن يقتل، وشهد المناوشة على باب دار عثمان، فجلس على الباب من داخل وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت. وكان أول من برز للبغاة المهاجمين وقاتل حتى قتل. وخرج معه لقتالهم الحسن بن علي بن أبي طالب وهو يقول في تسفيه عمل البغاة:
لا دينهم ديني ولا أنا منهم … حتى أسير إلى طمار شمام
أي: إلى جبل أشم لا ينجو من سقط منه. وخرج معهما محمد بن طلحة بن عبيد الله - وكان يعرف بالسجاد لكثرة عبادته - وهو يقول:
أنا ابن من حامى عليه بأحد … ورد أحزابا على رغم معد
انظر تاريخ الطبري (5: 128 - 129) .
(3) رواه الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب (2: 118 - 119 هامش الإصابة) من حديث ابن سيرين عن سليط. وأورده الحافظ ابن حجر مختصرًا في الإصابة (2: 72) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم غناءً من كف يده وسلاحه (1) .
وثبت أن الحسن والحسين وابن الزبير وابن عمر ومروان كلهم شاك في السلاح حتى دخلوا الدار، فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم (2) .--------------------------------------------
(1) وفي تاريخ الطبري (5: 127) أن عثمان دعا عبد الله بن عباس فقال له: اذهب فأنت على الموسم (أي على إمارة الحج) فقال ابن عباس: "والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج". فأقسم عليه لينطلقن، فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة.
(2) وفي البداية والنهاية (7: 181) : كان الحصار مستمرًا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة. فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار - وكانوا قريبًا من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة وخلق من مواليه ولو تركهم لمنعوه -: ((أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله)) قال لرقيقه ((من أغمد سيفه فهو حر)) ، فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج. حتى كانت الساعة التي تم فيها للشيطان ما سعى له وتمناه فانتدب للخليفة رجل من البغاة فدخل عليه البيت فقال: اخلعها وندعك، فقال: ((ويحك)) والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت، ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على عورتي مذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولست خالعًا قميصًا كسانيه الله عز وجل. وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاء (الطبري 5: 130) . ويكفي لبيان ما كان لهذه الفاجعة الكبرى من الأثر في النفوس ما نقله البلاذري في أنساب الأشراف (5: 103) عن المدائني عن سلمة بن عثمان عن علي بن زيد عن الحسن قال: دخل علي يومًا على بناته وهن يمسحن عيونهن فقال: ما لكن تبكين؟ قلن: نبكي على عثمان. فبكى وقال: ابكين. . . . .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
[المدينة في حكم الإرهابيين خمسة أيام بلا خليفة ثم بويع عليّ]
فلما قضى الله من أمره ما قضى، ومضى في قدره ما مضى، علم أن الحق لا يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه. ولم يكن بعد الثلاثة كالرابع قدرًا وعلمًا وتقى ودينًا، فانعقدت له البيعة. ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه. ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار، ورأى ذلك فرضًا عليه، فانقاد إليه (1) .--------------------------------------------
(1) في تاريخ الطبري (5: 155) عن سيف بن عمر التميمي عن أشياخه قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه: يأتي المصريون عليًّا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة (أي يختبئ في بساتينها) فإذا لقوه باعدهم وتبرأ من مقالتهم مرة بعد مرة. ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه. فأرسلوا إليه حيث هو رسلا فباعدهم وتبرأ من مقالتهم. . . فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع. فأقدم نبايعك. فبعث إليهم: وإني وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها. ثم إنهم أتوا ابن عمر عبد الله فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر. فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا، والله لا أتعرض له فالتمسوا غيري. وأخرج الطبري (5: 156) عن الشعبي قال: أتى الناس عليًّا وهو في سوق المدينة وقالوا له: ابسط يدك نبايعك. قال: لا تعجلوا، فإن عمر كان رجلًا مباركًا، وقد أوصى بها شورى، فأمهلوا يجتمع الناس ويتشاورون. فارتد الناس عن علي. ثم قال بعضهم: إن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعده قائم بهذا الأمر لم نأمن اختلاف الناس وفساد الأمة. فعادوا إلى علي، فأخذ الأشتر بيده، فقبضها علي. فقال: أبعد ثلاثة؟ أما والله لئن تركتها لتعصرن عينيك عليها حينًا. فبايعته العامة. وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر. وروى سيف عن أبي حارثة محرز العبشمي وعن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني قالا: لما كان يوم الخميس -على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان- جمعوا أهل المدينة، فوجدوا سعدا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له. . . فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون الإمامة وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلًا تنصبونه ونحن لكم تبع. فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون. . . فقال علي: دعوني والتمسوا غيري. . . فقالوا: ننشدك الله، ألا ترى الفتنة، ألا تخاف الله؟ فقال: إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني، فإنما أنا كأحدكم، إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد (أي يوم الجمعة) : فلما أصبحوا من يوم الجمعة حضر الناس المسجد، جاء علي حتى صعد المنبر فقال: ((يا أيها الناس عن ملأ وأذن. إن هذا أمركم، ليس لأحد فيه حق إلا أن أمرتم. وقد افترقنا بالأمس على أمر. فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا أجد على أحد)) فقالوا ((نحن على ما فارقناك عليه بالأمس)) . وهذه الوقائع على بساطتها تدل على أن بيعة علي كانت كبيعة إخوانه من قبل جاءت على قدرها وفي إبانها، وأنها مستمدة من رضا الأمة في حينها، لا من وصية سابقة مزعومة، أو رموز خيالية موهومة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
[قولهم في بيعة طلحة يد شلاء وفي طلحة والزبير بايعا مكرهين]
وعقد له البيعة طلحة، فقال الناس: بايع عليًّا يد شلاء، والله لا يتم هذا الأمر (1) .
