3 - أنّ التاج السبكي من الشراح القلائل الذين يمتازون بطول النفس في الشرح والتقرير؛ لذا فإنّ شرحه هذا يعدّ فيما أعلم من أوسع الشروح التي وُضعت على ((المختصر))، كما أنّه كان مطّلعاً على شروح ((المختصر)) السابقة، وبخاصة شرحي العضد الإيجي، والقطب الشيرازي، حيث صرّح بالنقل عنهما، وتَعَقَّبهما في عدد لا بأس به من المواضع.
4 - أنّه من الشروح التي اعتمد عليها شرّاح ((المختصر)) فيما بعد، فكانوا يكثرون من النقل منه والاعتماد عليه، ولعلّ من أهمهم في ذلك شرح محمد بن الحسن الواسطي (1)، حيث يصرّح بالنقل عنه والعزو إليه؛ بل إنّه قد جمع شرحه كله من شرحيّ الشمس الأصفهاني والتاج السبكي (2). كما وضع عليه الإمام عز الدين بن جماعة (3) حاشية قيمة (4).
مميزات رفع الحاجب:
لقد امتاز ((رفع الحاجب)) بميّزات عديدة جعلته في مقدمة شروح ((المختصر)) التي عليها الاعتماد، ومن أهم هذه الميزات:
1 - اعتماده على نسخة للمختصر بخط ابن الحاجب نفسه: اعتمد التاج السبكي في هذا الشرح على نسخة ابن الحاجب نفسه، وهذه ميّزة قلَّما تجدها عند غيره من الشراح، وبذلك يكون التاج قد حفظ لنا عبارة ابن الحاجب بنصِّها دون تحريف لها، أو نقص منها أو زيادة عليها، وكثيراً ما كان التاج السبكي يبيّن ذلك في شرحه، ويثبت الخلافات بينها وبين النسخ الأخرى، مبيّناً في ذلك الراجح عنده من العبارات سواء أكانت نسخة ابن الحاجب أو غيرها من النسخ.
فمن النوع الأول قوله: في مسألة العام إذا ورد على سبب خاص: ((والثاني ألا يكون ثمّ قرينة، كما لو روي أنّه عليه السلام مَرّ بشاةِ ميمونة فقال {أيما إهابٌ دُبِغَ فقد طَهُر} (5)، فإنّه على تقدير وقوعه لفظ عامٌّ ورد على سبب خاص بغير سؤال … )) ثمّ قال: ((وإنّما قلنا على تقدير وقوعه، وكذا أثبت المصنِّف لفظة لو بخطه لأنّ ذلك لم يقع … وفي بعض نسخ ((المختصر)) حذفُ لفظة لو، وليس بجيّد، فأثباتها حقٌّ كما عرفتَ وإياه فعل المصنف)) (6).--------------------------------------------
(1) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن حسن بن عبد الله السيد الشريف الحسيني الواسطي الشافعي، توفي سنة 776هـ، من مصنفاته: كتاب في أصول الدين وكتاب في الرد على الإسنوي. انظر ابن شهبة، طبقات الشافعية (3/ 160)
(2) انظر ابن شهبة، طبقات الشافعية (3/ 161)، المراغي، الفتح المبين (2/ 204)
(3) هو الإمام أبو عبد الله عز الدين محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن سعد الله بن جماعة المصري الشافعي العالم العلامة الحبر المفنن صاحب المؤلفات الكثيرة والمشهورة منها: شرح جمع الجوامع وشرح الأربعين النووية، توفي سنة 819هـ. انظر: ابن شهبة، طبقات الشافعية (4/ 60) الغزي، ديوان الإسلام (2/ 106)،
(4) انظر حاجي خليفة، كشف الظنون (2/ 1855)
(5) رواه الترمذي في كتاب اللباس برقم 1650، والنسائي في كتاب الفرع والعتيرة برقم 4168، وابن ماجة في كتاب الفرع والعتيرة برقم 3599
(6) التاج السبكي، رفع الحاجب (3/ 121) بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
ومن النوع الثاني قوله معقّباً على قول ابن الحاجب: ((لو نَدَرَ المخالف مع كثرة … المجمعين … )) إلى قوله ((لم يكن إجماعاً قطعاً)) (1)، قال التاج السبكي: ((كذا بخط المصنف، وفي بعض النسخ قطعيا.)) ثمّ قال بعد شرح المسألة: ((إذا عرفت هذا فنقول: قول المصنف لم يكن إجماعاً قطعاً أي: لا نقطع بكونه إجماعاً، ومن كتب قطعياً أراد أنّا نجزم بنفي (2) كونه إجماعاً قطعياً.)) (3)
ثم قال التاج مرجحّاً هذه النسخة: ((وهذه النسخة عندي أولى مما كتبه المصنِّف بيده، ولعلها أُصلِحت؛ لأنّ فيها فائدة التنبيه على أنّ من قال بأنّه إجماع؛ فإنّما يجعله ظنياً لا قطعياً، وهو الظاهر، … وبه يُشعر إيراد الآمدي، وأما قطعاً (4) فليس فيها كثير فائدة؛ لأنّ كلّ ذي نظر يعرف أنّه إذا وقع الخلاف في أنه هل هو إجماع؛ لم يقع القطع بأنّه إجماع)) (5).
2 - اعتماده في الشرح على نقل عبارات ابن الحاجب نفسه من مختصره الكبير الذي هو الأصل بالنسبة لهذا ((المختصر)): من السِّمات البارزة في هذا الشرح أنّ التاج السبكي كثيراً ما كان يُورِد عبارات ابن الحاجب نفسه من مختصره الكبير ((المنتهى))، ليُفصِّل بها ما أجمله ابن الحاجب في مختصره هذا.
وحيثما كانت عبارة ابن الحاجب – في هذا ((المختصر)) – غير وافية بالغرض كان يتمِّمها التاج من ((المختصر الكبير)).
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قول التاج السبكي في مسألة الإجزاء هل يستلزم القضاء أو لا – بعد شرحه لقول ابن الحاجب: وقال عبد الجبار لا يستلزمه (6) – ((وقد قال المصنف في ((المختصر الكبير)): إن أراد – يعني عبد الجبار – أنّه لا يمتنع أن يُراد أمرٌ بعده بمثله فمسلّم، ويرجعُ النزاع في تسميته قضاء، وإن أراد أنّه لا يدلّ على سقوطه فساقط)) (7).
ومنها قول التاج السبكي شارحاً قول ابن الحاجب في باب الترجيح: ((والإجماع على ما بعده في الظني)) (8) قال: ((قوله في الظّن أي: ذلك متصوَّر في الإجماع الظني دون القطعي؛ فإنّه يُظنُّ فيه التعارض، وإلا لَزِم تَعَارُض الإجماعين في نفس الأمر، وهو محال، هذا تقرير كلامه فاعتمده، وبه صرّح في ((المنتهى)) إذ قال: وإجماع الصحابة على من بعدهم ثمّ على الترتيب وذلك إنّما يكون في الظني، لأنّهم أعلى رتبة)) (9)--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (2/ 182)
(2) كذا هو الصواب، غير أن ما في أصل الكتاب " نجزم بكونه إجماعا" وهو وهم ظاهر، وقد أشار المحقق الفاضل إلى وجود الصواب في نسخة أخرى أثبتها في الهامش وكان حقه أن يثبت الصواب في الأصل وينبه عليه في الهامش لا العكس.
(3) التاج السبكي، رفع الحاجب (2/ 187)
(4) هذا هو الصواب، وقد ورد في أصل الكتاب "قطعيا"، وهو خطأ ظاهر إذ لا يستقيم الكلام بها. أنظر رفع الحاجب (2/ 187)
(5) المصدر السابق
(6) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (2/ 544)
(7) التاج السبكي، رفع الحاجب (2/ 546)
(8) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (4/ 626)
(9) التاج السبكي، رفع الحاجب (4/ 626)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
3 - المقارنة بين ((مختصر ابن الحاجب)) وأصوله وبخاصة الآمدي: التاج السبكي في هذا الشرح – شأنه شأن شرحه السابق على ((منهاج البيضاوي)) – كان يُثبت في ثنايا شرحه مقارنات بين متن ابن الحاجب وأصوله المأخوذ منها: ((المختصر الكبير)) له و ((المنتهى)) و ((الإحكام)) للآمدي، وهو بذلك يُبَيِّنُ لنا موافقة ابن الحاجب لأصوله أو مخالفته لها.
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قول التاج السبكي معقّباً على قول ابن الحاجب في المنع: … ((والصحيحُ منع السائل من تقريره؛ لأنّ المستدلَّ مُدَّعٍ فعليه إثباته لئلا ينتشر)) (1)، قال التاج السبكي: ((كذا بخط المصنف، وظاهره أنّها علّة واحدة لوجوب الإثبات، وفي ((المنتهى)) لأنّ المستدل مُدَّعٍ فعليه إثباته، ولأنّه ينتشر، والذي يظهرُ أنّ علّة وجوب إثباته على المستدل ادعاؤه، وعلّية منع المعترض من إثباته الانتشار فهما علّتان لحكمين مختلفين)) (2).
ومنها ما قاله التاج السبكي معقّباً على تعريف ابن الحاجب للقرآن بأنه: هو الكلامُ المنزَّل للإعجاز بسورة منه (3) حيث قال التاج: ((وهذا الحدُّ من صنيع المصنف، والآمدي عرَّفه بأنّه: القرآن المنزل (4)، وقد أخذ هو والمصنف المنزَّل قَيْداً في التعريف؛ لأنّ الحدّ للفظ، فأراد إخراج النفساني بذلك (5))).
