عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه (1) . وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان (2) وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة (3) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده--------------------------------------------
(1) وبعث النبي صلى الله عليه وسلم ببشرى النصر في بدر مع زيد بن حارثة إلى عثمان في المدينة. قال أسامة بن زيد - فيما رواه الطبري2: 286 -: " فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت عند عثمان بن عفان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفني عليها مع عثمان " ثم في ربيع الأول من السنة التالية لغزوة بدر تزوج عثمان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدخلت عليه في جمادى الآخرة.
(2) وقبل أن يبعث عثمان دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال عمر: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس في مكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني. ولكني أدلك على رجل هو أعز مني فيها: عثمان بن عفان. فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش. ويوم تدوّن الدول الإسلامية تاريخ السفارات في الإسلام، سيكون اسم عثمان أول سفراء الإسلام في التاريخ.
(3) لأن عثمان لما أدى رسالته في السفارة التي بعث بها احتبس أياما. فلم يعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الموعد الذي كان يقدر له أن يعود فيه، فوصل الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن سفيره قتل، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة إلى بيعة الرضوان، انتصارا لعثمان، على نية أن يذهب بالصحابة إلى مكة فيناجز المشركين لما بلغه عن قتلهم عثمان. فبيعة الرضوان كانت رمزا من رموز الشرف لعثمان، وأي شرف أعظم من اجتماع قوى الإسلام بقيادة الرسول الأعظم للأخذ بثأر هذا الرجل الحبيب إلى المسلمين، والرفيع المنزلة عند سيد الأولين والآخرين؟ ثم لما علم النبي صلى الله عليه وسلم في اللحظة الأخيرة التي اجتمع فيها الصحابة لعقد البيعة - أن عثمان حي، مضى في إتمام البيعة على سنته صلى الله عليه وسلم في أنه إذا بدأ بخير يمضي في إكماله ولو زال سببه. وحينئذ كان لعثمان الشرف المضاعف بأن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم نابت عن يده في عقد البيعة عنه. فبيعة الرضوان كانت انتصارا لعثمان، وجميع الصحابة بايعوا بأيدي أنفسهم إلا عثمان فإن أشرف يد بالوجود نابت عن يده في إعطاء بيعته. ولو لم يكن لعثمان من الشرف في حياته كلها إلا هذا لكفاه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
اليمنى: " هذه يد عثمان " فضرب بها على يده فقال: " هذه لعثمان ". ثم قال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك (1) .
[مؤاخذتهم عثمان بأنه لم يقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان]
17 - وأما امتناعه عن قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان، فإن ذلك باطل (2) . فإن كان لم يفعل فالصحابة متوافرون، والأمر في--------------------------------------------
(1) لو أن أمير المؤمنين عثمان كان من حواري المسيح عليه السلام، وكانت له من سيدنا عيسى ابن مريم مثل هذه المنقبة التي كرمه الله بها من نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، لعبدته النصارى لأجلها. فالعجب لأمة يكون فيها جهلة يعيبون على عثمان - في زمانه - غيبته عن بيعة الرضوان، ويكون فيهم من يستشعر الشجاعة في نفسه عند الإقدام على سفك دم هذا الخليفة الرحيم لأمور هذا منها، ثم يحمل مثل هذا الجهل في دماغه رجل جاء يعبد الله بأداء فريضة الحج فيواجه به جماعة الصحابة من قريش ورئيسهم عبد الله بن عمر. ثم تمس الحاجة إلى التعرض لبيان هذه الحقائق في عصر القاضي أبي بكر بن العربي، ثم يشعر أمثالنا في عصرنا بأن عثمان لا يزال من بعض أمته في موقف يحتاج فيه إلى إنصافه ودفع قالة السوء عنه. حقا إننا أمة مسكينة. . . ولأمر ما بلغ بنا الحال بين الأمم إلى ما كنا فيه، وإلى ما لا نزال غارقين فيه " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ".
(2) بشهادة ابنه القماذبان. روى الطبري (5: 43 - 44 مصر و1: 2801 طبعة أوروبا) عن سيف بن عمر بسنده إلى أبي منصور قال: سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه. . . قال: " فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه " (أي من عبيد الله بن عمر بن الخطاب) ثم قال: " يا بني هذا قاتل أبيك، وأنت أولى به منا، فاذهب، فاقتله ". فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه. فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم. وسبوا عبيد الله. فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا. وسبوه. فتركته لله ولهم. فاحتملوني. فوالله ما بلغت المنزل إلا على رءوس الرجال وأكفهم ". هذا كلام ابن الهرمزان وإن كل منصف يعتقد (ولعل ابن الهرمزان أيضا كان يعتقد) أن دم أمير المؤمنين عمر في عنق الهرمزان، وأن أبا لؤلؤة لم يكن إلا آلة في يد هذا السياسي الفارسي. وإن موقف عثمان وإخوانه أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم من هذا الحادث لا نظير له في تاريخ العدالة الإنسانية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
أوله (1) وقد قيل: إن الهرمزان سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر وظهر تحت ثيابه (2) وكان قتل عبيد الله له وعثمان لم يل بعد، ولعل عثمان--------------------------------------------
(1) وقد تصرف عثمان في هذا الأمر بعد أن ذاكر الصحابة فيه. قال الطبري (5: 41) جلس عثمان في جانب المسجد ودعا عبيد الله وكان محبوسا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف من يده. . . فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا علي في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق. فقال علي: أرى أن تقتله. فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس، ويقتل ابنه اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إن الله أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك. قال عثمان: أنا وليهم، وقد جعلتها دية، واحتملتها في مالي.
