بأن حركة الإسلام وتحركه نحو البناء تتوقف حالما انتهت فترة أولئك الأجلاء العظماء من الصحابة والتابعين وأشباههم من اللاحقين الذين يتوجب عليهم أي اللاحقين أن يتمموا المسيرة الجليلة العظيمة التي بدأها السابقون ويكللوها بكل جديد مفيد لا أن نتوقف توقف العاجزين ونتكسب تكسب المتواكلين أو نتنطع تنطع الجاهلين الفارغين أمثال تلك الفئات من الأمة.
إن محاولات تفسير القرآن الكريم بما يتناسب مع قدسيته وعظمته إن هو إلا عمل جليل لأن فيه زيادة بيان لعظمة القرآن وزيادة إيضاح لأحكامه وأسراره وإلا لما فسر المفسرون واكتفوا بما قاله الأولون بل إن المواكبة الفكرية العصرية لبيان إعجاز القرآن وكماله إن هو إلا عمل جديد ومطلب أكيد.
وللأسف فإن تفسير من هذا القبيل يعده البعض خروجاً عن جادة الإسلام ويحسبه بمثابة عدم احترام لآراء المفسرين السابقين الكرام وتجاوز للحدود المسموح بها لنا نحن اللاحقين الأقزام لأن المفسرين الأوائل لم يفسروا القرآن كما نفسره نحن الآن فأين نحن من مقامهم واعتبارهم حتى نتجرأ على تفسير القرآن.
ولعلم هذه الطبقة المتعالمة ظاهراً الجاهلة باطناً الكسولة الواهنة المكتسبة المتواكلة إن من أسرار وإعجاز القرآن أنه متجدد بمعانيه وروحه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
في كل عصر وآن للقارئ الواحد كلما أعاد قراءته وتدبره فما بالك بأجيال أمة تليها أجيال وأجيال تقرأ القرآن لتنهل من معينه المتجدد.
إن من إعجاز القرآن أنه متجدد بروحه ومعانيه تجدد الزمان وأهله مع بقائه محافظاً على معانيه السابقة التي تجلّت للأجيال السابقة بلا تعارض مع معانيه التي تتجلى للأجيال اللاحقة بل إنها تدعم بعضها بعضاً وتنسجم انسجام ألفاظه مع حروفه وترابط آياته مع نصوصه.
إن أولئك وأمثالهم يريدون من الآخرين أن يتوقفوا عن إكمال مسيرة الأوائل العظماء من المسلمين لأن أفراد هذه الفئة فارغون لا يملكون ما يقدمونه للأمة إلا هذا الموقف السلبي المخزي الذي كله كسل وتوكل على الأمة وهم وأمثالهم معذورون لأن فاقد الشيء لا يعطيه إلا أنهم ملامون محتقرون عندما يعارضون أو يعترضون عطاء الآخرين لمجرد كونهم على العطاء غير قادرين.
إن أحداً لا يستطيع تصور قول البعض إزاء تفسير جديد لآية من آيات القرآن الكريم لم يسبق إليه مفسر آخر من المفسرين السابقين إن قول البعض وللأسف لا يستند إلى دليل أو برهان من نفي أو إثبات بل إنه حجة الجاهلين المتواكلين فقولهم ينحصر بأن المفسر الفلاني لم يورد هذا التفسير الجديد في تفسيره العتيد، ثم ذكر كلاماً يتناسب مع جهله وضلاله ثم قال: ولا أظن أن تفسير القرآن الكريم تفسيراً صحيحاً سليماً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
متفقاً مع أوامر الله عز وجل ونواهيه فيما يتعلق بتعاملنا مع القرآن الكريم يعد أمراً يتكلم برده أو رفضه أحداً من الخلق إلا من كان به عَتَه في مداركه وعقله لأن رده ورفضه لهذا التفسير أو ذاك لمجرد أنه لم يرد في تفاسير السابقين رغم خدمته الجليلة العظيمة للقرآن وأهله ودفاعه عنه ضد من يطعنون به ويتعرضون له بالأذى، ثم ذكر كلاماً يتناسب مع هذيانه ثم قال:
إن تفسير القرآن تفسيراً ينسجم مع عظمته وقدسيته وحقيقته لا أظنه إلا عملاً جليلاً من أعمال أكابر العلماء وأجلهم طالما أنه تفسير لا يسيء إلى القرآن ولا يتعارض معه بل يساهم في بيان حكمته وعظمته وكماله وإعجازه وأنه كلام الله عز وجل العالم العليم الخالق العظيم رب السموات والأرضين سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العليا.
