يجزم به. فعلى هذا الثاني إذا مال ظنه إلى أن الراوي تعمد الكذب قال فيه: "متهم بالكذب"، أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى.
ودرجة الاجتهاد المشار إليه لا يبلغها أحدٌ من أهل العصر فيما يتعلق بالرواة المتقدمين، اللهم إلا أن يتهم بعضُ المتقدمين رجلًا في حديث يزعم أنه تفرَّد به، فيجد له بعضُ أهل العصر متابعات صحيحة، وإلا حيث يختلف المتقدمون فيسعى في الترجيح. فأما مَن وثَّقه إمام من المتقدمين أو أكثر، ولم يتهمه أحد من الأئمة، فيحاول بعض أهل العصر أن يكذِّبه أو يتهمه، فهذا مردود؛ لأنه إن تهيَّأ له إثبات بطلان الخبر وأنه ثابت عن ذلك الراوي ثبوتًا لا ريب فيه، فلا يتهيأ له الجزم بأنه تفرَّد به، ولا أن شيخه لم يروه قط، ولا النظر الفني الذي يحق لصاحبه أن يجزم بتعمد الراوي للكذب أو يتهمه به. بلى قد يتيسر بعض هذه الأمور فيمن كذَّبه المتقدمون، لكن مع الاستناد إلى كلامهم، كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت(1)، وترجمة محمد بن سعيد البورقي(2)؛ وإن كان الأستاذ يخالف في ذلك، فيصدِّق من كذَّبه الأئمة وكذبُه واضح، كما يكذِّب أو يتَّهم من صدَّقوه وصدقُه ظاهر، شأنَ المحامين في المحاكم، معيارُ الحق عند أحدهم مصلحةُ موكِّله!
هذا، والأستاذ فيما يهوِّل بدعوى دلالة العقل والتواتر والنقل الراجح، حيث لا ينبغي له دعوى ذلك. وليس من شأني أن أناقشه في كلِّ موضع، ولكني أقول: حيث تصح دعواه، فلا يصح ما بناه عليها من تكذيب الثقات واتهامهم. وحيث يلزم من صحة الدعوى صحة البناء، فالدعوى غير--------------------------------------------
(1) رقم (34).
(2) رقم (207).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 143)
صحيحة. وإنما كتبتُ هذا بعد فراغي من النظر في التراجم، وأسأل الله التوفيق.
الوجه الثاني: مقتضى اللغة. والتهمة عند أهل اللغة مشتقة من الوهم، وهو كما في "القاموس"(1): "من خَطَرات القلب أو مرجوح طَرَفَي المتردَّدِ فيه". والتهمة(2) بهذا المعنى تعرض في الخبر إذا كان فيه إثبات ما يظهر أن المخبر يحبّ أن يعتقد السامع ثبوته. وذلك كشهادة الرجل لقريبه وصديقه، وعلى من بينه وبينه نُفْرة، وكذلك إخباره عن قريبه أو صديقه بما يُحْمَد عليه، وإخباره عمن هو نافر عنه بما يُذَمّ عليه. وقس على ذلك كلَّ ما من شأنه أن يدعو إلى الكذب. وتلك الدواعي تخفى، وتتفاوت آثارها في النفوس وتتعارض، وتُعارِضُها الموانعُ من الكذب. [ص 35] وقد تقدمت الإشارة إليها في الفصل الخامس(3). فلذلك اكتفى الشارع في باب الرواية بالإسلام والعدالة(4)، فمَن ثبتت عدالته وعُرف بتحرّي الصدق من المسلمين فهو على العدالة والصدق في أخباره، لا يقدح في أخباره أن يقوم به بعض تلك الدواعي، ولا أن يتهمه من لا يعرف عدالته، أو من لا يعرف أثر العدالة على النفس، أو مَن له هوى مخالف لذاك الخبر فهو يتمنّى أن لا يصح، كما قال المتنبي(5):--------------------------------------------
(1) (ص 1507 - الرسالة).
(2) بعده في الأصل: "في" ولا مكان لها، وليست في "التنكيل".
(3) لم يعقد المؤلف سوى أربعة فصول، إلا إن اعتبر مبحث التهمة بالكذب فصلًا خامسًا فنعم، وانظر (ص 34).
(4) في "التنكيل" زيادة: "والصدق".