ففي هذا النص ترى أنّ التاج السبكي يُبَيّن لنا مخالفة ابن الحاجب في صيغة التعريف للآمدي، وإن اتفقا في قيد المنزَّل.
4 - كثرة الإحالات على مصنفاته الأصولية الأخرى: التاج السبكي يجعل مجموعة مصنّفاته كالمنظومة الواحدة؛ فما يُجْمله في موضع يفصِّله في موضع آخر من كتاباته، وكثيراً ما كان يُحيل القارئ إلى مصنفاته الأخرى التي أسهب فيها الحديث حول المسألة المحالة.
وهذه ميزةٌ له في كتاباته عامة، وفي شرح ابن الحاجب خاصَّة، فقد وجدته في هذا الشرح يُكثِر من الإحالات على كُتُبه الأخرى، وبخاصّة على كتابه ((التعليقة)) شرحه الأول والأوسع ((لمختصر ابن الحاجب))، إلا أنّه في بعض المواضع التي رأى التاج أنّه من الأهمية بمكان إعادة ما دوَّنه سابقا، وجدته مع إحالته إلى تلك المواضع كان يُلخِّص ما ذكره هناك في شرحه هذا تتميماً للفائدة المرجوّة.
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في مبحث النقض من قوادح العلّة – بعد شرحه للمذاهب التي أوردها ابن الحاجب في كونه قادحاً – قال: ((ولإمام الحرمين مذهب ثامن، وللغزالي مذهب تاسع، حكيناهما في ((التعليقة)) وتكلَّمنا عليهما بما فيه الكفاية، وحذفناهما هنا اختصاراً)) (6)--------------------------------------------
(1) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (4/ 455)
(2) التاج السبكي، رفع الحاجب (4/ 455)
(3) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (2/ 82)
(4) انظر الأمدي، الإحكام في أصول الأحكام (1/ 137)
(5) التاج السبكي، رفع الحاجب (2/ 83)
(6) التاج السبكي، رفع الحاجب (4/ 192)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
ومن النوع الثاني قوله في مبحث الإجماع السكوتي: ((وهنا أمورٌ مهمَّة لا يليق إهمالها، وإن كنّا بذكرها نخرج عن أسلوب الاختصار فإنّ مسألة الإجماع السكوتي من قواعد الأمهات، وإلى الشافعية مَرجِعها، وقد ذكرنا في ((التعليقة)) أوراقاً تَعْسُر على أبناء الزمان فليقع تلخيصها هنا)) (1). ثمّ أخذ يتحدَّث عمّا ذكره هناك من مباحث تتعلَّق بالإجماع السكوتي فأخذت ثمان صفحات من الشرح (2).
5 - التصريح بآرائه واختياراته في أكثر المسائل المطروحة: امتاز التاج السبكي في هذا الشرح بأنّه كان شديد الوضوح والصراحة تُجاه المسائل والأدلة الأصولية المختلف فيها؛ فلا يمرُّ على مسألة فيها خلاف إلا بيَّنه، ومن ثمّ صرّح برأيه هو واختار الراجح عنده فيها (3)، وحيثما لم يُعجِبه دليل في مسألة ما ردّه واختار ما هو الأوضح والأقوى عنده في ذلك.
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في مدلول صيغة الأمر – بعد ذكر المذاهب فيها -: … ((وقال الشيخ أبو حامد الإسفرايني وإمام الحرمين: إنّ موضوعها الطلب الجازم، وحَضِّ (4) المأمور على الفعل، وأما ثبوت الوجوب فيقع بواسطة صدور هذا الطلب من الشارع، فُيستَفادُ الوجوب بهذا التركيب بين اللغة والشرع. [قال التاج معقّباً على ذلك:] وهذا ما نختاره، ولا يَبْعُد أن يكون هو رأي الشافعيّ رضي الله عنه، وليس هذا مذهب القائلين بأنّ الصيغة للوجوب بالشرع، بل غيره لأنّ ذلك يَجعَل جزم الطلب شرعا، ونحن نقول: جزم الطلب لغوي، ثمّ هو إن ورد على لسان من له الإيجاب وهو الشارع أفاد الوجوب بهذه الضَّميمة)) (5).
ومن اختياراته في الأدلة، ما استدلَّ به التاج السبكي في مسألة تكليف الكفار حيث قال – بعد ذكر الأدلة التي ساقها ابن الحاجب-: ((وأوضحُ من هاتين الآيتين (6) عندي في الدلالة على تكليفهم قوله تعالى: {والذين كفروا وصَدُّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون} (7). إذ لا رَيب أنّ زيادة العذاب إنّما هو بالإفساد الذي هو من وراء الكفر.)) (8)
6 - استدراكه على ابن الحاجب، وكثرة مناقشاته وتوجيه النقد للمتن (9): أكثرَ التاج السبكي في هذا الشرح من مناقشة ابن الحاجب فيما يطرحه ويختار من المسائل، كما أنّه كان يستدرك عليه في بعض المواضع التي أغفلها وكان حقَّه أن يذكرها.--------------------------------------------
(1) التاج السبكي، رفع الحاجب (2/ 204)
(2) حيث أخذت الصفحات 204 – 212 من الجزء الثاني
(3) بخلاف شرحه على المنهاج فلم يكن تصريحه بآرائه بمثل هذا الوضوح.
(4) وردت في أصل الكتاب حصر ولعل الصواب ما أثبته
(5) التاج السبكي، رفع الحاجب (2/ 502)
(6) يشير إلى قوله تعالى: ’’ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق … أثاما ‘‘ (سورة الفرقان آية 68) وقوله تعالى: ’’ قالوا لم نك من المصلين ‘‘ (سورة المدثر آية 43)
(7) سورة النحل آية 88
(8) التاج السبكي، رفع الحاجب (2/ 50)
(9) هذه الميزات من ميزة رقم 6 إلى ميزة رقم 12 من الميزات المشتركة بين شرح المنهاج وشرح المختصر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله مستدركاً على ابن الحاجب في مسالك العلّة بعد ذكر ابن الحاجب مراتب النص الدال على العلّة: ((وأهمل المصنف ذكر ((إن)) وهي أيضاً للتعليل، نحو: {إنّك إن تذرهم يضلوا عبادك} (1)، وقوله عليه الصلاة السلام: {الثلث والثلث كثير، إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خير. . .} (2) الحديث.)) (3)
ومنها مناقشته لابن الحاجب في كون البسملة من القرآن أو لا؛ فبعد ذكره كلام ابن الحاجب في ذلك عقب عليه قائلا: ((وهذا ما يتعلَّق بالأصول، ثمّ دخل المصنِّف في ما لا يعنيه وألقى بنفسه في لُجَّة لا تُنْجيه؛ فأخذ يتعصَّب لقومه، ويُقيم على أنّ البسملة ليست من القرآن دليلاً بزعمه، فورَّط نفسه في عظيم، وفوَّت نحوها سهامَ راسفين يبلغون الصَّميم.)) (4)
ثم أخذ يناقش ابن الحاجب فيما ادّعاه، وانتهى إلى أنّ الحقَّ في جانب الإمام الشافعي رضي الله عنه، هذا وقد أخذت هذه المناقشة ثمان صفحات سطَّرها التاج السبكي في كتابه هذا (5).
وكان من الطبيعيِّ جدّاً أن يُكثر التاج السبكي من هذه المناقشات، وذلك لأنّ التاج السبكي يخالف ابن الحاجب في أمرين كانا السبب الرئيسي في هذه المناقشات:
الأمر الأول: مخالفة التاج السبكي لابن الحاجب في المدرسة الأصولية، فالتاج السبكي كما بيّنت مُنتَمٍ إلى مدرسة الإمام الرازي، في حين أنّ ابن الحاجب سائر على طريقة الإمام الآمدي ومعلوم ما بين هاتين المدرستين من فروقات واختلافات.
الأمر الثاني: مخالفة التاج السبكي لابن الحاجب في الاتجاه الفقهي الفروعي فالتاج شافعي المذهب في حين كان ابن الحاجب مالكيا.
وبالرغم من مخالفة التاج السبكي لابن الحاجب في كثير من المسائل وتوجيهه النقد اللاذع له في ذلك، إلا أنّه كان يُجلُّ ابن الحاجب كثيراً ويعرفُ له قَدْره ويَرْفعه إلى أعلى المنازل فهو يَصِفه في ((منع الموانع)) بقوله: ((وقد كان ابن الحاجب رحمه الله إماماً مقدماً في الأصول والفقه، والنحو … والتصريف، أمسكته البلاغة زمامها، وألقت إليه الفصاحة مقاليدها، وأعطاه الإيجاز كله، ومن بحر علمه اغترفنا، وبكثير علمه اعترفنا، فلا يُظننَّ أنّا أردنا في هذا الكتاب (6) مطاولته، فأين الثُّريَّا من يد المتطاول، وإنّما أردنا الاقتداء به، والسير على سُننه رحمه الله ورضي عنه، ما أكثرَ فائدته، وأجزلَ عائدته.)) (7)
7 - تحرير مواضع النزاع: التاج السبكي وكعادته في شروحه يهتمّ كثيراً بتحرير محل النزاع في المسائل المختلف فيها، وذلك بذكر مواضع الاتفاق وبيان نقطة الخلاف، وقد أكثر في ((رفع الحاجب)) من بيان هذه المواضع.--------------------------------------------
(1) سورة نوح آية 27
(2) رواه البخاري في كتاب الجنائز باب رثاء النبي سعد برقم 1213، ومسلم في كتاب الوصية باب الوصية بالثلث حديث رقم 4185
(3) التاج السبكي، رفع الحاجب (4/ 315)
(4) التاج السبكي، رفع الحاجب (2/ 84)
(5) انظر التاج السبكي، رفع الحاجب (2/ 84 – 91)
(6) يقصد كتابه جمع الجوامع
(7) التاج السبكي، منع الموانع ص 126
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
ومن ذلك: قوله في مسألة عموم المقتضى: ((واعلم أنّ التقديرات الصالح أحدها للإضمار قد يعمُّها لفظ، وقد لا يعمَّ متعدّداً منها لفظ، بل تكون أموراً متباينة، وهو الغالب. . .، وحينئذ فقد يكون بينها جميعا أو بينها وبين بعضها تناف، وقد لا يكون؛ فهذه أقسام كثيرة لن يُقَدِّم المتأمِّل لكلامنا في هذه المسألة أمثلها، ويجب عندي انتفاء الخلاف عن قسمين منها:
أحدهما: ما إذا كان اللفظ عامّاً لجميع تلك الأمور؛ فإنّ الواجب تقدير ذلك العام. . .
