الليث بن سعد، قال الليث: " توفي أمير المؤمنين يزيد في تاريخ كذا " فسماه الليث " أمير المؤمنين " بعد ذهاب ملكهم وانقراض دولتهم، ولولا كونه عنده كذلك ما قال إلا " توفي يزيد ".
[الحسين بين الذين نهوه عن الخروج والذين حرضوه عليه]
فإن قيل: ولو لم يكن ليزيد إلا قتله للحسين بن علي. قلنا: يا أسفا على المصائب مرة، ويا أسفا على مصيبة الحسين ألف مرة. وإن بوله يجري على صدر النبي صلى الله عليه وسلم، ودمه يراق على البوغاء ولا يحقن (1) يا لله ويا للمسلمين.
وإن أمثل ما روي فيه أن يزيد كتب إلى الوليد بن عتبة ينعي له--------------------------------------------
(1) البوغاء: التراب الناعم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
معاوية ويأمره أن يأخذ له البيعة على أهل المدينة - وقد كانت تقدمت - فدعا مروان فأخبره فقال له: أرسل إلى الحسين بن علي وابن الزبير، فإن بايعوا وإلا فاضرب أعناقهم. قال: سبحان الله، نقتل الحسين بن علي وابن الزبير؟ قال: هو ما أقوله لك. فأرسل إليهما، فأتاه ابن الزبير، فنعى إليه معاوية وسأله البيعة، فقال: ومثلي يبايع هنا؟ ارق المنبر، وأنا [أبايع] مع الناس علانية. فوثب مروان وقال: اضرب عنقه، فإنه صاحب فتنة وشر. فقال [ابن الزبير] : فإنك لهنالك يا ابن الزرقاء؟ (واستبّا) . فقال الوليد: اخرجا عني، وأرسل إلى الحسين ولم يكلمه بكلمة في شيء، وخرجا من عنده. وجعل الوليد عليهما الرصد. فلما دنا الصبح خرجا مسرعين إلى مكة فالتقيا بها فقال له ابن الزبير: ما يمنعك من شيعتك وشيعة أبيك؟ فوالله لو أن لي مثلهم لذهبت إليهم. فهذا ما صح.
وذكر المؤرخون أن كتب أهل الكوفة وردت على الحسين (1)--------------------------------------------
(1) أول من كتب إليه من شيوخ شيعته - على ما رواه مؤرخهم لوط بن يحيى - سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر، وأرسلوا كتابهم مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال، فبلغا حسينا بمكة في عاشر رمضان سنة 60، وبعد يومين سرحوا إليه قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي وعمارة السلولي بثلاث وخمسين صحيفة، وبعد يومين آخرين سرحوا إليه هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي (وفي الطبري 6: 197 نصوص بعض رسائلهم وأسماء بعض أصحابها) وهي تدور على أنهم لا يجتمعون مع أميرهم النعمان بن بشير في جمعة، ويدعون الحسين إليهم حتى إذا أقبل طردوا أميرهم وألحقوه بالشام، ويقولون في بعضها: " أينعت الثمار، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجند " فأرسل الحسين إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليرى إن كانوا مستوثقين مجتمعين ليقدم هو عليهم بعد ذلك. وضل مسلم بن عقيل في الطريق ومات من معه من العطش، فكتب إلى الحسين يستعفيه من هذه المهمة، فأجابه: خشيت ألا يكون حملك على الاستعفاء إلا الجبن. فمضى مسلم حتى بلغ الكوفة، وأعطاه البيعة للحسين اثنا عشر ألفا منهم، وشعر أمير الكوفة النعمان بن بشير بحركاتهم فخطب فيهم ينهاهم عن الفتنة والفرقة، وقال لهم: إني لا أقاتل إلا من قاتلني، ولا آخذ بالظنة والتهمة، فإن أبديتم لي صفحتكم ونكثتم بيعتكم لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي. وعلم يزيد أن النعمان بن بشير حليم ناسك لا يصلح في مقاومة مثل هذه الحركة، فكتب إلى عبيد الله بن زياد عامله على البصرة أنه قد ضم إليه الكوفة أيضا، وأمره أن يأتي الكوفة وأن يطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى يثقفه فيوثقه فيقتله أو ينفيه. فاستخلف عبيد الله أخاه على البصرة، وأقبل إلى الكوفة فاتصل برؤسائها وقبض على أزمة الحال، فما لبث مسلم بن عقيل أن رأى مبايعيه الاثني عشر ألفا كالهباء، ورأى نفسه وحيدا طريدا، ثم قبض عليه وقتل. وكان الحسين قد جاءته قبل ذلك رسائل مسلم بن عقيل بأن اثني عشر ألفا بايعوه على الموت، فخرج عقب موسم الحج يريد الكوفة، ولم يشجعه على الخروج إلا ابن الزبير لأنه عرف أن أهل الحجاز لا يتابعونه ما دام الحسين معهم، فصار الحسين أثقل خلق الله على ابن الزبير (الطبري 6: 196 - 197 وانظر 6: 216 و217) . أما المشفقون على الحسين من هذا الخروج المشئوم فهم جميع