الفصل الثالث
منهج الإمام تاج الدين السبكي الأصولي
سأتحدث في هذا الفصل عن أهم القضايا الأساسية التي بنى ابن السبكي منهجه الأصولي عليها، ومن الصعوبة بمكان أن تتلمَّحَ منهجاً عاماً واحداً يَنْتظمُ مجموعة من المؤلفات المختلفة؛ فللتاج السبكي مؤلفات أصولية متنوعة؛ منها الشروح ومنها المتن المختصر، ومنها ما هو رَدٌّ لاعتراضات وجواب عن إيرادات، ومن هنا جاءت الصعوبة كيف تجمع بين هذه المصنفات في منهج واحد، وهذا ما حاولت جهدي واستطاعتي أن أقوم به في هذا الفصل.
ولهذا لم أتعرض للقضايا التفصيلية المتعلقة بكل كتاب وإنما سأعرض للملامح العامة لمنهج التاج السبكي الأصولي فقط، مُشيراً بإشارات ولَمَحات سريعة إلى أهم ما ينتظمُ هذه الملامح، مبيِّناً في الوقت ذاته على أيٍّ من المصنفات ينطبق هذا المنهج.
المبحث الأول
منهجه في إيراد التعاريف
من المعلوم أن الأصوليين قد اهتموا بالتعاريف اهتماما بالغا، فتراهم كثيرا ما يدققون ويبحثون في التعاريف، فيضعون فيها قيودا ويحذفون أخرى وما ذلك إلا لأن دقة التعريف فيها تحديد للمفاهيم والمصطلحات والمسائل التي تبنى على التعريف، لذا تنوعت أساليب الأصوليين في عرضهم للتعاريف، وقد اتبع التاج السبكي في كتاباته مناهج متعددة في إيراده للتعاريف؛ وذلك نظرا لطبيعة مؤلفاته وخصائص كل منها، وسيكون حديثي عن هذه النقطة ضمن محورين:
المحور الأول: إيراده التعاريف في شرحيه ((الإبهاج ورفع الحاجب)):
اتبع التاج السبكي في شرحيه مناهج متعددة في إيراد التعاريف مخالفا لما كان عليه في ((جمع الجوامع))، ومن هذه المناهج:
أولاً: إيراده للتعاريف اللغوية لبيان وجه المناسبة بينها وبين التعاريف الاصطلاحية:
خلاصة هذا المنهج أن التاج السبكي كان يبدأُ المسألة المطروحة ببيان معناها اللغوي، ومن ثَمَّ يُعرِّجُ على المعنى الاصطلاحي؛ ليتبين وجه العلاقة بين المعنيين، وهذا المنهج سار عليه التاج السبكي في أغلب مباحث ((شرح المنهاج)) في حين كان مقلّاً منه في ((شرح المختصر)).
ومن الشواهد الدالة على اتباعه هذه المنهج:
1 - قوله في بيان المراد بالمجمل في كتابه ((الإبهاج)): ((المجمل: مأخوذ من الجَمْل، بفتح الجيم وإسكان الميم، وهو: الخلط، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: {لعن الله اليهود؛ حرم الله عليهم شحوم الميتة فجملوها - أي خلطوها - وباعوها فأكلوا ثمنها} (1) [قال التاج السبكي معقباً]: فسمي اللفظ مجملاُ لاختلاط المراد بغيره)) (2).
2 - وقوله في بيان سبب إطلاق النص على اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنىً واحداً: ((نصت الظبية جيدها إذا رفعته، ومنه منصة العروس)) (3) (4).--------------------------------------------
(1) رواه مسلم في كتاب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام برقم 4026 وأحمد في المسند 2809
(2) التاج السبكي، الإبهاج (2/ 206)
(3) انظر الرازي، مختار الصحاح ص 276 مادة نصص
(4) التاج السبكي، الإبهاج (1/ 215)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
3 - وقوله في بيان الاستدلال في ((رفع الحاجب)): ((والاستدلال: استفعال من الدليل واستفعل ترد في لغة العرب للطلب، وللتحرك، وللإيجاد (1)، ولإلغاء الشيء: بمعنى ما صيغ منه، أو لعده كذلك، ولمطاوعة أفْعَلْ ولموافقته وموافقة تفعَّل وافتعل والمجرد، والإغناء عنه وعن فعل … [إلى أن قال]: إذا عرفت هذا، فالاستدلال في الاصطلاح مشترك؛ فإنه يطلق على ذكر الدليل سواء أكان نصاً أم إجماعاً أم غيرهما، ويطلق على نوع خاص من أنواع الأدلة وهو المقصود ببيانه هنا، وله عقد الباب … [ثم قال]: وقد علمت توارد استفعل اللغة، وعندي: أن المقصود منها في مصطلح الأصوليين الاتخاذ، والمعنى: أن هذا باب ما اتخذوه دليلاً، والسر في جعل هذا الباب متخذا دون الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ لأن تلك الأدلة قام القاطع عليها، ولم يتنازع المعتبرون في شيء منها، وكأن قياسها لم ينشأ عن صنيعهم واجتهادهم، بل أمر ظاهر)) (2).
ثانياً: إيراده لتعاريف المتن كما هي دون زيادة عليها وذلك لظهورها:
وجدت أن التاج السبكي يذكر تعاريف المتن كما هي دون زيادة عليها وذلك لكون هذه التعاريف ظاهرة جلية ولا تحتاج إلى بيان، وهذا المنهج اتبعه التاج السبكي في ((رفع الحاجب)) خاصةً ومن الشواهد الدالة على ذلك:
1 - قوله في تعريف الظاهر والمؤول بأن الظاهر هو: ((ما دل دلالة ظنية)) (3)، والمؤول: ((حمل الظاهر على المحتمل المرجوح)) (4)، وهما نفس ما أورده ابن الحاجب (5) أوردهما مكتفياً بهما دون أي زيادة أو توضيح، قلت: وقد اختار التاج السبكي هذين التعريفين في كتابه ((جمع الجوامع)) مما يؤكد ما قرَّرته سابقاً وهو مدى تأثر التاج السبكي بابن الحاجب في كتابه هذا [أي ((جمع الجوامع))] (6).
2 - وقوله في مبحث المنطوق والمفهوم حاكياً تعريفَ ابن الحاجب بأن: ((المنطوق هو: ما دل عليه اللفظ في محل النطق)) (7) دون أي زيادة عليها.
3 - وقوله في تعريف فساد الاعتبار مكتفيا بالتعريف الذي أورده ابن الحاجب وهو: ((مخالفة القياس للنص)) (8).
ثالثاً: بيانه لتعاريف المتن دون زيادة عليها سوى توضيح المراد منها مع بيان محترزات بعض قيودها:
وهذا منهج ثالث اتبعه التاج في بيان تعاريف المتن الذي يتولى شرحه، إذ كان يقتصرُ فقط على توضيح التعريف كما أورده الماتن دون زيادة سوى توضيح المراد وبيان محترزات بعض القيود.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:--------------------------------------------
(1) هكذا وردت في الأصل؛ ولعل الصواب الاتخاذ، بدليل ذكره بعد ذلك أمثلة: استعبد عبدا واستأجر أجيرا، وهي بمعنى الاتخاذ
(2) التاج السبكي، رفع الحاجب (4/ 480 - 482 بتصرف)
(3) التاج السبكي، رفع الحاجب (3/ 448)
(4) المصدر السابق (3/ 451)
(5) انظر تعريف ابن الحاجب في نفس المصدر مختصر ابن الحاجب المطبوع مع رفع الحاجب (3/ 448، 3/ 451)
(6) انظر التاج السبكي، جمع الجوامع ص 151
(7) التاج السبكي، رفع الحاجب (3/ 484)
(8) المصدر السابق (4/ 420)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
1 - قوله في بيان تعريف الاشتقاق الذي أورده البيضاوي بأنه: ((رد لفظ إلى لفظ آخر لموافقته له في حروفه الأصلية ومناسبته في المعنى)) (1)، قال التاج السبكي مقرِّراً هذا التعريف: ((قوله ''رد لفظ'' جنسٌ، وقوله '' لموافقته في حروفه الأصلية'' فصلٌ احترز به عن الألفاظ المترادفة: كالإنسان … والبشر، إذ لا اشتراك فيها في الحروف … وقوله ''الأصلية'' إشارة إلى أن الاعتبار في موافقة الحروف إنما هو بالحروف الأصلية فقط، ولا عبرة بالحروف الزائدة، وقوله ''ومناسبته في المعنى'' احترازٌ عن المعدول؛ لأن المناسبة تقتضي المغايرة، ولا مغايرة بين المعدول والمعدول عنه في المعنى)) (2). وبذلك ترى أن التاج السبكي قد اكتفى بتوضيح التعريف فقط ببيان معناه ومحترزاته.
2 - وقوله في تعريف العلم الذي أورده ابن الحاجب أنه: ((صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض)) (3) قال التاج السبكي شارحاً هذا التعريف: ((فالصفة وهي ما لا يقوم بنفسه: جنسٌ يشمل العلم … وغيره، وقولنا:'' توجب لمحلها تمييزاً'' فصلٌ يُحترزُ به عن الحياة والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بها و ''لا يحتمل النقيض'': احترازاً عن الظن، وهذا يشمل التصور إذ لا نقيض له، والتصديق النفسي إذ له نقيض ولا يحتمله)) (4).