(5) كذا في الأصل هنا وفي (ص 126). والرواية:
"طوى الجزيرة حتى جاءني خبر … فزعت فيه ..................... "
انظر: شرح الواحدي لديوان المتنبي (608) وغيره. وفي "التنكيل" زاد بيتًا بعده وهو:
حتى إذا لم يَدَعْ لي صدقُه أملًا … شرِقتُ بالدمع حتى كاد يشرَقُ بي
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 144)
شقَّ الجزيرةَ حتى جاءني نبأ … فزعتُ منه بآمالي إلى الكذِب
وكأنه أخذه من قول الأول(1):
إنّي أتَتني لِسانٌ ما أُسَرُّ بها … من عَلْوَ لا عَجَبٌ فيها ولا سَخَرُ
جاءَتْ مُرَجَّمَةً قد كنتُ أَحْذَرُها … لو كان يَنفعُني الإشفاقُ والحَذَرُ
تأْتي على النّاس لا تَلوي على أَحدٍ … حتى أتَتْنا، وكانت دوننا مُضَرُ
إذا يُعَادُ لها ذِكْرٌ أُكَذِّبُهُ … حتى أتَتْني بِهَا الأنْبَاءُ وَالخَبَرُ
وجماعة من الصحابة روى كلٌّ منهم فضيلة لنفسه يرون أن على الناس قبول ذلك منهم، فتلقَّت الأمةُ ذلك بالقبول. وكان جماعة من الصحابة والتابعين يقاتلون الخوارج، ثم روى بعض أولئك التابعين عن بعض أولئك الصحابة أحاديث في ذمِّ الخوارج، فتلقت الأمة تلك الأحاديث بالقبول. وكثيرًا ما ترى في تراجم ثقات الرواة من التابعين فمن بعدهم إخبارَ الرجل منهم بثناء غيره عليه، فيتلقى أهل ذلك بالقبول. وقبلوا من الثقة دعواه ما هو ممكن من صحبته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لأصحابه، أو إدراكه لكبار الأئمة وسماعه منهم وغير ذلك، مما فيه فضيلة للمدعي، وشرف له، وداع للناس إلى الإقبال عليه، وتبجيله، والحاجة إليه.
ولم يكن أهل العلم إذا أرادوا الاستيثاق من حال الراوي يسألون إلّا--------------------------------------------
(1) تقدم تخريج الأبيات (ص 36 - 37).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 145)
عما يمسّ دينه وعدالته. ونص أهل العلم على أن الرواية في ذلك مخالفة للشهادة. وفي "التحرير" لابن الهمام الحنفي مع "شرحه" لابن أمير حاج (ج 2 ص 245)(1): " (وأما الحرية والبصر وعدم الحدّ في قذف و) عدم (الولاء) [أي القرابة من النسب أو النكاح … ] (و) عدم (العداوة) الدنيوية (فتختص بالشهادة) أي تشترط فيها، لا في الرواية".
فأما الشهادة فإن الشرع شَرَط لها أمورًا أخرى مع الإسلام والعدالة، كما أشار إليه ابن الهمام، وشرط في إثبات الزنا أربعة ذكور وفي غيره من الحدود ونحوها ذَكَرين، وفي الأموال ونحوها رجلًا وامرأتين إلى غير ذلك.
فأما الشهادة للنفس فمتفق على أنها لا تقبل. وأما الشهادة للأصل وللفرع وللزوج وعلى العدوّ ففيها خلاف. وفي بعض كتب [الفقه](2) أن الردّ في ذلك لأجل التهمة، وظاهر ذلك أن التهمة هي العلة، فيُبنى عليها قياسُ غير المنصوص عليه. وهذا غير مستقيم(3)، إذ ليس كلُّ شاهدٍ لنفسه حقيقًا بأن يتّهم. ألا ترى أن كبار الصحابة وخيار التابعين لو شهد أحدُهم لنفسه لم نتهمه، ولاسيّما إذا كان غنيًّا والمشهود به يسيرًا كخمسة دراهم، والمشهود عليه معروفًا بجحد الحقوق. أقول هذا لزيادة الإيضاح، وإلا--------------------------------------------
(1) (3/ 46) وما بين المعكوفين منه.
(2) زيادة ذهل المؤلف عن كتابتها. وانظر "المحيط البرهاني": (9/ 189)، و"حاشية العدوي": (7/ 207)، و"الحاوي": (11/ 328).
(3) كتب المؤلف أولًا: "وهذا فاسد" ثم غيَّرها في (ص 41) إلى ما هو مثبت.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 146)
فالواقع أننا لا نتهمهم مطلقًا حتى لو شهد أحدهم لنفسه على آخر منهم وأنكر ذاك لم نتهم واحدًا منهما، بل نعتقد أن أحدهما نسي أو غلط. وليس ذلك خاصًّا بهم، بل كل من ثبتت عدالته لا يتهمه عارفوه الذين يعدِّلونه ولا الواثقون بتعديل المعدِّلين. فإن اتهمه غيرهم كان معنى ذلك أنه غير واثق بتعديل المعدّلين، ومتى ثبت التعديل الشرعيّ لم يُلتفت إلى من لا يثق به.