أحبائه وذوي قرابته والناصحين له والمتحرين سنة الإسلام في مثل هذا الموقف، كل هؤلاء نهوه عن مسيره، وحذروه من عواقبه، وفي طليعتهم أخوه محمد بن الحنفية (الطبري 6: 190 - 191) ، (وابن عم أبيه حبر الأمة عبد الله بن العباس الطبري 6: 216 - 217) وابن عمه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (2: 219) ، وقد بلغ الأمر بعبد الله بن جعفر أن حمل والي يزيد على مكة - وهو عمر بن سعيد بن العاص - على أن يكتب للحسين كتاب الأمان ويمنيه فيه البر والصلة ويسأله الرجوع، فأجابه والي مكة إلى كل ما طلب وقال له: اكتب ما تشاء وأنا أختم على الكتاب، فكتبه وختمه الوالي، وبعث به إلى الحسين مع أخيه يحيى بن سعيد بن العاص، وذهب عبد الله بن جعفر مع يحيى، وجهدا بالحسين أن يثنياه عن السفر فأبى (وصورة كتاب الوالي في تاريخ الطبري 6: 219 - 220) ، وليس فوق هؤلاء الناصحين أحد في عقلهم وعلمهم ومكانتهم وإخلاصهم، بل إن عبد الله بن مطيع داعية ابن الزبير كان من ناصحيه بعقل وإخلاص (الطبري 6: 196) وعمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي كان على هذا الرأي (الطبري 6: 215 - 216) والحارث بن خالد بن العاص بن هشام لم يأله نصحا (6: 216) وحتى الفرزدق الشاعر قال له: قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية. (الطبري 6: 218) فلم يفد شيء من هذه الجهود في تحويل الحسين عن هذا السفر الذي كان مشئوما عليه، وعلى الإسلام وعلى الأمة الإسلامية إلى هذا اليوم وإلى قيام الساعة، وكل هذا بجناية شيعته الذين حرضوه بجهل وغرور، رغبةً في الفتنة والفرقة والشر، ثم خذلوه بجبن ونذالة وخيانة وغدر. ولم يكتف ورثتهم بما فعل أسلافهم فعكفوا على تشويه التاريخ وتحريف الحقائق ورد الأمور على أدبارها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
وأنه أرسل مسلم بن عقيل - ابن عمه - إليهم ليأخذ عليهم البيعة وينظر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
هو في اتِّباعه، فنهاه ابن عباس وأعلمه أنهم خذلوا أباه وأخاه، وأشار عليه ابن الزبير بالخروج فخرج، فلم يبلغ الكوفة إلا ومسلم بن عقيل قد قتل وأسلمه من كان استدعاه! ويكفيك بهذا عظة لمن اتعظ. فتمادى واستمر غضبًا للدين وقيامًا بالحق. ولكنه رضي الله عنه لم يقبل نصيحة أعلم أهل زمانه ابن عباس، وعدل عن رأي شيخ الصحابة ابن عمر (1) وطلب--------------------------------------------
(1) في إيثاره العافية، وحرصه على وحدة المسلمين وتفرغهم لنشر الدعوة والفتوح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
الابتداء في الانتهاء، والاستقامة في الاعوجاج، ونضارة الشبيبة في هشيم المشيخة. ليس حوله مثله ولا له من الأنصار من يرعى حقه، ولا من يبذل نفسه دونه، فأردنا أن نطهر الأرض من خمر يزيد (1) فأرقنا دم الحسين، فجاءتنا مصيبة لا يجبرها سرور الدهر.
وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذر من الدخول في الفتن. وأقواله في ذلك كثيرة: منها قوله صلى الله عليه وسلم (2) «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان» . فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله. ولو أن عظيمها وابن عظيمها وشريفها وابن شريفها الحسين وسعه بيته أو ضيعته أو إبله - ولو جاء الخلق يطلبونه ليقوم بالحق، وفي جملتهم ابن عباس وابن عمر - لم يلتفت إليهم، وحضره ما أنذر به النبي صلى الله عليه وسلم وما قال في أخيه (3) ورأى أنها خرجت عن أخيه ومعه جيوش الأرض وكبار الخلق يطلبونه، فكيف ترجع إليه بأوباش الكوفة، وكبار الصحابة ينهونه وينأون عنه؟ ما أدرى في هذا إلا التسليم لقضاء الله، والحزن على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية الدهر. ولولا معرفة أشياخ وأعيان الأمة بأنه أمر صرفه الله عن أهل البيت، وحال من الفتنة لا ينبغي لأحد أن يدخلها، ما أسلموه أبدا.
وهذا أحمد بن حنبل - على تقشفه وعظيم منزلته في الدين وورعه ---------------------------------------------
(1) أي يزعم مثيرو الفتنة الذين يشهدون بغير ما علموا.
(2) من حديث عرفجة في كتاب الإمارة من صحيح مسلم: باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع (ك 33 ح 59 - ج 6 ص 22) .