رابعاً: الإشارة إلى التطور التاريخي للتعاريف:
كان التاج السبكي يشير أحياناً إلى التطور التاريخي لبعض التعاريف مبيناً القائل بها ومن أين استمدَّ هذا التعريف وماذا حصل به من حذف أو زيادة لبعض القيود.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:
1 - قوله شارحا قول البيضاوي ((التخصيصُ: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ)) (5) قال: ((بدأ في هذا الفصل في تعريف التخصيص والمخصص، وأما التخصيص: فقد قال أبو الحسين (6) والإمام (7) إنه: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب، وتبعهما المصنف لكنه أبدل الخطاب باللفظ)) (8).
ففي هذا المثال تجد أن التاج السبكي قد بين لنا أن أبا الحسين البصري قد عرف التخصيص بأنه: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب، ثم بين أن الإمام الرازي قد تابع البصري في هذا التعريف وتأثر به، ثم أشار إلى التطور الذي أتى به البيضاوي وهو إبداله الخطاب باللفظ، فهو [أي البيضاوي] قد أخذ تعريف البصري والإمام إلا أنه أبدل الخطاب منه إلى اللفظ.--------------------------------------------
(1) البيضاوي، منهاج الوصول ص 45
(2) التاج السبكي، الإبهاج (1/ 222 بتصرف)
(3) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (1/ 265)
(4) التاج السبكي، رفع الحاجب (1/ 266)
(5) البيضاوي، منهاج الوصول ص 87
(6) انظر أبو الحسين البصري، المعتمد (1/ 234)
(7) انظر فخر الدين الرازي، المحصول (3/ 7)
(8) التاج السبكي، الإبهاج (2/ 119)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
2 - وقوله في شرح قول ابن الحاجب في تعريف البيان: ((قال الصيرفي: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح)) (1) قال: ((قال الصيرفي ناظراً إلى أنّ البيان فعل المبيِّن إنه: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، كذا أورده ابن السمعاني (2) وغيره، وزاد إمام الحرمين (3)، فتبعه الآمدي (4) والمصنف: الوضوح؛ فقالوا إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح)) (5).
في هذا المثال بين التاج السبكي أن الآمدي وابن الحاجب قد أخذا تعريف الصيرفي للبيان إلا أنهما أضافا إليه الوضوح.
خامساً: ذكره لتعاريف لم يذكرها الماتن:
أورد التاج السبكي تعاريفاً لبعض المسائل التي أغفلها الماتن وذلك تتميماً للفائدة، … ومن الشواهد الدالة على ذلك:
1 - قوله في كتابه الإبهاج في مباحث الكتاب: ((الكتاب هو القرآن: وهو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه، وقد خرج بقولنا ''المنزل'' الكلام النفسي، وكلام البشر، ''بالإعجاز'' الأخبار الربانية وسائر الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور؛ إن لم يُقل أنها مُعْجِزة، وقولنا ''بسورة منه'' أي ببعضٍ ولو ساوى أقصر سورة منه كالكوثر، وخرج بذلك سائر الكتب المنزلة إن قيل بإعجازها، فإنها حينئذٍ وإن أُنزلت للإعجاز لكن لم يكن الإعجاز بسورة منها، وهذا التعريف صادق على الآية وعلى بعضها أيضاً، لأنه يصدق عليها أنّ قَدْر سورةٍ من نوعه معجزة)) (6)، فها هنا ترى أن التاج السبكي قد ذكر تعريف القرآن وبينه في حين لم يتعرض البيضاوي لتعريف القرآن في ((منهاجه)) (7).
2 - وقوله في كتابه ((رفع الحاجب)): ((الدوران: وهو أن يوجدَ الحكمُ عند وجود وصف، وينعدمَ عند عدمه)) (8)، فقد ذكر لنا التاج السبكي تعريفَ الدوران والذي سماه ابن الحاجب بالطرد والعكس في حين لم يتعرَّض لذكره ابن الحاجب بل بدأ المسألة ببيان رأيه المختار في حجية الدوران فقال: ((الطرد والعكس: ثالثها لا يفيد بمجرده قطعاً ولا ظناً)) (9).--------------------------------------------
(1) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (3/ 411)
(2) انظر ابن السمعاني، قواطع الأدلة (1/ 258)
(3) انظر الجويني، البرهان (1/ 139)
(4) انظر الآمدي، الإحكام (3/ 24)
(5) التاج السبكي، رفع الحاجب (3/ 412)
(6) التاج السبكي، الإبهاج (1/ 190)
(7) انظر البيضاوي، منهاج الوصول ص 43
(8) التاج السبكي، رفع الحاجب (4/ 350)
(9) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (4/ 350)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
سادساً: مناقشته للتعاريف:
لم يكن التاج السبكي يقرِّرُ التعاريفَ كما هي فحسب، بل وجدتُه حيث لا يرتضي تعريفاً ما فإنّه يناقش المصنف فيه ويذكر ما عليه من مؤاخذات؛ منها ما يأخذه من غيره من العلماء، ومنها ما يستقلُّ بمناقشته هو بنفسه، وقد أكثرَ التاج السبكي من إيراد هذه المناقشات في ((الإبهاج)) في حين كان مقلّاً لها في كتابه ((رفع الحاجب)) ولعلَّ ذلك لأنَّ التاج السبكي والبيضاوي كلاهما من مدرسة واحدة ألا وهي مدرسة الإمام الرازي؛ لذا فكان يُوردُ على تعاريفه ما يراه لا ينسجمُ مع معطيات هذه المدرسة، في حين كان ابن الحاجب من مدرسة مخالفة لهما وهي مدرسة الإمام الآمدي، ومعلوم أن التعريف إنما يُبْنى على القواعد والأصول التي ينتهجها المؤلف أو المصنف، فلو ناقش التاج السبكي كلَّ تعاريف ابن الحاجب لانْهَدمَ بذلك ما انْبَنى عليها من مسائلَ وفروع، ولم يكن هدفُ التاج السبكي أن يَردَّ على ابن الحاجب أو يقوض أركان مدرسته، لذا كان يكتفي بتقرير تعريفاته كما هي، ولا يناقشها إلا إذا بان ضعفها أو كانت فيها مخالفةٌ لمدرسته [أي ابن الحاجب] الأصولية، والله أعلم.
ومن الشواهد الدالة على مناقشته للتعاريف:
1 - قوله في الإبهاج بعد شرح تعريف البيضاوي في الترادف: ((توالي الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد)) (1) قال: ((هذا شرح التعريف، وفيه نظر: فإنه أتى بالمفردة ليحترز عما أشرنا إليه [وهو: احترازٌ عن المركبة كالحد مع المحدود، والرسم مع المرسوم، فإن الحدَّ والمحدود غير مترادفين على المختار … ]، وهو غير مضرور إلى ذلك؛ فإنّ ذلك خرج بقوله ''باعتبارٍ واحد'' إذ الحدُّ والمحدود يدلان على معنىً واحد ولكن باعتبارين كما عرفت.
ثم إنّ هذه اللفظة أعني المفردة تُصيِّرُ الحدَّ غير جامع؛ إذ يَخرجُ بها بعضُ المترادفات مثل: خمسة، ونصف العشرة، وأيضاً: قوله ''الألفاظ'' جمعٌ وأقلُّه على رأيه ثلاثة، وقد يكون الترادف من لفظين، ثم إنها جنسٌ بعيد، فلو أتى بالقول وقال: توالي كلمتين فصاعداً لَسَلِمَ من هذين الإيرادين)) (2).
فأنت ترى أن التاج السبكي قد ناقش تعريف البيضاوي من ثلاثة وجوه:-
الأول: إتيانُه بالمفردة إحترازاً عن الحد مع المحدود، وبيّن التاج السبكي أنّ هذه اللفظة لا داعيَ لها؛ لأن الحد مع المحدود قد خرجا بقوله [أي البيضاوي] باعتبارٍ واحد، إذ الحد والمحدود وإن كانا يدلان على معنىً واحد إلا أنّه باعتباريَن مختلفيَن.
الثاني: أنّ وجودَ المفردة في الحد تُصيِّرُ الحدَّ غير جامع وذلك لأنّه يَخرجُ منه بعض المترادفات، فإنّ الخمسةَ تُرادِفُ قولنا نِصفُ العشرة وكلاهما دالٌّ على شيء واحد، لكن الخمسة لفظٌ مفرد بِخِلافِ نصف العشرة، فهو ليس مفرداً إلا أنّه مرادفٌ للخمسة، وبقوله [أي البيضاوي] المفردة لا يكون نصف العشرة مرادفاً للخمسة وهو باطل كما رأيت.
الثالث: في قوله الألفاظ، هذا جمعٌ وأقلّ الجمع على رأي البيضاوي ثلاثة، وهذا يعني أن الترادفَ لا يكون بين لفظين وهو باطل لوقوع الترادف بين لفظين فأكثر.--------------------------------------------
(1) البيضاوي، منهاج الوصول ص 46
(2) التاج السبكي، الإبهاج (1/ 238 - 239)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
الرابع: قوله الألفاظ، جنسٌ بعيدٌ لأنّها تشمل اللفظ المستعمل والمهمل ومن عيوب الحدود أن يُؤتى في الحد بالجنس البعيد.