والثاني: أن يتنافيا، فالواجب عدم تقديرهما. . . فنخص محل الخلاف بما وراء هذين القسمين، وإذا عرفت محلّه فنقول. . .)) (1) ثمّ ذكر الخلاف الوارد في هذه المسألة.
8 - التنبيه على فوائد الخلاف: المسائل الأصولية المختلف فيها، إما أن يكون الخلاف فيها لفظياً بحيث لا يترتب عليه أثر عملي أو يكون معنوياً بحيث يترتب عليه آثار عملية، والتاج السبكي في هذا الشرح كان ينصُّ صراحة على ذلك إن كان لفظيا، ويبيِّن آثاره إن كان معنويا.
فمن النوع الأول: قوله في مسألة الإباحة هل هي حكم شرعي أم لا – بعد شرح المسألة -: ((قلنا: كلامنا في التخيير بخطاب الشارع، لا بالبراءة الأصلية، والخلاف لفظي، ناشئ عن تفسير الإباحة.)) (2)
ومن النوع الثاني: قوله في مسألة حكم الأصل ثابتٌ بالعلّة أم بالنص، بعد شرح المسألة: ((فإن قلت: فهل الخلاف لفظي كما في الكتاب؟
قلت: لا، بل يترتب عليه فوائد كثيرة، لولا طلبي الاختصار في هذا الشرح لأوقفتكَ منها على العجب العجاب.
ومن أدناها: التعليل بالقاصرة. . .
ومنها: أنّه هل من شروط العلّة ألا يكون ثبوتها متأخراً عن ثبوت حكم الأصل؟)) (3)
9 - التنبيه على المسائل التي لا جدوى منها والدخيلة على علم الأصول: إنّ بعضَ المسائل التي يطرحها الأصوليون لا علاقة لها بعلم الأصول إذ هي قليلة الجدوى والفائدة في هذا العلم، ومن ثَمّ فإنّ التاج السبكي كان يُنبِّه القارئ إلى هذه المسائل ويبين عدم جدواها في هذا المحل.
ومن الشواهد الدالة على ذلك قوله في مسألة توقيفية الألفاظ: ((الصحيح عندي أنّه لا فائدة لهذه المسألة، وهو ما صححه ابن الأبياري وغيره، ولذلك قيل: ذكرها في الأصول فُضول.)) (4)
ومنها: قوله في مسألة هل ينقطعُ التكليفُ بالفعل حال حدوثه: ((واعلم أنّ المسألة من عظائم الكلام، ودقائق أحكام القَدَر، وهي قليلةُ الجَدْوى في الفقه.)) (5)
10 - الإكثار من ذكر الفروع الفقهية: إنّ الفائدة المرجوَّة من علم الأصول هي كيفية استثماره في استنباط الأحكام الفقهية، لذا فقد وجدتُ التاج السبكي يُكثرُ من إيراد الفروع الفقهية المبنية على المسألة الأصولية؛ ليُعطيَ للقارئ بذلك منهجية واضحة في كيفية بناء الفروع على الأصول.--------------------------------------------
(1) التاج السبكي، رفع الحاجب (3/ 154) بتصرف
(2) المصدر السابق (2/ 6)
(3) المصدر السابق (4/ 306) بتصرف
(4) رفع الحاجب (1/ 444)
(5) المصدر السابق (2/ 57)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في مقدمة الواجب من الفروع المبنية عليها: ((إذا ترك واحدة من الخمس وجهل عينها وجب الخمس. . . [وقال أيضا] ومن مقدمة الواجب مؤنةُ الكيل الذي يُفتَقر إليه القبض، وهو على البائع كمؤنة إحضار المبيع الغائب. . . وإذا خَفِي عليه موضع النجاسة من الثوب أو البدن غَسَله كلّه، وإذا اكترى دابَّة للركوب أطلق الأكثرون أنّ على المكتري الإكافَ والبردعة والحزام، وما ناسب ذلك؛ لأنّه لا يتمكن من الركوب دونها)) (1).
11 - الاهتمام بتخريج الأحاديث: لم يكن التاج السبكي أصولياً فحسب؛ بل لقد بَرَعَ في عدد من العلوم بالإضافة إلى علم الأصول، ومن أهمِّها علم الحديث، لذا وجدتُه في كتاباته عامّة إذا مرّ معه حديث تكلّم عليه بما يناسبه من تخريج له ونقد لسنده أو متنه، وكان مكثراً لذلك في كتابه هذا.
ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله على حديث {لا تجتمع أُمّتي على ضلالة}: ((روى أبو مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنّ الله أجاركم من ثلاث خصال. . .} وفيها {وألاّ تجتمعوا على ضلالة}. رواه أبو داود (2)، وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عباس عن أبيه، وهو على ضعفه؛ قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئا (3). وروي من طريق أخرى منقطعة، وروى الدارقطني معنى الحديث بسند ضعيف.
وعن ابن عمر، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إنّ الله لا يَجمَعُ أُمّتي}، أو قال: {أمة محمد على ضلالة، ويَدُ الله مع الجماعة، من شذَّ شذَّ إلى النار} رواه الترمذي … واستغربه (4)، وفي سنده سليمان بن سفيان المدني ضعيف (5)، ورواه الحاكم وفي سنده خالد بن يزيد ثمّ علله. . .)) (6)
هذه أهم الميزات التي امتاز بها ((رفع الحاجب)) والتي تجعله في مقدمة الشروح المعتمدة … ((لمختصر ابن الحاجب))، ومن هنا فإنّي ألْفِتُ نظرَ المشتغلين بأصول الفقه أن يتناولوا ((رفع الحاجب)) بالتدريس ويعطوه جانباً من اهتمامهم ليستخرجوا من بين ثناياه الكثير من المعاني والفوائد التي قد لا توجد عند احد سواه، لا سيَّما وأنّ ((رفع الحاجب)) قد طُبع حديثاً ولم يَلْقَ من الاهتمام … والشهرة بعد ما لقيه غيره من المصنفات الأصولية.
المطلب الثالث: مصادر التاج السبكي في شرح المختصر
لقد سطر لنا التاج السبكي في مقدمة شرحه ((لمختصر ابن الحاجب)) أسماء العلماء … والمصنفات التي اعتمد عليها في هذا الشرح، وهذه بادرة حميدة ابتدأها التاج السبكي، وقد لا تجدها عند غيره من المصنفين.--------------------------------------------
(1) التاج السبكي، رفع الحاجب (1/ 535 - 537 بتصرف)
(2) رواه في كتاب الفتن والملاحم باب ذكر الفتن ودلائلها برقم 3117
(3) انظر المزي، تهذيب الكمال (24/ 483)
(4) رواه في كتاب الفتن باب ما جاء في لزوم الجماعة برقم 2093
(5) انظر المزي، تهذيب الكمال (11/ 436)
(6) التاج السبكي، رفع الحاجب (2/ 157 - 159)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
لذا سأكتفي في هذا المطلب بذكر أهم هذه المصادر ببيان العلماء الذين نقل عنهم في ذلك مرتبين ترتيباً تنازليا ً، ومن ثمّ أعرض لبعض المصادر الأخرى التي لم يذكرها التاج وأكتفي بسردها فقط، وأحيل القارئ الكريم إلى بقية تلك المصادر التي دونها التاج بنفسه. (1)
أولاً: المصادر الأصولية:
من أهم العلماء الذين اعتمد عليهم التاج السبكي ما يأتي:
1. إمام الحرمين الجويني: يأتي إمام الحرمين الجويني على رأس العلماء الذين نقل عنهم التاج السبكي في هذا الشرح؛ فقد بلغ عدد المواضع التي صرّح فيها باسمه حوالي مائتين وثلاثة وستين موضعاً (263) … وأكثر هذه النقول من كتابه ((البرهان)) والذي يعدّه التاج مفخرة للشافعية (2)، وكتاب ((التلخيص)) الذي اختصر فيه ((التقريب والإرشاد)) للباقلاني، وكتاب ((الأساليب)) في الجدل، كما أنّه كان يذكر آراءه في بعض المسائل الفقهية وينسبها إلى مظانّها.
هذا وقد أطلق التاج السبكي على إمام الحرمين لقب ((الإمام)) وذلك على خلاف عادة الأصوليين الذين يطلقون هذا اللقب على الإمام الرازي، ففي أغلب المواضع التي أطلق فيها التاج السبكي لقب الإمام كان المقصود منه إمام الحرمين الجويني، وقد بلغ عدد هذه المواضع حوالي مئة وستة مواضع (106) (3)، وبقية المواضع التي أطلق فيها ((الإمام)) المقصود منها الإمام الرازي، لذا فعلى القارئ الكريم إذا وجد لفظ الإمام أن ينظر في سياق الكلام ليجد قرينة دالة على من هو المقصود بهذا اللقب، ومن هذه القرائن:
أ) أن يذكر اللقب في سياق مسألة فقهية فتنصرف إلى إمام الحرمين، لأنّه الملقب بهذا اللقب عند الفقهاء الشافعية.