(3) " ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
قد أدخل عن يزيد بن معاوية في (كتاب الزهد) أنه كان يقول في خطبته: " إذا مرض أحدكم مرضًا فأُشفي ثم تماثل، فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمه ولينظر إلى أسوأ عمل عنده فليدعه " وهذا يدل على عظيم منزلته عنده حتى يدخله في جملة الزهاد من الصحابة والتابعين الذين يُقْتَدَى بقولهم ويُرْعَوَى من وعظهم، ونعم. وما أدخله إلا في جملة الصحابة، قبل أن يخرج إلى ذكر التابعين. فأين هذا من ذكر المؤرخين له في الخمر وأنواع الفجور، ألا تستحيون؟ ! وإذ سلبهم الله المروءة والحياء، ألا ترعوون أنتم وتزدجرون، وتقتدون بالأحبار والرهبان من فضلاء الأمة، وترفضون الملحدة والمجان من المنتمين إلى الملة: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 138] والحمد لله رب العالمين.
وانظر إلى ابن الزبير بعد ذلك وما دخل فيه من البيعة له بمكة، والأرض كلها عليه. وانظروا إلى ابن عباس وعقله وإقباله على نفسه. وانظروا إلى ابن عمر وسنه وتسليمه للدنيا ونبذه لها. ولو كان للقيام وجه لكان أولى بذلك ابن عباس، فإن ولدي أخيه عبيد الله قد ذكر أنهما قتلا ظلمًا (1) . ولكن رأى بعقله أن دم عثمان لم يخلص إليه، فكيف بدم ولدي عبيد الله! وإن الأمر راهق (2) قد خرجا عنه حفظًا للأصل، وهو اجتماع أمر الأمة وحقن دمائها وائتلاف كلمتها. ودع الأمر يتولاه أسود مجدع--------------------------------------------
(1) كان ذلك سنة 40 في اليمن آخر ولاية عبيد الله بن عباس عليهما لعلي، فأرسل معاوية إلى الحجاز واليمن بسر بن أبي أرطاة فأخذ له البيعة على أهل الحجاز، ثم توجه بسر إلى اليمن، فلما علم عبيد الله بمجيئه هرب إلى الكوفة وترك ابنيه في اليمن فقتلهما بسر فيما يقال.
(2) أي تداخل حقه في باطله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
حسبما أمر به صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه (1) . وكل منهم عظيم القدر مجتهد، وفيما دخل فيه مصيب مأجور، ولله فيه حكم قد أنفذه، وحكم في الآخرة قد أحكمه وفرغ منه. فاقدروا هذه الأمور مقاديرها، وانظروا بما قابلها ابن عباس وابن عمر فقابلوها، ولا تكونوا من السفهاء الذين يرسلون ألسنتهم وأقلامهم بما لا فائدة لهم فيه، ولا يغني من الله ولا من دنياهم شيئًا عنهم.
وانظروا إلى الأئمة الأخيار وفقهاء الأمصار، هل أقبلوا على هذه الخرافات وتكلموا في مثل هذه الحماقات؟ بل علموا أنها عصبيات جاهلية وحمية باطلة، ولا تفيد إلا قطع الحبل بين الخلق، وتشتيت الشمل واختلاف الأهواء - وقد كان ما كان، وقال الإخباريون ما قالوا فإما سكوت، وإما اقتداء بأهل العلم وطرح لسخافات المؤرخين والأدباء. والله يكمل علينا وعليكم النعماء برحمته.
[نكتة النبي صلى الله عليه وسلم أول من عقد الولاية لبني أمية]
نكتة وعجبًا لاستكبار الناس ولاية بني أمية، وأول من عقد لهم الولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه ولى يوم الفتح عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية مكة - حرم الله وخير بلاده - وهو فَتِيُّ السن قد أبقل أو لم يبقل. واستكتب معاوية بن أبي سفيان أمينًا على وحيه، ثم ولى أبو بكر يزيدَ بن أبي سفيان - أخاه - الشام. وما زالوا بعد ذلك يتوقلون في سبيل المجد، ويترقون في درج العز، حتى أنهتهم الأيام إلى منازل الكرام.--------------------------------------------
(1) في كتاب الإمارة من صحيح مسلم من حديث أبي ذر (ك 33 ح 36 - ج 6 ص 14) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
وقد روى الناس أحاديث فيهم لا أصل لها، منها حديث رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره كالقردة، فعز عليه، فأعطي ليلة القدر خيراً من ألف شهر يملكها بنو أمية. ولو كان هذا صحيحاً ما استفتح الحال بولايتهم، ولا مكن لهم في الأرض بأفضل بقاعها وهي مكة. وهذا أصل يجب أن تشد عليه اليد.
[مسألة استلحاق معاوية لزياد]
فإن قيل: أحدث معاوية في الإسلام الحكم بالباطل، والقضاء بما لا يحل من استلحاق زياد. قلنا: قد بينا في غير موضع أن استلحاق زياد إنما كان لأشياء صحيحة، وعمل مستقيم نبينه بعد ذكر ما ادعى فيه المدعون من الانحراف عن الاستقامة، إذ لا سبيل إلى تحصيل باطلهم، لأن خرق الباطل لا يرقع، ولسانه أعظم منه فكيف به لا يقطع؟ ! .