إن عملاً من هذا القبيل وأمثاله من أعمال الرجال العظام ندبت إليه الأمة كل الأمة من خلال قول الخالق الجامع: (وقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (1).
ولم يقل جل وعلا: تواكلوا وعلى أكتاف الآخرين اتكئوا.
بل أمرنا بالعمل كل العمل الذي فيه الخير والمنفعة والعلم والمصلحة والدعوة إلى دين الله عز وجل ونشره في الآفاق، وما أظن أن عملاً--------------------------------------------
(1) التوبة، آية: 105.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
أفضل من العمل الذي يخدم القرآن ويسهل فهمه وييسر تعليمه وبالتالي تعميمه ونشره على الخلق كلهم.
ولا ريب أن من يقف مواقف سلبية حيال جهود من يقومون بتفسير القرآن العظيم وفقاً لأسس صحيحة سليمة إن هو إلا من أعداء الأمة الإسلامية من حيث لا يقصد ولا يتعمد وإن هو إلا عنصر سلبي يغزو الأمة غزواً داخلياً فيتسبب في إعاقة مسيرتها نحو الأمام ويجمد جهود المخلصين من أبنائها والعاملين على خدمة الإسلام ونشره والدعوة إليه من خلال جهودهم المباركة في تفسير القرآن العظيم تفسيراً صحيحاً يتفق مع مقاصده ومعانيه قلباً وقالباً وكما أراد الخالق جل وعلا منه وابتغى. انتهى.
يقال لهذا وأمثاله: إن تفسير القرآن على غير تفسير النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف الذين ساروا على مناهجهم في ذلك تغيير لمعانيه التي أرادها من تكلم به سبحانه، فهل يجوز هذا وهل يكون دين الأمة محفوظاً ومستقيماً بهذه الصورة، وبماذا نحتج على الخوارج بتفسيرهم للقرآن وكذلك الرافضة والقدرية والجبرية وغيرهم من الفرق التي لا يوجد منها فرقة إلا وتحتج بالقرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
وأقلّ القليل من الفِرق والطوائف الضالّة من تحتج بألفاظ وحروف محرّفة من القرآن وإنما يحتجون بما فهموه من معانٍ لم يُردْها من تكلم به سبحانه وما فسّره بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا من سار على نهجهم.
إن أيّ شخص لوْ تكلم بكلام ثم فُهِمَ من كلامه غير مراده لصار هذا بمثابة تغيير كلامه، وهل المراد من الألفاظ إلا المعاني؟.
كيف بكلام الجليل سبحانه؟ أيجوز أن يأتي كل جيل فيفسرونه على مقتضى أحوالهم وأمورهم وما أحدثوه؟.
إن هذا تبديل وتغيير خطير، فلا بد إذاً من ضابط لتفسير كلام الله وقد تقدم ويأتي إن شاء الله زيادة بيان.
قال شيخ الإسلام بعد الكلام المتقدم الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن للصحابة تفسير القرآن قال:
وذلك أن الله تعالى قال: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) وقال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) وقال: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ).
وتدبّر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، وكذلك قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرّد ألفاظه، فالقرآن أوْلى بذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)
وقال رحمه الله: ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جداً، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم.
وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر.
ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس أوقفه عن كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسْبك به.
ولهذا يعتمد على تفسير الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صَنّف في التفسير يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره.
والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، وإنْ كانوا قدْ يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال. انتهى (1).
وقد تبين أن النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليل جداً وأنه قليل في التابعين بالنسبة لمن بعدهم ونحن أُمِرْنا بإتباع نبينا والصحابة ونُهينا عن--------------------------------------------
(1) مجموعة الفتاوى 13/ 332.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
الإحداث وأعظمه الإحداث في كلام الله وكلام رسوله بمعانٍ لم يفهمها ولم يتكلم بها النبي ولا الصحابة ولا التابعون.