(2) وفي تاريخ الطبري: (5: 42) حديث سعيد بن المسيب أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال غداة طعن عمر: " مررت على أبي لؤلؤة عشي أمس، ومعه جفينة (وكان نصرانيا من أهل الحيرة ظئرا لسعد بن أبي وقاص) والهرمزان، وهم نجي، فلما رهقتهم ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه. فانظروا بأي شيء قتل " وخرج في طلبه رجل من بني تميم، فرجع إليهم التميمي وقد كان ألظ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر حتى أخذه. وجاء بالخنجر الذي وصف عبد الرحمن بن أبي بكر. فسمع بذلك عبيد الله بن عمر، فأمسك حتى مات عمر، ثم اشتمل على السيف فأتى الهرمزان فقتله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
كان لا يرى على عبيد الله حقا، لما ثبت عنده من حال الهرمزان وفعله (1) وأيضا فإن أحدا لم يقم بطلبه. وكيف يصح مع هذه الاحتمالات كلها أن ينظر في أمر لم يصح؟ .--------------------------------------------
(1) وكذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس رأى جواز قتل علوج الفرس الذين في المدينة بلا استثناء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (3: 200) : وقد قال عبد الله بن عباس لما طعن عمر - وقال له عمر: كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة - فقال (أي ابن عباس) : " إن شئت أن نقتلهم " فقال عمر: " كذبت، أفبعد أن تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم؟ ". قال ابن تيمية: فهذا ابن عباس - وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير - يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقا الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد، اعتقد جواز مثل هذا. . . وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان من المفسدين في الأرض المحاربين فيجب قتله لذلك. ولو قدر أن المقتول معصوم الدم يحرم قتله، لكن كان القاتل متأولا ويعتقد حل قتله لشبهة ظاهرة، صار ذلك شبهة تدرأ عن القاتل (يعني عن عبيد الله بن عمر) قلت: وإلى هذا ذهب عثمان في اكتفائه بالدية واحتملها من ماله الخاص. ولو أن حادث مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - بجميع ظروفه - وقع مثله في أي بلد آخر مهما بلغ في ذروة الحضارة لما كان منهم مثل الذي كان من الصحابة في تسامحهم إلى حد المطالبة حتى بقتل ابن أمير المؤمنين المقتول بيد الغدر والنذالة والبغي الذميم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
[تحقيق علمي عن الكتاب المنسوب لعثمان]
18 - وأما تعلقهم بأن الكتاب وجد مع راكب، أو مع غلامه - ولم يقل أحد قط إنه كان غلامه (1) - إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح يأمره بقتل--------------------------------------------
(1) وإنما قالوا إنه غلام الصدقة، أي أحد رعاة إبل الصدقة. وإبل الصدقة ألوف كثيرة لها مئات من الرعاة. وإن صح أنه من رعاة إبل الصدقة فهؤلاء لكثرتهم وتبدلهم دائما بغيرهم لا يكاد يعرفهم رؤساؤهم فضلا عن أن يعرفهم أمير المؤمنين وكبار عماله وأعوانه. ومع افتراض أنه من رعاة إبل الصدقة فما أيسر أن يستأجره هؤلاء البغاة لغرض من أغراضهم، وقد ثبت أن الأشتر وحكيم بن جبلة تخلفا في المدينة عند رحيل الثوار عنها مقتنعين بأجوبة عثمان وحججه. وفي مدة تخلف الأشتر وحكيم بن جبلة تم تدبير الكتاب وحامله للتذرع بهما في تجديد الفتنة ورد الثوار، ولم يكن لأحد غير الأشتر وأصحابه مصلحة في تجديد الفتنة. وكم لهم من حيل أكثر التواء من استئجار راع يرعى إبل الصدقة. بل لقد ذكروا عن محمد بن أبي حذيفة ربيب عثمان الآبق من نعمته أنه كان في نفس ذلك الوقت موجودا في مصر يؤلب الناس على أمير المؤمنين ويزور الكتب على لسان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذ الرواحل فيضمرها ويجعل رجالا على ظهور البيوت في الفسطاط ووجوههم إلى وجه الشمس لتلوح وجوههم تلويح المسافر ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق الحجاز بمصر ثم يرسلوا رسلا يخبرون عنهم الناس ليستقبلوهم. . . فإذا لقوهم قالوا إنهم يحملون كتبا من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الشكوى من حكم عثمان، وتتلى هذه الكتب في جامع عمرو بالفسطاط على ملأ الناس وهي مكذوبة مزورة وحملتها كانوا في مصر ولم يذهبوا إلى الحجاز (انظر كتاب الأستاذ المحقق الشيخ صادق عرجون عن " عثمان بن عفان " ص122 - 133) فتزوير الكتب في مأساة البغي على أمير المؤمنين عثمان كان من أسلحة البغاة استعملوه من كل وجه وفي كل الأحوال وقد تقدم المثال على ذلك في صفحة 59، وسيأتي طرف منه فيما بعد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
حامليه (1) فقد قال لهم عثمان: إما أن تقيموا شاهدين على ذلك، وإلا فيميني أني ما كتبت ولا أمرت (2) . وقد يكتب على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه (3) . فقالوا لتسلم لنا مروان. فقال: لا أفعل. ولو سلمه لكان ظالما (4)--------------------------------------------
(1) وكيف يكتب إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقد أذن له بالمجيء إلى المدينة ويعلم أنه خرج من مصر (الطبري5: 122) وكان المتسلط على الحكم في الفسطاط محمد بن أبي حذيفة رئيس البغاة وعميدهم في هذه الجهة. ومضمون الكتاب المزور قد اضطرب رواة أخباره في تعيين مضمونه. وسيأتي الكلام على ذلك كله فيما بعد.
(2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (3: 188) : كل ذي علم بحال عثمان يعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ولا أمثاله، ولا عرف منه قط أنه قتل أحدا من هذا الضرب. وقد سعوا في قتله (أي في قتل أمير المؤمنين عثمان) ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا يأمر بقتالهم دفعا عن نفسه، فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم.