قالوا: كان زياد ينتسب إلى عبيد الثقفي من سمية جارية الحارث بن كلدة (1) واشترى [زياد] عبيدا - أباه - بألف درهم فأعتقه (2) .--------------------------------------------
(1) روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة زياد من تاريخ دمشق (5: 409) عن عوانة بن الحكم الكلبي (أكبر شيوخ المدائني) أن سمية أم زياد كانت لدهقان من دهاقين الفرس، فاشتكى وجع البطن وخاف أن يكون أصيب بداء الاستسقاء، فدعا الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب، - وقد كان قدم على كسرى - فعالج الدهقان فبرأ، فوهب له سمية، فولدت له أبا بكرة واسمه مسروح أو نفيع فلم يقر به. ثم ولدت نافعا فلم يقر به، فلما نزل أبو بكرة إلى النبي صلي الله عليه وسلم قال الحارث بن كلدة لنافع: إن أخاك مسروحا عبد وأنت ابني: فأقر به يومئذ، وزوجها الحارث غلاما له يقال له عبيد فولدت زيادا على فراشه، وكان أبو سفيان سار إلى الطائف فنزل على رجل يقال له أبو مريم السلولي (قال: فأتاه أبو مريم بسمية فوقع بها فولدت زيادا) .
(2) في ترجمة زياد من تاريخ ابن عساكر (5: 406-407) خبر يرويه زهرة بن معبد ومحمد بن عمرو عن وفادة زياد وهو فتى على أمير المؤمنين عمر من قبل أبي موسى الأشعري في يوم جلولاء قالا: فلما نظر إليه عمر رأى له هيئة حسنة وعليه ثياب بيض من كتان قال له: ما هذه الثياب؟ فأخبره. فقال: كم أثمانها؟ فأخبره بشيء يسير، وصدقه. فقال له: كم عطاؤك؟ فقال: ألفان. فقال: ما صنعت في أول عطاء خرج؟ فقال: اشتريت به والدتي فأعتقتها، واشتريت بالثاني ربيبي عبيدا فأعتقته. فقال عمر: وفقت. وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن فوجده عالما بالقرآن وأحكامه وفرائضه. فرده إلى أبي موسى، وأمر أمراء البصرة أن يتبعوا رأيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
قال أبو عثمان النهدي: فكنا نغبطه. واستعمله عمر على بعض صدقات البصرة، وقيل بل كتب لأبي موسى (1) فلما لم يقطع الشهادة مع الشهود على المغيرة جلدهم وعزله وقال له: ما عزلتك لخزية، ولكني كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك. ورووا أن عمر أرسله إلى اليمن في إصلاح فساد، فرجع وخطب خطبة لم يسمع مثلها، فقال عمرو بن العاص: " أما والله لو كان هذا الغلام قرشياً لساق الناس بعصاه "، فقال أبو سفيان: والله إني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه، فقال له علي: ومن؟ قال: أنا. قال مهلا يا أبا سفيان. فقال أبو سفيان أبياتاً من الشعر:
أما والله لولا خوف شخص (2) … يراني يا علي من الأعادي
لأظهر أمره صخر بن حرب … ولم تكن المقالة عن زياد--------------------------------------------
(1) نقل الحافظ ابن عساكر عن الحافظ أبي نعيم أن زيادا كتب لأبي موسى الأشعري، ثم لعبد الله بن عامر بن كريز، ثم للمغيرة بن شعبة، ثم لعبد الله بن عباس - كتب لهؤلاء كلهم على البصرة. وكان أمير المؤمنين علي أراده أن يوليه البصرة فأشار زياد عليه أن يوليها عبد الله بن عباس، ووعده بأن يشير عليه ويعينه.
(2) يعني عمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
وقد طالت مخاتلتي ثقيفاً … وتركي فيهم ثمر الفؤاد
فذلك الذي حمل معاوية.
واستعمله علي على فارس، وحمى، وجبى، وفتح، وأصلح.
وكاتبه معاوية يروم إفساده، فوجه [زياد] بكتابه إلى علي بشعر، فكتب إليه علي: " إني وليتك ما وليتك وأنت أهل لذلك عندي. ولن يدرك ما تريد بما أنت فيه إلا بالصبر واليقين. وإنما كانت من أبي سفيان فلتة زمن عمر، لا تستحق بها نسباً ولا ميراثاً. وإن معاوية يأتي المؤمن من بين يديه ومن خلفه ". فلما قرأ زياد الكتاب قال: " شهد لي أبو حسن ورب الكعبة ". فذلك الذي جرأ زيادا ومعاوية بما صنعا. ثم ادعاه معاوية سنة أربع وأربعين، وزوج معاوية ابنته من ابنه محمد. وبلغ الخبر أبا بكرة - أخاه لأمه - فآلى يميناً ألا يكلمه أبداً، وقال " هذا زَنَّى أمه، وانتفى من أبيه. والله ما رأت سمية أبا سفيان قط، وكيف يفعل بأم حبيبة (1) أيراها فيهتك حرمة رسول الله، وإن حجبته فضحته ". فقال زياد: جزى الله أبا بكرة خيراً، فإنه لم يدع النصيحة في حال. وتكلم فيه الشعراء، ورووا عن سعيد بن المسيب أنه قال: أول قضاء كان في الإسلام بالباطل استلحاق زياد.
قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه : قد بينا في غير موضع هذا الخبر، وتكلمنا عليه بما يغني عن إعادته، ولكن لا بد في هذه الحالة من بيان المقصود منه فنقول:--------------------------------------------
(1) هي أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان وأخت معاوية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
كل ما ذكرتم لا ننفيه ولا نثبته لأنه لا يحتاج إليه. والذي ندريه حقاً ونقطع عليه علما أن زياداً من الصحابة بالمولد والرؤية (1) لا بالتفقه والمعرفة. وأما أبوه فما علمنا له أبا قبل دعوى معاوية على التحقيق (2) وإنما هي أقوال غائرة من المؤرخين. وأما شراؤه له فمراعاة للحضانة، فإنه حضنه عنده إذ دخل عليه، فله نسب بالحضانة إليه إن كان ذلك.
وأما قولهم إن أبا عثمان [النهدي] غبطه بذلك، فهو بعيد على أبي عثمان، فإنه ليس في أن يبتاع أحد حاضنه أو أباه فيعتقه من المزية بحيث يغبطه عليه أبو عثمان وأمثاله، لأن هذه مرتبة يدركها الغني والفقير والشريف والوضيع، ولو بذل من المال ما يعظم قدره، فيدرأ به قدر مروءته في إهانة الكثير العظيم، في صلة الولي الحميم، وإنما ساقوا هذه الحكاية ليجعلوا له أبا، ويكون بمنزلة من انتفى من أبيه.
وأما استعمال عمر له فصحيح، وناهيك بذلك تزكية وشرفاً ودينا.
وأما قولهم إن عمر عزله لأنه لم يشهد بباطل، بل روي أنه لما شهد أصحابه الثلاثة (3) وعمر يقول للمغيرة: ذهب ربعك، ذهب نصفك،--------------------------------------------
(1) ترجم له الحافظ ابن حجر في (الإصابة) والحافظ أبو عمر بن عبد البر في (الاستيعاب) ونقل في مولده أنه ولد عام الفتح، وقيل عام الهجرة، وقيل يوم بدر. قال ابن حجر: وجزم ابن عساكر بأنه أدرك النبي صلي الله عليه وسلم ولم يره.
(2) من الثابت أن الحارث بن كلدة اعترف بأبوته لنافع أخي زياد لأمه فصار يقال له نافع بن الحارث بن كلدة. ولا يعرف التاريخ أن عبيدا الثقفي أو الحارث بن كلدة اعترفا بزياد.
(3) أصحابه الثلاثة في الشهادة على المغيرة أخواه لأمه: نفيع، ونافع الذي ينسب إلي الحارث بن كلدة، والثالث شبل بن معبد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
ذهب ثلاثة أرباعك، فلما جاء زياد قال له: إني أراك صبيح الوجه، وإني لأرجو أن لا يفضح الله على يديك رجلاً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما خطبته التى ذكروا أنه عجب منها عمرو، فما كان عنده فضل علم ولا فصاحة يفوق بها عمراً فمن فوقه أو دونه. وقد أدخل له الشيخ المفتري (1) . خطباً ليست في الحد المذكور.
وأما قولهم إن أبا سفيان اعترف به، وقال شعرا فيه، فلا يرتاب ذو تحصيل في أن أبا سفيان لو اعترف به في حياة عمر لم يخف شيئاً، لأن الحال لم يكن يخلو من أحد قسمين: إما أن يرى عمر إلاطته به (2) كما روي عنه في غيره فيمضي ذلك، أو يرد ذلك فلا يلزم أبا سفيان شيء باقتراف ما كان في الجاهلية. فذكرهم هذه الحكاية المخترعة الباردة المتهافتة الخارجة عن حد الدين والتحصيل لا معنى له.
وأما تولية علي له فتزكية.
وأما بعث معاوية إليه ليكون معه فصحيح في الجملة. وأما تفصيل ما كتب معاوية، أو كتب زياد به إلى علي، أو جاوب به علي زياداً، فهذا كله مصنوع.
وأما قول علي " إنما كانت من أبي سفيان فلتة [زمن عمر] لا تستحق بها نسبا " فلو صح لكان ذلك شهادة، كما روي عن زياد، ولم يكن ذلك بمبطل لما فعله معاوية، لأنها مسألة اجتهاد بين العلماء: فرأى علي شيئاً، ورأى معاوية وغيره غيره.--------------------------------------------
(1) لعله يريد الجاحظ، وأعظم خطب زياد التي أوردها له في (البيان والتبيين) خطبته التي تسمى (البتراء) وهي في أوائل الجزء الثاني.
(2) أي إلحاقه وإلصاقه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
[الفرق بين واقعتي استلحاق زياد وابن وليدة زمعة]
وأما (نكتة الكلام) وهو القول في استلحاق معاوية زياداً وأخذ الناس عليه في ذلك، فأي إخذ عليه فيه إن كان سمع ذلك من أبيه؟ وأي عار على أبي سفيان في أن يليط بنفسه ولد زنا كان في الجاهلية. فمعلوم أن سمية لم تكن لأبي سفيان، كما لم تكن وليدة زمعة لعتبة، لكن كان لعتبة منازع تعين القضاء له، ولم يكن لمعاوية منازع في زياد.