ولو كان لك أن تعدِّل الرجل وأنت لا تأمن أن يدعي الباطل ويشهد لنفسه زورًا بخمسة دراهم مثلًا، لكان لك أن تعدِّل من تتهمه بأنه لو رشاه رجل عشرة دراهم أو أكثر لشهدوا له زورًا. وهذا باطل قطعًا، فان تعديلك للرجل إنما هو شهادة منك له بالعدالة، والعدالة "مَلَكة تمنع صاحبها عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسة … " فكيف يسوغ(1) أن تشهد بهذه المَلَكة لمن تتهمه بما ذكر؟ ولو كان كلُّ عدل حقيقًا بأن يتهمه عارفوه بنحو ما ذكر لما كان في الناس عدل.
وفي أصحابنا من لا نتهمه في شهادته ولو حصل له بسببها مائة درهم أو أكثر، كأن يدعي صاحبنا على فاجر مائة درهم فيجحده، ثم تتفق للفاجر خصومة أخرى، فيجيء إلى صاحبنا فيقول له: أنت تعرف هذه القضية، فاحضر، فاشهد بما تعلم، فيقول صاحبنا: نعم أنا أعرفها، ولكنك ظلمتني مائة درهم، فأدِّها إليَّ إن أردت أن أشهد، فيدفع له مائة درهم، فيذهب فيشهد= فإننا لا نتهم صاحبنا في دعواه ولا شهادته.
[ص 36] وفي أصحابنا مَن لو ائتمن على مئات الدراهم، ثم بعد مدة--------------------------------------------
(1) في "التنكيل": "يسوغ لك".
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 147)
ادعى ما يحتمل من تلفها، أو أنه ردَّها على صاحبها الذي قد مات، لَما اتهمناه. نعم قد يتهمه مَن لا يعرفه كمعرفتنا، أو من لا يعرف قدر تأثير الموانع عن الخيانة في نفس من قامت به. فالفاسق المتهتك لا يعرف قدر العدالة، فتراه يتهم العدول، بل لا يكاد يعرف عدالتهم، وإن كانوا جيرانه.
فإن قيل: يكفي في التعليل أن ذلك مظنة التهمة، ولا يضر التخلُّف في بعض الأفراد، كما قالوا في قصر الصلاة في السفر: إنه لأجل المشقة وإن تخلفت المشقة في بعض المسافرين كالمَلِك المترَفِّه. قلت: العلة في قصر الصلاة هي السفر بشرطه لا المشقَّة، فكذلك تكون العلة في رد الشهادة للنفس هي أنها شهادة للنفس، أو أنها دعوى كما يومئ إليه حديث: "لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم … "(1).
فعلى هذا لا يتَّأتى القياس، ألا ترى أن في أعمال العمّال المقيمين ما مشقَّته أشدّ من مشقة السفر العادي، ذلك كالعمل في المناجم ونحوها، ومع ذلك ليس لهم أن يقصروا الصلاة؟
فإن قيل: الشهادة للأصل والفرع مظنة للتهمة، كما أن الشهادة للنفس مظنة لها. قلت: فالعمل في المناجم مظنة للمشقة، بل المشقة فيه أشقّ وأغلب، والتهمة في الشهادة للأصل والفرع أضعف وأقل من التهمة في الشهادة للنفس، فإنَّ حِرص الإنسان على نفع نفسه أشدّ غالبًا من حرصه على نفع أصله أو فرعه، وقد يكون الرجل منفردًا عن أصله أو فرعه وبينهما عداوة.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (4552)، ومسلم (1711) مختصرًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 148)
والشافعي ممن يقول برد الشهادة للأصل والفرع، ولم يعرِّج على التهمة، ولكنه لما علم أن جماعةً ممن قبله ذهبوا إلى الردّ ولم يَعْلَم لهم مخالفًا، هاب أن يقول ما لا يعلم له فيه سلفًا، فحاول الاستدلال بما حاصله: أن الفرع من الأصل فشهادة أحدهما للآخر كأنها شهادة لنفسه، ثم قال كما في "الأم" (ج 7 ص 42)(1): "وهذا مما لا أعرف فيه خلافًا". كأنه ذكر هذا تقويةً لذاك الاستدلال، واعتذارًا عما فيه من الضعف. ولما علم بعض حُذّاق أصحابه كالمزني وأبي ثور أن هناك خلافًا ذهبوا إلى القبول(2).
ثم أقول: لو كان هناك نص أو إجماع على عدم قبول الشهادة للأصل أو الفرع أو الزوج لكانت العلة فيها أنها شهادة لمن ذُكر، ولم تكن العلة هي التهمة.
فأما الشهادة على العدوّ، فالقائلون بأنها لا تُقبل يخصون ذلك بالعداوة الدنيوية التي تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه. فأما العداوة الدينية والدنيوية التي لم تبلغ ذاك المبلغ، فلا تمنع من القبول عندهم. والمنقول عن أبي حنيفة كما في كتب أصحابه(3) أن العداوة لا تقتضي ردّ الشهادة إلا أن تبلغ أن تَسْقُطَ بها العدالة.