(3) وقد حدث مثل ذلك في زمن عمر، كما رواه البلاذري في فتوح البلدان (ص448 طبع سنة 1350) والحافظ ابن حجر في الإصابة (3: 528 طبع سنة 1328) .
(4) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (3: 189) بل عثمان إن كان أمر بقتل محمد بن أبي بكر هو أولى بالطاعة ممن طلب قتل مروان. لأن عثمان إمام هدى وخليفة راشد يجب عليه سياسة رعيته وقتل من لا يدفع شره إلا بقتله. وأما الذين طلبوا قتل مروان فقوم خوارج مفسدون في الأرض ليس لهم قتل أحد ولا إقامة حد. وليس مروان أولى بالفتنة والشر من محمد بن أبي بكر، ولا هو (أي ابن أبي بكر) أشهر بالعلم والدين منه (أي من مروان) . بل أخرج أهل الصحاح عدة أحاديث عن مروان، وله قول مع أهل الفتيا، واختلف في صحبته. ومحمد بن أبي بكر ليس بهذه المنزلة عند الناس. . . ومروان من أقران ابن الزبير. . . الخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
وإنما عليهم أن يطلبوا حقهم عنده على مروان وسواه، فما ثبت كان هو منفذه وآخذه والممكن لمن يأخذه بالحق. ومع سابقته وفضيلته ومكانته لم يثبت عليه ما يوجب خلعه فضلا عن قتله.
[قول علي إن الخارجين على عثمان حساد طلاب دنيا]
وأمثل ما روي في قصته أنه - بالقضاء السابق - تألب عليه قوم لأحقاد اعتقدوها: ممن طلب أمرا فلم يصل إليه، وحسد حسادة أظهر داءها، وحمله على ذلك قلة دين وضعف يقين، وإيثار العاجلة على الآجلة (1) . وإذا نظرت إليهم دلك صريح ذكرهم على دناءة قلوبهم وبطلان أمرهم (2) .--------------------------------------------
(1) بمثل هذه الأوصاف وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الخطبة التي خطبها على الغرائر في معسكره بالكوفة عندما كان الصحابي الفارس المجاهد القعقاع بن عمرو التميمي يسعى بإتمام المهمة التي جاءت عائشة وطلحة والزبير لإتمامها، فروى الطبري (5: 194) أن عليا ذكر إنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه. وقال على مسمع من قتلة عثمان: " ثم حدث هذا الحادث الذي جره على الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاء الله عليه على الفضيلة، وأرادوا رد الأشياء على أدبارها " ثم ذكر أنه راحل غدا إلى البصرة ليجتمع بأم المؤمنين وأخويه طلحة والزبير وقال: " ألا ولا يرتحلن غدا أحد أعان على عثمان رضي الله عنه بشيء في شيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم ".
(2) أجملنا في هامش ص 58 أوصاف البارزين ممن خرج على عثمان. أول من اكتشف سريرتهم، ونظر إلى وجوههم بنور الله فتشاءم منهم، رجل الإسلام المحدث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صاحب الفراسة التي لا تخطئ. روى الطبري (4: 86) أن عمر لما استعرض الجيوش للجهاد سنة 14 مرت أمامه قبائل السكون اليمنية مع أول كندة يتقدمهم حصين بن نمير السكوني ومعاوية بن حديج أحد الصحابة الذين فتحوا مصر ثم كان أحد ولاتها، فاعترضهم عمر، فإذا فيهم فتية دلم سباط، فأعرض عنهم ثم أعرض ثم أعرض، حتى قيل له: ما لك ولهؤلاء؟ فقال: إني عنهم لمتردد، وما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم. فكان منهم سودان بن حمران وخالد بن ملجم وكلاهما من البغاة على عثمان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
[التعريف بالغافقي المصري وكنانة بن بشر وسودان بن حمران]
كان الغافقي المصري أمير القوم (1) وكنانة بن بشر التجيبي (2)--------------------------------------------
(1) هو الغافقي بن حرب العكي من أبناء وجوه القبائل اليمنية التي نزلت مصر عند الفتح. فلما تظاهر ابن سبأ بالتشيع لعلي. ولم يجد مرتفعا لفساده في الحجاز ولا في الشام، اكتفى باصطناع بعض الأعوان في البصرة والكوفة، واختار الإقامة في الفسطاط، فكان الغافقي هذا من قنائصه، وقد استمالوه من ناحية تهافته على الرئاسة والجاه. وكان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة الأموي ربيب الآبق من نعمته هو اليد اليمنى لتنفيذ خطط السبئيين في مصر، والغافقي للتصدر والظهور. وفي شوال سنة 35 أعدوا عدتهم للزحف من مصر على المدينة بأربع فرق مجموع رجالها نحو ستمائة، وعلى كل فرقة رئيس ورئيسهم العام الغافقي هذا. وتظاهروا بأنهم يقصدون الحج، وفي المدينة تطورت حركاتهم إلى أن استفحل الأمر ومنعوا عثمان من الصلاة بالناس في المسجد النبوي فصار الغافقي هو الذي يصلي بالناس (الطبري5: 107) . ثم لما أقنعهم الشيطان بالجرأة على الجناية الكبرى كان الغافقي أحد المجترئين عليه وضربه بحديدة معه وضرب المصحف برجله فاستدار (الطبري5: 130) وبعد قتل عثمان بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب. (الطبري 5: 155) .