ب) أن يذكر اسم الكتاب المنقول عنه قول ((الإمام)) فيعرف أهو من كتب الرازي أم إمام الحرمين.
ج) أن يحاكي به عبارة ابن الحاجب، فإذا كان اللقب محاكاة لابن الحاجب فهو في الغالب للجويني لأنّ ابن الحاجب كان يذكر الجويني بهذا اللقب.
هذه أهم القرائن التي يستعين بها القارئ في معرفة من هو صاحب هذا اللقب، ومن ثمّ فإنّ من كانت له دُرْبَة في قراءة أمثال كتب الجويني وكتب الرازي ليستطيع بحسه وبنمط العبارات أن يعرف من هو المقصود.
2. القاضي أبو بكر الباقلاني: يأتي القاضي أبو بكر الباقلاني في المرتبة الثانية في هذا الشرح؛ حيث بلغ عدد المواضع التي ذكر فيها الباقلاني حوالي مائتين واربعين موضعاً (242). وأكثر هذه النقول من كتابه ((التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد)) الذي قال عنه التاج السبكي أنّه من أجلّ كتب الأصول. (4)--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة التاج السبكي لرفع الحاجب (1/ 231 - 238)
(2) انظر مقدمة التاج السبكي لرفع الحاجب (1/ 234)
(3) سأعرض لهذه المواضع في ملحق خاص آخر هذه الرسالة فانظره هناك.
(4) انظر: التاج السبكي، رفع الحاجب (1/ 231)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
3. الإمام سيف الدين الآمدي: ذكرنا سابقاً أنّ ((مختصر ابن الحاجب)) من مختصرات مدرسة الآمدي، وأنّه لا يخلو أي شرح له من ذكر الآمدي والاعتماد عليه، لذا كان من الطبيعي جداً أن يكثر التاج السبكي في شرحه من ذكر الآمدي حيث بلغت هذه المواضع التي صرّح فيها باسمه حوالي مئة وستة … وتسعين موضعاً (196) معتمداً فيها على كتابي ((الإحكام)) و ((المنتهى)).
4. الإمام الشافعي: بلغ عدد المواضع التي ذكر فيها الإمام الشافعي حوالي مئة وثمانية وثمانين موضعاً (188) وأكثر هذه النقول من كتابه ((الرسالة)).
5. ابن السمعاني (1): صرّح التاج السبكي بالنقل عن ابن السمعاني في حوالي مئة وسبعة وثمانين موضعاً (187) وذلك من خلال كتابه ((قواطع الأدلة)) والذي يقول عنه التاج السبكي أنّه: أنفع كتاب للشافعية في الأصول وأجلّه. (2)
6. الإمام فخر الدين الرازي: صرّح التاج السبكي بالنقل عن مصنفات الرازي في حوالي مئة وخمسة … وخمسين موضعاً (155).
7. الإمام الغزالي: ذكره التاج السبكي في حوالي مئة وواحد وخمسين موضعاً (151).
8. الإمام تقي الدين السبكي: ذكره التاج السبكي في حوالي ثمانية وتسعين موضعاً (98) وكان يطلق عليه لقب: الشيخ الإمام.
9. الأستاذ أبو اسحق الإسفرايني: صرّح التاج السبكي بذكره في حوالي اثنين وخمسين موضعاً (52).
10. الشيخ أبو الحسن الأشعري: ذكره التاج السبكي في حوالي واحد وخمسين موضعاً (51) وكان يطلق عليه لقب الشيخ، فحيثما أطلق لقب الشيخ انصرف إلى الأشعري.
11. الشيخ أبو حامد الإسفرايني: ذكره التاج السبكي في حوالي ثمانية وثلاثين موضعاً (38) معتمداً على ((تعليقته)) في الأصول.
12. الإمام المازري: نقل التاج السبكي عن ((شرح المازري للبرهان)) وكذا ((كلام على مشكل البرهان)) في حوالي سبعة وثلاثين موضعاً (37).
13. الشيخ أبو اسحق الشيرازي: صرّح التاج السبكي بالنقل عن كتب السيخ أبي اسحق ((اللمع)) و ((شرح اللمع)) و ((الملخص)) و ((المعرفة)) في حوالي اثنين وثلاثين موضعاً (32).
14. أبو الحسن الأبياري: ذكره التاج السبكي ونقل عنه من ((شرح البرهان)) في حوالي تسعة … وعشرين موضعاً (29).
15. صفي الدين الهندي: صرّح التاج باسمه ونقل عنه في حوالي تسعة وعشرين موضعاً (29) معتمداً في ذلك على كتابيه ((النهاية)) و ((الفائق)).
16. القفال الشاشي: ذكره التاج السبكي ونقل عنه من ((شرح الرسالة)) في حوالي خمسة وعشرين موضعاً (25).--------------------------------------------
(1) هو الإمام الجليل العالم الزاهد الورع أحد أئمة الدنيا أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد السمعاني الأصولي الفقيه الحنفي ثم الشافعي أحد من طبق الأرض ذكره وعبق الكون نشره، توفي سنة 489هـ، من مصنفاته: كتاب البرهان في الخلاف وكتاب الانتصار في الرد على المخالفين. انظر ترجمته: التاج السبكي، طبقات الشافعية (5/ 335)، ابن شهبه، طبقات الشافعية (1/ 299)
(2) انظر: التاج السبكي، رفع الحاجب (1/ 234)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
هؤلاء هم الأصوليون الذين أكثر التاج السبكي من النقل عنهم والاعتماد عليهم، وهناك عدد آخر من الأصوليين كانوا في الدرجة الثانية في هذا الشرح، وعدد من أصوليي المذاهب الأخرى كالمعتزلة والحنفية والمالكية ومنهم:
الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة، ومالك، وأحمد)، وأبو بكر الصيرفي (1) شارح ((الرسالة))، وسُلَيم الرازي (2) صاحب ((التقريب))، وأبو الحسين البصري صاحب ((المعتمد))، وأبو هاشم (3) وأبو … عبد الله البصري المعتزليان، والشيخ أبو محمد الجويني (4) شارح ((الرسالة))، وأبو بكر الجصاص صاحب ((أصول الجصاص)) الحنفي، وأبو زيد الدبوسي (5) صاحب ((التقويم)) الحنفي، والكرخي وعيسى ابن أبان الحنفيان، والنقشواني صاحب ((المؤاخذات))، والأصفهاني والقرافي شارحا ((المحصول))، والقطب الشيرازي والعضد الإيجي شارحا ((المختصر))، وعبد الوهاب المالكي صاحب ((الملخص))، وابن الحاجب صاحب ((المختصر)). وغيرهم كثير.
ثانياً: المصادر الفقهية:
تأتي المصادر الفقهية في المرتبة الثانية بعد المصادر الأصولية التي اعتمد عليها التاج السبكي، وكلها من كتب فقه السادة الشافعية. وأهم هذه المصادر:
الرافعي في ((الشرح الكبير)) وغيره من مصنفاته، والنووي في ((الروضة)) و ((المنهاج)) … و ((المجموع)) وغيرها، والقاضي أبو الطيب الطبري، والإمام الماوردي في ((الحاوي))، وابن الصباغ، والروياني صاحب ((البحر))، وابن الصلاح، والقاضي حسين، وأبو اسحق المروزي، والمحاملي، وتقي الدين بن دقيق العيد، وابن الرفعة وغيرهم.--------------------------------------------
(1) هو الإمام الجليل الأصولي المتكلم محمد بن عبد الله أبو بكر الصيرفي، أحد أصحاب الوجوه المسفرة عن فضله والمقالات الدالة على جلالة قدره وكان يقال أنه أعلم أهل الأرض بالأصول بعد الشافعي، توفي سنة 330هـ، من مصنفاته: كتاب في الإجماع وكتاب في الشروط، انظر: التاج السبكي، طبقات الشافعية (3/ 186)
(2) هو الشيخ الإمام أبو الفتح سليمان بن أيوب بن سليم الرازي، فقيه أصولي مفسر ومحدث، توفي سنة 447هـ، من مصنفاته: كتاب رؤوس المسائل في الخلاف وكتاب الكافي في الفقه. انظر: التاج السبكي، طبقات الشافعية (4/ 388)، ابن شهبة، طبقات الشافعية (1/ 233)
(3) هو أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي من كبار متكلمي المعتزلة، لم يبلغ غيره مبلغه في علم الكلام، توفي سنة 321هـ، انظر ترجمته في: المرتضى، طبقات المعتزلة ص 94
(4) هو الإمام ركن الإسلام أبو محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله الجويني والد إمام الحرمين، أوحد زمانه علما ودينا، له المعرفة التامة بالفقه والأصول والنحو التفسير والأدب، توفي سنة 438هـ، من مصنفاته: الفروق، السلسلة. انظر: التاج السبكي، طبقات الشافعية (5/ 73)
(5) هو الإمام العلامة القاضي أبو زيد عبيد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي، كان من أكابر علماء الحنفية في الفقه والأصول، ومن يضرب به المثل، وأول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود، توفي سنة 430هـ، من مصنفاته: تأسيس النظر، والأسرار. انظر ترجمته في اللكنوي، الفوائد البهية ص 184
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
ثالثاً: المصادر الحديثية:
من أهم المصادر الحديثية التي كان التاج السبكي معتمداً عليها في هذا الشرح إضافة إلى كتب السنة كان يرجع إلى:
الحاكم في ((المستدرك))، وابن حبان في صحيحه، والدارقطني، والبيهقي، والطبراني وغيرهم.
