قوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق أنه لو فتح لهم باباً من السماء فجعلوا يصعدون لما صَدّقوا بذلك بل قالوا: (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) قال مجاهد وابن كثير والضحاك: سُدَّت أبصارنا، وقال قتادة: عن ابن عباس: أُخِذَتْ أبصارنا، وقال العوفي عن ابن عباس: شُبِّهَ علينا وإنما سُحِرْنا، وقال الكلبي: عميت أبصارنا، وقال ابن زيد: (سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) السكران الذي لا يعقل. انتهى من تفسير ابن كثير.
فالذي يُخبر به الذين يسمون: روّاد الفضاء أنهم إذا ارتفعوا وجدوا ظلمة وأنهم يقولون: سُدَّتْ أبصارنا وأغلقت لا نرى شيئاً، فهم يخبرون عن ظلمة يدخلون فيها إذا ارتفعوا في الفضاء.
أما الذي تخبر عنه الآيتان فإنما هو تقدير معناه أن الله لو فتح لهم باباً من السماء المبنية ذات الأبواب ثم أقدرهم سبحانه على الصعود حتى وصلوا إلى السماء ودخلوا بابها واستمروا في الصعود لقالوا الذي ذكر الله عنهم.
يعني أنه من شِدّة مكابرتهم وعنادهم ينكرون هذه الحقائق العظيمة لو حصلت لهم كما ذكر سبحانه، فأين هذا من هذا؟.
فالرب سبحانه يخبر في الآيتين عن الكفار أنهم لو صعدوا ورأوْا بأعينهم صدق خبر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بأن يُفتح لهم باب السماء فيعرجون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
فيه ويرون آيات السماء (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) يقولون ذلك جحوداً ومكابرة وعناداً.
فالقصة كلها ليس فيها ذكر ظلمات أثناء الصعود بل بالعكس فيها إبصار حقيقي ونظر تام على تقدير حصولها فإنهم رغم ما يبصرونه ويشاهدونه بأعينهم عن قرب من آيات ربهم الذي أرسل إليهم هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يلجّون في عتوّهم وعنادهم ويقولون ما ذكر الله عنهم.
وقد ذكر الله من تعنّتهم ما يشبه هذا في سورة الإسراء وغيرها من سور القرآن، قال تعالى عنهم: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَراً رَسُولاً).
ويزيد ما تقدم وضوحاً ما رواه ابن جرير من حديث ابن عباس عن اجتماع كبراء قريش وسؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأشياء التي ذكر الله عنهم في سورة الإسراء والحديث طويل وفي آخره أنه لما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قام معه عبد الله بن أبي أمية وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوّفهم به من العذاب، فو الله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بصحيفة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيْم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك، ثم انصرف وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً أسفاً لِما فاته مما كان يطمع فيه من قومه حين دعوْه. انتهى.
وقد ذكر ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس في تفسير الآيات المتقدمة.
والشاهد في قول عبد الله بن أبي أمية: (وأيم الله لو فعلتَ ذلك لظننت أني لا أصدقك) والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فأين هذا مما ذهب إليه زغلول النجار وأيده عليه صاحب كتاب توحيد الخالق؟ كيف تصرف معاني القرآن إلى هَوَس الملاحدة؟ هذا والله عظيم.
وإنه لظاهر بيِّن أن هؤلاء لا يُعَوِّلون على تفاسير السلف إلا ما نَدَر، كذلك فإنه ظاهر بيِّن أنهم بأدنى ما يظنونه مناسبة بين الآية وبين كشوف الكفار ولو كان من باب:
سارت مشرقة وسرت مغرباً … شتّان بين مشرق ومغربِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
إنهم يظنون أنهم وجدوا ضالّتهم لترويج البضاعة المزجاة، وبذلك أتوْا بما لم تستطعه الأوائل.
فليعلم هؤلاء أن فعلهم هذا يستلزم أن السلف قد أجمعوا في تفسير القرآن الذي خالفوهم به على ضلالة وحسْبهم بهذا ضلالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
تصديق صاحب كتاب توحيد الخالق بالوصول إلى الكواكب
ويقول صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه (العلم طريق الإيمان) ص15:
تقدم البحث الآن .. فماذا وجدوا؟ فبعد أن نزلوا في محطات في الكواكب في المجموعة الشمسية - ماذا وجدوا؟.