أما بعض الاستنباط والاستدلال الذي لا يُغير معاني القرآن وقد استنبطه واسْتدل به التابعون الذين تلقوا التفسير عن الصحابة فشيء آخر غير ما سلكه المتأخرون.
فمنهج التابعين في ذلك أن المعنى الذي تلقوه عن الصحابة لا يتغير بخلاف أهل الوقت الذين قَلّ أن يعتمدوا في تفسير الآيات من القرآن على الصحابة أو التابعين بل يذكر احدهم الآية وليس يتحرّى المعنى الذي أراده الله منها بالنظر فيما تكلم به الصحابة والتابعون بل يجري مع فكره وفهمه وهواه وكأن المعنى عنده متقدم على اللفظ فمراده تقرير المعنى الذي يريد هو فيلتمس له الآية أو الحديث وهذا ضلال وقد رأيت من ذلك عجائباً.
وانظر كلام الشيخ عن الشافعي والبخاري وأحمد وغيرهم من العلماء كيف يعتمدون تفسير مجاهد للوصول إلى تفسير الصحابة وللوصول إلى تفسير النبي صلى الله عليه وسلم أو الاعتماد على فهم الصحابة، فالحذر من هذه التفاسير الحادثة للآيات المخالفة للسلف، وكذلك شروح الأحاديث المخالفة فإن هذا ضلال مبين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
إن هؤلاء الأئمة الكبار إمامهم الصديق رضي الله عنه الذي يقول: أيّ أرض تقلني وأيّ سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم.
والفاروق رضي الله عنه قال عنه أنس: كنا عند عمر بن الخطاب وفي ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ: (وفاكهة وأباً) فقال: ما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف فما عليك أن لا تدريه.
فلينظر من تجرأ على كلام الله بتأويله على غير مراد مَنْ تكلم به من هو إمامه؟.
لقد كان السلف يعظمون القول بالقرآن بغير علم، قال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن عمر قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليُعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وسعيد بن المسيب ونافع.
وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن آية من القرآن فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن فاتق وعليك بالسداد.
وقال أبو عبيد حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه.
وقال شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال: قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها ولكنها الرواية عن الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
وقال أبو عبيد حدثنا هشيم أنبأنا عمر بن أبي زائدة عن الشعبي عن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله.
تأمل قولهم: (الرواية عن الله) وأن المفسر يقول: يُريد الله بكلامه كذا وكذا، فما حجته إذا كذب على الله وأضل عباده عن مراده؟ نعم الفارق بيننا وبين السلف ترحّل الخوف من القلوب، ولذلك حصلت الجرأة عن كلام علاّم الغيوب.
إن الوعيد على من قال بالقرآن برأيه شديد وهو معلوم، فقد أخرج الترمذي من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار).
قال بعض المتأخرين تحت عنوان: (معجزة القرآن وكيف تختلف) قال: ولكن الذي يجب أن نعرف أن للقرآن عطاء لكل جيل يختلف عن عطائه للجيل السابق (1).
إن هذا كلام خطير جداً ولذلك صار كل جاهل متعالم يفسر القرآن على مقتضى أنه يعطى لكل جيل عطاء يختلف عن عطائه للجيل السابق، إنه التلاعب بكتاب الله وعدم هيْبته وترحّل الخوف من القلوب.--------------------------------------------
(1) كتاب محمد متولي الشعراوي الذي سماه: (من فيض الرحمن في معجزة القرآن) ص31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
وقد انفتح باب الدعوى الطويلة العريضة التي يوضح معناها هذا البيت:
وإني وإن كنتُ الأخير زمانه … لآتٍ بما لم تسْتطعه الأوائلُ
كل هذا ناشئ عن الاستقلال بعقول قاصرة وفهوم ناقصة وناشئ أيضا ًعن احتقار للسلف وإعجاب بالنفس حجابه كثيف.
