فالشياطين تمثله، ويظنون أن روحه هي التي حضرت وإنما هو شيطان يُمثله.
والشياطين تقدر على أعظم من هذا إذا تقرّب إليها العبد بما يُسخط ربه، إما الكفر أو الفواحش وغيره، وقد ذكر ابن تيمية ما هو أعجب مما اغترّ به صاحب كتاب توحيد الخالق في كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) وفي مواضع من الفتاوى ذكرتُ طرفاً من ذلك وغيره في كتاب (الحق المستبين) وغيره.
أما أن يُقال: ما من صوت من الأصوات ولا عمل من الأعمال ولا حركة من الحركات إلا وهي مسجلة في سجل الكون ومدوّنة في كتاب الوجود وأن الملاحدة صنعوا آلات تصوير تُصَوِّر الأحداث الماضية فهذا أكذب الكذب وأبطل الباطل، ومما يُروِّج لأعداء الله من الأباطيل ليأخذوا من قلوب المسلمين عبوديتهم لربهم من الخوف والرجاء، وينقمع المسلم في ذُلٍّ نفسيٍّ لا يفارق قلبه أمام هؤلاء الملاحدة، وهو من جنس دعوى وصول القمر مع أن هذا لم يكن ولن يكون، وأنا أباهل من يدّعي هذه الدعوى الزائفة.
وإن جرأة صاحب كتاب توحيد الخالق على كلام الله وكلام رسوله جرأة عجيبة حيث أتى بسورة (الزلزلة) بعد الخارقة مُسْتدلاً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
بتسجيل الأعمال التي تعاد يوم القيامة، وإن صاحب كتاب توحيد الخالق ليؤدي خدمات جليلة لأعداء الله مع خطورة كلامه في الدين.
فقوله: فلماذا سجّلت الأعمال إذن؟ بعد قوله: كل عمل محفوظ مسجل على صفحة الوجود ثم قوله: سُجِّلَتْ الأعمال لإعادة عرضها ولكن لا نرى الإعادة في الدنيا إذاً لا بد أن العرض سيكون بعد هذه الحياة.
هذا الكلام خلاف ما جاء عن الله وعن رسوله فقد أخبر سبحانه في كتابه العزيز عن الملائكة الحفظة كما قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ)، وقال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وغير ذلك مما يبين أن تسجيل الأعمال والأقوال وظيفة الملائكة ليس سجل الكون وكتاب الوجود وصفحة الوجود كما يزعم صاحب كتاب توحيد الخالق.
ليعلم صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله من المبهورين بما فُتح على أعداء الله من هذه الفتن والخوارق أن هذا ابتلاء من الله عز وجل، ونحن ولله الحمد على يقين أن هؤلاء الكفرة لن يعدو قدْرهم.
وأما عن الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبر كذلك بالحفظة وأنهم يتعاقبون علينا في صلاة الفجر وصلاة العصر (1).--------------------------------------------
(1) رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً (3/ 1178).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
أما أن تُحدث الأرض بما عُمل على ظهرها فشيء آخر غير تخريف الملاحدة حيث ينطقها الله الذي انطق كل شيء إذا شاء وذلك يوم القيامة، وهذا أمر زائد على ما يكتبه الحفظة فحديث الأرض بما عُمل عليها لا يكون إلا يوم القيامة.
أما ما زعمه صاحب كتاب توحيد الخالق فخوارق أعداء الله بلا شك ولا ريب والشياطين تعمل لأوليائها مثل هذا ولكن بشكل محدود وإنما يُسلطون على أمثالهم.
أما في سائر الناس وسائر الأحوال فلا يقدرون على شيء من ذلك.
والمثال المقرِّب للمسألة أن الشياطين حاضرة الناس يرونهم ويسمعونهم ويرون أفعالهم فمن تقرب إليها بما يحبونه خدموه بمثل هذه الخدمات وأحب ما يُحبون الكفر بالله والفواحش، وهذا أسهل على الشياطين لأنهم يقدرون على التشبه بالناس والحيوان بحيث لا يُفرق بين هذا وهذا، والصور لا تكلفهم شيئاً، فإن الله سبحانه أقدرهم على التصور بغيرهم بسهوله وسرعة ومطابقة.