(2) وهذا أيضا من قنائص ابن سبأ في مصر. ولما أرسل عثمان عمارا إلى مصر ليكتشف له أمر الإشاعات وحقيقة الحال، استماله السبئيون، وكان كنانة بن بشر هذا واحدا منهم (الطبري 5: 99) . وعندما جمعوا أوشاب القبائل للزحف على المدينة بحيلة الحج في شوال سنة 35 انقسموا في مصر إلى أربع فرق على كل فرقة أمير، وكان كنانة بن بشر أميرا على إحدى هذه الفرق (الطبري 5: 103) ثم كان في طليعة من اقتحم الدار على عثمان وبيده شعلة من نار تنضح بالنفط، فدخل من دار عمرو بن حزم ودخلت الشعل على أثره (الطبري 5: 123) . ووصل كنانة التجيبي إلى عثمان فأشعره مشقصا (أي نصلا طويلا عريضا) فانتضح الدم على آية فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، (الطبري 5: 126) وقطع يد نائلة زوجة عثمان، واتكأ بالسيف على صدر عثمان وقتله (الطبري 5: 131) ، قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد المدني، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم المخزومي المدني المتوفى سنة 43 قال: الذي قتل أمير المؤمنين عثمان هو كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي (الطبري 5: 123) . وفيه يقول الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
ألا إن خير الخلق بعد ثلاثة … قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
وكانت عاقبة كنانة هذا وقوعه قتيلا في الحرب التي نشبت سنة 38 في مصر بين محمد بن أبي بكر الصديق نائب علي وبين عمرو بن العاص ومن معه من جيش معاوية بن حديج السكوني (الطبري 6: 58 - 59 و 60) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
وسودان بن حمران (1)--------------------------------------------
(1) السكوني، من قبائل مراد اليمنية النازلة في مصر، وقد تقدم في هامش ص112 أنه كان - في سنة 14 - أحد الذين قدموا في خلافة عمر للجهاد مع جيوش اليمن بقيادة حصين بن نمير ومعاوية بن حديج، فلما استعرضهم أمير المؤمنين عمر وقع نظره على سودان بن حمران هذا وعلى زميله خالد بن ملجم فتشاءم منهما وكرههما. ولما أرسل أمير المؤمنين عثمان عمارا إلى مصر ليكتشف له مصدر الإشاعات الكاذبة وحقيقة الحال التف السبئيون بعمار وكان سودان بن حمران منهم (الطبري 5: 99) . ولما سير السبئيون متطوعة الفتنة من أوشاب القبائل اليمنية التي في مصر في شوال سنة 35 نحو المدينة وجعلوهم أربع فرق كان سودان قائد إحدى هذه الفرق (الطبري 5: 103) ، ولما وصل متطوعة الفتنة إلى المدينة وخرج لهم محمد بن مسلمة ليعظم لهم حق عثمان وما في رقابهم من البيعة له رآهم ينقادون لأربعة هذا واحد منهم (الطبري 5: 118) . وفي 5: 131 من تاريخ الطبري في وصف تسوّر سودان ومعه آخرون من دار عمرو بن حزم إلى دار عثمان. وفي 5: 130 بعض تفاصيل ما وقع من سودان عند ارتكابهم الجناية العظمى. ولما انتهوا من قتل أمير المؤمنين خرج سودان من الدار وهو ينادي: قد قتلنا عثمان بن عفان (الطبري 5: 123) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
[التعريف بعبد الله بن بديل وحكيم بن جبلة والأشتر]
وعبد الله بن بُديل بن وَرقاء الخُزاعي (1)--------------------------------------------
(1) كان أبوه رجلا مسنا من مسلمة الفتح. وورد ذكر عبد الله بن بديل في الفتنة العظمى على أمير المؤمنين عثمان، فذكر الطبري (5: 124 - 125) أن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة خرج هو وعبد الله بن الزبير ومروان وغيرهم يدافعون عن أمير المؤمنين على باب الدار، فحمل عبد الله بن بديل على الأخنس بن شريق وقتله. ونقل الحافظ ابن حجر في ترجمته في الإصابة (2: 280) عن ابن الكلبي أن عبد الله بن بديل وأخاه عبد الرحمن شهدا صفين مع علي وقتلا بها. والظاهر أن أخاه قتل قبله، فقد نقل ابن حجر (في الإصابة 2: 281) عن ابن إسحاق في كتاب الفردوس أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب لما قدم الكوفة - أي مع جيش أهل الشام - لقي عبد الله بن بديل، فنصح له ابن بديل بأن لا يهرق دمه في هذه الفتنة، فاعتذر عبيد الله بن عمر بأنه يطلب بدم أمير المؤمنين عثمان الذي قتل ظلما. واعتذر ابن بديل بأنه يطلب بدم أخيه الذي قتل ظلما. وكيف يكون أخوه قتل ظلما وقد قتل في فتنة تطوع للمساهمة فيها مختارا، بينما عثمان وهو أمير المؤمنين الذي له حق الولاية عليهم كان مبغيا عليه من ابن بديل وأمثاله ومن هم أقل منه شأنا، ومع ذلك لم يقاتل أحدا، ولم يدافع عن نفسه، ونهى الناس أن يدافعوا عنه أوباشا قدموا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم من مختلف البلاد ليرتكبوا الشر والإثم. وأين عثمان الذي ملأت حسناته الأرض وتعطرت بأريجها السماء من عبد الرحمن بن بديل الذي لا يكاد يعرف له التاريخ عملا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
وحُكيْم بن جبلة من أهل البصرة (1)--------------------------------------------