رابعاً: المصادر اللغوية:
ومن هذه المصادر: ابن مالك، وأبو عبيد القاسم بن سلام (1)، وأبو عبد الله السهيلي، وأبو عبيدة (2)، وابن فارس، وسيبويه، والخليل بن أحمد الفراهيدي (3)، وابن جني، والأصمعي (4)، … وابن عصفور، والمبرد، وأبو علي الفارسي، وأبو حيان وغيرهم.
المطلب الرابع: مقارنة بين شرح التاج السبكي لمختصر ابن الحاجب وشرح العضد الإيجي:
بما أنه لا يوجد لدينا من الشروح المطبوعة لمختصر ابن الحاجب سوى شرحي العضد الإيجي … والشمس الأصفهاني، ولما كان الشرحان المذكوران متفقين في كثير من النواحي، أكتفي فقط بالمقارنة بين شرح واحد منها ألا وهو شرح العضد الإيجي وبين شرح التاج السبكي، وأشير بداية أن الشروح الثلاثة المذكورة قد اتفقت في أمرين:
أولهما: أن مصنفوها جميعا من العلماء الشافعية.
ثانيهما: أنهم جميعا يُحَرِّرون مواضع النزاع في المسائل المختلف فيها.
أما نقاط الاختلاف بين شرح العضد الإيجي وشرح التاج السبكي فتتمثل أهمها في:
1. شرح التاج السبكي هو شرح ممزوج بالمتن بحيث يمتزج الشرح بالمتن دون فصل بينهما، بخلاف شرح العضد حيث كان يبدأ بذكر قول ابن الحاجب في المسألة، ثم يعقب عليه بالشرح دون مزج بينهما.
2. العضد كان يركز في شرحه على تحقيق المسألة كما أوردها ابن الحاجب، لهذا لم يكثر العضد من إيراد الأقوال الأخرى أو الاعتراضات والإيرادات بخلاف التاج السبكي فقد أكثر من كل ذلك.
3. لم يكثر العضد من انتقاد ابن الحاجب أو الرد عليه، بخلاف التاج السبكي.
4. التاج السبكي يصرح في أكثر المسائل المطروحة برأيه ويبين مختاره وتجده يقيم الأدلة تأييدا لما اختاره، بخلاف العضد فهو كما ذكرنا لم يكن يهدف إلا إلى تَجْلِية المعاني وفوائد هذا المختصر فحسب.--------------------------------------------
(1) هو الإمام العلامة أبو عبيد القاسم بن سلام، كان إمام عصره في كل فنون العلم توفي سنة 224هـ، من تصانيفه: غريب القرآن وغريب الحديث. انظر: السيوطي، بغية الوعاة (2/ 253)
(2) هو الإمام العلامة أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي البصري، توفي سنة 209هـ، من مصنفاته: المجاز في غريب القرآن، والأمثال. انظر: السيوطي، بغية الوعاة (2/ 294)
(3) هو الإمام العلامة أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري، إمام العربية والعروض توفي سنة 175هـ، من مصنفاته: قاموس العين، والعروض. انظر: السيوطي، بغية الوعاة (1/ 557)
(4) هو العلامة عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن مظهر البالهي أبو سعيد ألأصمعي البصري اللغوي، أحد أئمة اللغة والغريب والأخبار وكان من أهل السنة ولا يفتي إلا فيما أجمع عليه أهل اللغة، توفي سنة 216هـ، من مصنفاته: غريب القرآن، وكتاب أصول الكلام. انظر: السيوطي، بغية الوعاة (2/ 112)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
5. التاج السبكي وكعادته - في شروحه - يكثر من ذكر الفروع الفقهية المبنية على المسألة، كما يتحدث على الأحاديث بنسبتها إلى مواضعها وبيان الصحيح من الضعيف منها، بخلاف العضد فلم يتعرض لشيء من ذلك.
6. شرح التاج السبكي أوسع وأطول وأشمل من شرح العضد.
المبحث الثالث
جمع الجوامع
((جمع الجوامع)) هو المصنف الرابع للتاج السبكي في علم الأصول (1)، وقد وضعه التاج السبكي في مرحلة متقدمة من عمره (2)، وذلك بعد اكتمال شخصيته الأصولية التي برزت ونبغت في شرحيه ((المنهاج)) و ((المختصر)).
و ((جمع الجوامع)) هذا عبارة عن متن مختصر في أصول الفقه والدين؛ أراد التاج السبكي أن يجمع فيه خلاصة ما توصلت إليه قريحته من آراء ومسائل أصولية، والتي كان قد استمد أكثرها من شرحيه على ((الإبهاج)) و ((رفع الحاجب)).
سبب تسميته:
وقد وسمه التاج السبكي بـ ((جمع الجوامع)) ذلك لأنّه قد جمع فيه زُبدة مسائل علميّ أصول الفقه والدين، إضافة إلى خاتمة هامة في السلوك والتصوف؛ فجاء شاملاً وجامعاً لعلوم ثلاثة في مختصر واحد، صغير الحجم غزير العلم.
هذا بالإضافة إلى أنّه قد جمع هذا المصنف من كل مصنف وكل متن جامع (3)؛ فكان بحق ((جمع الجوامع))، وانطبق الاسم على المسمى.
وقد وصف التاج السبكي صنيعه في هذا ((المختصر)) قائلاً أنّه: ((الآتي من فنَّي الأصول بالقواعد القواطع، البالغ من الإحاطة بالأصلين مبلغ ذوي الجد والتشمير، الوارد من زُهاء مئة مصنف منهلاً يروي ويَمِير (4)؛ المحيط بُزبدة ما في شرحيَّ على ((المختصر)) و ((المنهاج))، مع مزيد كثير)) (5).
وقال في خاتمة الكتاب: ((وقد تمّ ((جمع الجوامع)) علما، المسمع كلامه آذاناً صماً، الآتي من أحاسن المحاسن بما ينظره الأعمى مجموعاً جموعاً، وموضوعاً لا مقطوعاً فضله ولا ممنوعاً، ومرفوعاً عن همم الزمان مدفوعاً، فعليك بحفظ عباراته، لا سيما ما خالف فيها غيره، وإياك أن تبادر بإنكار شيء قبل التأمل والفكرة، وأن تظن إمكان اختصاره ففي كل ذَرّة دُرّة. . . [إلى أن قال] فدونك مختصراً بأنواع المحامد حقيقا، وأصناف المحاسن خليقا، جعلنا الله به مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقا)) (6).
وكان التاج السبكي كثيراً ما يُشِيد بهذا ((المختصر))، ويُحَبِّب الناس إلى قراءته ودراسته،
ويُبيّن كثيراً من مزاياه وفوائده التي انفرد بها.--------------------------------------------
(1) راجع ما ذكرناه عن مصنفات التاج الأصولية في مبحث رفع الحاجب ص 86 من هذه الرسالة
(2) انتهى التاج السبكي من تصنيف ((جمع الجوامع)) في أواخر سنة 760هـ حيث كان قد بلغ من العمر الثانية والثلاثين انظر جمع … الجوامع ص 204
(3) انظر: المحلي، شرح جمع الجوامع (1/ 30)
(4) أي يجلب الطعام. انظر: تهذيب القاموس المحيط، مادة مير (4/ 269)
(5) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 124.
(6) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 203
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
فمن ذلك قوله في الطبقات: ((هو مختصر جمعناه في الأصلين؛ جمع فأوعى. . . فيه زيادة على ما في مختصرات أصول الفقه. . . وهذا شأن كتابنا ((جمع الجوامع)) نفع الله به، غالب ظننا أنّ في كل مسألة فيه زيادات لا توجد مجموعة في غيره مع البلاغة في الاختصار)) (1).
وأما في ((منع الموانع)) فقد أشاد به في أكثر من موضع مبيناً في ذلك الجهد الذي استفرغه في هذا المتن فقال في ذلك: ((وكان مما دعوت له الجفلى (2)، ولم أُلْفِ غير ملبٍّ يبادر ويسارع، ورقيت به إلى سماء التحقيق فأنشد '' لنا قمراها والنجوم الطوالع'' وحشدت فيه فكري حتى فاض على الإناء، وناداه لسان الفكر ((جمع الجوامع)).
طويت فكري فيه على همةٍ سائراً في نشر العلم سيراً حثيثاً، وملأت داري منه بمُسوَّدات أرى قديمها لكثرة ما أعاوده حديثا، وشغلته أو شغلت نفسي فيه بما تنوع كلاماً وأصولاً وفقهاً وحديثاً، … وأيم الله لقد استوعب مني كثيراً من أوقات الفراغ، وأخذ من أقلامي وأفكاري ما كاد يستفرغ مدد المداد والدماغ ومُسمِع مِن كلمي وحِكَمي ما ليس عند ذوي البلاغ بلاغ.
فلو كان ذا لسان لادّعى أنّه نفيس عمري ونخبة فكري، والذي شمرت فيه عن ساق الجد، وقد عُدِمت في الديجور (3) أعواناً على سهري)) (4).
المطلب الأول: مناقشة الفكرة القائلة بأنّ ((جمع الجوامع)) من الكتب التي جمعت بين طريقتي الحنفية والمتكلمين:
لقد شاع بين أهل العلم، أنّ ((جمع الجوامع)) من المتون التي جمعت بين طريقتي الحنفية … والمتكلمين، وهي الطريقة التي سار عليها أكثر العلماء المتأخرين وبخاصة الحنفية منهم.