وقد ضل في مثل هذا الخوارق خلائق لا سيما عباد القبور وغيرها من الأصنام فإن الشيطان يتمثل بصورة المقبور فيُرى خارجاً من القبر، وقد يقضي حاجة وليَّه من الإنس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
السديم
والآن نعود إلى (السديم) المزعوم حيث ذكره صاحب كتاب توحيد الخالق في صفحة 321 ولأنه أصل الكون عندهم -أي عند الملاحدة-.
ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق قول الملاحدة أن السديم المادِّي أول بلا بداية وأنه لا خالق له.
وقد تقدم الكلام عن السديم وأنه بزعمهم منه انفصلت الكواكب بواسطة الدوران في فضاء لا حَدَّ له فانظر تصريحهم بأنه لا خالق له، فهذه بداية هذه العلوم الحديثة وهذا أصلها وتنتهي للتعطيل، ولذلك لا تجد في كلام المقلِّدة ما يدلك على السموات التي فوقها ربك كما تجد ذلك ظاهراً جلياً بيّناً قريباً في كلام السلف الذين يتكلمون في معاني كلام خالق هذا الكون ورسوله، وقد تقدم ما يبين ما أقول، ويأتي ما يزيده وضوحاً إن شاء الله.
والعجيب من صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله من المفتونين بهذه العلوم الحديثة وكشوفاتها أنهم يذكرونها على أنها فعل الله يعني أنه خالق الكون والكائنات هكذا على ما يزعمه الملاحدة بخيالاتهم فيرومون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
الجمع بين الحق والباطل رغم التعارض والتناقض والتنافر، وهذا لبس عظيم حصل بسببه ما لا يحيط بعلمه إلا الله عز وجل.
وبما أن هذه البداية للكون عند الملاحدة وأن السديم هو الأول بلا بداية فتَبَعاً لهذا الضلال البعيد تخيّلوا أنه يتكوّن من ذرات مادية مركبة من عِدَّة جُسَيْمات (الكترونات وبروتونات ونيترونات) نقل هذا عنهم صاحب كتاب توحيد الخالق في ص322 كما يذكر ذلك غيره من إتباعهم، فالكون عندهم كله يتكون من الذرة.
والمراد هنا أن هذه الذرّات المزعومة كالسديم المزعوم كل ذلك مبني على خيال غارق في ظلمات التعطيل يُصَرّفه الشيطان على مراده.
وأعجب من زعمهم عدم الإيمان بغير المحسوس، ومع هذا أثبتوا هذا السديم الذي لا بداية له ولا خالق فهو خالق لنفسه، وأثبتوا أنه يتكون من ذرات والذرات تتكون من الكترونات وبروتونات ونيترونات تدور في داخل الذرة كما تدور كواكب المجموعة الشمسية حول الشمس.
وإذا كانت الذرة كما يصرّحون هم أنها لا تُرى ولا بأكبر المجاهر فكيف بمكوِّناتها الدائرة حولها؟، وكيف آمنوا بها؟ وهم لا يؤمنون إلا بالمحسوس.
وربهم السديم الأول بلا بداية كيف آمنوا به أيضاً وهم لم يُحِسِّوه ولم يَجسّوه وكيف عرفوا أنه يتكون من ذرات؟.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
إنهم نظروا إلى الكون من أول نظرة وأول خطوة في علومهم التجريبية الحديثة على أنه لا خالق له فجاءت عجائب ظلمات الخيالات ودواهي الضلال والكفريات.
وكلامهم في المادة التي أصلها الذرَة وكلامهم في الذي يسمونه السديم وكوْن ذلك بلا بداية وحركة الدوران هو الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية عن أسلافهم الدهرية.
قال رحمه الله: القول بأن جَوَاهر العالَم أزليّة وهو القول بِقِدَم المادة وكانت متحركة على غير انتظام فاتفق اجتماعها وانتظامها فحَدَثَ هذا العالَم قولٌ في غاية الفساد. انتهى.
تأمله فإنه هو قول هؤلاء، وهنا لا بد من الإشارة إلى بداية هذه العلوم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
الكنيسة
بدأت هذه العلوم التجريبية الحديثة في بلاد الغرب على أصول تقدم ذكرها مثل عدم الإيمان بغير المحسوس الذي المراد الأعظم منه جحد مكوِّن لهذه المكوِّنات ومُوجدٍ لهذه الموجودات فأول خطوة خَطَوْها وأكبر أصل أصَّلوْ أن لا خالق للكون، فنظروا في الكون على هذا المقتضى، ولا تسأل عن ضلال مَنْ دين أبي جهل أحسن منه لأن أبا جهل داخل في قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ).