اللهم إن هاهنا نكتة اختلف العلماء فيها، وهي أن الأخ إذا استلحق أخا يقول هو ابن أبي ولم يكن له منازع بل كان وحده، فقال مالك: يرث ولا يثبت النسب. وقال الشافعي - في أحد القولين - يثبت النسب ويأخذ المال، هذا إذا كان المقر به غير معروف النسب. واحتج الشافعي بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر» فقضى بكونه للفراش وبإثبات النسب. قلنا هذا جهل عظيم، وذلك أن قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بكونه للفراش صحيح، وأما قوله بثبوت النسب فباطل، لأن عبداً ادعى سببين: أحدهما الأخوة والثاني ولادة الفراش. فلو قال النبي صلى الله عليه وسلم: هو أخوك، الولد للفراش. لكان إثباتاً للحكم، وذكراً للعلة. بيد أن النبي صلى الله عليه وسلم عدل عن الأخوة ولم يتعرض لها، وأعرض عن النسب ولم يصرح به، وإنما في الصحيح في لفظ «هو أخوك» ، وفي آخر «هو لك» ، معناه فأنت أعلم به. وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف (1) .
فالحارث بن كلدة لم يدع زياداً ولا كان إليه منسوباً، وإنما كان ابن أمته ولد على فراشه - أي في داره - فكل من ادعاه فهو له، إلا أن يعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز، بل--------------------------------------------
(1) للمؤلف كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) 20 مجلدا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
فعل فيه الحق على مذهب مالك.
فإن قيل: فلم أنكر عليه الصحابة؟ .
قلنا: لأنها مسألة اجتهاد، فمن رأى أن النسب لا يلحق بالوارث الواحد أنكر ذلك وعظمه.
فإن قيل: ولم لعنوه، وكانوا يحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ملعون من انتسب لغير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه» ؟ .
قلنا: إنما لعنه من لعنه لوجهين: أحدهما لأنه أثبت نسبه من هذا الطريق، ومن لم ير لعنه لهذا لعنه لغيره. وكان زياد أهلا أن يلعن - عندهم - لما أحدث بعد استلحاق معاوية (1) .
فإن قيل: جعل النبي صلى الله عليه وسلم للزنا حرمة، ورتب عليها حكماً حين قال: «احتجبي منه يا سودة» (2) وهذا يدل على أن الزنا--------------------------------------------
(1) وأهم ذلك - عندهم- تسببه في قتل حجر بن عدي، وقد مضى الكلام عليه في ص211-213.
(2) في كتاب الأقضية من (موطأ مالك) ب21 ص740 عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني [وليدة زمعة: جاريته.] ، فاقبضه إليك. قالت فلما كان عام الفتح أخذه سعد وقال: ابن أخي، قد كان عهد إلي فيه. فقام إليه عبد بن زمعة فقال: أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فتساوقا إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم، فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي، قد كان عهد إلي فيه. وقال عبد بن زمعة: أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم " هو لك يا عبد بن زمعة ". ثم قال صلي الله عليه وسلم " الولد للفراش، وللعاهر الحجر ". ثم قال لسودة بنت زمعة " احتجبي منه " لما رأى من شبهه بعتبة بن أبي وقاص. قالت: فما رآها حتى لقي الله عز وجل. وأخرجه البخاري (ك34 ب3) ومسلم (ك17 ب10 ح36) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
يتعلق به من حرمة الوطء ما يتعلق بالنكاح الصحيح. هكذا قال الكوفيون. ومالك في رواية ابن القاسم يساعدهم على المسألة ولا يساعدهم على دليلها من هذا الوجه، وقد بيناها في كتاب النكاح. وقال الشافعي: العذر في أمر النبي صلى الله عليه وسلم لسودة بالاحتجاب مع ثبوت نسبه من زمعة وصحة أخوته لها بدعوى عبد أن ذلك تعظيم لحرمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن لم يكن كأحد من النساء في شرفهن وفضلهن.
قلنا: لو كان أخاها بنسب ثابت صحيح كما قلتم، ويكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش» تحقيقاً للنسب، لما منع النبي صلى الله عليه وسلم سودة منه، كما لم يمنع عائشة من الرجل الذي قالت: هو أخي من الرضاعة، وإنما قال: «انظرن من إخوانكن» .
وأما ما روي عن سعيد بن المسيب، فأخبر عن مذهبه في أن هذا الاستلحاق ليس بصحيح، وكذلك رأى غيره من الصحابة والتابعين. وقد صارت المسألة إلى الخلاف بين الأمة وفقهاء الأمصار، فخرجت من حد الانتقاد إلى حد الاعتقاد. وقد صرح مالك في كتاب الإسلام وهو (الموطأ) بنسبه فقال في دولة بني العباس " زياد بن أبي سفيان "، ولم يقل كما يقول المجادل " زياد بن أبيه " هذا على أنه لا يرى النسب يثبت بقول واحد. ولكن في ذلك فقه بديع لم يفطن له أحد، وهو أنها لما كانت مسألة خلاف، ونفذ الحكم فيها بأحد الوجهين، لم يكن لها رجوع، فإن حكم القاضي في مسائل الخلاف بأحد القولين يمضيها ويرفع الخلاف فيها. والله أعلم.