وجدوا أن المقر في حالة تمثل حالة الأرض قبل ثلاثة بلايين عام، وأن الكواكب كلها تعتبر في حالة بدائية جداً بالنسبة للأرض فإذا رجعنا بعجلة الزمن إلى الخلف، نرجع ثلاثة بلايين حتى تكون الأرض كالقمر، فكيف كان القمر وكيف كانت الأرض؟ كانت في حالة سديمية دخانية هذا ما ذكره لي مدير مرصد طوكيو (بروفسيور/ يوشدو كوازي).
صاحب كتاب توحيد الخالق يُصَدِق هذه المزاعم الباطلة وأنهم نزلوا في محطات في الكواكب في المجموعة الشمسية، وتأمل بلايين صاحب كتاب توحيد الخالق ومُقَلَِّديه وأن لهم خيالات وخيالات خيالية.
وكل ما يذكرونه من ملايين السنين في عمر الكون ومسافات المجرات وأعدادها خيالات، أما الخيالات الخيالية فمجالها بلايين السنين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
بالباء والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً ممن خلق وفضلنا عليهم تفضيلاً.
ويقال: إذا حَدّث العاقل بما لا يليق فالمصدِّقُ لا عقل لَهْ، هذا إذا كان المُحدِّث عاقلاً.
إنهم بهذا الهذيان يريدون أن يصدقهم الناس بوصول القمر وهم لم يقتربوا منه ولن يصلوا، ومادة العالم العلوي لا يعرفونها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
أرض العرب والمروج والأنهار
وذكر صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه (العلم طريق الإيمان) ص25 تحت عنوان: (جزيرة العرب في ماضيها ومستقبلها) أن غربياً ذكر أنهم درسوا تاريخ الأرض في الماضي فوجدوا أنها تمرّ بأحقاب متعددة من ضمن هذه الأحقاب المتعددة حقبة تسمى العصور الجليدية، وهو أن كمية من ماء البحر تتحول إلى ثلج وتتجمع في القطب المتجمد الشمالي ثم تزحف نحو الجنوب وعندما تزحف نحو الجنوب تُغطي ما تحتها وتُغيّر الطقس في الأرض، ومن ضمن تغيير الطقس تغيير يحدث في بلاد العرب فيكون الطقس بارداً وتكون بلاد العرب من أكثر بلاد العالَم أمطاراً وأنهاراً.
ثم قال صاحب كتاب توحيد الخالق للغربي: قلت له: إسمع من أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك هذا كله مذكور في حديث رواه مسلم يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً) ثم أخبر صاحب كتاب توحيد الخالق أن هذا الغربي قال: وهذا يدل على أن النبي محمد لم يصل إلى هذا العلم إلا بوحي علوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
الجواب: نحن ولله الحمد بغنية عن أن تُفَسَّر لنا الآيات والأحاديث على مقتضى علوم الملاحدة، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا نؤمن به ونصدّق ولا نتكلّف تكلفاً يلقينا في بحار الخيالات بل والضلالات، وقد قال تعالى عن نبيه: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)، وما قامت علوم مقلِّدة الدهرية إلا على ساق التكلف فإن هذا ظاهر لا يخفى.
وقد تكلم على هذا الحديث كثيرون في وقتنا ومَرْجعهم كلهم في شرحه وبيانه إلى علوم المعطلة وكأنها قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إن من يتابع كلامهم في شأن عودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً يرى أنه محال جملة وتفصيلاً على هذيان الغرب الكافرة من نشأة الأرض وكوْنها غازاً فتكثفت وكوْنها تدور، ولذلك شرحوا الحديث على اعتبار العصور الخيالية التي مَرَّت عليها الأرض فذكروا ما سمّوه العصر البليستوسين، والعصر الأوردفيشي، والعصر الكربوني، والعصر البرمي، وهذا العصر الذي سمّوه البرمي يقولون أنه متأخر عن العصور التي قبله، ويحددون عمر هذا العصر البرمي المتأخر بـ (250 إلى 270) مليون سنة تقريباً.
كذلك شرحوا هذا الحديث على مقتضى أن الجزيرة العربية وأفريقيا كانت كتلة واحدة متصلة منذ 40 مليون سنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
وهذه العصور والملايين كلها من زبالة خيالات الملاحدة.
