Arabic source text

📘 আল-ফুরকান ফী বায়ানি ই’জাযিল কুরআন (আল-কারিম বিন সালিহ আল-হুমাইদ - মৃত্যু 1445 হিজরী)

📘 الفرقان في بيان إعجاز القرآن (عبد الكريم بن صالح الحميد - ت 1445 هـ)

📘 আল-ফুরকান ফী বায়ানি ই’জাযিল কুরআন (আল-কারিম বিন সালিহ আল-হুমাইদ - মৃত্যু 1445 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
يستوي فضل الرب وعدله.
أما الخلود والتأبيد في لغة القرآن فلا يقتضي ذلك عدم النهاية بل المراد به لأهل النار المكث الطويل.
وحيث أن الكفر طارئ دخيل ليس أصلي في المخلوق بل الأصلي التوحيد وهو الفطرة فمن هنا يُعلم أن الشر ليس إلا الله عز وجل.
وكلام صاحب كتاب توحيد الخالق هذا يُنَفِّر عن أرحم الراحمين الذي تغلب رحمته غضبه، والذي لا يتشفّى بالعذاب كالمخلوق، وإنما تعذيبه طُهْرَة للمُعَذَّب كالحدود في الدنيا والمصائب، ورب الدارين واحد، فالحدود كفارات والمصائب أيضاً وعذاب الآخرة من هذا الجنس فسنة الله وهي عادته لا تتغير لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وكلام صاحب كتاب توحيد الخالق هذا يدعو أيضاً إلى اليأس والقنوط وليس فيه تعليل أفعال الحكيم التي من عرفها أحَبّ ربه وأقبل على طاعته، وسوف أُرْفق هنا منظومة عنوانها (تعليل أفعال الجليل) فيها إشارة إلى هذا الموضوع وأن التعذيب في النار لم يصدر من الرب عز وجل لمشيئة مجّردة كما يشير إلى ذلك صاحب كتاب توحيد الخالق، وهذا مذهب باطل، ولا لعدم مبالاةٍ بالخلق كما يُفهم من كلامه: (وإذن فما قيمة كل من يعيش عليها) بل الرب سبحانه حكيم رحيم فعله لا يخرج عن الحكمة والرحمة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)

وقد خاض من خاض في هذه المسألة قديماً مثل الجهم بن صفوان فإنه لما اعتقد دوام النار مع الإله عز وجل أنكر الحكمة والرحمة وصار هذا مذهباً يُتبع وهو أن الله يفعل بمشيئة مجرّدة وليس لأفعاله تعليل بالحكمة والرحمة لا سيما العذاب، وقد رَدّ أهل السنة هذا الاعتقاد الفاسد، وهذا الموضع لا يحتمل الإطالة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)

‌‌(بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) الآية
وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) (1).
البنان: هي أطراف الأصابع وتسويتها هنا معناها: إعادتها إلى هيئتها الأولى، فأيهما أصعب: إعادة البنان أم إعادة العظام؟ قد يتساوى الأمر عند النظرة الأولى، ولكن إذا عرفنا أن لكل إنسان رسماً خاصاً لبنانه لا يشابه رسم لبَنان أي إنسان آخر، وقد استخدمت بصمات البنان في التعرف على الشخصية. انتهى.
قول صاحب كتاب توحيد الخالق عن تسويتها أن معناها إعادتها إلى هيئتها الأولى غلط فليس هذا المراد بالتسوية هنا إنما هو كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطية العوفي ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وابن جرير: وأنه لو شاء تعالى لجعله خُفًّا أو حافراً، ذكره ابن كثير في تفسيره.--------------------------------------------
(1) القيامة، آية 3، 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)