أقول: وإذا بلغت ذلك لم تقبل شهادة صاحبها حتى لعدوِّه على صديقه. ويقوِّي هذا القول أن القائلين بعدم القبول يشرطون أن تبلغ أن يحزن لفرحه--------------------------------------------
(1) (8/ 114).
(2) انظر "البيان": (13/ 311) للعمراني.
(3) انظر "رد المحتار": (8/ 225 - 226).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 149)
ويفرح لحزنه. وهذا يتضمن أن يفرح لذبح أطفاله ظلمًا، والزنا ببناته، وارتداد زوجاته ونحو ذلك، وقس على ذلك الحزن لفرحه، وهذا مسقط للعدالة حتمًا.
فإن قيل: قد يفرح بذلك من جهة أنه يُحْزن عدوَّه، ومع ذلك يحزن من جهة مخالفته للدين.
قلت: إن لم يغلب حزنُه فرحَه فليس بعَدْل، وإن غلب فكيف يظن به أن يوقع نفسه في شهادة الزور التي هي من أكبر الكبائر، وفيها أعظم الضرر على نفسه في دينه، ولا يأمن أن يلحقه لأجلها ضرر شديد في دنياه، كلُّ ذلك ليضر المشهود عليه في دنياه ضررًا قد يكون يسيرًا كعشرة دراهم مثلًا؟ وهَبْه صحّ الردّ بالعداوة مع بقاء العدالة فالقائلون بالرد يشرطون أن تكون عداوة دنيوية تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه، وهذا لا يتأتّى للأستاذ إثباته في أحدٍ ممن يتهمهم؛ لأنه إن ثبت انحرافهم عن أبي حنيفة وأصحابه وثبت أن ذلك الانحراف عداوة فهو عداوة دينية. وهب أنه ثبت في بعضهم أنها عداوة دنيوية فلا يتّأتى للأستاذ إثبات بلوغها ذاك الحدّ، أي أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه. وهبه بلغ، فقد تقدم أن الرواية لا تردّ بالعدواة.
وأما ما ذكره الشافعي في أصحاب العصبية(1)، فالشافعي إنما عنى العصبية لأجل النسب، كما هو صريح في كلامه. وذلك أمر دنيوي، وكلامه ظاهر في أنها بشرطها تسقط العدالة. ولا ريب أنه إذا بلغت العصبية أو العداوة إسقاط العدالة لم تقبل لصاحبها شهادة ولا رواية ألبتة، سواء أكانت--------------------------------------------
(1) في "الأم": (7/ 512).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 150)
دنيوية، أم مذهبية، أم دينية؛ كمن يسرف في الحنق على الكفار فيتعدَّى على أهل الذمة والأمان بالنهب والقتل ونحو ذلك، بل قد يكفر.
فقد اتضح بما تقدّم الجوابُ عن بعض ما يمكن التشبُّث به في ردِّ رواية العدول. وبقي حكاية عن شريك ربما يُؤخَذ منها أنه قد يقبل شهادة بعض العدول في القليل ولا تُقبل في الكثير(1)، وفرعٌ للشافعي قد يتوهّم منه نحو ذلك(2)، وما يقوله أصحاب الحديث في رواية المبتدع، وما قاله بعضهم في جرح المحدِّث لمن هو ساخط عليه.
فأما الحكاية عن شريك فمنقطعة(3)، ولو ثبتت لوجب حملها على أن مراده القبول الذي تطمئنّ إليه نفسه. فإن القاضي قد لا يكون خبيرًا بعدالة الشاهدين وضبطهما وتيقّظهما، وإنما عدَّلهما غيره، فإذا كان المال كثيرًا جدًّا بقي في نفسه ريبة. وقد بيَّن أهل العلم أن مثل هذا إنما يقتضي التروِّي والتثبت، فإذا تروّى وبقيت الحال كما كانت وجب عليه أن يقضي بتلك الشهادة، ويعرض عما في نفسه.
وأما الفرع المذكور عن الشافعي فليس من ذاك القبيل، وإنما هو من باب الاحتياط للتعديل. ومع ذلك فقد ردَّه إمامُ الحرمين وقال: إن أكثر الأئمة على خلافه(4).--------------------------------------------
(1) تقدم ذكره (ص 132).
(2) تقدم ذكره (ص 133).
(3) لأن راوي القصة عن شريك هو ابن عباد لم يسمعها منه بل قال: "أُخْبِرتُ عن شريك".
(4) انظر "نهاية المطلب في دراية المذهب": (18/ 492).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 151)
وأما رواية المبتدع، وجرح المحدِّث لمن هو ساخط عليه، فأُفردُ كلًّا منهما بقاعدة(1).