والذي قاله نبينا صلى الله عليه وسلم حق وصدق سواء أحاطت به عقولنا أو لم تحط به ولا يتم الإسلام إلا على ظهر التسليم.
وهنا ينبغي الحذر الشديد من الوقوع في متاهات الكفرة وضلالاتهم أو شيء منها فإن بعضها يجرّ إلى بعض، إن نظرياتهم متعانقة متماسكة مشكاتها واحدة وهي مشكاة التعطيل تبدأ منه وتنتهي إليه.
وليُعلم أن الخلاف بينهم في هذه النظريات يعود إلى وِفاق في الأصول الابتدائية والفروع النهائية وذلك أن الوجود واحد، وإن أحسن أحوال من سلك طريقهم في أصل الكون وتابع نظرياتهم في علم الأرض وغيره إن أحسن أحواله الشك وحسبك به داء، وإلاّ فكم وكم من ضحايا لهم في هذا الزمان صار سبيلهم سبيل من هلك.
إن من يدّعي أن هذا الطريق يُعرِّف بالله أو يُقرب إلى الله أو يكمل علم الدين فإنه لا يرى الكفاية بما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين وعلمائهم حتى عصرنا.
فإن قال: هذا شيء لم يحدث في الماضي ولو حدث لجعلوه طريقاً للدعوة وللهدى والإيمان، فيقال: لو كان خيراً لفُتِحَ عليهم، وإنه إنما جاء ليزيد الدين غربة، وهذا حاصل فقد مُلئِت الدنيا من هذه العلوم وشُغِل الخلق فيما لم يؤمروا به بل بما نهوا عنه من الخوض والتخرص والظنون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
والضلالات والخيالات وماذا كانت النتيجة؟ لقد كانت والله إلحاد كثيرين ساروا مع هذه النظريات حيث سارت واسْتقرؤا بداياتها ونهاياتها فوصلوا إلى ما وصل إليه أربابها من التعطيل.
وكأننا في جهل بمخلوقات ربنا حتى يعلمنا هؤلاء أو في نقص حتى يكملوا أحوالنا، أو أن الدعوة لا تحصل إلا بذلك.
لقد أنزل الله آياتاً من كتابه العزيز فيها الثناء على المؤمنين الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض وأنهم هم أولوا الألباب، ولقد كان في ذروة هذا وسنامه الرعيل الأول، ولقد كان نظرهم وتفكرهم كنظر نبيهم وتفكره، ومن يؤمن إيمانهم؟ ومن يهتدي هُداهم؟.
لقد حُشيَتْ قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم ذُلاًّ بجانب أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء دينه، وما ظُلمنا (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) فقد ذكر أهل العلم أن كل شر في العالَم إنما يحصل بسبب الذنوب، وأن سلوك طرق الكفار والتشبه بهم في علومهم وأعمالهم لمن أضر الأضرار في هذا الزمان على الأمة وإنما (لا يشعر تائه لمصابه) وقد وَرَدَ أن الله إذا أراد إنفاذ أمر سَلَبَ أهل العقول عقولهم حتى ينفذه فإذا رَدّ عليهم عقولهم وقعت الندامة.
ومما يبين فساد ما فُسِّرَ به الحديث ذكر العصور التي مددها بزعمهم ملايين السنين مع أن قبلها أزمان للمادة عندهم لا تُحَدّ فالمادة عندهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
أزلية وهو قول الفلاسفة وهو كفر حتى مع إثبات وجود الخالق كيف بهؤلاء الذين لا يعترفون بوجوده؟.
والمراد أن سلوك سلبهم ضلالة من البداية إلى النهاية، أما إصابتهم فيما يصيبون فيه من العلم بالمخلوقات فغايتهم ظَواهِر من الحياة الدنيا عندنا ولله الحمد من العلم بها ما يكفي مع الأمان من سلوك طرقهم المفضية إلى الضلالة ولا بد. ألا يكفينا ما كفى الصحابة والسلف الذين ذهبوا بالإيمان واليقين والعلم الراسخ المتين؟ أيظن مقلِّدة الغرب أن يكونوا أهدى منهم؟ ولقد حُذِّرنا غاية التحذير من اتباع سنن الأمم قبلنا مع أننا أُخبرنا أن هذا الإتباع سيقع بشكل يكاد ألا يُصَدَّق به لولا أنه خبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فإنه لم يحدث في قرون الأمة مثل هذا الإتباع ولا ما يقارب عشر معشاره ولقد كانت النتيجة استحكام الغربة واشتداد الكربة.