2 - وقوله بعد شرح تعريف المناسب الذي أورده ابن الحاجب بأنه: ((وصفٌ ظاهرٌ منضبط يَحْصلُ عقلاً من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً من حصول مصلحة أو دفع مفسدة)) (1) قال: ((واعترض الشيخ الهندي، بأنه إن عنى بقوله ''يحصل من ترتيب الحكم'' علَّته، أنّه يلزمُ من ترتيب ما يقتضيه الوصفُ من الحكم بحسب مناسبته له، فيلزم تعريف الشيء بنفسه؛ لأنّ التعريفَ المناسب إنّما هو باعتبار مناسبته فتعريفه بالمناسبة تعريف للشيء بنفسه، وإنْ عنى به غيره فليبيِّنه، سلَّمنا، … ولكن لا حاجة إلى هذا القيد، بل يكفي أن يُقال: يلزم من حصوله حصولُ الحكم المستلزم لحصول ما يصلح أن يكون مقصوداً للشارع؛ لأنّا إذا علمنا الوصفَ وحده، والحكمَ وحده، وما يصلح أن يكون مقصوداً وحده، علمنا من وجود الوصف مقارنهً الحكم له، وحصول ما يصلح أن يكون مقصودا، … والمقارنة إنما تراد باعتبار المناسبة، لا لتحقيق ماهيتها.
وأما أنه يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا للشارع فذلك زائد على ماهية المناسبة.
وأيضا فإنه غير جامع؛ لأن التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة جائزٌ على المختار عند المصنف، والوصفية غير متحقِّقة فيها مع تحقُّق المناسبة)) (2).
في هذا المثال ذكر لنا التاج السبكي مناقشةً على تعريف ابن الحاجب للمناسبة وحاصل هذه المناقشة:
أولا: أنّ المرادَ من قوله [أي ابن الحاجب] يَحصُلُ من ترتيب الحكم عليه، إما أن يكون علَّتَه وبذلك لا يستقيم التعريف؛ لأن العلَّةَ لا تكون علَّةً إلا إذا لوحِظَ فيها المناسبة، والمطلوب تعريف المناسبة فيتوقف معرفة المناسبة على معرفة العلّة، فتتوقف معرفة المناسبة على نفسها وهذا دور قادح في الحدود، وإن عنى بها أمر آخر غير العلّة فلا بد من بيانه حتى يُنظَرَ فيه.
ثانيا: أنه لا حاجة إلى قيد (يحصل من ترتيب الحكم عليه) لأنه إذا علمنا الوصفَ وحدَه … والحكمَ وحدَه وما يَصلُحُ أن يكون مقصوداً وحده، بمجموع هذه الأمور وربط الذهن بينها يُعلَمُ من وجود الوصف مقارنَةَ الحكم له، وهذا الحكم يستلزم حصول ما هو مقصود من تشريعه ابتداء.
ثالثا: أن هذا التعريف ليس بجامع؛ لأنه يخرج منه التعليل بالحكمة المنضبطة مع أنها يُعلَّل بها عند ابن الحاجب لأن المناسبة مُتحقِّقةٌ فيها ولكن مع عدم وجود الوصفيّة.
المحور الثاني: منهجه في إيراد التعاريف في ((جمع الجوامع)):
كما هو معلوم فإنّ ((جمع الجوامع)) عبارةٌ عن متنٍ مختصر في أصول الفقه، لذا فإن طبيعةَ المتن تقتضي منهجاً خاصاً في عرض التعاريف، ومن هنا جاء تقسيمي لمنهجه في إيراد التعاريف إلى قسم الشروح، وقسم ((جمع الجوامع))، لأن التعريف في المتن يختلف عن تناول التعريف في ضمن الشرح، وقد اتبع التاج السبكي مناهج متعددة في إيراده للتعاريف في كتابه ((جمع الجوامع)) ومن هذه المناهج:---------------------------------------------
(1) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (4/ 330)
(2) التاج السبكي، رفع الحاجب (4/ 331)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
أولاً: تعريف الشيء بذكر حده المنطقي:
المقصود بالحد المنطقي هو: القولُ الدالُّ على ماهية الشيء (1)، بمعنى أنه لا يذكر في تعريفه إلا ما يدلُّ على حقيقته بذكر مقوِّماته الأساسية، وصفاته الذاتية دون غيرها.
وقد اتبع التاج السبكي في تعريفاته هذا النمط من التعاريف، ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
1 - قوله في تعريف النظر أنه: ((الفكرُ المؤدي إلى علم أو ظن)) (2)
فقوله ''الفكر'': جنسٌ يشمل حركة التخيلات وغيرها، وقوله ''المؤدي'' فصلٌ خرج به ما لا يؤدي كذلك كالحدس، ويدخل فيه الفكر الذي يُطلبُ به التصور والذي يُطلبُ به التصديق؛ … وأطلق العلم ليشمل العقلي وغيره تصوراً وتصديقاً بخلاف الظن؛ فإن المراد به التصديق (3).
2 - وقوله في تعريف فرض الكفاية بأنه: ((مُهمٌّ يُقصَدُ حصوله من غير نظرٍ بالذات إلى فاعله)) (4)
فقوله ''مهمٌّ يُقصَدُ حصوله'' جنسٌ يشملُ فرضَ العين وفرض الكفاية والمندوب، … وقوله ''من غير نظر إلى فاعله'' فصلٌ يُخْرجُ فرضَ العين؛ لأن فرضَ العين يُنْظَرُ فيه إلى الفاعل فهو مطلوبٌ من كل مكلَّف فِعْلُه ولا يُجزئُ غيره القيام به، وقوله ''بالذات إلى فاعله'' لبيان أن المقصود وقوعَ الفعل بغض النظر عن فاعله لأنه هو المقصود [أي الفعل] وليس الفاعل، وإنما الفاعل مقصودٌ بالعَرَض؛ لأنه لا بد لكل فعل من فاعل، إذ الفعل من غير فاعل محال (5).
ثانياً: التعريف عن طريق إيراد التقسيمات:
انتهج التاج السبكي هذا المنهج المتمثِّل بذكر الأقسام التي من خلالها يُتَعرَّفُ على حدود المقسَّمات دون إيراد التعريفات الحدِّية لها، ومن الشواهد الدالة على ذلك: قوله في بيان تقسيمات اللفظ: ((اللفظُ والمعنى إن اتحدا، فإن منعَ تَصوُّر معناه الشركة فجزئي، وإلا فكليٌّ، متواطئٌ إن استوى، مشكّكٌ إن تفاوت، وإن تعدَّد فمتباين، وإن اتحد المعنى دون اللفظ فمترادف وعكسه إن كان حقيقة فيهما فمشترك، وإلا فحقيقة ومجاز)) (6).
فأنت ترى أن التاج السبكي قد ذكر مجموعةً من الأمور ولم يعرِّف أيّاً منها تعريفاً حديا، إلا أنه يُمكنُ معرفةُ حدودها من خلال التقسيم الذي وضعه.
فالجزئي: ما يمنع تصوُّرُ معناه الشركة فيه.
ومن خلال المقابلة بين الجزئي والكلي يمكن حدُّ الكلي بأنه: ما لا يمنع تصوُّرُ معناه من وقوع الشركة فيه.
ثم إنّ الكليَّ ينقسم إلى قسمين:-
الأول المتواطئ: وهو ما كان حصوله على أفراده بالتساوي، والثاني المشكَّك: وهو ما لا يكون حصوله على أفراده بالتساوي، بمعنى أنه الذي يتفاوت في مفهومه شدةً وضعفا (7).
ثم تحدَّث عن القسمة الثانية للفظ والمعنى وهي: أن يتعدد اللفظ والمعنى فهو المتباين، ثم بين الترادف وهو: أن يكون اللفظ متعدداً والمعنى واحد.--------------------------------------------
(1) انظر الغزالي، معيار العلم ص 255
(2) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 127
(3) انظر شرح التعريف في الزركشي، تشنيف المسامع (1/ 94)
(4) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 128
(5) انظر التاج السبكي، منع الموانع ص 130، الزركشي، تشنيف المسامع (1/ 112)
(6) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 135
(7) انظر: الزركشي، تشنيف المسامع (1/ 200)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
وقوله ''وعكسه'' أي عكس الترادف وهو أن يتحدَ اللفظُ ويتكثَّرَ المعنى، ثم بيَّن أقسامه فقال: ((إن كان حقيقة فيهما فمشترك)) فهذا يعني أن المشترك: اللفظ الموضوع على أكثر من معنىً حقيقة، وأما إن كان اللفظ حقيقة في أحدهما فالأول حقيقة والثاني مجاز.
وبهذا يكون التاج السبكي قد بيَّن لنا معاني هذه الأمور ولكن لا بطريق التعاريف الحدية … وإنما بطريق التقسيمات العقلية.
ثالثاً: تعريف الشيء عن طريق تعريف ما يقابله:
أحيانا ترى التاج السبكي يذكرُ تعريف أحد الأمرين المتقابلين، ولا يتعرَّضُ لتعريف الآخر مكتفياً بتعريفه من خلال تعريف مقابله فقط.
فمن ذلك قوله في تعريف الصحة والبطلان: ((والصحة موافقة ذي الوجهين الشرع … [ثم قال] ويقابلها البطلان وهو الفساد)) (1).
فهاهنا بيَّن لنا التاج السبكي أولاً معنى الصحة وهو كون الشيء مما يمكن وقوعه تارةً موافقاً للشرع وتارةً لا يوافق الشرع.
ثم بيَّن أنّ المقابل للصحة هو البطلان والفساد، ولم يتعرَّض لتعريفه مكتفياً بتعريف الصحة، ولما كانت الصحة ضدُّ البطلان يمكن حدُّه بأنه: مخالفة ذي الوجهين الشرع، وهذا عُلِمَ من خلال المقابلة بين الصحة والفساد.