أبو جهل يقر بوجود الرب عز وجل وأنه خالقه ورازقه بل ويعبده لكنها عبادة شركية لا تنفعه.
أما هؤلاء فكما رأيت أصولهم، فهم معطلة دهرية، والمراد هنا أن أرباب الكنائس النصرانية علموا أن أرباب العلوم التجريبية معطلة جاحدون للخالق وعملوا أيضاً أنهم يقولون: الأرض على شكل الكرة وأنها تدور، فقامت قائمة الكنائس عليهم لأنهم أقرب منهم إلى الحق وإن كانوا كفاراً فما زالوا على إقرار بالربوبية والنبوات وبقية كتب أنبيائهم عندهم، ورغم تحريفها ففيها ما لم يحرف من معرفة الخالق والنبوة ونحو ذلك، فالمشرك خير من المعطّل الملحد الدهري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
والمراد أن أرباب الكنائس أنكروا على المعطلة ما افْتَروْه وحصل بين الطائفتين شرٌّ عظيم.
وكان مما أغرى المعطلة بما عندهم إنكار الكنيسة لِكروية الأرض واستدلالهم على هذا الإنكار بما ليس بدليل، والمعطلة لا يشكّون في ذلك فقد ظهر لهم بجلاء فرَأوا أن الكنيسة تكابرهم مكابرة فرفضوا كل ما يأتي به أربابها.
كذلك زعم المعطلة أن الأرض ليست هي مركز الكون وليست ثابتة بل تدور حول نفسها وحول الشمس مما زاد غيظ أرباب الكنائس عليهم لأنهم يجدون في كتبهم أن الأرض مركز الكون وأنها ثابتة وعرفوا أن هؤلاء المعطلة لا يقرون بالخالق.
والكنيسة أخطأتْ في أمور أغرت المعطلة وزادت في تباعدهم عن تعاليمها والمعطلة فرحوا بما عندهم من معرفة أن الأرض على شكل الكرة وأغراهم الشيطان أن طريقهم في العلم والمعرفة هو الصواب الذي لا ينبغي الالتفات إلى غيره، فأحسنوا الظن بنفوسهم وعلومهم لبعض حق أصابوه في المخلوقات وأساءوا الظن بأرباب الكنائس لمكابرتهم إياهم على ما لا تصلح المكابرة فيه، واستمر كل على ما هو عليه، طرفان متباعدان لا يلتقيان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
أخطأت الكنيسة بإنكار كروية الأرض، وسبب الخطأ فُهُومُهُمْ الفاسدة، أما ما بقي في كتبهم من حق مَوْروث عن أنبيائهم فقطعاً ليس فيه ما يعتمدون عليه لِبَرْهَنَة هذا الإنكار.
وقد وقع في هذا الخطأ من فَهِمَ بعض آيات القرآن على غير ما أراد الرب سبحانه حيث ظنوا أن قوله تعالى: (وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) أن هذا يُنافي كونها على شكل الكرة، وهذا معلوم أنه غلط إذْ لا منافاة ولله الحمد ولا تعارض، والذي يُدْرَك على حقيقته بالعقل الصريح محال أن يُعارضه النقل الصحيح، وإنما يأتي الخلل إما من المنقول بأن يكون غير صحيح أو صحيح ولكن الفهم لمعناه والمراد منه فاسد.
أو يكون ما يُدّعى أنه عقلي صريح ليس كذلك بل خطأ وغلط، ومن هنا تأتي المصائب، ومن هنا يكون النزاع بين الطوائف المختلفة مع أسباب أخرى أيضاً.
نحن نبصر الأرض بأبصارنا المحدودة على هيئة السطح المستوي، والسِّرّ في ذلك عظم جرمها، ولو كانت أبصارنا أقوى مما هي عليه لبان لنا خطأ ما تَوَهّمناه من التعارض.
والجسم الكروي كلما كبرُ كلما ضعف تمييز انحناءاته بالبصر، والذي يرتفع فوق مكان عال من الأرض كالجبال الرفيعة يرى ما لا يراه من على وجه الأرض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
وليس المراد هنا بيان شكل الأرض فقد أصبح معلوماً يقيناً، وطرق معرفته مُتَعدّدة معروفة.