* * * *--------------------------------------------
(1) انظر التعليق على (ص 134) هامش (1).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 152)
[ص 37] 3 ــ رواية المبتدع
لا شبهة أن المبتدع إن خرج ببدعته عن الإسلام لم تقبل روايته، لأن من شرط قبول الرواية: الإسلام.
وأنه إن ظهر عناده، أو إسرافه في اتباع الهوى، والإعراض عن حجج الحق، ونحو ذلك مما هو أدلّ على وهن التدين من كثير من الكبائر كشرب الخمر وأخذ الربا، فليس بعدل فلا تقبل روايته؛ وشرط قبول الرواية: العدالة.
وأنه إن استحلَّ الكذب، فإما أن يكفر بذلك، وإما أن يفسق. فإن عذرناه فمِنْ شرط قبول الرواية: الصدق، فلا تقبل روايته.
وأن من تردّد أهلُ العلم فيه، فلم يتجه لهم أن يكفِّروه أو يفسِّقوه، ولا أن يعدِّلوه، فلا تقبل روايته، لأنه لم تثبت عدالته.
ويبقى النظر فيمن عدا هؤلاء. والمشهور الذي نقل ابن حبان والحاكم(1) إجماع أئمة السنة عليه أن المبتدع الداعية لا يُقبل البتة، وأما غير الداعية فكالسُّنّي.
واختلف المتأخرون في تعليل ردّ الداعية، والتحقيق إن شاء الله تعالى: أن ما اتفق أئمة السنة على أنها بدعة، فالداعية إليها الذي حقّه أن يسمى داعية لا يكون إلا من الأنواع الأولى، إن لم يتجه تكفيره اتجه تفسيقه، فإن لم يتجه تفسيقه فعلى الأقل لا تثبت عدالتُه.--------------------------------------------
(1) كلام ابن حبان في "المجروحين": (3/ 63). وكلام الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص 133).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 153)
وإلى هذا أشار مسلم في "مقدمة صحيحه"(1) إذ قال: "اعلم ــ وفقك الله ــ أن الواجب على كلّ أحدٍ عرفَ التمييزَ بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي منها إلا ما عَرف صحة مخارجه والسِّتارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان عن أهل التُّهَم والمعاندين من أهل البدع. والدليل على أن الذي قلنا في هذا هو اللازم دون ما خالفه قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] وقال جل ثناؤه: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] وقال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]. فدل بما ذكرنا من هذه الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة. والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في أعظم معانيهما، إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم".
هذا، وإذا كانت حجج السنة بينةً، فالمخالف لها لا يكون إلا معاندًا، أو متبعًا للهوى معرضًا عن حجج الحق. واتباعُ الهوى والإعراضُ عن حجج الحق قد يفحش جدًّا حتى لا يحتمل أن يُعذَر صاحبه. فإن لم يجزم أهل العلم بعدم العذر، فعلى الأقل لا يمكنهم تعديل الرجل. وهذه حال الداعية الذي الكلام فيه، فإنه لولا أنه معاند، أو منقاد لهواه انقيادًا فاحشًا، معرض عن حجج الحقّ إعراضًا شديدًا؛ لكان أقلّ أحواله أن يحمله النظر في حجج الحقِّ على الارتياب في بدعته، فيخاف إن كان متدينًا أن يكون على ضلالة،--------------------------------------------
(1) (1/ 8).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 154)
ويرجو أنه إن كان على ضلالة فعسى الله تبارك وتعالى أن يعذره. فإذا التفت إلى أهل السنة علم أنهم إن لم يكونوا أولى بالحق منه، فالأمر الذي لا ريب فيه أنهم أولى بالعذر منه، وأحقُّ إن كانوا على خطأ أن لا يضرَّهم ذلك؛ لأنهم إنما يتبعون الكتاب والسنة، ويحرصون على اتباع سبيل المؤمنين، ولزوم سراط المنعَم عليهم: النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وخيار السلف. فيقول في نفسه: هب أنهم على باطل، فلم يأتهم البلاء من اتباع الهوى وتتبع السبل الخارجة. ولا ريب أن من كانت هذه حاله فإنه لا يكفِّر أهلَ السنة ولا يضلِّلهم، ولا يحرص على إدخالهم في رأيه، بل يشغله الخوف على نفسه، فلا يكون داعية.
فأما غير الداعية؛ فقد مرَّ نقلُ الإجماع على أنه كالسُّنّي، إذا ثبتت عدالته قُبِلت روايته. وقد ثبت عن مالك ما يوافق ذلك، ومن أصحابه مَن ينقل عنه أنه لا يُروى عنه أيضًا، والعمل على الأول. وذهب بعضهم إلى أنه لا يُروى عنه إلا عند الحاجة، وهذا أمر مصلحي لا ينافي قيام الحجة بروايته بعد ثبوت عدالته. وحكى بعضُهم أن غير الداعية إذا روى ما فيه تقوية لبدعته لم يؤخَذ عنه(1).