رابعاً: بدء المسألة بذكر التعريف وبناء المسألة على التعريف:
كان التاج السبكي مُهتمّاً بإبراز حقيقة التعاريف فهو لا يَذكرُ في التعريف إلا ما يؤدي إلى تصوُّره تصوُّراً صحيحا، لذا فقد وجدته يضعُ من القيود أو يحذفُ أخرى من التعاريف، بحيث أنَّ القارئَ يمكن أن يَسْتخلصَ المسألةَ من خلال التعريف، وقد نصّ التاج السبكي على أنه يبني المسألة على التعاريف - وخاصة في ((جمع الجوامع)) - وذلك في كتابه ((منع الموانع)) حيث قال هناك: ((وقد نثرنا مسائلَ الإجماع على الحد أحسنَ نثر واستخرجناها كلَّها من التعريف، على عادتنا في هذا الكتاب التي لم نُسْبَقْ إليها، وهي البَداءَةُ بالتعريف، ثم استخراجُ مسائل الباب منه؛ بحيث يَلُوحُ لذي الفِطْنة اكتفاؤُه بالتعريف عن النظر في تلك المسائل، لإمكانه فهمه إياها منه، ولا يبقى في إعادة ذكرها إلا فائدةُ التنصيص عليها، وحكاية الخلاف فيها والتنبيه على قيودٍ قد تَعْتَوِرها) (2).
ومن الشواهد الدالة على ذلك:
1 - قوله في تعريف الإجماع أنه: ((اتفاق مجتهدي (3) الأمة بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر على أي أمر كان)) (4)--------------------------------------------
(1) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 126
(2) التاج السبكي، منع الموانع ص 331 - 332
(3) هكذا وردت في جمع الجوامع غير أنه قد نص في منع الموانع أنها تكتب مجتهد بحذف الياء، فهو مفرد مضاف فهو عام يدخل فيه الاثنان فأكثر انظر منع الموانع ص 326
(4) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 165
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
فإن الناظر في هذا التعريف قد يتلَمَّحُ مسائلَ الباب وأحكامه منه فمن ذلك قوله ''اتفاق'' يدل على أنه لا عبرة بانفراد الواحد بقولٍ لا يوجد غيره، كما يدل على خروج الإجماع السكوتي لأنه ليس اتفاق بهذا المعنى، وقوله ''مجتهدي الأمة'' لبيان أن الإجماع مقتصرٌ في المجتهدين فقط ولإخراج عوام الأمة وإخراج إجماع أهل المدينة وأهل البيت والخلفاء الأربعة والشيخين وأهل الحرمين والمصرين ونحوها، وقوله ''بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم'' لبيان أنه لا يكون الإجماع في عهده صلى الله عليه وسلم إذ العبرة بقوله أو تقريره، وقوله ''في عصر'' فهو للقّدْر المشترك بين الأعصار كلها، … ونكَّرَها لأنه لا يظهر فرقٌ بين عصر وعصر، وفيه إشارة إلى أنه غير مختص بعصر الصحابة، … وقوله ''على أي أمر كان'' بيانا أن الإجماع ينعقدُ على أيِّ أمرٍ سواء أكان في العقليات أو اللغويات أو ما أصله أمارة ونحوها (1).
فهذه الأمور كلُّها قد عُلِمت من التعريف فلو أنه اكتفى به دون ذكرها لكان في ذكر هذا الحد على هذه الصورة غنىً عنها، وقد وجدت التاج السبكي قد صرَّح بكل هذه المسائل بعد ذكر التعريف (2)، فكان كما قال من أنه قد بنى المسائل على التعريف واستخرجها منه.
المبحث الثاني
منهجه في تحرير محل النزاع
المقصود بتحرير محل النزاع هو: تعيين نقطة الخلاف بالتحديد وبيان مقصود المتخالفين حتى يظهر منذ البداية إذا كان مقصودهما متحدا، أو أن أحدهما يقصد خلاف ما يقصده الآخر، ومن فوائد تحرير محل النزاع حصر محل النزاع في صور محدودة أو توسيعه بناءً على إدخال صُور أخرى فيه (3).
لقد اهتمَّ التاج السبكي بتحرير محل النزاع ولم يكن يُطلق الخلاف في مسألة ما، بل كان يَعْمَدُ إلى تحرير محل الخلاف فيها، مبيِّنا المحل الذي وقع فيه النزاعُ تحديدا، وإخراج ما عداه من الصور التي لا خلاف فيها.
وهذا المنهج اتبعه التاج السبكي في شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)) لأن هذه الأماكن هي محلها، أما في ((جمع الجوامع)) و ((منع الموانع)) فلم يتعرَّض له، وذلك نظراً لطبيعة الكتابين الأول: متنٌ لا يُتعرَّضُ فيه عادةً إلى تبيين محل النزاع، والثاني: جاء رداً وبياناً لما وُجِّه إلى ((جمع الجوامع)) من انتقادات واستفسارات.
وقد اتبع التاج السبكي عدة طرائق في تحرير محل النزاع أذكر منها:
أولاً: تحرير محل النزاع بنقله عن غيره من العلماء الذين حرروه سابقا:
من الطرائق التي اتبعها التاج السبكي في تحرير محل النزاع هو أنه كان يأتي بتحرير محل النزاع نقلا عمن قام بتحريره من العلماء مكتفيا بما أوردوه.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:
1 - قوله في بيان مسألة الأمر المعلَّق بشرط أو بصفة هل يفيد تكرار المأمور به أو لا في كتابه ((الإبهاج)): ((ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها، فنقول:--------------------------------------------
(1) انظر: التاج السبكي، منع الموانع ص 326 - 330
(2) انظر: التاج السبكي، جمع الجوامع ص 165 - 167
(3) عبد الوهاب أبو سليمان، منهج البحث في الفقه الإسلامي ص 181
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
قال الآمدي ومن تبعه: ما عُلِّقَ المأمورُ به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علَّةً لوجوب الفعل مثل {الزانيةُ والزاني فاجلدوا} (1)، وقولنا: إن كان هذا المائع خمراً فهو حرام؛ فإنّ الحكمَ يتكرَّر بتكرره اتفاقا، وإن لم يثبت كونه علَّةً بل توقَّفَ الحكمُ عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم، فهو محل الخلاف، انتهى)) (2) (3).
2 - وقوله في مسألة عمل الصحابي بخلاف ما روى في ((رفع الحاجب)): ((وقد جعل المصنف - تبعا للآمدي (4) - موضوع المسألة في الصحابي يَعملُ بخلاف ما رواه، لا في راوي الخبر مطلقا … وأما الإمام الرازي (5) وغيره، فذكروا أنّ الخلافَ في المسألة واقعٌ على الراوي يعمل بخلاف خبره، سواء كان صحابيا، أم لا إذا كان من الأئمة، وهو الصحيح، وبه صرَّح إمام الحرمين)) (6)
ففي هذا المثال ترى أن التاج السبكي نقل عن الآمدي وابن الحاجب تخصيصهم محل النزاع في عمل الصحابي فقط، ولكنه لم يرْتَضِ ذلك، بل نقل عن الإمام الرازي أنه عمَّم النزاع في كلِّ راوٍ يعمل بخلاف ما روى، فعند الآمدي ومن تبعه محلُّ النزاع محصورٌ في صورة الصحابي فقط، في حين وسَّع الإمام الرازي وأتباعه محلَّ النزاع في كلِّ راوٍ.
ثانياً: تحرير محل النزاع أول المسألة:
وجدت التاج السبكي يتَّبع منهجاً في إيراد محل النزاع في أول المسألة بحيث يبدأُ بتحرير محل النزاع ومن ثم يُعرِّجُ إلى شرح المسألة وبيان ما فيها من أقوال وحُجَج.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
1 - قوله في مسألة أقل الجمع في كتابه ((الإبهاج)): ((اختلفوا في أقل الجمع على مذاهب، وليس محل الخلاف فيما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضَمُّ شيء إلى شيء؛ فإن ذلك في الاثنين … والثلاثة، وما زاد بلا خلاف، وقد أفهمَ كلامُ ابنُ برهان في ((الوجيز)) خلاف ذلك، وليس كما أفهم، وإنما محل الخلاف في اللفظ المسمَّى بالجمع في اللغة مثل: مسلمين وغيره من جموع القلة لا جموع الكثرة فإنّ أقلَّها أحدَ عشر بإجماع النحاة)) (7).
ثم عرض بعد ذلك للمذاهب الواردة في أقل الجمع وحججهم وما يرد عليها.
2 - قوله في مسألة عموم المقتضى في كتابه رفع الحاجب: ((اعلم أنّ التقديرات الصالح أحدها للإضمار قد يعمُّها لفظ، وقد لا يعَمُّ متعدّداً منها لفظ، بل تكون أموراً متباينة، وهو الغالب … ، وحينئذٍ فقد يكون بينها جميعا أو بينها وبين بعضها تناف، وقد لا يكون، فهذه أقسامٌ كثيرة لن يُقدِّمَ المتأملُ كلامنا في هذه المسألة أمثلها.
[ثم قال:] ويجب عندي انتفاء الخلاف عن قسمين منها:
أحدهما: ما إذا كان اللفظ عامّاً لجميع تلك الأمور فأنّ الواجبَ تقديرُ ذلك العام، لأنه أقرب إلى الحقيقة.--------------------------------------------
(1) سورة النور آية 2
(2) انظر: الآمدي، الإحكام (2/ 384)
(3) التاج السبكي، الإبهاج (2/ 55)
(4) انظر: الآمدي، الإحكام (2/ 342)
(5) انظر: الرازي، المحصول (4/ 439)
(6) التاج السبكي، رفع الحاجب (2/ 450)
(7) التاج السبكي، الإبهاج (2/ 126)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
والثاني: أن يتنافيا، فالواجب عدم تقديرهما … فنخصُّ محلَّ الخلاف بما وراء هذين القسمين [ثم قال:] وإذا عرفت محله فنقول)) (1) ثم ذكر المذاهب والحجج على ذلك.