قال ابن القيم: لو شاء لَسَوّاها وجعلها طبقاً واحداً كالصفيحة انتهى (1).
والرب سبحانه هنا جمع بين كمال قدرته على جمع عظام الإنسان ونعمته عليه بأنه جعل بنانه بهذه الصفة التي يتمكن بها من أغراضه ما لا يحصل بدونها مع تجميله بها.
أما البصمات وإرادة التعرّف على الشخصية كما ذكر فليس هو المراد قطعاً وليست البصمات أبلغ في اختلاف الناس في خطوطها من صفاتهم الأخرى التي هي أظهر وأبين لكل أحد لا سيما في وقت نزول القرآن الذي ألْقى النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته معانيه كما ألقى لهم ألفاظه، وكان اهتمامهم بالمعاني أعظم من اهتمامهم باللفظ.
إن اختلاف الخلق في صُوَر وجوههم وأصواتهم وجميع صفاتهم ظاهر بيّن وقد جعل سبحانه ذلك من آياته الدّالة على قدرته فقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) الآية. فاختلاف اللغات والحلى التي هي الألوان ظاهر بل واختلاف نبرات الأصوات من شخص إلى آخر، وغير ذلك من عجائب قدرة الله.
فلو كان الأمر كما زعم صاحب كتاب توحيد الخالق أن التسوية المراد بها الإعادة إلى الهيئة الأولى لكان ذكر إعادة صور الوجود على--------------------------------------------
(1) مفتاح دار السعادة 1/ 192.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)

هيئتها الأولى كذلك الأصوات أبلغ وأظهر لكل أحد، وخطوط أطراف الأصابع أمر خفي.
وقطعاً فليس هو المراد، أما القدرة فصالحة لكل شيء فليس النزاع فيها ولا في اختلاف الخطوط في البنان من شخص لآخر، إنما المراد معنى الآية وكوْن القرآن يُطَوَّع على مقتضى أحوال الناس والزمان فيجاري أهوائهم ويُساير أغراضهم.
وفي صفحة 366 (توحيد الخالق) ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق قول من يقول: (إن الإسلام رجعية) ثم تكلم عن الإسلام والرجعية بكلام حق وباطل وتمام عن معنى التقدم.
وعلى كل حال فلصاحب كتاب توحيد الخالق أمثال كثيرون يقيسون الأمور بآرائهم بكلامهم في الدين حيث يسْتحسنون ما فُتِنَتْ به الأمة في هذا الزمان ويعظمون شأنه مما فُتح على أعداء الله استدراجاً وإضلالاً.
والتقدم والتأخر حقيقتة ما قال سبحانه في كتابه العزيز: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) أي يتقدم بطاعة الله ورسوله أو يتأخر بمعصية الله ورسوله.
وما أكثر الخوض في عصرنا في معاني أسماء مُحْدَثة وأمور مُحْدَثة بهوى جارف وعقل تالف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)

ولقد بَهَرَتْ معجزات نبينا في هذا الزمان بوقوعها كما أخبر صلى الله عليه وسلم مثل قبض العلم بموت العلماء فتظهر الرؤوس الجهال (1) وقد امتلأت اليوم منهم الأرض وهم الذين يقيسون الأمور بآرائهم فيستحسنون ما وافق أهوائهم وإن خالف الحق.
وظهرت معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم في وقتنا جليّة ناطقة فقد أخبر إخبارات خرجت مخرج الذّم والتحذير لأمته فوقع تصديق ما أخبر به واتباعه كما أخبر بالوصف الدقيق (شبراً بشبر) و (ذراعاً بذراع) (2) ونحو ذلك مما يبين شدة العناية بتحقيق اتباع سنن أهل الكتاب وغيرهم من الأمم.
والمراد أن الكلام في الدين لم يكن هكذا كما حصل في وقتنا كُلٌّ يخوض بما شاء، فترى الشخص شُهد له أنه قد ارتفع مقامه وعَلَتْ مكانته فتراه فوق وهو لا يُحسن تثبيت قدمه على الدرجة الأولى.--------------------------------------------
(1) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (1/ 50) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً.
(2) رواه البخاري (3/ 1274) ومسلم (4/ 2054) عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)