ولا ريب أن ذلك المرويّ إذا حَكَم أهل العلم ببطلانه فلا حاجة إلى روايته إلا لبيان حاله. ثم إن اقتضى جرح صاحبه بأن ترجّح أنه تعمّد الكذب أو أنه متهم بالكذب عند أئمة الحديث سقط صاحبه البتة، فلا يؤخذ عنه ذاك ولا غيره، وليس هذا خاصًّا بالمبتدع. وإن ترجّح أنه إنما أخطأ، فلا وجه--------------------------------------------
(1) انظر للأقوال في المسألة "علوم الحديث" (ص 114 - 115) لابن الصلاح، و"فتح المغيث": (2/ 58 - 70).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 155)
لمؤاخذته بالخطأ. وإن ترجح صحة ذلك المروي، فلا وجه لعدم أخذه. نعم قد تدعو المصلحة إلى عدم روايته حيث يخشى أن يغترَّ بعض السامعين بظاهره، فيقع في البدعة.
قرأت في جزء قديم من "ثقات العجلي"(1) ما لفظه: "موسى الجهني قال جاءني عمرو بن قيس المُلائي وسفيان الثوري فقالا(2): لا تحدّث بهذا الحديث بالكوفة أن النبي عليه السلام قال لعَليّ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"(3). كان في الكوفة جماعة يغلون في التشيّع ويدعون إلى الغلو، فَكَرِه عمرو بن قيس وسفيان أن يسمعوا هذا الحديث، فيحملوه على ما يوافق غلوَّهم، فيشتدّ شرُّهم.
وقد يمنع العالمُ طلبةَ الحديث عن أخذ مثل هذا الحديث، لعلمه أنهم إذا أخذوه ربما رووه حيث لا ينبغي أن يُروى. لكن هذا لا يختص بالمبتدع، وموسى الجهني ثقة فاضل لم يُنسب إلى بدعة.
هذا، وأول من نسب إليه هذا القول إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وكان هو نفسه مبتدعًا منحرفًا عن أمير المؤمنين عليّ، متشددًا في الطعن على المتشيِّعين، كما يأتي في القاعدة الآتية. للجوزجاني كتاب في الجرح والتعديل. قال في مقدمته(4) ــ كما نقله السخاوي في "فتح المغيث"--------------------------------------------
(1) من هذا الجزء نسخة في المكتبة الآصفية (رقم 54 ـ رجال)، وانظر ترتيبه (2/ 183 - تحقيق البستوي).
(2) الأصل: "فقال" والمثبت من كتاب العجلي.
(3) أخرجه البخاري ومسلم.
(4) (ص 11 - ت البستوي). واسم كتابه "الشجرة" وطبع باسم "أحوال الرجال".
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 156)
(ص 142)(1): "ومنهم زائغ عن الحق، صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثُه، لكنه مخذول(2) في بدعته، مأمون في روايته، فهؤلاء ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرف وليس بمنكر، إذا لم تقوَ به بدعتُه، فيتَّهمونه (؟ ) بذلك"(3).
والجوزجاني فيه نَصْب، وهو مولع بالطعن في المتشيّعين كما مرّ، ويظهر أنه إنما يرمي بكلامه هذا إليهم، فإن في الكوفيين المنسوبين إلى التشيع جماعة أجلّة، اتفق أئمة السنة على توثيقهم، وحُسْن الثناء عليهم، وقبول رواياتهم، وتفضيلهم على كثير من الثقات الذين لم يُنسبوا إلى التشيُّع، حتى قيل لشعبة: حَدِّثنا عن ثقات أصحابك. فقال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي فإنما أحدثكم عن نفرٍ يسير من هذه الشيعة: الحكم بن عُتيبة، وسَلَمة بن كُهيل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور(4).
راجع تراجم هؤلاء في "التهذيب"(5).
فكأنَّ الجوزجاني لما علم أنه لا سبيل إلى الطعن في هؤلاء وأمثالهم مطلقًا، حاول أن يتخلّص مما يكرهه من مرويّاتهم، وهو ما يتعلق بفضائل أهل البيت.
وعبارته المذكورة تعطي أن المبتدع الصادق اللهجة، المأمون في--------------------------------------------
(1) (2/ 66 - ط السلفية بالهند).
(2) في "الشجرة": "إذ كان مخذولًا".
(3) في "الشجرة": "إذا لم يُقوِّ به بدعته، فيُتَّهم عند ذلك".
(4) الخبر في "تقدمة الجرح والتعديل": (1/ 138).