ثالثاً: تحرير محل النزاع في نهاية المسألة:
وهذه طريقة أخرى اتبعها التاج السبكي في بيانه لمحل النزاع مُلَخَّصها: أنّ التاج السبكي يبدأُ بشرح المسألة وما فيها من أقوال وحجج ومن ثَمَّ يختمُ المسالة ببيان محل النزاع، وأحيانا كان يجعل تحرير محل النزاع فائدةً من الفوائد التي يختم بها المسائل وإليك الأمثلة على ذلك:-
1 - قوله في مسألة غلبةَ المجاز على الحقيقة بعد شرح المسألة: ((واعلم أنّ التمثيل بالطلاق من أصله فيه نظر متوقف على تحرير محل النزاع في المسألة، وهو مهم وقد حرَّره المتأخرون من كتب الحنفية، [ثم حرر المسألة فقال:] المجاز أقسام:
الأول: أن يكون مرجوحاً.
والثاني: أن يساوي الحقيقة في الاستعمال، فلا ريبَ في تقديم الحقيقة في هذين القسمين.
والثالث: أن تُهْجَرَ الحقيقةُ بالكلية بحيث لا تُرادُ في العُرْف فقد اتفقا [أبو حنيفة وأبو يوسف] على تقديم المجاز …
الرابع: أن يكون المجاز راجحا، والحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات … فهذا هو محل النزاع)) (2).
2 - وقوله في مبحث الاستصحاب في رفع الحاجب بعد شرح كلام ابن الحاجب: ((ونحن نقول: للاستصحاب صور:
إحداها: ما ذكرناه من استصحاب العدم الأصلي، وهذا إن ثَبتَ فيه خلاف، فَلغير أصحابنا، وأما أصحابنا فمُطبقون على أنه حُجَّة.
والثانية: استصحابُ مقتضى العموم، أو النص إلى أن يَرِدَ المخصِّصُ والناسخ، ولم يختلف أصحابنا في أنه حُجَّة أيضا …
والثالثة: استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف … [قال:] هذا محل الخلاف بين أصحابنا)) (3)
3 - ومن المسائل التي جعل تحريرَ محل النزاع فيها فائدةً مستقلة قوله بعد الحديث على حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز في رفع الحاجب حيث ذكر فوائد منها الثانية قوله: ((الخلاف في الحمل على الحقيقة … والمجاز إنما هو فيما إذا ظهر قَصْدُ المجاز بقرينة مع السكوت عن الحقيقة، أو قصدهما معا، أما إذا قَصدَ الحقيقةَ فقط، فالحمل عليها فقط بلا نزاع، أو المجاز فقط اختصَّ به بلا نزاع … [إلى أن قال:] فإذن الصور أربع:
إحداها: أن تدلَّ القرينةُ على إرادة المجاز مع السكوت عن الحقيقة، وهي من محل الخلاف.
والثانية: أن تدلَّ على إرادتهما جميعا، وهي أيضا من محل الخلاف …
والثالثة: ألا تكون قرينة، ولكن للمجاز شُهْرةٌ وازى بها الحقيقة، وهي من محل الخلاف أيضا …
والرابعة: حالةُ الإطلاق مع عدم شُهْرة المجاز، ولا خلاف أنه لا يحمل فيها على المجاز … وإن أوهمَ كلامُ بعضهم أنه من محل الخلاف فلا تعتبره، وهذا فصلٌ نفيسٌ فاحفظه)) (4).--------------------------------------------
(1) التاج السبكي، رفع الحاجب (3/ 154)
(2) التاج السبكي، الإبهاج (1/ 316 وما بعدها بتصرف)
(3) التاج السبكي، رفع الحاجب (4/ 492)
(4) التاج السبكي، رفع الحاجب (3/ 143 - 144) وكان التاج السبكي قد ذكر هذه الفائدة بعينها في كتابه الإبهاج (1/ 266) فانظرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
المبحث الثالث
منهجه في عرض الأقوال
إن مسائل علم الأصول منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو محل خلاف، وكتب الأصوليين منها ما يعرض للخلاف في هذه المسائل وبذلك بذكر كل الأقوال الواردة فيها أو بعضها، ومنها ما لا يتعرض لذلك بل يكتفي بذكر القول الراجح أو الصحيح فقط دون التعرض للخلاف، ومن هنا فمن يعرض للأقوال لا بد أن يعرضها وفق منهجية معينة، والتاج السبكي اتبع في طريقة عرضه للأقوال مناهج متعددة، وهذه المناهج أَمْلَتها عليه ظروف التأليف الخاصة، إذ أنه عرض للأقوال ضمن شرحيه على المختصرات [((المنهاج)) و ((مختصر ابن الحاجب))] كما أنه عرض لها في كتابيه ((جمع الجوامع)) و ((منع الموانع))، لذا فإني سأعرض للمنهج في هذا المبحث ضمن محورين:-
المحور الأول: منهجه في شروح ((المنهاج)) و (المختصر)):-
لقد التزمَ التاج السبكي في طريقة عرضه للأقوال، في شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)) نفس طريقة أصحابها إلا أنه أضاف إليها بعض الأمور مما له علاقة بوظيفة الشراح، ومن هذه الأمور:
أولاً: التصريح بأصحاب الأقوال التي وردت في المتن مطلقة:
من المعلوم أن أصحاب المتون عندما يضعون متونهم فإنهم لا يهتمون بذكر أصحاب الأقوال كثيراً، بقَدْر اهتمامهم بعرض هذه الأقوال كما توصلوا إليها، وأحياناً يُشيرون إلى أصحابها وأخرى يشيرون إلى أشهر من عرف بها وهو الغالب، وأحياناً أخرى لا يشيرون أصلا، ويأتي الشراح فيحقِّقون نسبةَ الأقوال إلى أصحابها، ويضيفون أقوالاً أخرى، وقائلين آخرين بالإضافة إلى رد الأقوال المطلقة إلى أصحابها وقد اتبع التاج السبكي في شرحيه كل ذلك (1).
ومن الشواهد الدالة على تصريحه بأصحاب الأقوال:
1 - قوله في شرح قول البيضاوي: ((الأمرُ بعد التحريم للوجوب، وقيل للإباحة)) (2) ناسباً هذه الأقوال إلى أصحابها: ((الأول: أنها على حالها في اقتضاء الوجوب [صيغة الأمر]، وهو اختيار الإمام وأتباعه، وبه قالت المعتزلة، وصحَّحه الشيخ أبو اسحق الشيرازي في ((شرح اللمع))، والإمام أبو المظفر بن السمعاني في ((القواطع)) … والثاني: أنها تكون للإباحة، ورجَّحه ابن الحاجب، ونقَله ابنُ برهان في ((وجيزه)) عن أكثر الفقهاء والمتكلمين، وابن التلمساني في ((شرح المعالم)) عن نصَّ الشافعي … )) (3)
وبذلك ترى كيف رد التاج السبكي الأقوال التي أطلقها البيضاوي إلى أصحابها.--------------------------------------------
(1) إضافته لأقوال أخرى مرت أمثلة عليها في مباحث سابقة من هذه الرسالة، وأما تحقيق نسبة القول فسيأتي في النقطة الثالثة من هذا المبحث.
(2) البيضاوي، منهاج الوصول ص 71
(3) التاج السبكي، الإبهاج (2/ 43 - 44)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
2 - قوله في شرح قول ابن الحاجب: ((لا تثبت اللغة قياسا خلافا للقاضي وابن سريج)) (1) مبيِّناً أصحاب هذا القول: ((لا تثبت اللغة قياساً عند إمام الحرمين، والغزالي، وابن القُشيري، … والآمدي، وطائفةٌ من أصحابنا، ومن الحنفية وابن خويزمنداد من المالكية، خلافا للقاضي، وابن سريج، وابن أبي هريرة، وأبي اسحق الشيرازي، والإمام وكثير من أصحابنا، وابن القصار وابن التمار من المالكية، وأهل العربية، كالفارسي، وابن جني، والمازري)) (2).
ففي هذا المثال ترى أن التاج السبكي قد رد القول الأول إلى أصحابه المصرحين به، وأضاف إلى القول الثاني عددا من القائلين به سوى الذين اشْتُهرَ عنهم.
ثانياً: التنبيه على التطور التاريخي للآراء والأقوال:
ذكرت سابقا أن المقصود من بيان التطور التاريخي هو بيان المتقدم في القول من المتأخر ومن الذي تأثر بالآخر وكيفية هذا التأثير، والتاج السبكي في شرحيه يهتمُّ بإبراز ذلك وينصُّ عليه في كثير من الأحيان.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
1 - قوله معقّباً على تعريف الدوران الذي أورده البيضاوي وهو: ((أن يَحدثَ الحكمُ بحدوث الوصف وينعدم بعدمه)) (3) قال: ((وقد سبقَ الغزاليُّ إلى هذه العبارة)) (4). فهو بذلك قد بيَّن لنا أنْ الغزاليَّ هو من عرَّفه بهذه الصورة وأن من بعده معتمداً عليه في هذا التعريف والبيضاوي من بينهم.