فالحديث ورد فيه ذكر المروج والأنهار، فالمروج في زماننا تَعَدَّتْ الوصْف والذي يعرف أرض الجزيرة قبل 70 سنة تقريباً يعلم أن الذي حصل في أرضها انقلاب هائل ما كان أهلها يظنون أن يُقارب ولا بعض ما حصل.
فقد عُمِرَت الأراضي بالزراعة سواء منها القابل المخصب، أو البور المجدب، وسواءاً القريب من المدن أو البعيد عنها كما هو ظاهر لكل أحد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
فقد صارت مروجاً لأن المرْج هو الأرض الواسعة يكون فيها النبات الكثير، فهذا قريب.
أما الأنهار فالإشكال فيها، فإن كان المراد هذه المياه الجارية المتدفقة على غير المعتاد فقد انحل الإشكال، وإن كان غير ذلك فالله أعلم ولا نتكلف.
وعلى كل الأحوال سواء كانت هذه المزارع الكثيرة التي غَطَّت مساحات شاسعة من أراضي الجزيرة هي المراد بالمروج وهذه المياه المتدفقة هي المراد بالأنهار أو أن المراد غير ذلك مما يعلمه الله، لكن المجزوم به أن ما تُوبع به المعطلة في بيان معنى الحديث باطل.
أما كونها تعود كما ورد في الحديث فإذا كان المعنى أنها كانت في الماضي مروجاً وأنهاراً فما المانع من ذلك؟ لكن الباطل كل الباطل هذيان المعطلة لأن مَبْناه على كلامهم الباطل في الكون.
والعجب من صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله ممن ينبهرون انبهاراً ظاهراً وينفعلون انفعالاً لا يستطيعون إخفائه إذا سمعوا من بعض الملاحدة كلمة فيها إما إقرار بالجملة بوجود خالق للكون من غير التزام بعبوديته أو نحو ذلك، إنهم يُقيمون الدنيا ويقعدونها، وقد كان يحصل أعظم من ذلك من اليهود والنصارى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده ولا تُقام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
الدنيا ولا تُقعد، فإنه يوجد في كل زمان من يعترف بالخالق من الدهرية ومن يعترف بالرسول من أهل الكتاب من غير دخول في الإسلام.
كذلك فإن دعوة الكفار بما يؤيّد باطل قومهم باطلة حيث إنها تؤول إلى الضلال، ولقد اهتدت الخلق من العرب والعجم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعهم بالطرق الشرعية قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) فهل نسْتدرك ونكمل بهذه الطرق المحدَثة الدعوة أم أنه فَتْح أبواب ضلالة؟ ثم لوْ قُدِّر مصلحة بذلك فمفاسدها لا تُحد، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والداعي إذا دعى إلى الله متبعاً بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم فلا يُسْأَل عن نتائج دعوته، فبعض الأنبياء يأتي يوم القيامة ومعه الرجل وبعضهم معه الرجلان وبعضهم يأتي وليس معه أحد ونشهد أنهم بَلّغوا البلاغ المبين، وليس عليهم ملام.
وإنما يسْأل الداعي عن انحرافه في الدعوة عن طريق نبيه صلى الله عليه وسلم وهو قد أُمر بإتباعه دون تكلّف.
وقد تقدم جواب شيخ الإسلام فيمن يدعو بالغناء بالشعر المباح بمصاحبة الدّف فاهتدى على يديه قطّاع الطريق الذين يقتلون ويشربون الخمر ويسرقون، فقال عن طريق دعوته إنها بدعية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
وارجع إلى قول شيخ الإسلام رحمه الله في الجواب وهو أن العمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة فإن الشارع حكيم فإن غلبت مصلحته على مفسدته شَرَعَه.
وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه بل نهى عنه. انتهى.