إن من ينظر في تفاسير السلف للقرآن مثل ابن جرير والبغوي والقرطبي وابن كثير رحمهم الله وغيرهم من عامة من فسّر القرآن من السلف وهو من الأئمة يرى تفاسير الصحابة والتابعين منقولة لبيان معاني القرآن، فلماذا لم يقولوا: إن القرآن متجدّد بمعانيه وروحه في كل عصر وأن له عطاء لكل جيل يختلف عن عطائه للجيل السابق، أهؤلاء أهدى من السلف؟ أم أنهم يفتحون باب ضلالة؟.
ويقول أيضاً صاحب الكتاب السابق: إن هناك آيات من القرآن تعطينا الآن عمقاً جديداً في معناها: ذلك العمق لم يكن أحد يصل إليه بالفهم الدقيق في أول وقت نزول القرآن.
هذا الكلام فيه تفضيل لعقول المتأخرين وفهومهم العميقة الدقيقة على من نزل القرآن في وقتهم، ومعلوم أنهم النبي والصحابة فانظر ما يقع به هؤلاء الجهلة المتعالمون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
بُعداً وسحقاً لمن ظن أنه فهم من القرآن ما لم يكن أحد يصل إليه من القرون المفضلة أو يظن أنه يُساويهم في فهم القرآن وهل يعتقد مسلم أن الله يخاطب جيلاً بما يختلف عن خطابه للجيل السابق وأنه يأمرهم وينهاهم ويقصّ عليهم ما يختلف عن غيرهم كل حسب جيله وزمانه؟ أيّ فهم هذا؟ هذا تغيير للقرآن مع بقاء حروفه.
قال ابن تيمية رحمه الله: لكن المقصود أن يُعرف أن الصحابة خير القرون وأفضل الخلق بعد الأنبياء، فما ظهر فيمن بعدهم مما يُظنُّ أنه فضيلة للمتأخرين ولم تكن فيهم فإنها من الشيطان وهي نقيصة لا فضيلة سواء كانت من جنس العلوم أوْ من جنس العبادات أو من جنس الخوارق والآيات أو من جنس السياسة والملك، بل خير الناس بعدهم أتْبَعهم لهم (1).
مَنْ شك في كلام الشيخ هذا فليراجع تعلم دينه، وإن هذا والله في كل شيء من أمور الدنيا والآخرة ولكن المغرور مغرور لا حيلة فيه، إن خير القرون لا يختار الله لهم إلا خير الأمور في كل شيء.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني) الحديث، وقال: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه).--------------------------------------------
(1) مجموعة الفتاوى 27/ 390.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
وقال ابن تيمية: ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمن خالف قولهم وفسّر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعاً، ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها إما عقلية وإما سمعية (1). انتهى.
وقد تقدم نماذج من التفسير الذي كثر في وقتنا وهو بخلاف تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم، والتفاسير الحادثة المخالفة لها أسباب وهو ما أحْدثه الناس بعد القرون المفضلة في العلم والعمل وغيره.
قال ابن تيمية: والمقصود هنا التنبيه على مثار الاختلاف في التفسير وأن من أعظم أسبابه البدع الباطلة التي دَعَتْ أهلها إلى أن حَرّفوا الكلم عن مواضعه، وفسّروا كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بغير ما أُريد به وتأولوه على غير تأويله، فمن أصول العلم بذلك أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه وأنه الحق وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم، وأن يعرف أن تفسيرهم محدث مبتدع ثم أن يعرف بالطرق المفصلة فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة على بيان الحق.--------------------------------------------
(1) مجموعة الفتاوى 13/ 362.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
وكذلك وقع من الذين صنفوا في شرح الحديث وتفسيره من المتأخرين من جنس ما وقع فيما صنفوه من شرح القرآن وتفسيره (1).
وعلى مقتضى هذه القاعدة سوف يكون الكلام على بعض النصوص المفسرة في وقتنا بغير معناها مثل قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً).
(الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) ونحو هذه الآيات يجعلون المراد بذلك إحسان الأعمال الدنيوية وصلاحها بتأديتها بجد واجتهاد مهما كانت هذه الأعمال، وقد انتشر هذا في كتب أهل الأمصار ومناهج الدراسات وغيرها وهو تفسير بمعنى فاسد، إذ المراد بالأعمال الأعمال الدينية يوضح ذلك قول الفضيل رحمه الله لما سئل عن قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) قال: أخلصه وأصْوبه، والخالص ما كان لله والصواب ما كان على السنة. انتهى.