(5) (2/ 432 - 434 و 4/ 155 - 157 و 2/ 178 و 10/ 312 - 315) على التوالي.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 157)
الرواية، المقبول حديثه عند أهل السنة، إذا روى حديثًا معروفًا عند أهل السنة غير منكر عندهم، إلا أنه مما قد تَقوَى به بدعتُه، فإنه لا يؤخَذ وأنه يُتَّهم. فأما اختيار أن لا يؤخذ، فله وجه رعاية للمصلحة كما مرَّ. وأما أنه يُتَّهم راويه، فلا يظهر له وجه بعد اجتماع تلك الشرائط. إلا أن يكون المراد أنه قد يتهمه مَن عَرَف بدعته ولم يعرف صدقه وأمانته، ولم يعرف أن ذاك الحديث معروف غير منكر، فيسيء الظن به وبمروياته. ولا يبعد من الجوزجاني أن يصانع عما في نفسه بإظهار أنه إنما يحاول هذا المعنى، فبهذا تستقيم عبارتُه.
أما الحافظ ابن حجر، ففهم منها معنًى آخر قال في "النخبة وشرحها"(1): "الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أن يروي ما يقوِّي مذهبه، فيُرَدُّ على المذهب المختار. وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي". وسيأتي الكلام معه إن شاء الله تعالى(2).
ولابن قتيبة في كتاب "تأويل مختلف الحديث"(3) كلام حاصله أن المبتدع الصادق المقبول لا يُقبل منه ما يقوِّي بدعتَه، ويُقبل منه ما عدا ذلك. قال: "وإنما يَمنع من قبول قول الصادق فيما وافق نحلته وشاكل هواه لأن نفسه تريه أن الحقَّ فيما اعتقده، وأن القربة إلى الله عز وجل في تثبيته بكل وجه. ولا يؤمَن مع ذلك التحريف والزيادة والنقص". كذا قال، واحتجّ بأن شهادة العدل لا تُقبل لنفسه وأصله وفرعه. وقد مر الجواب عن ذلك(4). ولا أدري كيف--------------------------------------------
(1) (ص 104).
(2) (ص 73 فما بعدها).
(3) (ص 141).
(4) (ص 58 - 59).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 158)
ينعت بالصادق من لا يؤمَن منه تعمدُ التحريف والزيادة والنقص؟ وإنما يستحق النعت بالصادق من يوثَق بتقواه، وبأنه مهما التبس عليه من الحق فلن يلتبس عليه أن الكذب ــ بأيّ وجه كان ــ منافٍ للتقوى، مجانبٌ للإيمان.
ولا ريب أن فيمن يتسم بالصلاح من المبتدعة ــ وأهل السنة ــ من يقع في الكذب إما تقحُّمًا في الباطل، وإما على زعم أنه لا حرج في الكذب في سبيل تثبيت الحق. ولا يختص ذلك بالعقائد، بل وقع فيما يتعلق بفروع الفقه وغيرها، كما يُعلَم من مراجعة كتب الموضوعات. وأعداءُ الإسلام وأعداءُ السنة يتشبثون بذلك في الطعن في السنة، كأنهم لا يعلمون أنه لم يزل في أخبار الناس في شؤون دنياهم الصدق والكذب، ولم تكن كثرة الكذب بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به العقلاء ويبنون عليه أمورًا عظيمة. ولم يزل الناس يغُشُّون الأشياء النفيسة ويصنعون ما يشبهها كالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر والسمن والعسل والحرير والخز والصوف وغيرها، ولم يَحُل ذلك دون معرفة الصحيح. والخالقُ الذي هيَّأ لعباده ما يحفظون به مصالح دنياهم هو الذي شرع لهم دين الإسلام، وتكفّل بحفظه إلى الأبد. وعنايتُه بحفظ الدين أشدّ وآكد، لأنه هو المقصود بالذات من هذه النشأة الدنيا، قال الله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
ومن مارس أحوال الرواية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل عنها والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها. وفي "تهذيب التهذيب" (1/ 152): "قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 159)
[زنديقًا، فأراد قتله، فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتُها! فقال له: أين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاق الفَزاري وابن المبارك ينخُلانها حرفًا حرفًا! "](1).
وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة. وتلا قول الله عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(2) [الحجر: 9]. والذكر يتناول السنة بمعناه، إن لم يتناولها بلفظه؛ بل يتناول العربية وكلّ ما يتوقّف عليه معرفة الحق. فإن المقصود من حفظ القرآن أن تبقى الحجةُ قائمةً والهدايةُ دائمةً إلى يوم القيامة، لأن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع، والله عز وجل إنما خلق الخلق لعبادته، فلا يقطع عنهم طريق معرفتها. وانقطاعُ ذلك في هذه الحياة الدنيا انقطاعٌ لعلَّة بقائهم فيها.