إنما المراد أن أرباب الكنائس كابروا أولئك مما زادهم إغراءً بما عندهم وتمادياً في تعطيلهم.
ولقد أصاب أهل الكنائس في إنكارهم على المعطلة جحد الخالق وكون الأرض تدور لأنها منفصلة من مادة أزلية لا بداية لها وعلموا أن ذلك معارض للحق الذي بقي في كتبهم على حاله، وأن معنى كلام المعطلة أن الأرض ليست مركز للكون وأسفله، فمكابرة المعطلة في جحد الخالق وزعمهم دوران الأرض لأجل انفصالها عن مادة أزلية أعظم بما لا نسبة له من غلط أرباب الكنائس، والكفر بعضه أشد من بعض.
قال تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) وأهون أهل النار عذاباً أبو طالب (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) والنار دركات بعضها أشدّ من بعض.
هذه إشارة يُسْتخلص منها ويتبيّن أن شراسة وغيْظ المشغوفين بهذه العلوم الحديثة على أرباب الكنائس إنما باعثها الهوى الذي يُعْمي صاحبه عن العدل الذي قامت به السموات والأرض، إن الذي ينظر في كتب كثير من المقلِّدة الأتباع لأرباب العلوم الحديثة يرى الدفاع المستميت عن المعطلة والسبب كلال عين الرضا عن رؤية العيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
ولو أرشدوا لَنَقِمُوا على الطرفين وكانت نقمتهم أعظم على المعطلة الدهرية أرباب العلوم الحديثة من جهة تعطيلهم، وينقمون على أرباب الكنائس كفرهم وشركهم، لكن تكون النقمة على المعطلة أعظم من النقمة على المثلثة، كيف وكثير ممن كتبوا عن هذه العلوم لم ينقموا على أهل الكنائس شركهم إنما نقموا عليهم أشد النقمة لمعارضتهم مَنْ سَمّوْهم: (علماء). صبوا عليهم جام غضبهم لأجل ذلك لا لأجل الكفر، والرب سبحانه من أسمائه (العدل) وحكمه كله عدل لا ظلم فيه ولا مثقال ذرة، وقد أنزل على نبيه فيما يخص أهل الكتاب وهو لنا أيضاً: (وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ)، وقال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ) وغير ذلك من الآيات البيّنة في الأمر بالعدل في كل شيء ومع كل أحد.
وليعلم الناظر في هذا أننا ولله الحمد نُنكر على من ينفي ما لا يعلمه إذ حجّته عدم علمه، لأن عدم العلم بالشيء ليس بعلم فلا يوجب النفي ولا الإثبات وإنما التوقف وقول (الله أعلم) فهذه آداب شرعنا وقد قال تعالى في ذَمّ من يُنكر الشيء لعدم علمه به (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ) فهذا كَذَّبَ بما لم يعلم وجوده أو بما لم يعلم حقيقته لا بما يعلم أنه كذِب، وفرْقٌ بين هذا وهذا.
فإذا قيل: أنتَ أنكرتَ الذرة التي اكتشفها الباحثون والعلماء والجُدد وأمرها ظاهر بَيّن في العلم كله اليوم فهذه مكابرة، قيل: أما الذرة نفسها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
التي يصفون فإن القوم يقرون أنها لا تُرى ولا بأكبر المجاهر فكيف بما يدور حولها من الكترونات وبروتونات ونيترونات؟
فهم إنما يظهر لهم آثار يُحيلونها إليها مع عدم وجودها على وَصْفِهم، كما يُحيلون دوران الأرض والكواكب إلى سديم معدوم لا وجود له، وإلى التجاذب الذي قررّه نيوتن فغايتهم نظريات مرسومة على الأوراق يَعْضدونها بأفلام مُمَثَّلةً على مقتضى عقائدهم في الكون وذراته، والمفتون المغرور من خُدِع بنظريات مرسومة مُلَوّنة وأفلام سينمائية وتلفزيونية أبرزها وأظهرها الخيال الضال، وقد راج المُحال في عصرنا لما كُثر التفلّت من تعاليم الدين الحق وكُثر التنكر لها وانطلق العقل من عِقال الشرع الذي مجاله الآمن وحي خالقه وخالق الكون سبحانه.