2 - قوله معقِّباً على قول ابن الحاجب في مباحث العموم: ((نحو قول الصحابي: {نهى النبي عليه
الصلاة والسلام عن بيع الغرر} (5)، و {قضى بالشفعة للجار} (6) يَعُمُّ الغررَ والجار)) (7)
قال التاج السبكي ((وقال المصنف: يعمُّ الغررَ والجار مطلقاً، وهو شيءٌ ذكره ابن الأبياري شيخ المصنف في ((شرح البرهان)) سؤالا ودفعه، وذكره الآمدي بحثا؛ فارتضاه المصنف وأقامه مذهباً لنفسه، واحتج له بالبحث الذي أبداه الآمدي)) (8).
فها هنا أشار التاج السبكي إلى أنّ كون هذه الصيغة دالة على العموم، هو أمر رده ابن الأبياري كسؤال أورده وذكره الآمدي في موضع البحث، فجاء ابن الحاجب وأخذه وجعله مذهبا له.
ثالثاً: الدقة في نسبة الآراء والأقوال:
وهذا أهم ما يميز التاج السبكي في شروحه، وهو أنّه لم يكن متسرِّعا في نسبة الأقوال إلى العلماء بل كان يحقِّقُها، ويَسْتدرِك على الذين نسبوا أقوالا وجدها غير محقَّقَة النِّسبة إلى قائليها.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:--------------------------------------------
(1) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (1/ 425)
(2) التاج السبكي، رفع الحاجب (1/ 425 - 426)
(3) البيضاوي، منهاج الوصول ص 224
(4) التاج السبكي، الإبهاج (3/ 72)
(5) رواه مسلم في كتاب البيوع باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر برقم 3787 والترمذي في الجامع في كتاب البيوع باب ما جاء في كراهية بيع الغرر برقم 1151
(6) لم أجده حديثا بهذا اللفظ
(7) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (3/ 172)
(8) التاج السبكي، رفع الحاجب (3/ 172)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
1 - قوله تعقيباً على قول البيضاوي في مسألة تأخير البيان: ((وجوَّز البصريُّ ومِنّا القفالُ والدَّقاق … وأبو اسحق بالبيان الإجمالي فيما عدا المشترك)) قال التاج السبكي: ((وقد نقلَ المصنف تبعاً للإمام هذا المذهب عن أبي الحسين البصري من المعتزلة، والدقاق والقفال وأبي اسحق؛ فأما أبو الحسين فالنقل عنه صحيح، وأما الدقاق فقد نقلَ عنه الأستاذ أبو اسحق في ((أصوله)) موافقة المعتزلة، وأما القفال فالظاهر أنّ المراد الشاشي، وفي النقل عنه نظر؛ فقد نقل عنه القاضي في ((مختصر التقريب))، والشيخ أبو اسحق في ((شرح اللمع)) وغيرهما موافقة سائر الأصحاب على المذهب المختار، وأما أبو اسحق فإن كان هو المروزي كما صرح به الإمام ففي النقل نظر؛ إذ نقل عنه القاضي في ((مختصر التقريب)) والشيخ أبو اسحق، والغزالي، والآمدي: القول بمذهب المعتزلة، وإن كان مراد المصنف الشيرازي؛ فالنقل أيضاً ليس بجيِّد لأنّه قد صرَّح في ((شرح اللمع)) بالجواز مطلقا، وكذلك الأستاذ لا يصح أن يكون هو المراد لتصريحه في كتابه بموافقة الأصحاب)) (1).
فانظر إلى هذه الدقة، وكيف أن التاج السبكي لم يأخذ هذه النسبة مسلَّمة، وهذا يدلُّنا على أمرين:
الأول: سِعةُ إطلاع التاج السبكي على المؤلفات الأصولية.
الثاني: دقَّتهُ المتناهية في نسبة الأقوال.
2 - وقوله معقِّباً على قول ابن الحاجب في مسألة حكم اتفاق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول من كتاب الإجماع: ((الأشعري: العادة تقتضي بامتناعه)) (2) قال التاج: ((ولا نعرف هذا من كلام الأشعري نفسه، وإنما هو من كلام إمام الحرمين سيد الأشاعرة)) (3).
المحور الثاني: منهجه في ((جمع الجوامع)):
إنَّ للمختصرات طريقة في عرض الأقوال تخالف نوعا ما طريقة العرض في الشروح، وقد اتبع التاج السبكي في ((جمع الجوامع)) عددا من الطرائق في عرضه للأقوال تتناسب وطبيعةُ كتابه ومن هذه الطرائق:
أولاً: أنه غالبا ما يبدأ المسألة بذكر الرأي الراجح لديه إن لم يصرح بخلافه:
من خلال استعراضي ((لجمع الجوامع))، وكيفية ترتيب التاج السبكي للأقوال وجدته في الغالب يبدأ المسألة بذكر القول الذي يرتضيه إلا إذا صرَّح في أثناء عرض الأقوال بخلافه، ومن الأمثلة على ذلك:-
1 - قوله في دلالة الأمر على المرة أو التكرار: ((الأمر لطلب الماهية لا لتكرارٍ ولا مرَّة، والمرَّةُ ضرورية، وقيل: المرَّةُ مدلوله، وقال الأستاذ والقزويني: للتكرار مطلقا، وقيل: بالوقف)) (4).
فلو دقَّق الناظرُ في هذا الترتيب لقضى بأنَّ التاجَ السبكي معتمده القول الأول وهو: أنَّ الأمر لطلب الماهية فقط أي: طلَبُ إيقاع ماهية المأمور به، وليس الأمر دالّاً على الوَحْدة أو التكرار وإنما المرَّة ضرورية، ذلك أنها من ضروريات الإتيان بالمأمور به، ومن ثمَّ ترى أن التاج السبكي قد ضعَّف قولين بصيغة التضعيف بقوله قيل وهما:-
القول الأول: أن الأمر يدل على المرة.--------------------------------------------
(1) التاج السبكي، الإبهاج (2/ 217)
(2) ابن الحاجب، مختصر المنتهى (2/ 251)
(3) التاج السبكي، رفع الحاجب (2/ 251)
(4) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 143
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
القول الثاني: القول بالوقف، وهو يحتمل أمرين: إما أن يكون مشتركا بين المرة والتكرار فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة، وإما: أنه لأحدهما ولا نعرفه فنتوقف لجهلنا بالواقع (1).
وهكذا شأن أغلب مباحث ((جمع الجوامع))، فإذا ما وجدته قد ابتدأ قولا ولم يصرِّح باختيارٍ يخالفه فاعلم أنّ هذا القول هو المعتمد لديه، والله تعالى أعلم.
ومن النوع الثاني: الذي يصرِّح باختيارٍ يخالف فيه ما ذكره أولاً قوله في حُجِّية الحديث المرسل: ((واحتج به أبو حنيفة ومالك والآمدي مطلقا، وقوم إن كان المرسل من أئمة النقل، [إلى أن قال:] والصحيح رده وعليه الأكثر منهم الشافعي والقاضي)) (2).
ففي هذا المثال ترى أن التاج السبكي قد صرح باختياره في المسألة وهو مخالف لما بدأ به المسألة.
ثانياً: التصريح بذكر أرباب الأقوال وعدمه:
لقد بين لنا التاج السبكي في ختام ((جمع الجوامع)) منهجه في التصريح بأصحاب الأقوال … وعدمه فقال: ((ولربما أفصحنا بذكر أرباب الأقوال فحسبه الغبي تطويلا يؤدي إلى الملال، وما درى أنّا إنّما فعلنا ذلك لغَرضٍ تُحرَّك له الهمم العوال، فربما لم يكن القولُ مشهوراً عمن ذكرناه، أو كان قد عزيَ إليه على الوهم سواه، أو غير ذلك مما يُظْهره التأمل لمن استعمل قواه)) (3).
فمن هذا النص يُعلَم أن التاج السبكي يصرِّح بأصحاب الأقوال لفوائد منها:
1 - عدم شُهرة القول عن المصرِّح به.
2 - أن يعزى إليه قولُ لا يقول به والتحقيق خلافه.
3 - تقوية القول الغريب.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:
1 - قوله في فرض الكفاية: ((وزَعمه الأستاذ وإمام الحرمين وأبوه أفضل من العين)) (4).
فها هنا قد صرَّح التاج السبكي بالقائلين وهم الأستاذ أبو اسحق الإسفراييني، وإمام الحرمين الجويني وأبوه وقد بيَّن في ((منع الموانع)) السرَّ في ذلك فقال: ((له [التصريح بأسماء القائلين] فائدتان:
أحدهما: غرابةُ القول في نفسه، والغريبُ يتقوَّى بعزوه إلى قائله لا سيَّما إذا كان قائله إماماً معتبراً ككل أحد من هؤلاء.
والثانية: أنّه مشهور عن إمام الحرمين فقط، قال النووي في الروضة: ((والأكثر إنما عزوه إليه))، [قال التاج السبكي معقِّبا]: فأخذنا أنّ له سَلَفاً عظيماً وهو والده الشيخ أبو محمد والأستاذ أبو اسحق)) (5).
2 - قوله في مسألة التكليف بالمحال: ((ومنع أكثر المعتزلة والشيخ أبو حامد ، الغزالي، وابن دقيق العيد ما ليس ممتنعاً لتعلُّق العلم بعدم وقوعه)) (6)--------------------------------------------
(1) انظر: الزركشي، تشنيف المسامع (1/ 307)
(2) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 163
(3) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 203
(4) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 128
(5) التاج السبكي، منع الموانع ص 465 وما بعدها
(6) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 130
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
قال التاج السبكي - مبيّناً سببَ التصريح بهؤلاء العلماء - في كتابه ((منع الموانع)): … ((وصرَّحنا بهم لأنّهم من أئمة أهل السنة، فتُسْتغرَبُ موافقتهم للمعتزلة، وأبو حامدٍ هو الإسفراييني شيخ العراقيين من متقدميهم، والغزاليُّ من متوسطيهم، وابنُ دقيق العيد من متأخريهم؛ فكان في التصريح بهم أيضاً فائدةٌ في أنّ في كل قرن منَّا من يوافقهم)) (1).