وأما روايتهم أن عمر قال " كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس " فهذه زيادة ليس لها أصل، من ناقص عقل، وأي عقل كان لزياد يزيد على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
الناس في أيام عمر (1) وكل واحد من الصحابة كان أعقل من زياد وأعلم منه ولهذا كل من كمل عقله أكثر من الآخر فهو أولى أن يختلط مع الناس. ويقولون: كان داهية، وهي كلمة واهية. الدهاء والأرب هو المعرفة بالمعاني، والاستدلال علي العواقب بالمبادي وكل أحد من الصحابة والتابعين فوق زياد وتلك الروايات التي يروي المؤرخون - من كذبهم - في حيل الحرب والفتك بالناس، كل أحد اليوم يقدر على مثلها وأكثر منها، والحيلة إنما تكون بديعة وتنثى وتروى إذا وافقت الدين، وأما كل حكاية تخالف الدين فليس في روايتها خير ولا عقل. وكل الناس كما قدمنا - وخذ من ولاة بني أمية خاصة - أعقل من زياد وأفصح منه. فلا تلتفتوا إلي ما روي من الأباطيل.
[نكتة الولايات والعزلات لها معان وحقائق لا يعلمها كثير من الناس]
نكتة الولايات والعزلات لها معان وحقائق لا يعلمها كثير من الناس. لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات عن زهاء اثني عشر ألفا من الصحابة معلومين. منهم ألفان أو نحوهما مشاهير في الجلالة، ولى منهم أبو بكر سعدا وأبا عبيدة ويزيد وخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ونفرا غيرهم فوقهم، وولى أنس بن مالك ابن عشرين سنة علي البحرين اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في عتاب (2) . ومتى كان استوفى المشيخة حتى يأخذ الشبان. وولى عمر أيضا كذلك، وبادر بعزل خالد. وذلك كله لفقه عظيم ومعارف بديعة بيانها في موضعها من كتب الإمامة--------------------------------------------
(1) لأنه كان لما دخل على عمر في السابعة عشرة من عمره على ما نقله البخاري في تاريخه الأوسط عن يونس بن حبيب عن آل زياد.
(2) عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية (انظر ص 234) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
والسياسة من الأصول، فخذوا في غير هذا، فليس هذا الباب مما تلوكه أشداق أهل الآداب.
وأما ما روي عن معاوية أنه استدعى شهوداً فشهد السلولي وسواه (1) فسل من ألحق ما روي عن السلولي، فإنه لم يكن قط. واسعد بإسقاط ما روي في القصة، سعيد أو سعد. وأما كلام أبي بكرة - أخيه لأمه - فيه فغير ضائر له، لأن ذلك رأي أبي بكرة واجتهاده. وأما قولهم فيها عن أبي بكرة أنه زنى أمه، فلو كان ذلك صحيحاً لم يضر أمه ما جرى في الجاهلية في الدين، فإن الله عفا عن أهل الجاهلية كلها بالإسلام. وأسقط الإثم والعار منه، فلا يذكره إلا جاهل به.
قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه : والناس إذا لم يجدوا عيباً لأحد وغلبهم الحسد عليه وعداوتهم له أحدثوا له عيوباً. فاقبلوا الوصية، ولا تلتفتوا إلا إلى ما صح من الأخبار، واجتنبوا - كما ذكرت لكم - أهل التواريخ، فإنهم ذكروا عن السلف أخباراً صحيحة يسيرة ليتوسلوا بذلك إلى رواية الأباطيل، فيقذفوا - كما قدمنا - في قلوب الناس ما لا يرضاه الله تعالى، وليحتقروا السلف ويهونوا الدين، وهو أعز من ذلك، وهم أكرم--------------------------------------------
(1) السلولي مالك بن ربيعة أبو مريم، وكان ذلك سنة 44، وكان معه في الشهادة زياد بن أسماء الحرمازي والمنذر بن الزبير - فيما ذكر المدائني بأسانيده - وجويرية بنت أبي سفيان والمسور بن قدامة الباهلي وابن أبي نصر الثقفي وزيد بن نفيل الأزدي وشعبة بن العلقم المازني ورجل من بني عمرو بن شيبان ورجل من بني المصطلق، شهدوا كلهم على أبي سفيان أن زيادا ابنه، إلا المنذر فشهد أنه سمع عليا يقول: أشهد أن أبا سفيان قال ذلك. فخطب معاوية فاستلحق زيادا، وتكلم زياد فقال: إن كان ما شهد به الشهود حقا فالحمد لله، وإن كان باطلا فقد جعلتهم بيني وبين الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
منا، فرضي الله عن جميعهم.
ومن نظر إلى أفعال الصحابة تبين منها بطلان هذه الهتوك التى يختلقها أهل التواريخ فيدسونها في قلوب الضعفاء، وهذا زياد لما أحس المنية استخلف سمرة بن جندب من كبار الصحابة فقبل خلافته، وكيف يظن به - على منزلته - أنه يقبل ولاية ظالم لغير رشدة، وهو على ما هو عليه من الصحبة، وذلك من غير إكراه ولا تقية؟ إن هذا لهو الدليل المبين. فمع من تحبون أن تكونوا: مع سمرة بن جندب، أو مع المسعودي والمبرد وابن قتيبة ونظرائهم (1) ؟ وهذا غاية في البيان.