إن خروج العقل عما حَدّ له الشرع ولا شك يورده متاهات الحيرة والضلال، لأن الآمر بذلك والداعي إلى صراطه المُوغِل في الظلمات هو القائل لربنا عز وجل: (وَلأُضِلَّنَّهُمْ) وقد جعل الرب سبحانه له نصيباً مفروضاً يُحقِّق عليهم وبهم هذا الضلال والإضلال، قَدَرٌ نافذ وحكمة بالغة، (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) ولكن حكمته وأقداره السابقة وجود خليقته أن (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) ومن أراد إحراز دينه وتثبيت يقينه في مزَلّة، هي وعِزَّةِ ربي مَضَلّة فلينظر في كتاب (شفاء العليل في الحكمة والقضاء والقدر والتعليل) لابن القيم رحمه الله ففيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
الجواب عما يحوك في الصدر من أسباب سَبْق كتابة وإرادة شقاء الأشقياء وهي مسألة كبيرة جليلة، من أجل الخوض فيها بلا علم حار من احتار في خَلْق الكفار ومن يخلقه الرب وهو يعلم أنه يصير إلى النار.
وما الحكمة في خلق الشرور المحضة مثل إبليس والشياطين والنار وحدود الشريعة المطهرة ما حكمتها وحكمة وجود ما ينافي الطباع ويُنغّص العيش ويُكَدّر الحياة، كل هذا وغيره مما لا يجد له المتأخرون أجوبة شافية كافية، تجدها في كتاب شفاء العليل وغيره من كتب هذا العالِم الجليل وشيخه -رحمهم الله تعالى-.
والمراد أن الذرة هي عند القوم أصل الكون حيث أن السديم المزعوم يتكون منها ولذلك يقول صاحب كتاب توحيد الخالق: (الذرة لبنة البناء في الكون) ويزعم أن سبب اختلاف العناصر المادية يرجع إلى اختلاف عدد الجسيمات في الذرة وترتيبها، وهذا هو كلام أرباب العلوم الحديثة (1).
وأنا ذكرت ما ذكرت لعلمي أن ضحايا كثيرة لهذا العلم الحديث هلكتْ باختيارها الضلال على الهدى والغيّ على الرشاد.
لقد ضَلّت الخوارج بعقولها وكذلك القدرية والجهمية والمتكلمة والرافضة وغيرهم من طوائف الضلال، وهذا ليس موضوعنا وإنما نأخذ منه القَدْر المشترك بين هذه الطوائف وبين المتأخرين الذي لجّجوا في بحور--------------------------------------------
(1) توحيد الخالق ص181.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
الظلمات إنه طلب العلم والهدى من غير مضانَّة لا مما ضُمِنَ إضلاله فليس بعد الحق إلا الضلال، كذلك احتقار السلف الصالح ولاسيما الصحابة رضوان الله عليهم، وأي شيء أهل الوقت بجانب الصحابة رضوان الله عليهم، لقد فتح الله عليهم من العلم بالله وبمخلوقاته مالا يشاركهم فيه مشارك وحسب من جاء بعدهم اقتفاء آثارهم، وإن من يستقرء تاريخ الأمة بعدهم يرى أن كل من كان إلى منهجهم أقرب ولِهَدْيهم ألزم كان إلى الفلاح أقرب.
وبعكس ذلك تماماً من غيّر وبدّل، وعن طريقهم وسَمْتهم تحوّل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
أمثلة من الضحايا
من أمثلة ضحايا علوم الملاحدة الشاعر العراقي (معروف الرصافي) قلّد الملاحدة في فضائهم الخيالي فأنكر السماء المبنية لأنه لا وجود لها ولا ذِكر في علومهم، يقول في شعره:
ولستُ من الأُلى وهِمُوا وقالوا … بأن الروح تعرجُ للسماءِ
لأن الأرض تسج في فضاءٍ … وما تلك السماء سوى الفضاءِ
إن هذا لا بُدّ منه لمن اغترّ بعلوم المعطلة فهذا اعتقد دوران الأرض الذي هو فرع من دوران السديم الذي انفصلت منه، واعتقد الفضاء الذي لا حدَّ له فقال: (وما تلك السماء سوى الفضاء).