وقد بيّنت ولله الحمد في هذا الكتاب ما يكفي مريد الحق غير أن هذا والذي بعده زيادة بيان.--------------------------------------------
(1) مجموعة الفتاوى 13/ 362.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
العلم التجريبي
ذكرت سابقاً في نسخة (الكون وآياته والمسخ ومقدماته) كلاماً عن ما يسمى العلوم التجريبية وأن نسبتها إلى المسلمين كشيء يعتزون به ويفتخرون أو أنها مما يدعو إليه دينهم هو باطل أصله ونحو هذا الكلام فوجه إليّ البعض هذا السؤال الذي سأذكره وأجبته بهذا الجواب التالي مع بعض التصرف.
السؤال: ذكرت أنه من الخطأ أن تنسب العلوم التجريبية إلى المسلمين فما هي مصادر هذا النفي؟ ثم أليس من العز والافتخار أن يبدأ بها المسلمون قبل عدوهم.
الجواب: الحمد لله رب العالمين … هذه مسالة كبيرة ومهمة للغاية لأنه بسببها حصل لبس واشتباه بين الحق والباطل أثمر نتائج سيئة عواقبها وخيمة، فالمتأخرين عندما ينسبون العلوم التجريبية إلى علماء المسلمين يرون أنهم بذلك يميطون عن الإسلام ما يشينه ويحلّونه بما يزينه وهم لا للإسلام نصروا ولا للأعداء كسروا بل فتحوا بهذه الشبهة باباً من ولجه عزّت سلامته وعظمت حسرته وندامته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)
وكنت أتوقع رد فعل قد يكون عنيفاً من كثيرين لأجل ما ذكرته كالإشارة إلى هذه المسألة التي تحتاج إلى بسط أكثر وعناية أكبر لتواطء الجميع على قبولها واستحسانها حتى كأن من يذكرها في تأليفه أو يشير إليها في تصانيفه قد جاء بالدرة المفقودة والضالة المنشودة، والصحيح أنه جاء بشبهة بطلانها ظاهر يعرف ذلك أهل البصائر.
وإنما صار لها القبول في القلوب لأن الرغبات تستر العيوب، والشيطان قلّما يكيد الإنسان بشبهة إلا ويستر عيبها بشهوة فتكون الشهوة كالرشوة يعمي بها البصير عن النظر في عواقب الأمور.
والمعنى أنه قد افتضح الجميع بمحبة الدنيا وإيثارها فأظلمت القلوب مع كثرة الذنوب فقبلت شبهات الباطل وصارت يُجادل عنها ويُناضل، وصار من يبين بطلان هذه الأمور عند هذا الصنف من الناس عريّا من العلم والتحقيق قاصداً للشدة والتضييق ولولا محبة الدنيا وإيثارها لانجلت عن القلوب ظلمتها ورأت الأشياء على جليتها.
فنسبة هذه العلوم التجريبية إلى علماء المسلمين مسبة لهم وحطاً من أقدارهم بل وقلباً للحقائق لأنها ليست من علومهم، وحاشا أن تكون كهذا نتائج أفكارهم وفهومهم، وهم أجل وأرفع قدراً مما وصفهم بل وصمهم به المتأخرون، فالقوم في واد وهؤلاء وعلومهم التجريبية في واد، فهم كانوا عن مثل هذا في شغل شاغل وليسوا كأهل هذا الزمان يحسبون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
كل بيضاء شحمة وكل سوداء تمرة، وهو أقل وأحقر أن يلتفتوا إليه، ولو دعاهم إليه داعٍ لم يعوّلوا عليه، لأنهم عرفوا ما من أجله خُلِقوا، وهو ما دعاهم إليه نبيهم الناصح الشفيق الذي أراد لهم السعادة العاجلة والآجلة، فلو عُرض عليهم هذا الذي يُمدحون به ويُنسب إليهم لأنكروه، ولَذموا قائل ذلك ولم يشكروه، وإن سِيَرهم لتهتك أستار هذه الشبهة الضالة الملصقة بهم بأدنى نظر، لكن المنقاد لِغَيّه وهواه ليس عنده مما نقول خبر، فلقد عميت البصائر وحارت الفكر.