‌‌كلام في القدر
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق تحت عنوان: (التعذيب والكتابة في اللوح): ويقول بعض المرتابين: إذا كان الله قد كتب علينا في اللوح أننا سنعمل الشر فلماذا يعاقبنا على ما قد كتب علينا؟.
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق: والجواب واضح وهو أن علم الله السابق الذي كتب في اللوح لم ينزل إلى الأرض لإرغامنا على فعل الشر والخير حتى نحتج بهذا السؤال، فليس لعلم الله السابق وما كُتِب في للوح قوة تسوقنا مُكرَهين إلى فعل الأشياء، بل علم الله السابق صفة انكشاف لما سنعمل بحريتنا لا صفة تغير لأفعالنا، وكل إنسان منا يشعر تمام الشعور أنه يمارس عمله بحرية تامة؛ ويشهد بذلك ما في جسم الإنسان من عضلات إرادية تعمل تحت إرادة الإنسان، وعضلات لا إرادية هي تلك التي لا دخل للإنسان في توجيهها، كعضلة القلب، وعضلات المعدة، ولذلك لا ينبني على أعمال هذه العضلات اللاإرادية أي ثواب أو عقاب.
فإذا علمت أن شخصاً قد مشى إلى عمل من خير أو شر فهل علمك يؤثر فيما عمله الشخص المذكور؟ كذلك فإذا فعلت خيراً مثلاً،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)

وكتب شخص ما فعلت من خير، فهل يقول أي عاقل: إن تلك الكتابة هي التي أرغمتك على فعل الخير؟ كلا، إن كتابة الشخص ليست إلا تسجيلاً لما فعلت، والكتابة في اللوح ليست إلا تسجيلاً لما ستفعل باختيارك، وليس من فرق بين التسجيل لفعلك قبل حدوثه، والتسجيل بعد حدوثه إلا لذلك الفرق بين علم الله الواسع الشامل السابق، وعلم الإنسان المحدود اللاحق. انتهى (1).
كلام صاحب كتاب توحيد الخالق في القدر هنا خوض بلا علم بل بجهل وضلال، والخوض بشأن القدر حاصل في هذه الأمة والأمم قبلها، ومعلوم أن الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان والكلام فيه مزلّة ومضلّة إلا من وُفّق للعلم به على مقتضى مذهب أهل السنة والجماعة.
فقول صاحب كتاب توحيد الخالق: (عِلم الله السابق الذي كتب في اللوح لم ينزل إلى الأرض لإرغامنا على فعل الشر والخير حتى نحتج بهذا السؤال فليس لِعلم الله السابق وما كُتب في اللوح قوة تسوقنا مكرهين إلى فعل الأشياء) كلام ركيك، حيث لم يجعل لعلم الله تأثيراً إلا أنه كاشف فقط حيث قال بعد ذلك: (بل علم الله السابق صفة انكشاف لما سنعمل بحريتنا لا صفة تغيير لأفعالنا) هذا كلام جاهل بالقدر،--------------------------------------------
(1) توحيد الخالق، (ص368).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)