(1) حُكيم بن جبلة العبدي من قبائل عبد القيس، أصلهم من عُمان وسواحل الخليج الفارسي، وتوطن بالبصرة بعد تمصيرها. وكان حكيم هذا شابا جريئا، وكانت الجيوش الإسلامية التي تزحف نحو الشرق لنشر الدعوة والفتوح تصدر عن البصرة والكوفة، فكان حكيم بن جبلة يرافق هذه الجيوش، ويجازف في بعض حملات الخطر، كما تفعل كتائب (الكوماندوس) في هذا العصر. وقد استعملته جيوش أمير المؤمنين عثمان في إحدى هذه المهمات عند محاولتها استكشاف الهند كما نوهتُ بذلك في مقالة (طلائع الإسلام في الهند) . ويؤكد شيوخ سيف بن عمر التميمي (وهو أعرف المؤرخين بتاريخ العراق) على ما نقله عنه الطبري (5: 90) أن حكيم بن جبلة كان إذا قفلت الجيوش خنس عنهم فسعى في أرض فارس فيغير على أهل الذمة ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر أن احبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشدا، فحبسه (أي منعه من مبارحة البصرة) . فلما قدم عبد الله بن سبأ البصرة نزل على حكيم بن جبلة، واجتمع إليه نفر، فنفث فيهم سمومه. فأخرج ابن عامر عبد الله بن سبأ من البصرة، فأتى الكوفة فأخرج منها، ومن هناك رحل ابن سبأ إلى الفسطاط ولبث فيه وجعل يكاتبهم ويكاتبونه ويختلف الرجال بينهم. وذكر الطبري (5: 104) أن السبئية لما قرروا الزحف من الأمصار على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم كان عدد من خرج منهم من البصرة كعدد من خرج من مصر، وهم مقسمون كذلك إلى أربع فرق، والأمير على إحدى هذه الفرق حكيم بن جبلة، ونزلوا في المدينة في مكان يسمى ذا خشب. ولما حصبوا أمير المؤمنين عثمان وهو يخطب على المنبر النبوي كان حكيم بن جبلة واحدا منهم (الطبري 5: 106) ولما رحل الثوار عن المدينة في المرة الأولى بعد مناقشتهم لعثمان وسماعهم دفاعه واقتناعهم، تخلف في المدينة الأشتر وحكيم بن جبلة (الطبري 5: 120) وفي ذلك شبهة قوية بأن لهم دخلا في افتعال الكتاب المزور على أمير المؤمنين. ولما جاءت عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة وأوشكوا أن يتفاهموا مع أمير المؤمنين عليّ على رد الأمور إلى نصابها كان حكيم بن جبلة هو الذي أنشب القتال لئلا يتم التفاهم والاتفاق (الطبري 5: 176 وما بعدها) . وارتكب دناءة قتل امرأة من قومه سمعته يشتم أم المؤمنين عائشة فقالت له: يا ابن الخبيثة أنت أولى بذلك. فطعنها فقتلها (الطبري 5: 176) ، وحينئذ تخلى قومه عن نصرته إلا الأغمار منهم، وما زال يقاتل حتى قطعت رجله، ثم قتل وقتل معه كل من كان في الوقعة من البغاة على عثمان، ونادى منادي الزبير وطلحة بالبصرة: " ألا من كان فيكم من قبائلكم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم " فجيء بهم كما يجاء بالكلاب فقتلوا. فما أفلت منهم إلا حرقوص بن زهير السعدي من بني تميم (الطبري 5: 180) . روى عامر بن حفص عن أشياخه قال: ضرب عنق حكيم رجل من الحدَّان يقال له ضخيم فمال رأسه فتعلق بجلده فصار وجهه في قفاه، الطبري (5: 182) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
ومالك بن الحارث الأشتر (1) في طائفة هؤلاء رؤوسهم، فناهيك بغيرهم
. . . . . . . . . .--------------------------------------------
(1) من النخَع، وهي قبيلة يمنية من قبائل مَذْحج، بطل شجاع من أبطال العرب، كان أول مشاهده الحربية في اليرموك، وفيها فقد إحدى عينيه، ثم شاء الله أن يكون سيفه مسلولا على إخوانه المسلمين في مواقف الفتنة. ولو أنه لم يكن ممن ألب على أمير المؤمنين عثمان، وكتب الله أن تكون وقائعه الحربية في نشر دعوة الإسلام وتوسيع الفتوح، لكان له في التاريخ شأن آخر. والذي دفعه في هذا الطريق غلوه في الدين وحبه للرئاسة والجاه، ولست أدري كيف اجتمعتا فيه. والأشتر أحد الذين اتخذوا الكوفة دار إقامة لهم، فلما كانت إمارة الوليد بن عقبة على الكوفة كان الأشتر يشعر في نفسه بأنه أهل للولاية والرئاسة، فانزلق مع العائبين على الدولة ورجالها، من الخليفة الأعلى في المدينة إلى عامله على الكوفة الوليد بن عقبة. ولما سرق أبو زينب وأبو مورع خاتم الوليد من منزله وذهبا به إلى المدينة فشهدا على الوليد بشرب الخمر كما تقدم في ص96 أسرع الأشتر وآخرون معه بالذهاب إلى المدينة لتوسيع دائرة الفتنة، حتى إذا عزل عثمان الوليد بسعيد بن العاص عاد الأشتر مع سعيد إلى الكوفة، (الطبري 5: 63) . وكان عثمان قد سن نظام مبادلة الأراضي، فمن كانت له أرض من الفيء في مكان بعيد عنه يبادل عليها بأرض قريبة منه بالتراضي بين المتبادلين. وبهذه الطريقة تخلى طلحة بن عبيد الله عن أسهمه في خيبر واشترى بها من فيء أهل المدينة بالعراق أرضا يقال لها النشاستج (الطبري 5: 64) . وبينما كان سعيد بن العاص في دار الإمارة بالكوفة والناس عنده أثنى رجل على طلحة بن عبيد الله بالجود، فقال سعيد بن العاص: لو كان لي مثل أرض النشاستج لأعاشكم الله عيشا رغدا. فقال له عبد الرحمن بن خنيس الأسدي: وودت لو كان هذا الملطاط لك. والملطاط أرض على جانب الفرات كانت لآل كسرى. فغضب الأشتر وأصحابه وقالوا للأسدي: تتمنى له من سوادنا؟ فقال والده: ويتمنى لكم أضعافه. فثار الأشتر وصحبه على الأسدي وأبيه وضربوهما في مجلس الإمارة حتى غشي عليهما. وسمعت بذلك بنو أسد فجاءوا وأحاطوا بالقصر ليدافعوا عن رجليهما، فتلافى سعيد بن العاص هذه الفتنة بحكمته، ورد بني أسد عن الأشتر وجماعته. وكتب أشراف الكوفة وصلحاؤها إلى عثمان في إخراج هؤلاء المشاغبين من بلدهم، فأرسلهم إلى معاوية في الشام (الطبري 5: 85 - 86) ثم أخرجهم معاوية فنزلوا جزيرة ابن عمر تحت حكم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، إلى أن تظاهروا بالتوبة، فذهب الأشتر إلى المدينة ليرفع إلى عثمان توبتهم، فرضي عنه عثمان وأباح له الذهاب حيث شاء، فاختار العودة إلى زملائه الذين عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في الجزيرة (الطبري 5: 87 - 88) . وفي الوقت الذي كان فيه الأشتر يعرض على عثمان توبته وتوبة زملائه وذلك في سنة 34 كان السبئيون في مصر يكاتبون أشياعهم في الكوفة والبصرة بأن يثوروا على أمرائهم واتعدوا يوما، فلم يستقم ذلك إلا لجماعة الكوفة، فثار بهم يزيد بن قيس الأرحبي (الطبري 5: 101) . ولما وصل الأشتر من المدينة إلى إخوانه الذين عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وجد بين أيديهم كتابا من يزيد بن قيس الأرحبي يقول لهم فيه: لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا. فتشاءموا من هذه الدعوة وآثروا البقاء، وخالفهم الأشتر فرجع عاصيا بعد توبته، والتحق بثوار الكوفة وقد نزلوا في الجرعة - مكان مشرف على القادسية - وهناك تلقوا سعيد بن العاص أميرا على الكوفة وهو عائد من المدينة فردوه، ولقي الأشتر مولى لسعيد بن العاص فضرب الأشتر عنقه. وبلغ عثمان أنهم يريدون إقالة سعيد بأبي موسى الأشعري فأجابهم إلى ما طلبوا (الطبري 5: 93 - 94) . ولما فشل موعد سنة 34 واقتصرت الفتنة على ما كان في الجرعة، اتعد السبئيون للسنة التي بعدها (سنة 35) ورتبوا أمرهم على التوجه إلى المدينة مع الحجاج كالحجاج، وكان الأشتر مع خوارج الكوفة رئيسا على فرقة من فرقهم الأربع (الطبري 5: 104) . وبعد وصولهم إلى المدينة ناقشهم أمير المؤمنين عثمان وبين لهم حجته في كل ما كانوا يظنونه فيه، فاقتنع جمهورهم بذلك وحملوا رؤساء الفتنة على الرضا بأجوبة عثمان وارتحلوا من المدينة للمرة الأولى. إلا أن الأشتر وحكيم بن جبلة تخلفا في المدينة ولم يرتحلا معهم (الطبري 5: 120) . ولما وصل المصريون إلى مكان يسمى البويب اعترضهم راكب مثل لهم دور حامل الكتاب المزعوم، وسيأتي الحديث عن ذلك في ص 126. ونقل الطبري (5: 194) أن الأشتر كان في مؤتمر السبئيين الذي عقدوه قبيل ارتحال علي من الكوفة إلى البصرة للتفاهم مع طلحة والزبير وعائشة. فقرر السبئيون في مؤتمرهم هذا أن ينشبوا الحرب بين الفريقين قبل أن يصطلحا عليهم. وفي وقعة الجمل اصطرع عبد الله بن الزبير والأشتر واختلفا ضربتين وقال عبد الله بن الزبير كلمته المشهورة: " اقتلوني ومالكا " فأفلت منه مالك الأشتر، روى الطبري (5: 217) عن الشعبي أن الناس كانوا لا يعرفون الأشتر باسم مالك، ولو قال ابن الزبير " اقتلوني والأشتر " وكان للأشتر ألف ألف نفس ما نجا منها شيء، وما زال يضطرب في يدي ابن الزبير حتى أفلت. وروى الطبري (5: 194) أن عليا لما فرغ من البيعة بعد وقعة الجمل واستعمل عبد الله بن عباس على البصرة بلغ الأشتر الخبر باستعمال علي ابن عباس فغضب وقال: " علام قتلنا الشيخ إذن؟ ! اليمن لعبيد الله، والحجاز لقثم، والبصرة لعبد الله، والكوفة لعلي! " ثم دعا بدابته فركب راجعا. وبلغ ذلك عليا فنادى: الرحيل! ثم أجد السير فلحق به فلم يره أنه بلغه عنه وقال: " ما هذا السير؟ سبقتنا! ". وخشي إن تُرك والخروج أن يوقع في نفس الناس شرا. ثم اشترك الأشتر في حرب صفين. وولاه علي إمارة مصر بعد صرف قيس بن سعد بن عبادة عنها. فلما وصل القلزم (السويس) شرب شربة عسل فمات، فقيل إنها كانت مسمومة، وكان ذلك سنة 38 (الإصابة 3: 482) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
[تسيير عثمان مثيري الفتنة إلى معاوية بالشام]
وقد كانوا أثاروا فتنة، فأخرجهم عثمان بالاجتهاد، وصاروا في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
جماعتهم عند معاوية (1) فذكرهم بالله وبالتقوى لفساد الحال وهتك حرمة--------------------------------------------
(1) أثاروا الفتنة يوم ضربوا عبد الرحمن بن خنيس الأسدي وأباه وهم في دار الإمارة بالكوفة، فكتب أشراف الكوفة وصلحاؤها إلى عثمان بإخراجهم إلى بلد آخر، فسيرهم إلى معاوية في الشام. والذين سيروا إلى معاوية: هم الأشتر النخعي، وابن الكواء اليشكري، وصعصعة بن صوحان العبدي، وأخوه زيد، وكميل بن زياد النخعي، وجندب بن زهير الغامدي. وجندب بن كعب الأزدي، وثابت بت قيس بن منقع، وعروة بن الجعد البارقي، وعمرو بن الحمق الخزاعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
الأمة (1) حتى قال له زيد صوحان - فيما يُروى (2) " كما تكثر علينا بالإمرة وبقريش، فما زالت العرب تأكل من قوائم سيوفها وقريش تجار " (3) . فقال له معاوية: " لا أم لك. أذكرك بالإسلام وتذكرني بالجاهلية! قبح الله من كثر على أمير المؤمنين بكم، فما أنتم ممن ينفع أو يضر. اخرجوا عني (4) .--------------------------------------------
(1) نص كلام معاوية كما رواه الطبري (5: 86) : " إنكم قوم من العرب، لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفا، وغلبتم الأمم، حويتم مراتبهم ومواريثهم. وقد بلغني أنكم نقمتم قريشا، وإن قريشا لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم. إن أئمتكم لكم إلى اليوم جنة، فلا تسدوا عن جنتكم. وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم المؤونة، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم ".