فيقال هنا: إنه على تقدير وجود مصلحة فما قيمتها وما قدْرها بجانب مفسدة التعطيل الذي تُفتح أبوابه، وبجانب تحريف معاني كلام الرب سبحانه وتغيير المراد منه؟ مع أن أمر هؤلاء الخائضين مبني على الظن والتخرص وانظر ما قاله صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) 1/ 99 ومع كلامه هذا يُقرر نظرياتهم الزائفة يقول:
ومع كل هذا الاجتهاد العلمي في تفسير الآيات القرآنية الكونية، فإن ما قدمه المفسرون في شأن عبارة عن تفسيرات ظنية، ولا يمكن الجزم فيها بأمور يقينية، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً، ومهما تقدم العلم وتطورت أساليبه سيظل الإنسان عاجزاً عن معرفة كيفية تكوين الكون بما فيه من عناصر وظواهر، ولن يستطيع الإنسان بما أوتي من علم محدود معرفة أصل مادة الكون وممن خلق؟ وسبحان الله العلي القدير بديع السموات والأرض، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
الدعوة إلى الله بالطرق الشرعية
وحتى يتبين أن صاحب كتاب توحيد الخالق سلك في الدعوة مسلكاً محدثاً خالف فيه السلف الذين اتبعوا نبيهم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في الدعوة امتثالاً لقوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) فسوف أذكر هنا كلامه من كتابه (العلاج هو الإسلام) من ص16 - 22 قال صاحب كتاب توحيد الخالق:
* سؤال له أهميته:
لكني سألت نفسي وقلت: لو حضر الآن عندنا جمع من أساتذة الجامعات، ومن رؤساء الشركات، والقادة السياسيين، ومن محرري الصحف والكتاب فيهم مجموعة من الطبقة المثقفة في أنحاء العالَم من الشرق والغرب، وجلسوا وقالوا: حسناً أسمعونا ما عندكم .. سألت نفسي: كيف سنقيم لهم الحجة بان محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! كيف سنقنعهم بذلك؟!.
* الإجابة الربانية:
ووجدت الجواب، -والجواب ليس من عندي- الجواب من عند الله الذي يعلم أن هذا ما سيكون، وأن هؤلاء البشر سيوجدون وغيرهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
فجعل الله لهم الجواب.
سألت نفسي وقلت: إن الذين عاشوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يشاهدون بينات قوية وحججاً واضحة، فكيف لا يؤمنون وهم يشاهدون انشقاق القمر نصفين؟!.
وهم يشاهدون الرياح تقاتل مع الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهم يشاهدون الملائكة تنزل.
وهم يشاهدون الماء ينبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم.
وهم يشاهدون الدعوة تستجاب يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم لشخص فقئت عينه فلا يرفع يده إلا بعين أخرى هي أحسن من العين التي لم تصب.
يخبرهم بأخبار الغيب صلى الله عليه وسلم.
* سؤال يخطر بالبال:
فسألت: هل جيلنا هذا قد حرم من البيّنة الواضحة التي تسكن اليقين في قلبي؟!.
هل هذه الأمم والشعوب التي لا تعرف البلاغة ولا تدرك الفصاحة في لغة القرآن والإعجاز البلاغي .. هل عليها أن تتعلم اللغة العربية، وأن تتفوق في فنون فصاحتها لتدرك الإعجاز البلاغي في هذا الكتاب الكريم؟!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
* الإجابة في هذا الكتاب الكريم عن كل هذه التساؤلات:
فوجدت أن الأجوبة موجودة في غاية الوضوح والقوة في هذا الكتاب الكريم.
أولاً: أن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم باقية لا تنتهي بانتهاء زمنه عليه الصلاة والسلام.
أين عصا موسى عليه السلام؟! أيها اليهود قدموا لنا عصى موسى، أرونا هذه العصا وهي تفرق البحر نصفين، وهي تتحول إلى ثعبان، هل يمكنكم أن تقدموا لنا هذه المعجزة؟.
إن هذا ليس لكم وليس في استطاعتكم إلا خبر التاريخ، أيها النصارى أين بينة عيسى عليه الصلاة والسلام، وهل تستطيعون أن تقدموا للناس عيسى اليوم وهو بُبريء الأكمه، والأبرص، ويُحيي الموتى بإذن الله.
يقولون: ليس عندنا بينة حاضرة الآن، بينات الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم انقطع وجودها بحياة الرسل على الأرض، وإن كان سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام سيعود مرة ثانية وما بقى لأتباعها إلا الخبر والرواية وهذا الخبر وتلك الرواية من أراد أن يشكك في تلك الأخبار والروايات في هذا الزمان فعنده إمكانية أن يشكك ولولا أن القرآن سجلها، وشهد بها وأثبتها لما تمكن النصارى من أن يقيموا سنداً مضبوطاً صحيحاً يقنع العقل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
المحايد الذي يبحث عن الحقيقة في هذا الموضوع، لكن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم باقية إلى الآن: القرآن والسنة والوَحْي.