فالعلم السابق ليس كاشفاً لما سيعمل العباد فهذا يُشعر بمذهب القدرية الذين يزعمون أن العبد يخلق فعله اسْتقلالاً بل علم الله الذي كتبه في اللوح مُقارن لإرادته سبحانه أن يقع هذا المعلوم كما أراد، فقط أن علمه وإرادته سبحانه متقدمة وقوع الفعل من العباد كما تقدم ذلك وجودهم، فإذا وُجدوا أظهر معلومة فيهم كما كتبه علماً في اللوح فعملوا على مقتضى ما عَلِم وأراد وكَتب، فهذه ثلاث مراتب: (العلم) و (الإرادة وهي المشيئة) و (الكتابة) بقيت مرتبة رابعة إذا علمها العبد واعتقادها يحل الإشكال ويتبيّن الحق من الضلال، وهي مرتبة (خلق الأفعال) وهذه مراتب القدر الأربع من لم يُحْكمها اضطرب في شأن القدر، فنفي أن يكون لعلم الله السابق قوة تسوقنا إلى فعل الأشياء، هذا من جنس مذهب القدرية.
أما قوله: (مكرهين) فنفيه الإكراه هنا يزيد الأمر وضوحاً وكأنّ العبد يفعل بإرادة وقدرة مستقلة وهذا باطل وهو مذهب القدرية.
وأهل السنة يثبتون خلق الله سبحانه لأفعال العباد وينفون أن يكون ذلك إكراهاً أو إرغاماً أو جبراً إذ العبد يفعل بقدرة واختيار وإرادة، فهذا يُخرجه من أن يوصف بأنه مكره ومجبر، والله سبحانه هو الخالق لفعله بأن جعله قادراً مختاراً مريداً، وهذا يخرجه من أن يوصف بأنه خالق لفعله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)

فقوله: (لما سنعمل بحريّتنا، وقوله: وكل إنسان منا يُشعر تمام الشعور أنه يُمارس عمله بحريّة تامة) يُشعر أن العبد يخلق فعله وهذا إثبات خالق مع الله، وخلق الله لأفعالنا لا ينفي أننا نعمل بحريتنا واختيارنا إنما ينفي أن تكون هذه الحرية والاختيار اسْتقلالاً منا إذْ أن حرّيتنا واختيارنا مخلوق ذلك كله لله فيجعلنا نختار ما يُريد بحريتنا.
أما تشبيه صاحب كتاب توحيد الخالق إيقاع العبد عمله بالعضلات الإرادية وغير الإرادية ثم تمثيله بأن عِلْم شخص بعمل شخص ليس له تأثير بذلك العمل، هذا تشبيه علم الرب عز وجل بعلم عباده وهو باطل والفرق أن الرب سبحانه يعلم ما سيفعله العبد لأنه قد أراده وعلمه وكتبه ويخلقه على مقتضى علمه وإرادته وكتابته … أما علم الشخص بعمل شخص آخر فغير مؤثر بخلاف علم الرب سبحانه بعمل العبد فإنه سابق في التقدير مؤثر في الإيجاد.
فإذا قيل: هذا هو الجبر والإكراه والإرغام بعينه، قيل: ليس كذلك، فالمجبور مسلوب الإرادة والاختيار كالأشجار المحرَّكة بالرياح والمرتعش، أما العبد فيعمل بإرادة واختيار تخرجه عن مقام الجبر وإن كان الرب سبحانه هو خالق إرادته واختياره.
والمراد أن صاحب كتاب توحيد الخالق تكلم في علم الله السابق وكتابته وأهمل الإرادة وخلق الأفعال، وهذا تخبيط.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)

ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق: وقد يسأل مرتاب قائلاً: إذا كان الله قد علم أني سأفعل شراً لماذا لم يمنعني عنه؟.
ثم قال: والجواب: لو عرف هذا المغرور حقيقة طلبه لكف عن الطلب، ولعَلِم بسخف اعتراضه على خالقه الحكيم.
إن السائل لهذا السؤال يريد من الله أن يجبره على فعل الخير، وترك الشر، ومعنى ذلك: أن يسلب الله الإنسان أهم الخصائص الإنسانية، وهي خاصة الإرادة التي تفعل بها ما تشاء لأن الله إذا أرغم الإنسان على فعل الخيرات، وترك الشرور، فذلك معناه: سلب الإرادة والاختيار وتحويل الإنسان إلى آلة كالجماد الذي يتحرك دون إرادة منه أو تدبير، ولقد كرَّم الله بني آدم بمنحهم الإرادة وحرية الاختيار، وإن كان سبحانه يعلم ما سيفعل الخلق إلا أنه لم يشأ أن يعذبنا على ما يعلم منا، بل شاءت إرادته أن يكون الجزاء بعد فترة يظهر فيها العمل، وتشهد به الأرض والملائكة والجوارح والثقلان بما لا يبقى معه أي سبيل للإنسان إلى تكذيبه أو إنكاره، وهل يستطيع كافر اليوم أن ينكر أنه يمارس أعماله بغير إرادة منه؟! وهل يستطيع كافر أن ينكر علم الخالق بما خلق؟ (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (1).--------------------------------------------
(1) الملك، آية: 14.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)