قال العراقي في "شرح ألفيته" (ج 1 ص 267)(3): "رُوِّينا عن سفيان قال: ما ستر الله أحدًا يكذب في الحديث. ورُوّينا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: لو أن رجلا هَمَّ أن يكذب في الحديث لأسقطه الله. ورُوِّينا عن ابن المبارك قال: لو هَمَّ رجل في السَّحَر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب".
والمقصود هنا أن من لا يؤمَن منه تعمّدُ التحريف والزيادة والنقص ــ على أيّ وجهٍ كان ــ فلم تثبت عدالتُه. فإن كان كلّ من اعتقد أمرًا ورأى أنه--------------------------------------------
(1) ترك المؤلف باقي القصة بياضا فأكملناه من المصدر.
(2) "تقدمة الجرح والتعديل": (1/ 3 و 2/ 18)، "التعديل والتجريح": (1/ 33).
(3) (ص 124).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 160)
الحق وأن القُربة إلى الله تعالى في تثبيته لا يؤمَن منه ذلك، فليس في الدنيا ثقة. وهذا باطل قطعًا، فالحكم به على المبتدع إن قامت الحجة على خلافه بثبوت عدالته وصدقه وأمانته فباطل، وإلا وجب أن لا يحتجّ بخبره البتة، سواء أوافق بدعته أم خالفها.
والعدالة: "مَلَكة تمنع من اقتراف الكبائر … " وتعديل الشخص شهادةٌ له بحصول هذه المَلَكة، ولا تجوز الشهادة بذلك حتى يغلب على الظن غلبة واضحة حصولها له. وذلك يتضمن غلبة الظن بأن تلك المَلَكة تمنعه من تعمُد التحريف والزيادة والنقص، ومن غلب على الظن غلبةً يصح الجزم بها أنه لا يقع منه ذلك، فكيف لا يؤمَن أن يقع منه؟ ومن لا يؤمَن أن يقع منه ذلك، فلم يغلب على الظن أن له مَلَكةً تمنعه من ذلك. ومن خيف أن يغلبه ضربٌ من الهوى، فيوقعه في تعمُّد الكذب والتحريف، لم يؤمَن أن يغلبه ضرب آخر، وإن لم نشعر به. بل الضربُ الواحدُ من الهوى قد يوقع في أشياء يتراءى لنا أنها متضادة. فقد جاء أن موسى بن طريف الأسدي كان يرى رأي أهل الشام في الانحراف عن عَليّ رضي الله عنه، ويروي أحاديث منكرة في فضل عليّ، ويقول: "إني لأسخر بهم" يعني بالشيعة، راجع ترجمته في "لسان الميزان"(1).
وروى محمد بن شجاع الثلجي الجهمي، عن حَبَّان بن هلال أحد الثقات الأثبات، عن حماد بن سلمة أحد أئمة السنة، عن أبي المهزِّم، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق الفرس، فأجراها، فعرقت ثم خلق نفسه منها"(2). وفي--------------------------------------------
(1) (8/ 205).
(2) أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (231).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 161)
"الميزان"(1) أن غرض الجهيمة من وضع هذا الحديث أن يستدلوا به على زعمهم أن ما جاء في القرآن من ذكر "نفس الله" عز وجل إنما المراد بها بعض مخلوقاته.
أقول: ولهم غرضان آخران:
أحدهما: التذرُّع بذلك إلى الطعن في حماد بن سلمة، كما يأتي في ترجمته(2).
الثاني: التشنيع على أئمة السنة بأنهم يروون الأباطيل.
والشيعيُّ الذي لا يؤمَن أن يكذب في فضائل أهل البيت، لا يؤمَن أن يكذب في فضائل الصحابة على سبيل التقية، أو ليُري الناس أنه غير متشدّد في مذهبه، يُمهِّد بذلك لِيُقبَل منه ما يرويه مما يوافق مذهبه.
وعلى كلّ حال فابن قتيبة ــ على فضله ــ ليس هذا فنُّه، ولذلك لم يعرج أحد من أئمة الأصول والمصطلح على حكاية قوله ذلك فيما أعلم. والله الموفق.
وفي "فتح المغيث" (ص 140)(3) عن ابن دقيق العيد: "إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخمادًا لبدعته وإطفاءً لناره. وإن لم يوافقه أحد، ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده ــ مع ما وصفنا من صِدْقه وتحرّزه عن الكذب، واشتهاره بالتدين، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته ــ فينبغي أن تقدَّم مصلحةُ تحصيلِ ذلك الحديث ونشرِ تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء ناره".--------------------------------------------
(1) (5/ 24 - 25).
(2) رقم (85).
(3) (2/ 60 - 61) وكلام ابن دقيق العيد في كتابه "الاقتراح" (ص 294).
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 162)