(2) بل القائل أخوه صعصعة.
(3) وقال أيضا لمعاوية: " وأما ما ذكرت من الجنة، فإن الجنة إذا اخترقت خلص إلينا " أي إذا قتلنا ولاتنا صارت الولاية إلينا. ولو أن هذه الكلمة قالها ثائر وهو في قبضة حاكمه - منذ بدأت الحكومات إلى أن تقوم الساعة - ما وجد من حاكمه حلما وسعة صدر كالذي وجده صعصعة من معاوية مع قدرته عليه.
(4) وجواب معاوية على كلام صعصعة في وصف قريش ومكانتها طويل ونفيس، وقد أورده الطبري (5: 86) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
[انتقال مثيري الفتنة إلى منطقة عبد الرحمن بن خالد ومعاملته لهم بالحزم]
وأخبره ابن الكواء بأهل الفتنة في كل بلد ومؤامرتهم (1) فكتب إلى عثمان يخبره بذلك، فأرسل إليه بإشخاصهم إليه. فأخرجهم معاوية (2) فمروا بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد (3) فحبسهم، ووبخهم، وقال لهم: " اذكروا ما كنتم تذكرون لمعاوية " (4) . وحصرهم، وأمشاهم بين يديه--------------------------------------------
(1) قال ابن الكواء فيما نقله الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخ دمشق (7: 299) وأبو جعفر الطبري في تاريخه (5: 92) يصف لمعاوية أهل الأحداث من أهل الأمصار: " أما أهل الأحداث من أهل المدينة فهم أحرص الأمة على الشر، وأعجزهم عنه. وأما أهل الأحداث من أهل الكوفة فإنهم أنظر الناس في صغير، وأركبه لكبير. وأما أهل الأحداث من أهل البصرة فإنهم يردون جميعا ويصدرون شتى. وأما أهل الأحداث من أهل مصر فهم أوفى الناس بشر، وأسرعه ندامة. وأما أهل الأحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاه لمغويهم ".
(2) وكتب فيهم إلى عثمان: " إنه قدم على أقوام ليست لهم عقول ولا أديان. أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدل. لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة. إنما همهم الفتنة، وأموال أهل الذمة. والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم. وليسوا بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم. فانه سعيدا ومن قبله عنهم، فإنهم ليسوا لأكثر من شغب أو نكير " (الطبري 5: 87) .
(3) وكان يلي حمص لمعاوية. ويتبعه منطقة الجزيرة - حران والرقة -.
(4) وذلك بعد قوله لهم: " يا ألة الشيطان، لا مرحبا بكم ولا أهل. وقد رجع الشيطان محسورا وأنتم بعد نشاط. خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم حتى يحسركم. يا معشر من لا أدري أعرب أم عجم، لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم تقولون لمعاوية. أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من عجمته العاجمات، أنا ابن فاقئ الردة. والله لئن بلغني يا صعصعة بن ذل أن أحدا ممن معي دق أنفك ثم أمصك لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى " (الطبري 5: 87) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
أذلاء حتى تابوا بعد حول (1) .
وكتب إلى عثمان بخبرهم، فكتب إليه أن سرحهم إلي. فلما مثلوا بين يديه جددوا التوبة، وحلفوا على صدقهم، وتبرأوا مما نسب إليهم (2) وخيرهم حيث يسيرون، فاختار كل واحد ما أراد من البلاد: كوفة، وبصرة، ومصر، فأخرجهم. فما استقروا في حيث ما ساروا حتى ثاروا وألبوا، حتى انضاف إليهم جمع (3)--------------------------------------------
(1) كان كلما ركب أمشاهم، فإذا مر به (صعصعة) قال: يا ابن الحطيئة، أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر؟ ما لك لا تقول كما كان بلغني أنك تقول لسعيد ومعاوية؟ فيقول، ويقولون: نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله (الطبري 5: 87 - 88) .
(2) الذي قدم إلى أمير المؤمنين عثمان في المدينة هو الأشتر النخعي وحده، وهو الذي ناب عن ابني صوحان وابن الكواء والآخرين في تجديد التوبة التي أعلنوها من قبل لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: غير أن الفتنة لم تكن مقتصرة على هؤلاء، بل كانت جرثومتها في يد ابن سبأ الذي اختار الإقامة في الفسطاط، وكان لها جناح في البصرة، وللأشتر وإخوانه بقية في الكوفة. وبينما كان الأشتر يجدد توبته وتوبة إخوانه في المدينة كان أعوان ابن سبأ يكاتبون البصرة والكوفة في موعد يثبون فيه على ولاتهم، فما رجع الأشتر بتوبته إلى إخوانه الذين كانوا عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد حتى وجد عندهم كتابا من إخوانهم في الكوفة يدعونهم للاشتراك فيما اتعدوا له، فلم يبتهج بهذه الدعوة إلى الفتنة والشر إلا الأشتر الذي لم يكن قد نسي توبته بعد، فأسرع إلى الكوفة وانضم إلى الفتنة التي تسمى في التاريخ (يوم الجرعة) وكان ذلك سنة 34.