(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (1). (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (2). وما علينا إذا لم يقتنع المعاندون بعد ظهور الحق الأبلج، فقد قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: (إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ) (3). (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (4). فيفترون بقولهم: إذا كان الله يهدي من يشاء فلماذا يعذبنا وقد أضلّنا؟ ولوْ تدبّر هؤلاء الزائغون آيات القرآن لوجدوا الجواب واضحاً جلياً، ولعلموا أنه لا سلطان لأحد على ربه، وأن معنى ذلك: هو أن الله يفعل ما يشاء لا ما يشاء غيره، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء لكن ربنا هو العدل الحكيم سبحانه فلا يهدي إلا من عمل ما يستحق به الهداية، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً) وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) كما أن مشيئة الله العامة لا تُضل إلا من يستحق الضلال، قال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ). انتهى (5).
صاحب كتاب توحيد الخالق في جوابه هذا الطويل مثل كلامه المتقدم اقتصر على الكلام في المشيئة والعلم وليس يذكر خلق الأفعال وهو--------------------------------------------
(1) غافر، آية: 19.
(2) طه، آية: 7.
(3) الشورى، آية 48.
(4) القصص، آية: 56.
(5) توحيد الخالق، (ص369).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)

مذهب أهل السنة في القدر، وللبخاري رحمه الله صاحب الصحيح كتاب في خلق الأفعال، ولا يمكن أن تحصل معرفة القدر إلا بمعرفة مراتبه الأربع، وقد تقدم ذكرها، وكل مرتبة منها عليها أدلّة الكتاب والسنة كالشمس.
فقول السائل: إذا كان الله قد علم أني سأفعل شراً لماذا لم يمنعني منه؟ هذا من جنس ما ذكر الشهرستاني في كتابه (الملل والنِّحل) قال: إعلم أن أول شبهة وقعت في الخلق شبهة إبليس، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في معارضة الرأي، واستكباره بالمادة التي خُلق منها، وهي النار على مادة آدم، وهي الطين.
وتشعّبت عن هذه الشبهة سبع شبهات: صارت هي مذاهب بدعة وضلالة، وتلك الشبهات مسطورة في شرح الأناجيل الأربعة، ومذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود والامتناع عنه.
ثم قال في الشبهة الأولى: قد عَلِم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل، فلِمَ خلقني أولاً؟ وما الحكمة في خلقه إياي، ثم ذكر الشهرستاني باقي الشبه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)

وقد أوردها ابن القيم في كتابه (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) (1).
قال ابن القيم: فهذه القصة في المناظرة هي نقل أهل الكتاب، ونحن لا نصدقها ولا نكذبها، وكأنها والله أعلم مناظرة وضعت على لسان إبليس، وعلى كل حال فلا بد من الجواب عنها سواء صدرت عنه أو قيلت على لسانه فلا ريب أنها من كيده، وقد أخبر تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) فهذه الأسئلة والشبهات من أضعف الأسئلة عند أهل العلم والإيمان وإن صعب مَوْقعها عند من أصّل أصولاً فاسدة كانت سَدّاً بينه وبين ودّها، وقد اختلفت طرق الناس في الأجوبة عنها.
فقال المنجمون وزنادقة الطبائعيين والفلاسفة: لا حقيقة لآدم ولا لإبليس ولا لشيء من ذلك، بل لم يزل الوجود هكذا (إعلم أن أرباب العلوم الحديثة هم ورثة هؤلاء).
ولما ذكر قول هؤلاء ذكر قول الجبرية والقدرية ثم قال: وقالت الفرقة الناجية حزب الله ورسوله، ثم أتى رحمه الله بعلم قد لا يُوَفق له كل أحد فمن أراده فليراجعه في موضعه.
والقصد هما أن الشبهة التي أورد صاحب كتاب توحيد الخالق هي ميراث إبليسي، فالرب سبحانه خلق الخلق وقَدّر سعادتهم وشقاوتهم قبل--------------------------------------------
(1) مختصر الموصلي 1/ 292.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)