إن إنكار السموات المبنية لم يُعهد بهذه الصورة قبل بداية هذه العلوم التجريبية، وكذلك لما قلّدهم في الذرة المزعومة أنكر فناء الأشياء وزعم أنها فقط تتحوّل من حال إلى حال وهذا هو اعتقاد المعطلة في الذرة وقد قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
يقول في عدم فناء الأشياء:
ولا من يرى الأشياء تفنى … بحيث تكون من عدمٍ هواءِ
ولكن هُنّ في جمع وفَرْقٍ … تبدّلُ منهما صُوَر البقاءِ (1)
يعني أن الأشياء لا تفنى وإنما تتبدل صورها بالجمع والفرْق يعني حسب التركيب الذري، ولذلك قال: (في جمع وفرق).
وهذا الزنديق يُنكر الوحي على الأنبياء ويرى الشرائع مختلفة من قوم دهاة أذكياء خدعوا الناس بأنهم أنبياء يوحى إليهم، يقول عن نفسه:
ولستُ من الذين يروْن خيراً … بإبقاء الحقيقة في الخفاءِ
ولا ممن يرى الأديان قامت … بوحي مُنْزَلٍ للأنبياءِ
ولكن هُنَّ وضْعٌ وابْتداعٌ … من العقلاءِ أربابُ الدّهاءِ
وقد أنكر البعث والجزاء عدو الله وتبرأ ممن يُصلي ويصوم يقول عن نفسه:
ولا من معْشر صَلّوْا وصاموا … لِما وُعِدوه من حُسْن الجزاءِ
ولا ممن يرْون الله يجزي … على الصلوات بالحور الوُضاءِ
فهذا ممن صَرّحوا وغيره كثير يكتمون مثل زندقته، وكثيرون وقعوا في حيرة وشك.
المثال الثاني: جميل الزهاوي العراقي، وهذا ممن تزنْدق بعلوم الغرب المعطلة، وله شعر كفريّ نجس يقول فيه:--------------------------------------------
(1) ديوان الرصافي 1/ 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
تَوَقّفتُ لا ادري تجاه الحقائقِ … أأنِّي خلقت الله أم هُوَ خالقي
أنظر هذا الكفر الغليظ والجرأة على الله سبحانه، والمراد انه لتأثره بعلوم الغرب قال ما قال، وكذلك أنكر البعث لأنه غير محسوس له كما يُنكر أسيادُه غير المحسوس. يقول:
وسائلةٌ هل بعد أن يعبثُ البِلى … بأجسادنا نحيا طويلاً ونُرْزَقُ
فقلتُ مجيباً إنني لستُ واثقاً … بغير الذي حِسِّي له يتحقق
وهيهات أن تُرجى حياة لميِّتٍ … إليه البِلى في قبره يتطرّق
تقولين يفنى الجسم والروح خالدٌ … فهل بخلود الروح عندكِ منطق؟
أنظر قول هذا الزنديق: (إنني لست واثقاً بغير الذي حِسِّي له يتحقق) فهو مذهب أرباب العلوم الحديثة حيث لا يؤمنون بغير المحسوس مع تناقضهم البيّن من إيمانهم بمجرات من نسج الخيال وذرات لا تُدرك لأنها في عالَم المُحال.
وهو مُنكِر لوجود الخالق يقول:
لما جهلتَ من الطبيعة أمرها … وأقمتَ نفسكَ في مقام مُعَلِّلِ
أثبتَّ ربّاً تبتغي حَلاًّ بِهِ … للمشكلات فكان أكبر مُشكلِ
ويزعم الخبيث أن الله هو الأثير وان الله في الطبيعة والطبيعة في الله وهذا هو مسلك أرباب العلوم الحديثة وهو وحده الوجود التي يؤمن بها الزهاوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
والمراد هنا ما دَخَله وأمثاله من إلحاد الملاحدة المعطلة أهل العلوم الحديثة، فهو يؤمن بمذهب (دارون) في النشوء والارتقاء وقد صَرّح بذلك فهو يقول: (والمذهب القويُّ في رأيي هو مذهب دارون في النشوء والارتقاء وقد تبعته ولم يتبعه في العراق أحد قبلي، وقد شاع فيه [يعني في العراق] بسببي) وله قصيدة عنوانها: (سليل القرود) قال فيها:
وُلِدَ القرد قبل مليون عامٍ … بَشَراً فارتقى قليلاً قليلا
أيُّ شيء أَلَمَّ بالقرد حتى … هَجَرَ الغاب نَجْلُه والقبيلا
وعلى رجليه مشى بعد أن … سارَ على أربعٍ زماناً طويلا
يا لَهُ من تطوّرٍ حَوّل القرد … لإنسان يُحسن التخييلا
فليتأمل العاقل ما يفعل الشيطان بمن أعطاه قيادة وهو الذي يفتخر بأنه من نسل القرود فيقول:
إنْ نحن إلا أقْرُدٌ … مِن نسْل قردٍ هالِكِ
فَخْرٌ لنا ارْتقاؤنا … في سُلّم المداركِ
إن الشقاء ليس له نهاية وقد قيل: (واخو الجهالة في الشقاوة يَنْعمُ).