لقد كانت والله هِممهم عليّة، ونفوسهم طيبة زكية، عرفوا الدنيا وقدرها بتعريف ربهم ونبيهم فتجافوا عنها وعبروها ولم يعمروها، رأوا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فالتَمسوا نعيماً لا موت فيه وقد ربحت تجارتهم.
هم الرجال وغبن أن يقال لِمَنْ … لم يتّصف بمعالي وصْفهم رجلُ
رُفع لهم علم الجنة فشمروا إليه وكثير من المتأخرين وضع لهم علم الشهادة بِنَيْل الدنيا والرئاسة فيمموا إليه.
ولو تبصّر أحدهم ورأى الأخطار في طريقه لبادر إليه الشيطان من الإنس والجان يقول له: أنت تنفع غيرك وتنصح وتفيد وإذا تخليت أنت وأمثالك من ينصح الأمة ويكشف الغمة، وهذا فَخّ كم لإبليس فيه من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
صريع وقتيل والصادق ليس يلابس أهل الباطل ويسير معهم أين ما ساروا بحجة أنه ينصح وينفع، ألا نصح ونفع نفسه أولا والحق فيما قيل:
مواعظ الواعظ لن تقبلا … حتى يعيها قلبُه أولا
وكما يقال أيضاً: يا أيها الرجل المعلم غيره، وهذه أبيات معروفة مشهورة فالمقصود أن الداعية إلى الحق ليس يخالط المبطلين ويشرك معهم في باطلهم ثم يعتذر بهذه الحجة الداحضة بل هو يكون في هذا الفعل قدوة سيئة يغتر به الناس، ومن أراد الدعوة والنصح تمكن من ذلك، وعلى هذا كان الأنبياء وورثتهم على الحقيقية لا التسمي، والدين ليس بالرأي وأتباع الهوى والمقصود أن العلم في عرف أهل هذا الزمان يشبه طريقة الفلاسفة حيث يجعلون كمال النفس في مجرد العلم، ومجرد العلم ليس بكمال للنفس ما لم تكن مريدة محبة لمن لا سعادة لها إلا بإرادته ومحبته وهو إلهها الحق.
قال ابن القيم رحمه الله في وصف طريق أهل العلم والإيمان: أهل العلم والإيمان الذين عقلوا عن الله أمره ودينه وعرفوا مراده بما أمرهم ونهاهم عنه وهو أن نفس معرفة الله ومحبته وطاعته والتقرب إليه وابتغاء الوسيلة إليه أمر مقصود لذاته وأن الله سبحانه وتعالى يستحقه لذاته وهو سبحانه المحبوب لذاته الذي لا تصلح العبادة والمحبة والذل والخضوع والتألّه إلا له فهو يستحق ذلك لأنه أهل أن يُعبد ولو لم يخلق جنة ولا ناراً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
ولو لم يضع ثواباً ولا عقاباً كما جاء في بعض الآثار (لو لم أخلق جنة ولا ناراً أما كنت أهلاً أن أعبد) فهو سبحانه يستحق غاية الحب والطاعة والثناء والمجد والتعظيم لِذاته ولما له من أوصاف الكمال ونعوت الجلال، وحبه والرضى به وعنه والذل له والخضوع والتعبد هو غاية سعادة النفس وكمالها، والنفس إذا فقدت ذلك كانت بمنزلة الجسد الذي فقد روحه وحياته، والعين التي فقدت ضوءها ونورها بل أسوأ حالاً من ذلك من وجهين: أحدهما أن غاية الجسد إذا فقد روحه أن يصير معطلاً ميتاً وكذلك العين تصير معطلة، وأما النفس إذا فقدت كمالها المذكور فإنها تبقى مُعَذّبة متألمة وكلما اشتد حجابها اشتد عذابها وألمها. انتهى.
وكلام ابن القيم هذا كلام رفيع من تدبره وتأمله وهو صادق في سلوكه انفتح له من أبواب المعارف والعلوم الشريفة شيء عظيم وبالله التوفيق.