خلقهم وهو أعلم بمن يصلح للهدى ممن لا يصلح وهو حكيم في كل ما يفعل.
والإحتجاج بالقدر مردود وهو ميزان إبليسي فقد قال إبليس: (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي) أما آدم عليه السلام فقال: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) فمن احتج بالقدر على معصيته إلتحق بإبليس، ومن أقرّ بظلمه لنفسه إلتحق بأبيه آدم عليه السلام، لأن القدر يؤمَن به ولا يُحْتج به فقوله: لماذا لم يمنعني؟.
يُقال: الرب سبحانه لم يُجْبرك حتى تقول: لماذا لم يمنعني؟ بل أعطاك إرادة واختياراً ففعلت ما فعلت بإرادتك واختيارك، صحيح أن إرادتك واختيارك كل ذلك مخلوق، ولكنه يُخرجك من أن تكون مُجْبراً على فعلك، والقدر سِرّ الله في خلقه، وقد اسْتأثر منه بعلمٍ ما اطّلع عليه ملَك مقرّب ولا نبي مُرْسَل.
ولو كنتَ صادقاً في عبوديتك لإلهك الحق لعلمتَ أنه لا يَتَوَجّه إليه الاعتراض، فهو سبحانه أحكم الحاكمين.
وهو سبحانه أراد إرادة كونية قدرية أن تفعل الشر لعلمه فيك السابق وحكمته التي يضع فيها الشيء مَوْضعه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)

وأراد إرادة دينية أن تفعل الخير لكنك غير قابل لذلك، وبما أنه خلق نفسك ونفوس البشر كلهم متحركة بالإرادة، فالتي لا تتحرك بإرادة الخير لا بد أن تتحرك بإرادة الشر.
والكلام بالقدر ليس هو موضوعنا هنا لكني رأيت صاحب كتاب توحيد الخالق لم يُحسن جواب تلك الشّبه فأشرت إلى ذلك إشارة، ومن أراد الشفاء في شأن القدر فعليه بشفاء العليل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)

‌‌الجنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟
قال صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه ص370:
قال: وهذه شبهة أخرى تقول: إذا كان الله قد وصف الجنة بأن عرضها السموات والأرض، فأين النار؟.
ثم قال: والجواب: في مكان آخر يعلمه الله، ألا ترى أنه إذا جاء النهار ذهب الليل الذي كان يملأ الآفاق إلى جهة أخرى. انتهى.
الجواب: صاحب كتاب توحيد الخالق لا يعرف موضع الجنة وموضع النار لأنه مفتون بعلوم الغرب التي مُسَلَّماتها عنده وعند أمثاله أن الأرض تدور لأنها منفصلة بِفِعل دوران السديم المزعوم.
ودوران الأرض لا يتّفق معه إثبات علو وسفول للكون لأن الذي يكون في وقت عالٍ يكون في وقت آخر سافل، وهكذا باستمرار.
فكيف يتفق لمن هذا اعتقاده معرفة الجنة والنار على الحقيقة بل والسموات وهو لا يثبت عنده علو ولا سفول للكون ثابتاً.
أما من يعتقد ثبات الأرض وسكونها فعلو الكون وسفوله ثابت عنده لا سيما وهذا من مهمات اعتقاده حيث معرفته بربه سبحانه وعلوّه وفوقيته فطرة وشرعة يتعبد بذلك إلهه ويتطلبه قلبه، فهو يطلبه فوقه دائماً