وقد بحثت عن مصدر هذه المقولة؛ فلم أهتد إلى أول من فاه بها وعلى ماذا اعتمد في ذلك؛ غير أنّه من المقرر لدي ما يأتي:
أولا: أنّ من ذكر هذه المقولة هم من العلماء المُحْدَثين والمعاصرين.
ثانيا: أنّ ابن خلدون - المؤرخ المشهور - الذي دوّن تاريخ أصول الفقه، لم يذكر ((جمع الجوامع)) ضمن الكتب التي جمعت بين الطريقتين، مع شهرة ((جمع الجوامع)) في ذلك الوقت وانتشاره بين الكثير من العلماء (5).
ثالثا: أنّي لم أجد أحداً من الذين ترجموا للتاج السبكي سواء من الذين عاصروه أو من بعدهم - اللهم إلا المعاصرين - قد ذكر أنّ ((جمع الجوامع)) من الكتب الجامعة بين الطريقتين.
وبناءً على ما سبق فإنّه يترجَّح لدي أنّ هذه المقولة إنّما هي من صنيع العلماء المُحدثين فقط؛ وممن صرّح منهم بذلك: الشيخ محمد الخضري بيك (6)، والشيخ عبد الوهاب خلاف (7)، والشيخ محمد أبو زهرة (8)، والدكتور زكي الدين شعبان (9) وغيرهم.
ولعل مبنى هذه الدعوى يعود إلى ما يأتي:---------------------------------------------
(1) التاج السبكي، طبقات الشافعية (2/ 21) بتصرف.
(2) دعاهم الجفلى أي دعاهم بجماعتهم وعامتهم. انظر: تهذيب القاموس المحيط، مادة جفل (1/ 432)
(3) أي الظلام. انظر: الجوهري، الصحاح (2/ 319) مادة دجر
(4) التاج السبكي، منع الموانع ص 84 - 85.
(5) انظر ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون (2/ 818)
(6) في كتابه أصول الفقه ص 11.
(7) علم أصول الفقه ص 19.
(8) أصول الفقه ص 21.
(9) أصول الفقه الإسلامي ص 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
أولاً: ما صرّح به التاج السبكي من أنّه قد جمع كتابه هذا من زُهاء مئة مصنف فظنوا من ذلك أنّه قد جمع فيها طريقة الحنفية.
ثانياً: أنّه قد ذكر بعض آراء الحنفية في عدد من مسائل هذا الكتاب.
ثالثاً: أنّه قد ذكر بعض الفروع الفقهية التي استدل بها على القاعدة الأصولية كما هو في طريقة الحنفية.
رابعاً: الترتيب الذي اتبعه التاج السبكي، والنسق الذي صنف عليه كتابه ظنوا أنّه ليس على طريقة المتكلمين ولا على طريقة الحنفية فهو إذاً جامع بينهما.
وعندي في ذلك كله وجهة نظر حاصلها ما يأتي:-
أولها: أنّ التاج السبكي قد صرّح نفسه أنّ كتابه هذا [أي ((جمع الجوامع))] قد أودع فيه زُبدة ما في شَرْحَيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)) (1)، ومعلوم أنّ كلاً من ((المنهاج)) و ((المختصر)) من الكتب التي سار بها مصنفوها على طريقة المتكلمين وأنّ التاج السبكي قد اتبع في شرحه لهما الطريقة نفسها، مع ما امتاز به المتأخرون من الشرّاح – ومن بينهم التاج السبكي – من ذكر الفروع الفقهية المبنية على المسائل الأصولية، ومع ذلك فلا يصح القول بأنّها كتبٌ جامعةٌ.
ثانيها: أنّ المصادر المئة التي استمد التاج السبكي منها كتابه هذا، إنّما هي مصادره التي اعتمد عليها في شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)) بدليل قوله: ((المحيط بزُبدة ما في شرحي على ((المختصر)) … و ((المنهاج)).))
ثالثها: وأما إيراده لبعض آراء الحنفية وذكره لعدد من الفروع الفقهية؛ فأقول: أنّ ذكره لها قليل أولا، وثانيا: أنّ أمثال ((منهاج)) البيضاوي، و ((مختصر)) ابن الحاجب؛ وهما من كتب المتكلمين اتفاقا، قد ذكر فيهما مثل ذلك، فإن كان ذكر آراء الحنفية والفروع الفقهية ذريعة لاعتباره من الكتب الجامعة، فلمَ لم يقولوا عن ((المنهاج)) و ((المختصر)) نحو ذلك، بجامع ذكر الفروع الفقهية وآراء الحنفية.
وبالمقارنة بين ((جمع الجوامع)) و ((التوضيح)) لصدر الشريعة (2)، المتفق على كونه من الكتب الجامعة، تجد بوناً واسعاً جداً في هذا المجال.
فصدر الشريعة أولاً: لا تكاد تخلو مسألة إلا ويذكر فيها رأيَي الحنفية والشافعية، مع اعتباره مذهب الحنفية في ذلك، انظر على سبيل المثال الصفحات: 1/ 63، 66، 67، 114، 115) وهذا بخلاف التاج السبكي فهو لا يذكر آراء الحنفية في كل مسألة بل في المسائل المهمة التي للحنفية رأي مخالف له أثر فيها، وهي المسائل التي يذكرها المتكلمون غالبا.--------------------------------------------
(1) انظر: التاج السبكي، جمع الجوامع ص 124.
(2) هو الإمام العلامة الأصولي الفقيه الحنفي صاحب شرح الوقاية عبيد الله بن مسعود بن تاج الدين محمود بن صدر الشريعة أحمد بن جمال الدين المشهور بصدر الشريعة، توفي سنة 747هـ، من مصنفاته: النقاية، المقدمات الأربعة. انظر ترجمته في اللكنوي، الفوائد البهية ص 183
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وبالنسبة للفروع الفقهية فإنّ صدر الشريعة كان يكثر من ذكر هذه الفروع مستدلا بها على القاعدة الأصولية، بل لقد وجدته يسهب في شرح وبيان هذه الفروع مبيّناً ما فيها من اختلافات بين علماء مذهبه، وكيفية انطباقها على القاعدة الأصولية، بحيث يعدّ كتابه غزيراً بالمسائل الفقهية، وهذا أقرب إلى طريقة الحنفية، انظر على سبيل المثال الصفحات (181 - 253) فلا تكاد تخلو صفحة من بيان هذه الفروع.
رابعها: وأما بالنسبة لنسق كتابه: فأقول:
أولاً: إنّ التاج السبكي ملتزم بالإطار العام لنسق المتكلمين، وإنّما الخلاف فقط في ترتيب المسائل … وتقديم بعضها على بعض، وهذا يعود إلى نظر كل مؤلِّف الخاص وطريقته في التأليف وبحسب ما يراه مقدماً في الأهمية، وغيرها من الظروف التي تمليها حالة التأليف.
فالتاج السبكي مقارنة ((بمنهاج البيضاوي)) تجد أنّ كلاً منهما افتتح كتابه بعد تعريف أصول الفقه، بمباحث الحكم، ومن ثمّ مباحث الكتاب وما يتعلَّق بالألفاظ من الوضع والاشتقاق والحقيقة والمجاز. . .، وبعدها ذَكَر مباحث السنة وما فيها من أبحاث، ومن ثمّ الإجماع ومباحثه، فالقياس … والأدلة الأخرى منها ما هو مقبول ومنها ما هو مردود، إلا أنّ البيضاوي قد ذكر أولا الأدلة المقبولة في باب خاص، ومن ثمّ المردودة منها في باب آخر، بخلاف التاج السبكي، فقد ذكر كلا النوعين تحت باب الاستدلال، وبعدها ذكر باب التعادل والتراجيح وأخيراً الاجتهاد والتقليد.
والتاج السبكي قد التزم بذلك كله، وذكر أغلب مسائل ((المنهاج))، وخالفه فقط في ترتيب المسائل وتقديم بعضها على الآخر داخل الباب الواحد.
وأما أسلوبه فبالمقارنة بين أسلوب التاج السبكي وأسلوب المتكلمين؛ تجد أنّ التاج السبكي يتكلم بنفَسِ المتكلمين، وأستطيع القول أنّ أغلب عبارات التاج السبكي في ((جمع الجوامع)) هي: إما ذاتها عبارات البيضاوي وابن الحاجب، وإما أنّه قد غير فيها لفظة أو زاد عليها قيداً أو أنقص مثل ذلك (1).
وبعد: فإنّي أقول: إنّ هذه الدعوى لا تسلم من الانتقاد، ولا تخلو من الاعتراض؛ ومع ذلك فإنّي أزعم أنّ هذه القضية لا زالت بحاجة إلى دراسة خاصة ومستفيضة، تُدرس فيها معالم الطريقة الجامعة، وتُدرس مؤلفاتها كل مؤلف على حدة مع بيان منهجها في ذلك، ومن ثمّ يُدرس ((جمع الجوامع)) بناءً على ما توصلت إليه تلك الدراسة من نتائج؛ وبعدها تستطيع الحكم عليه؛ وحتى ظهور مثل تلك الدراسة؛ فإنّي أميل إلى القول: بأنّ ((جمع الجوامع)) إنّما هو متن من متون المتكلمين، ولا علاقة له لا بطريقة الحنفية، ولا بالطريقة الجامعة؛ والله أعلم بالصواب.--------------------------------------------
(1) قارن بين المسائل التالية في جمع الجوامع ونظائرها في المنهاج والمختصر: تأخير العبادة عن أول الوقت مع ظن الموت جمع (128) والمنهاج (22)، والأصح أن المباح ليس بجنس للواجب جمع (127)، المختصر (2/ 5 - 11)، ولا تكليف إلا بفعل جمع (130) والمختصر (2/ 54).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
المطلب الثاني: أهمية ((جمع الجوامع)) ومميزاته:
تكمن أهمية ((جمع الجوامع)) في النواحي الآتية:
1. أنّه المتن الذي استَقَرَّت فيه أهم الآراء الأصولية حتى عصر التاج السبكي، وقد تدارك فيه التاج السبكي ما في مَتْني ((المنهاج)) و ((المختصر)) من نقص وخلل، وذلك لأنّه تولى شرحهما قبل هذا المتن.