[قاصمة]
[اجتماع العرب بالإسلام]
قاصمة كانت الجاهلية مبنية على العصبية، متعاملة بينها بالحمية فلما جاء الإسلام بالحق، وأظهر الله منته على الخلق، قال سبحانه: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] وقال لنبيه: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63] فكانت بركة النبي صلى الله عليه وسلم تجمعهم، وتجمع شملهم، وتصلح قلوبهم، وتمحو ضغائنهم.--------------------------------------------
(1) حكم القاضي أبو بكر على ابن قتيبة هذا الحكم القاسي وهو يظن أن كتاب (الإمامة والسياسة) من تأليفه كما سيأتي. وكتاب الإمامة والسياسة ذكرت فيه أمور وقعت بعد موت ابن قتيبة، فدل ذلك على أنه مدسوس عليه من خبيث صاحب هوى. ولو وقف المؤلف على هذه الحقيقة لوضع الجاحظ ومن هم دون الجاحظ في موضع ابن قتيبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
واستأثر الله برسوله صلى الله عليه وسلم، ونفرت النفوس، وتماسكت الظواهر منجرة ما دام الميزان قائماً.
[ظهور الأحزاب البكرية والعمرية والعثمانية والعلوية والعباسية]
فلما رفع الميزان - كما تقدم ذكره (1) في الحديث - أخذ الله القلوب عن الألفة، ونشر جناحاً من التقاطع، حتى سوى جناحين بقتل عثمان، فطار في الآفاق، واتصل الهرج إلى يوم المساق. وصارت الخلائق عزين (2) في كل واد من العصبية يهيمون: فمنهم بكرية، وعمرية، وعثمانية، وعلوية، وعباسية - كل تزعم أن الحق معها وفي صاحبها، والباقي ظلوم غشوم مقتر من الخير عديم. وليس ذلك بمذهب، ولا فيه مقالة، وإنما هي حماقات وجهالات، أو دسائس للضلالات، حتى تضمحل الشريعة، وتهزأ الملحدة من الملة، ويلهو بهم الشيطان ويلعب، وقد سار بهم في غير مسير ولا مذهب.
قالت البكرية: أبو بكر نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ورضيته الأمة للدنيا، وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم بتلك المنزلة العليا، والمحبة الخالصة. وولي فعدل، واختار فأجاد، إلا أنه أوهم في عمر فإنه أمره غليظ: وفظاظته غلبت. وذكروا معايب، وأما عثمان فلم يخف ما عمل. وكذلك علي. وأما العباس فغير مذكور.
وقالت العمرية: أما أبو بكر ففاضل ضعيف. وعمر إمام عدل قوي بمدح النبي صلى الله عليه وسلم له في حديث الرؤيا والدلو والعبقري كما تقدم (3) . وأما عثمان فخارج عن الطريق: ما اختار واليا، ولا وفى أحداً حقاً، ولا كف أقاربه، ولا اتبع سنن من كان قبله. وأما علي فجريء على الدماء. لقد سمعت في مجالس أن ابن جريج (4) . كان يقدم--------------------------------------------
(1) في ص 190.
(2) جمع عزة: العصبة من الناس.
(3) في ص 188.
(4) عبد الملك بن عبد العزيز المكي أحد الأعلام توفي سنة 150.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
عمر على أبي بكر. وسمعت الطرطوشي (1) يقول: لو قال أحد بتقديم عمر لتبعته.
وقالت العثمانية: عثمان له السوابق المتقدمة، والفضائل والفواضل في الذات والمال، وقتل مظلوماً.
وقالت العلوية: علي ابن عمه وصهره وأبو سبطي النبي صلى الله عليه وسلم وولد النبي صلى الله عليه وسلم حضانة.
وقالت العباسية: هو أبو النبي صلى الله عليه وسلم وأولاهم بالتقديم بعده. وطولوا في ذلك من الكلام ما لا معنى لذكره لدناءته (2) ورووا أحاديث لا يحل لنا أن نذكرها لعظيم الافتراء فيها ودناءة رواتها.
وأكثر الملحدة على التعلق بأهل البيت (3) وتقدمة علي على جميع الخلق (4) حتى إن الرافضة أنقسمت إلى عشرين فرقة أعظمهم بأسا من يقول إن عليا هو الله. والغرابية يقولون إنه رسول الله لكن جبريل عدل بالرسالة عنه إلى محمد حمية منه معه. . . في كفر بارد لا تسخنه إلا حرارة السيف، فأما دفء المناظرة فلا يؤثر فيه.
[عاصمة]
[تحذير المسلمين من أهواء المفسرين والمؤرخين وأهل الآداب]
عاصمة إنما ذكرت لكم هذا لتحترزوا من الخلق، وخاصة من المفسرين،--------------------------------------------
(1) من شيوخ المؤلف، انظر ترجمة ابن العربي في أول الكتاب.
(2) وكان أكثر ذلك في زمن دولتهم.
(3) يتخذونهم ذريعة، ويطعنون في كثير من أفاضلهم، ويعرضون بمثل الإمام زيد، بل يجحدون أخوات فاطمة. ثم إنهم يخالفون صريح شريعة جد أهل البيت بدعوى العصمة والتأليه الفعلي لبعض أفرادهم.
(4) حتى الأنبياء، ويغطون على جريمتهم باستثناء نبينا صلي الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)