قال صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء نبي إلا وقد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً يوم القيامة) (1).
* حجة محمد صلى الله عليه وسلم:
فحجة محمد صلى الله عليه وسلم هي بيّنته التي عليها يؤمن الناس، وهي الوحي، والوحي ذاته بين أيدينا في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكن ما طبيعة هذا الإعجاز؟
طبيعته التجدد، أنظروا إلى الطبيعة العجيبة في هذا الوحي: كتاب وسنة ولكنها تتجدد مع مر الزمن، وتتجلى مع كل عصر بجديد تقنعهم، وتبين لهم أن هذا الوحي من عند الله -جلّ وعلا- وأن الرسول صادق ما كذبهم صلى الله عليه وسلم.
كيف تتجدد هذه المعجزة المتمثلة في كتاب الوحي؟
إن طبيعة الإعجاز في هذا الكتاب طبيعة علمية؛ فهذا الكتاب نزل بعلم الله، وانتشر علمه ليزداد منه جيل بعد جيل، فكلما تقدم البشر في--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (4/ 1905) ومسلم (1/ 134) عن أبي هريرة مرفوعاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
علومهم وارتقوا إلى مستوى فهم العلم الإلهي الذي يشتمل عليه الوحي علم ذلك الجيل بذلك النوع من العلم أن هذا الوحي من عند الله -جلّ وعلا- فالرسالة المعجزة واحدة، الرسالة وبيّنتُها اجتمعتا في شيء واحد وهو الوحي.
إن البشر يتقدمون في كل مجال من المجالات، وفي أي ميدان من الميادين تجد الوحي يغطي تلك المجالات، ويتحدث عنها، ويتجدد علمه لأهل كل عصر، فإذا بالوحي والعلم الذي بالوحي يتجلى عصراً بعد عصر، وزمناً بعد زمن ليتبين للناس أن هذا الوحي من عند الله.
قال تعالى: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) (1). أي: شهادة الله بأن هذا القرآن من عند الله والعلم الذي في هذا القرآن، وأن هذا العلم يتجلى جيلاً بعد جيل وزمناً بعد زمن، كما قال تعالى في كتابه الكريم: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (2) أي هو يتجلى حيناً بعد حين، وزمناً بعد زمن، حتى إذا دخل أهل الجنة شهدوا إعجازاً علمياً أيضاً في الجنة، وإذا دخل أهل النار شاهدوا إعجازاً علمياً؛ فقال أهل الجنة: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (3). (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ--------------------------------------------
(1) النساء، آية: 166.
(2) ص، آية: 88.
(3) الأحزاب، آية: 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (1).
فبيّنة هذا القرآن، وحجة هذا القرآن متجددة مع الزمان ذلك لأن طبيعة المعجزة في هذا الوحي هي (طبيعة علمية)، العلم يتجدد زمناً بعد زمن ويتقدم في مجال إثر مجال، وحيثما توجه علم الإنسان وجد جديداً في هذا الوحي يبين له أن هذا الوحي من عند الله.
* تطاول ممقوت على علوم الأولين:
وأهل عصرنا الذين تفوّقوا في مجال الكشوف الكونية يلذّ لهم أن يتطاولوا على الدين؛ لقد وقف احدهم يتطاول لا أقول: وقف أحدهم قاصداً واحداً بعينه فـ (الواحد) هنا عبارة عن الجميع، كلهم يتطاولون!! كلهم إذا نظروا إلى الأجيال من قبلهم قالوا: في نصف القرن الأخير في الخمسين سنة الأخيرة فقط 70% من العلم البشري في التاريخ كله هو حصيلة خمسين سنة لتقدم العلم السريع، فماذا عند الأولين من علوم؟! وماذا عسى أن يكون عند السابقين من العلوم والمعارف؟! إن لدينا الأجهزة، وعندنا الأدوات والإمكانيات، عرفنا أسرار السماء، عرفنا أسرار البحار، عرفنا باطن الأرض، عرفنا أسرار تركيب الإنسان، عرفنا، عرفنا … إلخ.--------------------------------------------
(1) الأعراف، آية: 44.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)