2. أنّه الكتاب الذي استَقَرَّت فيه آراء التاج السبكي الأصولية المُحَرَّرة، فهذا المتن يُوضِّح لنا فعلاً آراءه الأصولية بشكل واضح لا لُبْس فيه.
3. أنّه قد دون فيه أراء والده - الشيخ تقي الدين - الأصولية والتي قد لا تجدها عند أحد سواه.
4. أنّه قد جمع فيه إضافة إلى علم الأصول أهم مسائل الاعتقاد والتصوف، في بادرة حميدة لم يُسبق إليها.
5. أنّه المتن الذي اعتمد عليه أكثر العلماء المتأخرين منذ ظهوره وحتى العصر الحاضر، لذا كثرت عليه الشروح والحواشي والتعليقات، كما أنّه كان مُقرّراً لطلاب الدراسات الشرعية في الأزهر حتى وقت ليس بالبعيد.
مميزات ((جمع الجوامع)):
1. اختصار المسائل واختزال الأقوال: أهم ما يميز ((جمع الجوامع)) هو الاختصار الشديد للمسائل الأصولية المطروحة، فهو في هذا ((المختصر)) لم يُسهِب ولم يُطِل العبارات؛ بل كان يختزل كثيراً من المسائل والأقوال في مسألة واحدة بليغة العبارة دالّةٍ على المقصود بأقل الكلمات.
فمن ذلك قوله: ((والأصح أنّ المباح ليس بجنس للواجب، وأنّه غير مأمور به من حيث هو، والخُلْف لفظي، وأنّ الإباحة حكم شرعي وأنّ الواجب إذا نُسِخ بقي الجواز)) (1).
فها هنا ترى أنّ التاج السبكي قد دمج أربعة مسائل في مسألة واحدة بعبارات قليلة دالة على الغرض؛ بخلاف غيره كابن الحاجب الذي جعل كل واحدة منها مسألة مستقلة برأسها (2).
ومنها قوله في باب النسخ في مسألة ما يجوز أن يكون ناسخاً: ((وبالقياس، وثالثها: إن كان جليا، والرابع: إن كان في زمنه عليه الصلاة السلام والعلّة منصوصة)) (3).
ففي هذا المثال ترى أنّ التاج السبكي قد صرّح بذكر قولين وترك آخرين وهما جواز النسخ بالقياس القول الأول، والثاني: منع النسخ بالقياس.
2. دقة العبارة وحسن السبك: مما يميز ((جمع الجوامع)) هو دِقَّةُ عباراته وحُسْنُ سَبكها، بحيث أنّه يفوق على عبارات غيره.
فمن ذلك: قوله في تعريف الصحابي أنّه: ((من اجتمع مؤمناً بمحمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يروِ ولم يُطل)) (4).
قال التاج السبكي في ((منع الموانع)) مبيناً دقة هذا التعريف: ((وإنّما غيرنا لفظ رأى الواقع في ((مختصر)) ابن الحاجب وغيره، لأنّك إن نصبت النبي صلى الله عليه وسلم في قولك: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الأظهر لم يطّرد لورود ابن أم مكتوم وأبيّ وغيرهما من عميان الصحابة؛ فإنّهم لم يروه، ولم ينعكس لأنّ من رآه في النوم فقد رآه حقاً وليس بصحابي، وإن رفعت لزم أن يكون من وقع بصر محمد صلى الله عليه وسلم صحابيا، وإن لم يقع بصره هو على محمد صلى الله عليه وسلم. . .)) (5).--------------------------------------------
(1) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 127 - 128
(2) انظر ابن الحاجب، مختصر المنتهى (1/ 5 - 11)
(3) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 154
(4) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 163
(5) التاج السبكي، منع الموانع ص 194 - 195
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
3. خلوّه من الخلاف الجدلي والمنطقي الذي اتبعه الكثير من الأصوليين وبخاصة ابن الحاجب … والبيضاوي: فالتاج السبكي أراد إخراج المسائل الأصلية في المنطق من كتابه هذا، وأبدله بعلم الكلام وأما المباحث الجدلية؛ فكان كتابه هذا شبه خال منها، ذلك لأنّه أراد وضع متن مختصر مشتمل على محض المهم من علمي الأصول، وأما التقرير والدفاع عن هذه المسائل فهو من وظيفة الشّراح لا من وظيفة الماتن.
بخلاف ابن الحاجب الذي افتتح كتابه أولا بمقدمة في علم المنطق، ومن ثمّ اتبع الطريقة الجدلية في أغلب مباحث كتابه، فهو يورد المسائل وما فيها من خلاف، مستدلاً على مختاره ودافعاً ما يَرِد على مختاره من نقوض وإيرادات.
إلا أنّ التاج السبكي قد ضَمَّن بعض المباحث الجدلية في مسالك العلل وقوادحها، ذلك لأنّ أكثر هذه المباحث - والقوادح خاصة - إنّما هي من علم الجدل وآداب البحث والمناظرة، كالنقض والمنع وغيرها.
4. أنّه مشتمل على آراءٍ تَميَّز وتَفرَّد بها بحيث لا تجدها عند أحد غيره من السابقين له: ذكرنا سابقاً أنّ التاج السبكي قد أودع زُبدة آرائه واختياراته في هذا ((المختصر))، ومنها آراء كانت مثار الأصوليين فيما بعد بحيث انفرد بها التاج السبكي عن غيره، فمن ذلك قوله في تعريف الأصولي: ((العارف بها [أي دلائل الفقه الإجمالية] وبطرق استفادتها ومستفيدها)) (1).
فهو بذلك جعل المعرفة بطرق الاستفادة جزءاً من مدلول الأصولي ولم يجعلها من مدلول الأصول، وهذا أمر لم يُسبَق إليه فهو من انفراداته (2).
واعلم أنّ هذا التعريف قد أثار الكثير من النقاش والجدل ما بين موافق له وناقد معترض عليه (3)، بل لقد وضعت مؤلفات خاصة على هذا التعريف، منها:
((الكلم الجوامع في بيان مسألة الأصولي بجمع الجوامع)) للجوهري إسماعيل بن غنيم (4)
و ((تقيدات على مسألة الأصولي)) لعبد الله بن حجازي الشرقاوي (5).
5. الاهتمام ببيان الخلاف اللفظي: التاج السبكي – وكعادته – ينبّه القارئ إلى حقيقة الخلاف سواءً أكان معنوياً أو لفظياً، وهذه مِيزة قلّما تجدها عند غيره، فمن ذلك قوله: ((والفرض والواجب مترادفان، خلافاً لأبي حنيفة وهو لفظي)) (6).--------------------------------------------
(1) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 124
(2) انظر: المحلي، شرح جمع الجوامع (1/ 54)
(3) لقد تعرض لهذه المسألة كل من تصدى لجمع الجوامع فانظر منهم: المحلي، شرح جمع الجوامع (1/ 54)، الزركشي، تشنيف المسامع (1/ 128 - 130)، العطار، حاشية العطار (1/ 55)
(4) هو العلامة اسماعيل بن غنيم الجوهري عالم مشارك في بعض العلوم له مصنفات كثيرة منها: بلوغ المرام في شرح ديباجة شرح القطر، وإعراب كلمة التوحيد، كان حيا ُ 1165هـ. انظر: كحالة، معجم المؤلفين (1/ 374)
(5) هو العلامة شيخ الأزهر عبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشرقاوي الأزهري الشافعي، توفي سنة 1227هـ، من مصنفاته التحفة البهية في طبقات الشافعية، وحاشية على التحرير وغيرها. انظر ترجمته في المراغي، الفتح المبين (3/ 139)
(6) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 125
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
هذه أهم الميزات التي امتاز بها ((جمع الجوامع))، ومع ذلك فقد وُجِّه إليه الكثير من النقد … والاعتراض عليه؛ قديماً وحديثاً، حتى في عصر المؤلف نفسه، حيث وُجِّهت إليه بعض الإيرادات مما دعاه إلى الإجابة عليها في مصنف خاص سماه ((منع الموانع عن جمع الجوامع))، حل فيه كثيراً من الإشكالات التي وُجِّهت إليه، وأزال الغموض عن كثير من العبارات التي خفي معناها على البعض، ومن هنا فإنّي أقول: إنّه لا بد من الاستعانة ((بمنع الموانع)) في قراءة وفهم ((جمع الجوامع)) إذ هو كالمكمّل والتتمّة له.
وأقول بالنسبة لما وُجِّه إلى ((جمع الجوامع)) من اعتراضات؛ أنّ التاج السبكي لم يجزم بنفي الخطأ والوهم عن كتابه هذا فهو يقول عنه: ((وقد دار على ألسنة الناس، وصار في كل محفل كمضغة تلوكها الأشداق، وتَتَردَّدُ تَرَدُّدَ الأنفاس، وطار بناؤه، وأنا أنادي ’’ما في وقوفك ساعة من باس‘‘، ولست أدعي أنّه جمع سلامة، ولا أُبَرِّيه كلما تَوجَّهت نحوه الملاءه، ولا أتعصَّبُ له، فبئست الخصلة إذا قُلتُ لكلّ من اعترضه في الملامة كَلا.