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)

كما أخبر سبحانه عن نفسه وأخبر بذلك عنه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
وعلوم الغرب مبنية على الضلالة، فمن أول خطوة إلى آخرها لا وجود للرب ولا ذِكر له ولا بإسمه (1) فضلاً عن العلم بعلوه ومكانه سبحانه ومكان الجنة ومكان النار، إن فاقد الشيء لا يعطيه، والهدى لا يدرك بمسالك الضلالة، والشر لا يأتي بالخير.
والمراد أنه إذا كان عرض الجنة السموات والأرض فليس معناه أنه تشغل حيِّز السموات والأرض وتملأ فراغ السموات والأرض وإنما المقصود أن مسافة عرضها كمسافة عرض السموات والأرض فهذا مُراد منه تقدير السِّعة لا شغل الحيِّز.
وبما أن الجنة فوق السماء السابعة وسقفها عرش الرحمن، وبما أن السموات كروية فسماؤنا الدنيا هذه الأرض في وسطها كالنقطة في الدائرة لكن بما أن هذه الأجسام كروية فيقال في وسطها وجوفها أوضح من أن يقال: كالنقطة في الدائرة، ثم السماء الدنيا في جوف الثانية وهكذا.
فإذا علمت أن المسافات بين كل سماء وسماء كما بيننا وبين السماء الدنيا تبين لك سعة العالَم العلوي لا سيما ما فوق السماء السابعة وهناك--------------------------------------------
(1) ولا ينبغي أن يغتر من وجد لله ذكراً بين علومهم من آيات القرآن أو غيرها، فهذا من تصرّف المترجمين لتروج البضاعة بحصول هذا اللبس.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)

الجنة والجنة درجات فيها مائة درجة ما بين كل درجة والأخرى كما بين السماء والأرض.
والجنة وإن كانت درجات آخذة في العلو فهي كما وصف ابن القيم رحمه الله فدرجاتها كما يكون الجبل العظيم المنبسط فالجنان المرتفعة يوصل إليها كالصعود على الجبل الذي على أكنافه البساتين، كذلك النزول من الدرجات العلى إلى ما هي أسفل كالنزول من الجبل الذي تقدم ذكره هذا تقريب لبيان أن ليس درجاتها كالدار التي غرفها فوق بعض بالتساوي.
وبما أن الجنة فوق السماء السابعة فلا تسأل عن سعتها، فإذا كانت الأرض في جوف كرة السماء الدنيا فهي صغيرة بالنسبة إليها إذ السماء الدنيا محيطة بها من كل الجهات فكيف بسعة السماء الثانية، وهكذا.
فسعة العالَم العلوي عظيمة، لكنها شيء وهذيان الملاحدة شيء آخر حيث أن السّعة عندهم إلى ما لا نهاية.
وعرض الجنة ذكره الرب سبحانه في سورة (آل عمران) قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) وفي سورة (الحديد) قال تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) الآية.
والقرآن يفسر بعضه بعض فقوله تعالى: (عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)

وَالأَرْضُ) يفسّره قوله تعالى: (كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).
فهذا قياس ظاهر بهذا التحديد (كعرض).
أما النار فهي أسفل سافلين وهو سجين وهو الأرض السابعة السفلى.
أما إن صَحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فأين الليل إذا جاء النهار) (1) فهو جواب فَهِمَ السائل منه المراد.
وليس هناك تعارض بين وجود النار وكون الجنة عرضها السموات والأرض، والنار ليست في السماء.
قال ابن كثير: والصحيح أن سِجِّيناً مأخوذ من السجن وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتّسع، فإن الأفلاك السبعة (هي السموات) كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة.
ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين كما قال تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وقال ها هنا: (كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ) وهو يجمع بين الضيق والسفول، إلى آخره، من تفسير ابن كثير.--------------------------------------------
(1) رواه الإمام أحمد (3/ 441).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)