فإن قيل: بايعا مكرهين (2) . قلنا: حاشا لله أن يكرها، لهما ولمن--------------------------------------------
(1) قائل هذه الكلمة حبيب بن ذؤيب. رواه الطبري (5: 153) عن أبي المليح الهذلي.
(2) يعني طلحة والزبير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
بايعهما. ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك، لأن واحدًا أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعًا. ولو لم يبايعا ما أثر ذلك فيهما، ولا في بيعة الإمام (1) .
وأما من قال يد شلاء وأمر لا يتم، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع، ولم يكن كذلك (2) .
فإن قيل: فقد قال طلحة: ((بايعت واللج على قفي)) (3) . قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في ((القفا)) لغة ((قفي)) كما يجعل في ((الهوى)) : ((هوي)) وتلك لغة هذيل لا قريش (4) فكانت كذبة لم تدبر.
وأما قولهم ((يد شلاء)) لو صح فلا متعلق لهم فيه، فإن يدا شلت في وقاية رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل--------------------------------------------
(1) القاضي ابن العربي يقرر هنا الحكم الشرعي في عقد البيعة، لا على أنه رأي له. وللإمام أبي بكر الباقلاني كلام سديد في (التمهيد) ص 231. وانظر ص 167 - 169 من كتاب (الإمامة والمفاضلة) لابن حزم المدرج في الجزء الرابع من كتابه (الفصل) .
(2) وقد علمت أن أهل الكوفة يقولون إن الأشتر كان أول من بايع. ولو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أعظم بركة، لأنها يد دافعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويد الأشتر لا تزال رطبة من دم إمامه الشهيد المبشر بالجنة.
(3) أي: والسيف على قفاي، لحالة الإرهاب التي كانت سائدة على المدينة بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان.
(4) بل هي أبعد عن لغة قريش من لهجة هذيل، فقد قال ابن الأثير في النهاية (مادة لجج) أنها لغة طائية، يشددون ياء المتكلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
مكروه (1) . وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه.
فإن قيل: بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان. قلنا: هذا لا يصح في--------------------------------------------
(1) كان طلحة من العصابة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت يوم أحد حين انهزم المسلمون، فصبروا ولزموا. ورمى مالك بن زهير الجشمي بسهم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لا يخطئ رميه - فاتقاه طلحة بيده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك سبب الشلل في يده من خنصره. وأقبل رجل من بني عامر يجر رمحًا على فرس كميت أغر مدججًا من الحديد يصيح: أنا أبو ذات الودع دلوني على محمد. فضرب طلحة عرقوب فرسه، فاكتسعت. ثم تناول رمحه فلم يخطئ به عن حدقته، فخار كما يخور الثور، فما برح طلحة واضعًا رجله على خده حتى مات. قالت بنتاه - عائشة وأم إسحاق -: جرح أبونا يوم أحد أربعًا وعشرين جراحة في جميع جسده، وقد غلبه الغشي، وهو مع ذلك محتمل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كسرت رباعيتاه يرجع به القهقرى، كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رأى طلحة: ((من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله)) رواه أبو نعيم الأصبهاني. وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كان يوم طلحة. وسمع علي بن أبي طالب رجلًا يقول بعد يوم الجمل: ومن طلحة؟ فزبره علي وقال: إنك لم تشهد يوم أحد، لقد رأيته وإنه ليحترس بنفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن السيوف لتغشاه وإن هو إلا جنة بنفسه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرج الحافظ ابن عساكر (7: 78) من طريق ابن مندة عن طلحة قال: سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد (طلحة الخير) ، وفي غزوة العسرة (طلحة الفياض) ويوم حنين (طلحة الجود) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)