(3) لما أخفق السبئيون في الوثوب على ولاتهم سنة 34 في الموعد الذي وقعت فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
[مسير فرق الثوار إلى المدينة]
وساروا إليه (1) على أهل مصر عبد الرحمن بن عديس البلوي (2)--------------------------------------------
(1) أي إلى أمير المؤمنين عثمان في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم.
(2) فارس شاعر، نزل مصر مع جيش الفتح، ولم يعرف له في سيرته شيء انفراد بالامتياز به غير اشتراكه في هذه الفتنة، مع دعواه أنه كان من الذين بايعوا تحت الشجرة. وأظنه لم يكن من الرءوس المدبرين للفتنة، ولكن مدبريها استغلوا ميله إلى الرئاسة، فاستفادوا من سنه ووجاهته بين فرسان القبائل العربية بمصر، وولوه القيادة على إحدى الفرق الأربع التي خرجت من مصر إلى المدينة (وقادة الفرق الثلاث الأخرى: كنانة بن بشر التجيبي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة السكوني. ورئيسهم الأعلى الغافقي بن حرب العكي) . وكان عبد الرحمن بن عديس في مدة الحصار شديد الوطأة على أمير المؤمنين عثمان وأهل بيته. ثم كانت عاقبته القتل في جبل الجليل بالقرب من حمص، لقيه أحد الأعراب، فلما اعترف له أنه من قتلة عثمان بادر بقتله (معجم البلدان لياقوت: الجليل) . وأخطأ من نسب ابن عديس إلى تجيب، فإنه بلوي من قضاعة. أما تجيب بنت ثوبان المذحجية فلا ينسب إليها إلا بنو ولديها سعد وعدي بن أشرس بن شبيب بن السكون من كندة، وأين كندة من قضاعة! .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
وعلى أهل البصرة حكيم بن جبلة (1) وعلى أهل الكوفة الأشتر مالك بن الحارث النخعي (2) . فدخلوا المدينة هلال ذي القعدة سنة خمس وثلاثين (3) . فاستقبلهم عثمان. فقالوا: ادع بالمصحف. فدعا به، فقالوا: افتح التاسعة (4) - يعني يونس - فقالوا: اقرأ. فقرأ حتى انتهى إلى قوله: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] قالوا له: قف. قالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى، أذن الله لك أم على الله افتريت؟ قال: امضِهْ، إنما نزلت في كذا. وقد حمى عمر، وزادت الإبل فزدت (5) .--------------------------------------------
(1) تقدم التعريف به في ص115ـ 116. وهو أمير إحدى الفرق الأربع البصرية (والثلاثة الآخرون: ذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح "الحطم"، وابن المحرش الحنفي. ورئيسهم الأعلى حرقوص بن زهير السعدي) .
(2) تقدم التعريف به في ص116ـ 119. وهو أمير إحدى الفرق الأربع الكوفية (والثلاثة الآخرون: زيد بن صوحان العبدي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم. ورئيسهم الأعلى عمرو بن الأصم) .
(3) نزلوا خارج المدينة على ثلاث مراحل منها، ثم تقدم ثوار البصرة فنزلوا في ذي خشب، ونزل ثوار الكوفة الأعوص، ونزل عامتهم بذي المروة.
(4) كذا في المطبوعة الجزائرية (2: 117) ولعله خطأ صوابه "السابعة" كما في تاريخ الطبري (5: 107) ، ويقال: إن ذلك ترتيب سورة يونس في مصحف ابن مسعود على ما في الفهرست لابن النديم ص39 طبع مصر.
(5) تقدم الكلام على الحمى في ص72 ـ 73 بقدر ما يحتمل هذا المختصر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
فجعلوا يتبعونه هكذا، وهو ظاهر عليهم. حتى قال لهم: ماذا تريدون؟
فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه ستا أو خمسا (1) أن المنفي يعاد والمحروم يعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذوو الأمانة والقوة. فكتبوا ذلك في كتاب. وأخذ عليهم ألا يشقوا عصًا ولا يفرقوا جماعة. ثم رجعوا راضين (2) .
وقيل أرسل إليهم عليًّا فاتفقوا على الخمس المذكورة، ورجعوا راضين. فبينما هم كذلك (3) إذا راكب--------------------------------------------
(1) أي اشترطوا عليه ستة شروط أو خمسة في المعاني الآتية.
(2) كان الزاحفون من أمصارهم على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فريقين: رؤساء خادعين على درجات متفاوتة، ومرءوسين مخدوعين، وهم الكثرة التي بثت فيها دعايات مغرضة حتى ظنت أن هنالك منفيين مظلومين ومحرومين سلبوا حقهم. . . الخ. وقد رأيت في ص54ـ 55 شهادة أصدق شاهدين في العراق حينئذ وهما الحسن البصري وصنوه ابن سيرين عن وفرة الأعطيات والأرزاق وأنواع الخيرات. حتى كان منادي عثمان ينادي بدعوة الناس لها فلا يمنع عنها أحد. ورأيت في ص100 شهادة الإمام الشعبي عن تعميم الرزق والخير حتى إلى الإماء والعبيد. ولما أصغى عامة الثائرين إلى أجوبة عثمان وعرفوا الحقيقة اقتنعوا ورجعوا، وكان رجوعهم من طريقين مختلفين باختلاف اتجاه أمصارهم فالمصريين اتجهوا شمالا لغرب ليسايروا ساحل البحر الأحمر إلى السويس ومصر، والعراقيون من بصريين وكوفيين اتجهوا شمالا لشرق منجدين ليبلغوا البصرة والكوفة من أرض العراق.
(3) أي فبينما العراقيون من بصريين وكوفيين في طريقهم نحو الشرق إلى الشمال، والمصريون في طريقهم نحو الغرب إلى الشمال، وبين الفريقين مراحل بعيدة؛ لأنهما تقدما في السير والمسافة تزداد بعدا بينهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)