فانظر تأثّره بِدَارون لأن العلوم الحديثة تُوصل مُتّبعها إلى ذلك، فبعد أن يعتقد السديم والمجرات السابحة في فضاء لا ينتهي إن طلب قلبه ربه لم يجده وأحسن أحواله أن يقع وحده في الوجود، وهو البحر الذي غرق فيه من غرِق من مُقَلّدة الملاحدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
فإذا نظر في العالَم السفلي ونشأة الحياة في الأرض ما استطاع التخلّص من نظرية دارون اللهم إلا أن يَفِرّ إلى مثلها يعني كائنات حَيّة نشأت مقطوعة عن منشئ فهذا مذهب الطبائعيين وهم أرباب العلوم الحديثة.
وإنه لمن الضلال المبين أن تُتَخذ كفريات الكفرة ونظرياتهم الإلحادية طريق هُدى وذلك بدعوى إثبات الخالق، وقد تبين من بطلان نظرياتهم ما فيه كفاية، وسوف يأتي زيادة على ذلك إن شاء الله.
وحيث أن الأمر كما قلت أن المعتقد لِما يعتقده هؤلاء المعطلة في السديم ليس له تخلّص من نظرية دارون في نشوء الكائنات إلا أن يلْجأ إلى مثلها.
يقول الزهاوي الملحد:
كل ظني أن الحياة على الأرض … بَدَتْ من تفاعل الكيمياءِ
وقال:
ثم إن الحيوان بعد دُهُورٍ … صار إنساناً ماشياً باسْتواءِ
وقضتْ سُنَّة الوِراثةُ فيهِ … أن تكون الأبناءُ كالآباءِ
أما صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله فيريدون أن يفرضوا هذا السديم المزعوم على الدين فرضاً بإثبات الخالق فَيَنْجرّ من يُحَسِّن الظن بهم ويُصدقهم في عدم التعارض مع الشريعة إلى الوقوع في الضلال وقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
لا يشعر.
ولذلك يقول صاحب كتاب توحيد الخالق عن السديم وذراته المزعومة المتخيَّلة:
إذا شاهدنا تركيب السديم وجدناه يتكون من ذرات مادية، وقد عرف العلماء أن هذه الذرات مركبة من عدة جسيمات (إلكترونات، بروتونات، نيترونات … إلخ).
ومن هذا التركيب تستنتج العقول أن هناك بداية لتكوين الذرة في الكون وأن تكوين الذرة ليس أزلياً ليس قبله شيء، إنما الذرة مخلوق حادث وعرفنا ذلك من اجتماع أشياء مختلفة متغايرة: (إلكترونات ذات شحنة كهربائية سالبة بروتونات ذات شحنة كهربائية موجبة، نيوترونات ميزونات … إلخ)، وذلك كما تعرف أن القلم الذي بيدك حادث ليس أزلياً من ملاحظة تركيبه من سن معدنية، وجسم عاجي، فتجزم بأن هناك لحظة جمع فيها المعدن مع العاج.
وكذلك تدلنا العقول أيضاً على أن هناك لحظة جمعت فيها الإلكترونات مع البروتونات مع غيرها لتكوين الذرة تلك اللحظة هي لحظة تكوين الذرة المادية في هذا الكون الذي يتكون منها السديم.
وإذن ليس هذا السديم أزلياً قديماً كما يزعم الكافرون اليوم، ولا تظن أن قبل التقاء الإلكترونات مع البروتونات مع غيرهما من مكونات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)