وبهذا ترى الفوائد والأسرار في التصريح بأسماء القائلين، وقد أسهب التاج السبكي في بيان عدد من هذه الفوائد كمنهج تطبيقي في كتابه ((منع الموانع)) فانظره هناك (2).
ومن المواضع التي لم يصرح فيها بأصحاب الأقوال: وهو الأغلب في ((جمع الجوامع)) قوله في مسألة الأمر بواحد مبهم: ((الأمرُ بواحد من أشياءَ يوجبُ واحداُ لا بعينه، وقيل الكل، ويسقط بواحد، وقيل الواجب معين فإن فعل غيره سقط، وقيل هو ما يختاره المكلف … )) (3)
ففي هذا المثال ذكر لنا التاج في المسألة أربعة أقوال ولم يصرِّح بأصحاب هذه الأقوال:
القول الأول: أنَّ الواجبَ واحدٌ لا بعينه، وهذا القول هو الذي ارتضاه التاج السبكي ونقل القاضي إجماع سلف الأمة والفقهاء عليه (4).
القول الثاني: أنَّ الكلَّ واجبٌ ويسقط الطلب بفعل واحد منها، قال الزركشي: ((نقله القاضي عن أبي هاشم وابنه من المعتزلة وبعض الفقهاء)) (5).
القول الثالث: أنَّ الواجب معيَّنٌ عند الله تعالى مبهمٌ عندنا، ويسقط الطلب بفعل شيء من الأمور المذكورة، وهذا القول لم يَقُل به أحدٌ من العلماء على ما قاله التقي السبكي (6) والد التاج، وسمِّيَ بقول التراجم؛ لأن الأشاعرة ينسبونه إلى المعتزلة والمعتزلة تنسبه إلى الأشاعرة، واتفق الفريقان على … فساده (7).
القول الرابع: أنَّ الواجب واحد وهو ما يفعله المكلف ونُسبَ إلى ابن الحاجب (8).
ثالثاً: ترتيب أصحاب الأقوال - حيث صرَّح بهم - حسب الأقدمية لبيان التطور التاريخي لها:
عندما كان يُصرِّح التاج السبكي بأصحاب الأقوال؛ فإنّه كان يأتي بهم مرتبين بحسب الأقدمية بحيث يَلُوح للناظر معرفةُ المتقدم في القول وأنَّ الآخرين قد أخذوه منه.
ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
قوله في مسألة الأمر النفسي بشيء معيَّن هل هو نهي عن ضده أم لا: ((قال الشيخ … والقاضي: الأمرُ النفسي بشيءٍ معيَّن نهيٌ عن ضده الوجودي، وعن القاضي يتضمنه وعليه عبد الجبار وأبو الحسين والإمام والآمدي، وقال إمام الحرمين والغزالي: لا عينه ولا يتضمنه)) (9).
فمن خلال النظر في ترتيب القائلين يمكن معرفة المتقدم منهم في القول من المتأخر، وإن المتأخر تابع للمتقدم، ففي هذا المثال تجد:--------------------------------------------
(1) التاج السبكي، منع الموانع ص 468
(2) انظر ذلك في منع الموانع ص 464 - 471
(3) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 128
(4) نقل ذلك الزركشي في تشنيف المسامع (1/ 107)
(5) الزركشي، تشنيف المسامع (1/ 107)
(6) نقل ذلك عنه ولده التاج السبكي في رفع الحاجب (1/ 508)
(7) انظر: المصدر السابق الزركشي، تشنيف المسامع (1/ 107)
(8) انظر المصدر السابق
(9) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 144
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
1 - أن الشيخ أبا الحسن الأشعري والقاضي الباقلاني يعتبران الأمر النفسي بشيء معين نهياً عن ضده، وفي ذكره للقاضي بعد الأشعري لأنّ الأشعري متقدم عليه، وإشارةٌ إلى أنَّ القاضي متابع للأشعري في ذلك.
2 - وكذلك في تقديمه للقاضي في القول الثاني المروي عنه وهو: أن الأمر بشيء معين متضمّنٌ النهيَ عن ضده، فقدم القاضي ثم ذكر أسماء العلماء الآخرين الذين تأثروا به في ذلك وذكرهم مرتبين زمنياً عبد الجبار يليه أبو الحسين البصري ثم الإمام الرازي فالآمدي، ومعلوم أن ترتيبهم هكذا هو الموافق لترتيبهم التاريخي.
رابعاً: الإشارة إلى وجود الخلاف، وإلى ضعف بعض الأقوال:
من عادة التاج السبكي في هذا المختصر الإشارة إلى وجود الخلاف في بعض المسائل أثناء عرضه للأقوال بحيث يمكن للمتأمل فيه أن يُدْرك ذلك، وقد أشار التاج السبكي في كتابه ((منع الموانع)) إلى أنه يشير بلفظ ولو إلى خلاف ضعيف فإن قويَ الخلافُ فإنه يصرّحُ به وقال: ((ونحن أبدا نشير بلفظ ولو إلى خلاف فإن قَويَ أو تحقَّق صرَّحنا به، وإلا اكتفينا بهذه الإشارة، فاعرف ذلك)) (1) وقال في موضع آخر: ((قد أشرت إليهما بقولي ولو ومن عادتي الإشارة به إلى خلاف ضعيف لا ينتهض بحيث يصرَّح بحكايته، أو احتمال خلاف وإن لم يوجد)) (2).
ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
1 - قوله: في مسألة التخصيص بمذهب الراوي: ((ومذهب الراوي ولو صحابيا … لا يخصِّص)) (3)
ففي هذا النص أمران:
الأول: أنّ المعتمدَ عند التاج السبكي أنَّ مذهب الراوي سواء أكان من الصحابة أو غيرهم لا يخصِّصُ العموم.
والثاني: أشارَ التاج السبكي إلى وجود خلاف في المسألة وهو خلافُ الحنفية في عمل الصحابي بخلاف ما روى، بقوله: ''ولو صحابيا '' وفي قوله ولو دلالةٌ عنده على ضعفِ هذا القول وسقوطه.
2 - قوله في بيان عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ((الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون لا يَصْدُرُ عنهم ذنبٌ ولو صغيرةً سهوا)) (4).
ففي قوله '' ولو صغيرة '' إشارةٌ إلى وجود خلاف ضعيف بين العلماء في جواز الصغائر على الأنبياء (5)، والمعتمد خلافه.
وأما إشارته إلى ضعف بعض الأقوال: فذلك يكون إذا عبر عنه بلفظ قيل فإن اشتد ضعفه عبر عنه بقوله زعم.
فمن النوع الأول قوله في حُجِّية الدوران في إفادته العلة: ((قيلَ لا يفيد، وقيل قطعي، … والمختار وفاقا للأكثر ظني)) (6) فها هنا أشار التاج السبكي إلى ضعف قولين هما:-
الأول: عدم إفادة الدوران للعلِّيَّة مطلقا.
والثاني: أنّه يفيد العلَّة قطعا.
وصرَّح باختيار الثالث وهو: كون إفادته للعلَّة ظنا.--------------------------------------------
(1) التاج السبكي، منع الموانع ص 291 وما بعدها
(2) المصدر السابق ص 369
(3) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 150
(4) المصدر السابق ص 155
(5) صرح بجواز الصغائر على الأنبياء سهوا، البيضاوي في المنهاج حيث قال:" الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون لا يصدر عنهم ذنب إلا الصغائر سهوا " انظر: البيضاوي، منهاج الوصول ص 151، وانظر الأقوال في ذلك في الآمدي، الإحكام (1/ 145 - 146)
(6) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 176
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
ومن النوع الثاني قوله في تعريف المطلق: ((المطلق الدال على الماهية بلا قيد، وزعم الأمدي (1) وابن الحاجب (2) دلالته على الوحدة الشائعة توهّماه النكرة)) (3)
ففي هذا النص صرَّح التاج السبكي بتضعيف قول الآمدي وابن الحاجب في تعريف المطلق … وذلك بقوله وزعم الدالة على شدة ضعفه (4).
خامساً: اختزال الأقوال:
المقصود باختزال الأقوال: هو جمع مجموعة من الأقوال في قول واحد يدلُّ عليها بحيثُ يُصرَّحُ بقولٍ ما ويطوى ذكرَ بقية الأقوال لإمكان فهمها واستخراجها من القول المصرَّح به، وقد نصَّ التاج السبكي على اتباعه هذا المنهج من الاختصار في ((جمع الجوامع)) بقوله: ((واعلم أنّا وغيرنا كثيراً ما نطوي في حكاية المسألة المشتملة على مذاهب ذكر ثانيها، وكذا ذكر الأول إذا لم يكن المختار، لدلالة لفظ الثالث عليهما)) (5).
ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
1 - قوله في حجية الإجماع السكوتي: ((أما السكوتي فثالثها حُجَّةٌ لا إجماع ورابعها: بشرط الانقراض)) (6).
فالناظر في هذا النص يمكنه بأدنى نظر أن يستخرجَ الأقوال في هذه المسألة على النحو الآتي:-
القول الأول: أن الإجماع السكوتي ليس بحجَّة مطلقا ولا إجماع.