ولا أبيعهُ بشرط البراءة من كل عيب؛ بل أقول: يؤخذ من قوله ويترك، والله العليم بالغيب، ويُنظَر فيه مع تجويز اعتراض الشك له والريب)) (1).
وقد تصدّى غير واحد من العلماء للدفاع عن ((جمع الجوامع)) ورد الاعتراضات والإشكالات الواردة عليه، ومن أبرزهم في ذلك الإمام العلامة ابن قاسم العبادي (2)، الذي ألف كتاباً ضخماَ أسماه ((الآيات البينات على اندفاع أو فساد ما وَقفتُ عليه مما أُورِد على جمع الجوامع وشرحه للمحقق المحلي من اعتراضات)) (3).
وبيّن ابن قاسم الدافع لهذا المصنَّف قائلا: ((حملني عليه أنّي لما رأيت جمعاً من شيوخنا … وغيرهم قد ألِفوا التحامل عليهما [أي التاج السبكي والجلال المحلي]، وإضافة ما لا يليق ببعض الطلاب إليهما، وأوردوا أنواع الاعتراضات، وبالغوا بصنوف التشنيعات مما هو في الأغلب كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً)) (4)
هذا وقد وضّح ابن قاسم أنّ المعترضين على ((جمع الجوامع)) وشرحه للمحلي لا يَخرُج الدافع لهم عن ثلاثة أسباب هي (5):-
الأول: ما يرجع حاصله إلى مجرد المناقشات اللفظية التي اشتُهِر أنّها ليست من دأب المحصلين.
ثانيها: ما لا منشأ له إلا الأغلاط الفاحشة والأوهام الساقطة.--------------------------------------------
(1) التاج السبكي، منع الموانع ص 85 - 87
(2) هو الإمام العلامة الحبر الفهامة صاحب الحواشي المشهورة شهاب الدين احمد بن قاسم العبادي القاهري المصري، أوحد زمانه وفاق جميع أقرانه وساد عليهم، توفي سنة 994هـ، من مصنفاته: حاشية على شرح الورقات، وحاشية على مختصر في المعاني والبيان. انظر ترجمته في: ابن العماد، شذرات الذهب (8/ 550)
(3) والكتاب مطبوع في أربعة مجلدات ضخام
(4) ابن قاسم، الآيات البينات (1/ 5)
(5) المصدر السابق (1/ 6)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
ثالثها: ما لا سبب له إلا مجرد مخالفتهما لما قاله ابن الحاجب والعضد، أو أحدهما، قال ابن قاسم: … ((وهذا القسم كما لا يخفى على إنسان من البطلان بمكان؛ إذ مخالفة ما قاله ابن الحاجب والعضد؛ لم يرد نقل بامتناعها، ولا قام عقل مستقيم على منعها أو عدم استحسانها؛ فإن ادعوا امتناعها لذاتها فهو هذيان غني عن البيان، أو لأنّهما أعلم؛ منعناه بالنسبة للمصنف في هذا الفن)) (1).
وبمثل ما قال ابن قاسم يُردّ على الشيخ عبد الله درّاز، والشيخ محمد الخضري، حيث ادّعى الأول أنّ ((جمع الجوامع)) بالمقارنة مع غيره من متون الأصول فهو أقلها غناءً وأكثرها عناءً فقال في معرض بيان سبب عدم انتشار كتاب الموافقات للشاطبي فترة طويلة من الزمن: ((إنّه لا يلزم من الشهرة وعدمها فضلٌ ولا نقص، فالكتب عندنا كالرجال فكم من فاضلٍ اسْتَتر، وعاطل ظَهَر، ويكفيك تنبيهاً على فساد هذه النظرية ما هو مشاهد؛ فهذا كتاب ((جمع الجوامع)) بشرح المحلي بَقِيَ قروناً طويلة هو كتاب الأصول الوحيد الذي يُدرَّس في الأزهر، ومعاهد العلم بالديار المصرية مع وجود مثل ((الإحكام)) للآمدي، وكتابَيْ ((المنتهى)) و ((المختصر)) لابن الحاجب، و ((التحرير)) … و ((المنهاج))، و ((مسلّم الثبوت))، وغيرها من الكتب المؤلفة في نفس القسم الذي اشتمل عليه ((جمع الجوامع)). . . [إلى أن قال] ولا يختلف اثنان في أنّ ((جمع الجوامع)) أقلها غناءً وأكثرها عناءً)) (2)
في حين ادّعى الثاني - محمد الخضري -: أنّ ((جمع الجوامع)) لا يُفيدُ قارئاً ولا سامعاً فقال في عبارة قاسية: ((أما ((جمع الجوامع)) فهو عبارة عن جمع الأقاويل المختلفة بعبارة لا تفيد قارئاً ولا سامعاً، وهو مع ذلك خُلْوٌ من الاستدلال على ما يُقرِّره من القواعد)) (3).
مناقشة درّاز والخضري في دعواهما:
قلت: هذه دعوى مجردة عن الدليل والبرهان ولي عليها بعض الملاحظات:
الأولى: أنّ عدداً كبيراً من العلماء الأجلاء قد أثنوا على ((جمع الجوامع)) واعتبروه من أهم المتون في أصول الفقه، ومنهم الإمام السيوطي حيث يقول موضحاً سبب نظمه ((لجمع الجوامع)): ((والباعث على ذلك أنّي لم أجد من سبقني إلى نظمه مع نظمهم ((مختصر)) ابن الحاجب و ((منهاج)) البيضاوي، وهذا الكتاب أولى بذلك إذ لم يؤلف قبله ولا بعده مثله، لما انطوى عليه من العلم الكثير، واللفظ الوجيز، والتحقيقات البديعة، والنكت المنيعة)) (4).
فإذا كان الإمام السيوطي - وهو من هو - يرى ذلك في ((جمع الجوامع)) فهل يحق للشيخ درّاز والخضري - مع كل التقدير والاحترام لهما - أن يقولا ما قالاه.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق
(2) عبد الله دراز، مقدمة كتاب الموافقات للشاطبي (1/ 9)
(3) محمد الخضري، أصول الفقه ص 12
(4) السيوطي، شرح الكوكب الساطع (1/ 36)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
ويقول الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن صاحب كتاب ((الترياق النافع بإيضاح وتكميل جمع الجوامع)): ((كتاب ((جمع الجوامع)) للعلامة تاج الدين السبكي رحمه الله في أصول الفقه والدين؛ كتاب أجمع فحول صيارفة التحقيق على بلوغه في الاختصار الدرجة التي لا ترام، واتفق عدول سماسرة التدقيق على أنّه من الجمع والتهذيب بأرفع مقام)) (1).
وأضيف قائلاً: إن كان ((جمع الجوامع)) قليل الفائدة فهل يعقل أنّ أمثال الجلال المحلي (2)، … والزركشي (3)، والعراقي (4)، وابن جماعة، وشيخ الإسلام زكريا المتوفى سنة 926هـ، وعدد كبير من فحول العلماء (5) يُضيّعون أوقاتهم بشرح متن لا فائدة منه؟!
الثانية: أنّ الشيخ درّاز قد اعترف أنّ ((جمع الجوامع)) كان هو الكتاب المعتمد للتدريس لعدّة قرون خلت، وأنّه الكتاب المقرّر للدراسة في الأزهر، ومعلوم أنّ كبار العلماء قد تخرّجوا من الأزهر، … والقائمين عليه هم من أكابر العلماء، فهل يُعقل أن يُقرّروا كتاباً للتدريس قليل الفائدة عديمَ الجدوى؟! لا أظن أنّ هذا مما يختلف عليه اثنان!
الثالثة: أنّ ((جمع الجوامع)) منذ ظهوره قد أكبَّ العلماء على درسه وتدريسه، بل وحتى حفظه فلم يتخرج أي عالم إلا بعد قراءته ((جمع الجوامع))، وكان العلماء يوصون تلامذتهم بقراءة ((جمع الجوامع)) في بداية تحصيلهم، فهل هم من السذاجة بمكان حتى يوصوا بقراءة كتاب لا يفيد سامعاً ولا قارئاَ؟!--------------------------------------------
(1) نقلاً عن مقدمة الكوكب الساطع للدكتور محمد إبراهيم الحفناوي (1/ 13)
(2) هو الإمام العلامة جلال الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم المحلي الشافعي، تفتازاني العرب، الفقيه الأصولي المشهور، توفي سنة 864هـ، من مصنفاته: شرح الورقات، شرح المنهاج. انظر: ابن العماد، شذرات الذهب (7/ 442)
(3) هو الإمام العالم العلامة المصنف المحرر أبو عبد الله بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزركشي الشافعي، توفي سنة 794هـ، من مصنفاته: البحر المحيط في أصول الفقه، وتكملة شرح المنهاج للإسنوي. انظر: ابن شهبه، طبقات الشافعية (3/ 227)
(4) هو الإمام العلامة الحافظ الفقيه المصنف قاضي القضاة ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي المصري الشافعي، توفي سنة 826هـ، من مصنفاته: شرح البهجة، والتوشيح. أنظر ترجمته في: ابن شهبة، طبقات الشافعية (4/ 103)
(5) انظر العلماء الذين شرحوا ((جمع الجوامع)) واهتموا به في المبحث القادم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)