فمصادر نفي العلوم التجريبية لعلماء المسلمين هي أحوالهم وما كانوا عليه من التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله وفي سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وأحواله ووصاياه مما هو معروف الكفاية للجواب عن ذلك كذلك الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين وعلماء المسلمين وأئمتهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
وإن مما يلفت النظر وفيه عبرة لمن اعتبر أن بعض أذكياء الغربيين يصف الحال التي أوصلتهم إليها علومهم التجريبية بوصف يزيد المؤمن إيماناً ومعرفة بقدر العلم الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم حيث يقول: إن الوسط الذي أنشأته العلوم الطبيعية وعلم الصناعات للإنسان لا يناسب الإنسان لأنه مُرتجَل لم يقم على تصميم وتفكير سابق ولم يراعي فيه الإنسجام مع شخصية الإنسان.
إن هذا الوسط الذي هو وليد ذكائنا واختراعاتنا لا يُطابق قاماتنا ولا أشكالنا نحن غير مسرورين نحن في انحطاط في الأخلاق وفي العقول، إن الأمم التي ازدهرت فيها الحضارة الصناعية وبلغت أوجْها أضعف مما كانت وهي تسير سيراً حثيثاً إلى الهمجية ولكنها لا تدرك ذلك. انتهى.
وغير هذا الكلام كثير يقوله أذكياؤهم وعقلاؤهم لكن وُجد في صفوف المسلمين من يعزو هذه النتائج السيئة التي أثمرتها للغربيين علومهم ومخترعاتهم إلى ضعف الدين عندهم بمعنى أنها تناسب المسلمين إذْ لا يزال دينهم ظاهراً فيستعينون بها لتقويته، ومن هنا جاء البلاء لأننا في زمان يتكلم فيه بالدين من لا يعرفه، وهم الذين ورد ذكرهم في الحديث بأنهم يقيسون الأمور بآرائهم وأي شيء يَبْهر المسلم من هؤلاء الذين هم أضل من الأنعام، ومثالاً واحد نسوقه للعلم الذي ترك لنا نبينا صلى الله عليه وسلم وهو الإشارة إلى معراجه صلى الله عليه وسلم وكيف فُتحت له أبواب السموات السبع التي لا يعرفها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
ولا يعترف بها لا غربيون ولا من حذا حذوهم في العلوم الكونية كما هو ظاهر من ضلالهم في نظرية دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس وما يلتزمه من الباطل والكفر العظيم وهو إنكار الخالق سبحانه وتعالى وعرشه وسمواته وملائكته كما تقدم بيان ذلك فعلى صلى الله عليه وسلم فوقها ورأى من آيات ربه الكبرى ما رأى في ليلة واحدة وما في ذلك من الحقائق العلمية العظيمة عن السموات والملائكة وعن الجنة والنار وعن الرب سبحانه وبحمده وعلوه وعظمته وغير ذلك من العلوم الشريفة التي هي غذاء قلوب أهل الإيمان ما لو أفنى الغربيون أعمارهم ما أتوا بشيء من هذا صحيح على وجهه لأنهم لا يستمدون علومهم من مشكاة نبوة وإنما هو الخرص والظن ووحي شياطينهم وهاهم بعد السنين الطويلة والأعمال الشاقة المتعبة يفسدون عقائد المسلمين ويضلونهم عن معرفة ربهم بعلومهم الزائفة، ولو صدق الإنسان وصحت نيته ولم يطلب بعلمه عرض الدنيا لرأى العجائب وعلم يقيناً أن علم الغربيين ومخترعاتهم سبب للإسلام أعظم المصائب، لأن من طلب عرض الدنيا بالعلم النافع دخل في الوعيد فهو لا يجد رائحة الجنة (1)
ومع أول من تسعر بهم النار (2) فكيف إذاً بمن خاض في الضلالات وصدّق بالباطل والمحالات ولا عذر له إلا إيثار الدنيا والرئاسات.--------------------------------------------
(1) كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود (3/ 323) وابن ماجه (1/ 92) عن أبي هريرة مرفوعاً ..
(2) كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (3/ 1513) عن أبي هريرة مرفوعاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)