القول الثاني: أن السكوتي إجماع وحُجَّة.
وهذان القولان لم يتعرَّض لذكرهما في المتن مكتفيا بقوله ((فثالثها: حجة لا إجماع))، فقوله ''حجة '' يُفهمُ منه القول بأنَّه ليس حجَّةً مطلقا، وقوله '' ولا إجماع '' يُفهمُ منه القول بأنّه إجماع.
2 - وقوله في تعارض المجاز الراجح والحقيقة المرجوحة: ((أقوال: ثالثها المختار مجمل)) (7)
فتكون الأقوال كالتالي:
الأول: تقديم المجاز لكونه راجحا.
الثاني: تقديم الحقيقة.
الثالث: أنها مجمل فلا يُعملُ بأحدهما إلا بعد البيان.
ففي قوله '' مجمل '' أي: مُجمل بين الحقيقة والمجاز بمعنى أنه لا يُعرف أنه حقيقة أو مجاز إلا بعد البيان، وهذا فيه دلالة على القولين الآخرين لأنه إذا كان متردّداً بينهما فهذا بمعنى وجود من يقول بكل منهما على انفراده، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) لقد عرف الآمدي المطلق بأنه:" النكرة في سياق الإثبات " انظر: الآمدي، الإحكام (3/ 5)
(2) عرف ابن الحاجب المطلق بأنه:" ما دل على شائع في جنسه " انظر: مختصر المنتهى (3/ 366)
(3) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 151
(4) وقد بين التاج ضعف هذا القول ورده في رفع الحاجب (3/ 366 - 367) فانظره هناك
(5) التاج السبكي، منع الموانع ص 400
(6) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 166
(7) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 138
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
وقد سار التاج السبكي في أغلب مباحث ((جمع الجوامع)) على هذا النمط من الاختصار، إلا أني وجدته في بعض المسائل يخرج عن هذا الاختصار ويأتي بكل الأقوال الواردة في المسألة، فمن ذلك قوله في دلالة صيغة الأمر: ((والجمهور حقيقةٌ في الوجوب … ، وقيل في الندب، وقال الماتريدي: للقدر المشترك بينهما، وقيل مشتركة فيهما وفي الإباحة، وقيل في الثلاثة والتهديد، وقال عبد الجبار: لإرادة الامتثال، وقال أبو بكر الأبهري: أمر الله تعالى للوجوب، وأمر النبي صلى الله عليه … وسلم المبتدأ للندب، وقيل مشتركة بين الخمسة الأُوَل، وقيل بين الأحكام الخمسة، والمختار وفاقا للشيخ أبي حامد وإمام الحرمين: حقيقة في الطلب الجازم، فإن صَدَرَ من الشارع أوجب الفعل)) (1).
فأنت ترى أن التاج السبكي قد خرج في هذه المسألة عن الاختصار وذكر كل ما ورد فيها من الأقوال على النحو التالي:-
الأول: أنه حقيقة في الوجوب فقط وهو رأي الجمهور.
الثاني: أنه حقيقة في الندب.
الثالث: أنه للقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب وهذا رأي الماتريدي.
الرابع: أنها مشتركة اشتراكا لفظيا بين الوجوب والندب.
الخامس: الوقف بمعنى أنه لا يُدرى أهي حقيقة في الوجوب أو الندب أم فيهما (2)، وهو قول القاضي الباقلاني والغزالي والآمدي.
السادس: أنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة.
السابع: أنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد.
الثامن: أنها حقيقة في إرادة الامتثال فقط وهو قول القاضي عبد الجبار من المعتزلة.
التاسع: التفصيل بين أمر الله تعالى فيكون للوجوب، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو للندب، وهذا رأي أبو بكر الأبهري.
العاشر: أنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد (3).
الحادي عشر: أنها مشتركة بين الأحكام الخمسة وهي الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم.
الثاني عشر: أنها حقيقة في الطلب الجازم والوجوب مستفاد من خارج الصيغة.
وبهذا ترى أن التاج السبكي قد استوعب ذكر كل ما ورد في حقيقة صيغة '' إفعل '' ولعل مراده في ذلك التنبيه على تضعيف بعضها وتقوية الأخرى بنسبتها إلى قائليها وأنه لا مانع من الأخذ بها والله تعالى أعلم.
سادساً: الاقتصار على ذكر الأقوال الصحيحة فقط دون الضعيفة:
اتبع التاج السبكي في بعض الأحيان منهجا يتلخَّص في عرضه للأقوال الصحيحة فقط مُعْرضاً عن ذكر الأقوال الضعيفة، ومن ذلك قوله في البيان: ((وإنما يجب لمن أريد فهمه اتفاقا، والأصح أنه قد يكون بالفعل وأن المظنونَ يبين المعلوم، وأنَّ المتقدمَ وإن جهلنا عينه من القول أو الفعل هو … البيان)) (4).
ففي هذا النص عرضَ التاج السبكي للأقوال التي رآها صحيحة وأعرضَ عن ذكره لمقابلها من الأقوال لضعفها.
فقوله: '' أنه قد يكون بالفعل '' هذا هو الصحيح وفي المسألة قول مفاده أنَّ البيان لا يكون إلا بالقول ولا يصح بالفعل (5).--------------------------------------------
(1) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 142 - -143
(2) انظر: الجلال المحلي، شرح جمع الجوامع (1/ 475)
(3) انظر: المصدر السابق (1/ 476)
(4) التاج السبكي، جمع الجوامع ص 153
(5) انظر: الزركشي، تشنيف المسامع (1/ 422)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
وقوله: '' أن المظنون يبين المعلوم '' هو القول الصحيح في المسألة ولم يذكر الأقوال الأخرى في المسألة لضعفها (1).
المبحث الرابع
منهجه في مناقشة الأقوال والردود على المخالفين
لم يكن التاج السبكي في عرضه للأقوال والآراء بل والأدلة مجَّرد ناقل لها فقط بل كان يناقش ما يحتاج منها إلى مناقشة ويَردُّ ما كان منها مردوداً، ويرى أنه ليس من الموضوعية التمحُّل بتأويل الأقوال والتعسُّف لها، ويقول في ذلك: ((وأنا أبدي ما عندي ثم أتكلَّم عليها وأعرضها على الحق فإن وافقته، وإلا طرحتها، فالحق: عرضُ الأقوال على الحق، لا عَرضُ الحق على الأقوال، والتمحُّل لها بغاية التعسف، ونهاية الفساد)) (2)، وهذا منهج اتبعه التاج السبكي في أغلب مباحث شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر))، كما اتبع ذلك في كتابه ((منع الموانع))، إلا أنه قد اتبع في ((منع الموانع)) منهجا مغايرا نوعا ما لمنهجه في الشروح وذلك نظرا لطبيعة كتابه ((منع الموانع)) الذي هو عبارة عن ردَّ وإيضاح لبعض الإيرادات التي وجِّهت على كتابه ((جمع الجوامع)) ومن هنا يأتي تقسيمي لهذا المبحث ضمن محورين كالآتي:
المحور الأول: منهجه في مناقشة الأقوال والردود على المخالفين في شرحيه على ((المنهاج)) و ((المختصر)):
لقد اتبع التاج السبكي عدة طرائق في كيفية مناقشته للآخرين سواءً كانت المناقشة على القول أو الرأي أو الدليل أو التوجيه لدليل ما، ومن هذه الطرائق:-
أولاً: الإشارة إلى وجود مناقشة أو اعتراض على القول أو الدليل المذكورين:
من منهج التاج السبكي أنه في كثير من الأحيان يشير إلى وجود مناقشة أو اعتراض على ما يذكره ويقرره من الأقوال أو الأدلة، وتتمثل هذه الإشارة بقوله - عقب القول أو الدليل - هذا ما قاله هكذا ذكره أو نحوها من الصيغ التي تبدأ بعبارة هذا أو هكذا أو كذا، فحيثما أعقب الشرح بمثل هذه العبارات، فهي دلالة على وجود مناقشة تأتي بعد ذلك، ومن الشواهد الدالة على ذلك:-
1 - قوله بعد شرح قول البيضاوي في مباحث المجاز: ((المجاز إما في المفرد مثل: الأسد للشجاع … )) (3)
قال التاج بعد الشرح: ((هذا شرح ما في الكتاب [ثم قال:] ولك هنا مناقشات:
أحدها: على التمثيل بالبيت الذي ذكره (4) من جهته أنه إنما يصلح مثالا للقسم الثالث لأن المراد بالصغير من تقدم له الصغر … )) إلى آخر تلك المناقشات (5).
فأنت ترى هنا أن التاج السبكي قد مهَّد لهذه المناقشات بقوله: هذا شرح ما في الكتاب؛ لينبِّه القارئَ إلى وجود مناقشات تأتي فيما بعد.--------------------------------------------
(1) وهي: القول بأن المبين لا بد أن يكون أقوى، والقول بكونه مساويا والتفصيل بين ما يعلم بالضرورة وما تعم به البلوى فيجب فيه التواتر، وبين غيره مما لا يعلم ضرورة فيجوز بخبر الواحد. انظر: الزركشي، تشنيف المسامع (1/ 423)
(2) التاج السبكي، رفع الحاجب (2/ 267)
(3) البيضاوي، منهاج الوصول ص 52
(4) يشير بذلك إلى قول الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير … كرّ الغداة ومر العشي
(5) التاج السبكي، الإبهاج (1/ 295 وما بعدها)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)